قال في (ص: ١٨٨): "لا يظنَّن مغفَّل أنَّ المبالغةَ في صغائر المعتقدات المرتكزة على نصوص ظنيَّة الثبوت أو الدلالة كانت نتيجة لأهميَّة تلك العقائد المتنازَع فيها، وإنَّما كانت المبالغة في تلك المعتقدات نتيجة من نتائج الصراعات السياسية بالدرجة الأولى، ثم الصراعات المذهبية، أو حب العلو في الأرض والتفرد بالزعامة نتيجة التحاسد والتنافس بين العلماء، وبعض هذا نتيجة غفلة الصالحين، مع استغلال سلطوي حتى ينشغل الصالحون في خصومات ثانوية لا أهميَّة لها!! ".
وقال أيضًا: "أصبحت العقائد في الأزمنة المتأخرة لا تعني إلاَّ الانتصار لما شذَّت به الطائفة عن سائر المسلمين، مع التقوقع على هذا وكأنَّه الإسلام ذاته، مع الضيق في ذلك، والتفصيل المبالَغ فيه، والولاء والبراء في ذلك، مع إقناع النفس - بجهل وتعصب بمساعدة من الشيطان - بأنَّ زمننا هذا زمن فتنة وبلاء، وأنَّنا نحن الغرباء، الذين أخبر النبيُّ (ص) (كذا) بأنَّهم يصلحون إذا فسد الناس، وأنَّ الله قد أمر بالصبر على الحقِّ، ولكننا في الوقت نفسه ننسى أنَّ الله أمر بالتواصي بالحقِّ، ونحن لا نتواصى بل نتآمر ونكيد ونمكر المكر السَّيِّء، وننسى أنَّ الواجب أن نعرف - قبل أن نعلن الاختلاف - أنَّ ما نفعله حق أو لا، ثم بعد ذلك نتواصى بالصبر، أمَّا أن نتواصى بالصبر على انتقاص علي بن أبي طالب وأهل بيته، وحب ظلمة بني أميَّة، وتكفير أبي حنيفة وسائر المسلمين إلاَّ نحن، ونتواصى بالصبر على الكذب على رسول الله، وتبرير هذا الكذب بأنَّه مندرجٌ تحت أصل، ونتواصى بالتشبيه الصريح لله ﷻ بخلقه بناء على الإسرائيليات والأساطير، فهذا كلُّه ليس من
[ ١٠٥ ]
الحقِّ الذي نُؤجَرُ على الصبر عليه، إنَّما نُؤجَر على الصبر على الحق الواضح المبني على قطعي الثبوت والدلالة من أدلَّة الكتاب والسنَّة، فالحقُّ الذي ذكره الله في كتابه وأخبر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس بهذا الخفاء، بحيث لا يهتدي إليه إلاَّ الغلاة، لهذا علينا أن نصحح أوضاعنا العلمية والعملية وفق النصوص الشرعية، لا ما تسوله لنا أنفسنا وغفلتنا وقناعتنا الخادعة بأنَّنا أحسن الناس إيمانًا؛ لأنَّ الإيمان ليس بالتحلِّي ولا بالتمنِّي، وإنَّما هو قولٌ وعمل ومنهج عدل وعلم وصدق وتثبت!! ".
وقال (ص: ١٨٦): "ضرورة العودة للقرآن الكريم والالتزام بما فيه من مجمل الإيمانيات التي يسمُّونها العقائد ومجمل الأوامر الظاهرة والمحرمات الظاهرة والأخلاق الواجبة، وعدم امتحان الناس بالمتشابه منه، ثم العودة لمتواتر السنَّة، ثم الصحيح المشهور، وترك التنازع في المختلف فيه من السنَّة، سواء من حيث الثبوت أو دلالة النصِّ، وفتح حرية الاجتهاد في ذلك !! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ - هذه الطريقة التي ذكرها المالكي وهي التعويل على ما كان قطعيَّ الثبوت والدلالة من النصوص هي طريقةُ المبتدعة وأهل الأهواء، وهو واحد منهم، ولهذا قرَّر هذه الطريقة، وأُعجب بها، وأمَّا أهل السنَّة والجماعة فهم يُعوِّلون على القرآن والمتواتر والآحاد من السنَّة، ومن أوضح الأدلة على التعويل على أحاديث الآحاد في العقائد وغيرها حديث معاذ بن جبل ﵁ في بعثه ﷺ إلى اليمن ليعلِّم الناس دينهم؛ فإنَّ الحجَّةَ قامت على أهل اليمن بما يُخبرهم به في الأصول والفروع، وهو شخصٌ واحد، وهذا بخلاف طريقة أهل الأهواء الذين لا يأخذون بأحاديث الآحاد؛ بزعمهم أنَّها ظنيَّةُ الثبوت، وأمَّا القرآن ومتواتر السنَّة الذي لا يتمكَّنون من ردِّه لكونه قطعيَّ الثبوت،
[ ١٠٦ ]
يقدحون في ثبوت معناه إذا لم يوافق أهواءَهم؛ زاعمين أنَّه ظنيُّ الدلالة، وليس قطعيًّا فيها.
٢ - أمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يتواصون بانتقاص علي بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته وحُبِّ ظلمة بني أميَّة فهو من الإفك المبين؛ فإنَّ أهل السنَّة هم الذين يُحبُّون عليًّا ﵁ وأهل بيته، بل وسائر أهل بيت النَّبيِّ ﷺ، وهم زوجاته وكلٌُّ مسلم ومسلمة من نسل عبد المطلب بن هاشم، ويتولَّونهم جميعًا دون غلوٍّ أو جفاء، وهذا بخلاف المالكي وأسلافه من الرافضة، الذين يغلون في عليٍّ وفاطمة ﵄، وفي بعض أولادهما، ويجفون في غيرهم من أهل البيت، وفي الصحابة، ومن أبرز أهل البيت الذين جفا فيهم المالكي عمُّ النَّبيِّ ﷺ العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وغيرهما مِمَّن كان إسلامُهم بعد الحديبية، الذين يزعم المالكي أنَّهم لم يظفروا بصحبة النَّبيِّ ﷺ الصحبة الشرعية، وأنَّ صحبَتهم كصحبة المنافقين والكفار.
٣ - وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يتواصون بتكفير أبي حنيفة وسائر المسلمين من غيرهم، فهو من الإفك المبين أيضًا، وقد مرَّ قريبًا أنَّ الفِرَق الثنتين والسبعين هم من المسلمين، وهم مستحقُّون للنار لبدعهم، وهم تحت مشيئة الله، إن شاء عفى عنهم وإن شاء عذَّبهم، وأمَّا ما أشار إليه المالكي من قبل عن أحد كتب أهل السنَّة من آثار في تكفير أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن، فهي إمَّا غير ثابتة الإسناد، أو أنَّه تاب مِمَّا نُسب إليه، وقد قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٣/٣٧٧): "وأمَّا القول بخلق القرآن، فقد قيل: إنَّ أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه، والمشهور عنه أنَّه كان يقوله واستُتيب منه"، ثم ذكر نقولًا في هذا وفي هذا، ومنها (ص: ٣٧٨) عن الإمام أحمد أنَّه قال: "لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق".
[ ١٠٧ ]
وروى اللالكائي في شرح السنة (٢/٢٧٠) بإسناده عن عبد الله بن المبارك أنَّه قال: "والله! ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن، ولا يدينُ الله به".
٤ - وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يتواصون بالصبر على الكذب على رسول الله ﷺ ويُبرِّرون هذا الكذب بأنَّه مندرجٌ تحت أصل، وأنَّهم يتواصون بالتشبيه الصريح لله ﷻ بخلقه بناء على الإسرائيليات والأساطير، فهو من أفحش الكذب وأبطل الباطل؛ لأنَّ أهل السنَّة هم أبعدُ الناس عن هذه القبائح، وما وُجد في بعض كتب أهل السنَّة من أحاديث وآثار في أسانيدها وضَّاعون، فمراد مَن ذكَر ذلك منهم بإسناده أن يُعلم ورودُه كذلك، وأنَّه لكذبه أو ضعف إسناده لا يُعوَّل عليه، وقد مرَّ بيان ذلك في الردِّ على المالكي في قدحه في كتب أهل السنَّة في العقيدة، وفيه النقل عن ابن تيمية وابن حجر في ذلك.
وسيأتي في المبحث بعد هذا أنَّ أهل السنَّة مثبتةٌ منزِّهةٌ، وليسوا بمشبِّهة ولا معطِّلة.
٥ - وقوله بعد ذكر ضرورة العودة إلى القرآن: "ثم العودة لمتواتر السنة، ثم الصحيح المشهور، وترك التنازع في المختلف فيه من السنَّة، سواء من حيث الثبوت أو دلالة النصِّ، وفتح حريَّة الاجتهاد في ذلك !! ".
أقول: يريد المالكي بالأخذ بالصحيح المشهور وترك المختلف فيه الأخذ بما يوافق أهواء أهل البدع، وترك الأخذ بما لا يوافق أهواءهم، وقد مرَّ قريبًا قدح المالكي في أحاديثَ صحيحة في الصحيحين وغيرهما، منها حديث صلح الحسن؛ لأنَّها لا توافق هواه، ثم هو يعيب على أهل السنَّة أنَّهم
[ ١٠٨ ]
يُطلقون كلمات فضفاضة لا يفهمون معناها، وهنا يقول: إنَّ التعويل على الصحيح المشهور، وهذه الصحة والشهرة المزعومة لا تحديد لها ولا ضوابط، والتعويل فيها عند المالكي إنَّما هو على ما يوافق هواه فقط!
[ ١٠٩ ]