قال في (ص: ٢٨): "ووسَّعوا جانبَ العقيدة مع تشدُّد على المخالفين، فأدخلوا مباحثَ الصحابة والدَّجَّال والمهديَّ المنتظَر والمسحَ على الخفَّين والجهر بالبسملة وغير ذلك من الأخبار أو المواعظ أو الأحكام، فضلًا عن التكفير والتبديع ونشر الأكاذيب، أدخلوا كلَّ هذا وزيادة في العقيدة، وأصبح المخالف في شيء من ذلك مبتدعًا عندهم!! ".
وقد أورد المالكيُّ في آخر قراءته (ص: ٢١٩) مقالًا لِمَن سَمَّاه سعود الصالح بعنوان: "مسلسل الإضافات على العقيدة فرَّق المسلمين جماعات" دندن فيه حول هذا المعنى.
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
١ - غالب المباحث التي تُذكر في كتب العقيدة عند أهل السنَّة من الغيب الذي لا يُعلمُ إلاَّ عن طريق الكتاب والسنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، وكلُّ خبر يأتي في الكتاب والسنَّة عن أمور غائبة سواء كانت ماضية أو
[ ٤٨ ]
مستقبَلة أو موجودة غير مشاهدة ولا معايَنة يجب الإيمان به والتصديق، وأصول الإيمان الستَّة المبيَّنة في حديث جبريل، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، هي من جملة الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهلَه وأثنَى عليهم في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .
وما جاء من أخبار عن المهديِّ والدجَّال يجب التصديق بها كغيرها من أشراط الساعة التي أخبر عنها الرسول ﷺ، وستقع طبقًا لِمَا أخبر به الرسول ﷺ، ومن الأقوال التي فُسِّر بها الغيب في قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ما ذكره القرطبي في تفسير هذه الآية، فقال: «وقال آخرون: الغيب كلُّ ما أخبر به الرسول ﵇ مِمَّا لا تهتدي إليه العقول؛ من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنَّشر والصراط والميزان والجنَّة والنار".
٢ - قد يُذكر في بعض كتب العقيدة عند أهل السُّنَّة بعضُ الأحكام التي جاءت في القرآن أو ثبتت بها السنَّة؛ للتنبيه إلى مخالفة بعض فرق الضلال في تلك الأحكام، كغسل الرِّجلين المذكور في القرآن والمبيَّن في السنَّة من فعله ﷺ وقوله، وكالمسح على الخُفَّين الذي تواترت به السنَّة عن رسول الله ﷺ، ومع ذلك فإنَّ بعضَ فرق الضلال لا يغسلون أرجلَهم في الوضوء، بل يَمسحون على ظهورها، ولا يرون المسحَ على الخفَّين، وذِكرُ مثل هذا في بعض كتب العقيدة لا يسوِّغ التهويل والتشنيع على أهل السنَّة، من الحاقدين على أهل السنَّة، المؤيِّدين لفرق الضلال كالمالكي ومَن كان على شاكلته.
٣ - وأمَّا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ في كتب العقائد لبيان فضلهم وعلوِّ قدرهم؛ لأنَّهم خير القرون المفضَّلة، فليس بغريب على مباحث
[ ٤٩ ]
العقيدة؛ لأنَّ الكتاب والسنَّة هما الينبوع الصافي الذي تُستَمَدُّ منه العقيدة، ويُستمَدُّ منه كلُّ خير وهدى، ولم يعرف الناسُ الكتابَ والسنَّةَ ولَم يصلاَ إليهم إلاَّ عن طريق الصحابة، فهم الواسطةُ بين غيرهم وبين رسول الله ﷺ، ولا يَستنكرُ ذكرَ الصحابة في كتب العقائد إلاَّ مَن امتلأ قلبُه بأمراض الشبهات، وشوى قلبَه الحقدُ على خير هذه الأمَّة التي هي خير الأمَم.
[ ٥٠ ]