أورد المالكي في (ص: ١٥١) عنوانًا بلفظ: "الغلو في شيوخهم وأئمَّتهم"، يريد بذلك أهل السنَّة ومنهم الحنابلة، قال في بدايته: "الغلوُّ ننكرُه على الصوفية إذا مدحوا الأولياء، ونُنكرُه على الشيعة عندما يغلون في أئمَّتهم الذين يدَّعون فيهم العصمةَ، ونُنكره على الأشاعرة عندما يُبالغون في مدح أبي الحسن الأشعري".
ثمَّ ذكر أنَّهم يقعون في الذي عابوا به غيرهم، وذلك بغلوِّهم في شيوخهم وأئمَّتهم، وقد كان المالكي أتعب نفسه في قراءة ما أمكنه قراءتَه من كتب أهل السنَّة، خاصَّة الحنابلة؛ للبحث عن مثالب ومعايب ينفِّس عن نفسه بإبرازها والتنويه بها، وكان من جملة ما اصطاده وظفر به في هذه الجولة حكايات نقلها من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، فيها غلوٌّ في الإمام أحمد ﵀، ولا أدري هل غاب عن ذهن المالكي أو لم يغب أنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين مثل هذه الحكايات التي نقلها من مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي وبين ما هو موجود في كتب الرافضة من الغلو في أئمَّتهم؛ فإنَّ كتابَ ابن الجوزي ليس مرجعًا من مراجع أهل السنَّة، ولا يعرفه كثيرٌ من أهل السنَّة،
[ ١٢٧ ]
وإنَّما المراجع لأهل السنَّة في العقيدة وغيرها الكتاب العزيز وما صحَّ من السنَّة، وفي مقدِّمة ذلك صحيح البخاري الذي هو أهمُّ الكتب الحديثية الصحيحة عند أهل السنَّة، يُماثله عند الرافضة الذين هم قدوة المالكي كتاب أصول الكافي للكليني، الذي اشتمل على مبالغة في الغلوِّ في الأئمَّة الاثني عشر، حيث وَصَفوهم بصفات لا يُوصَف بها النَّبيُّ ﷺ، ومن الأبواب التي اشتمل عليها كتاب الكافي:
ـ باب أنَّ الأئمة ﵈ خلفاء الله ﷿ في أرضه، وأبوابه التي منها يُؤتى (١/١٩٣) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ هم العلامات التي ذكرها ﷿ في كتابه (١/٢٠٦) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ نور الله ﷿ (١/١٩٤) .
ـ باب أنَّ الآيات التي ذكرها الله ﷿ في كتابه هم الأئمَّة (١/٢٠٧) .
ـ باب أنَّ أهل الذِّكر الذين أمر الله الخلقَ بسؤالهم هم الأئمَّة ﵈ (١/٢١٠) .
ـ باب أنَّ القرآن يهدي للإمام (١/٢١٦) .
ـ باب أنَّ النعمة التي ذكرها الله ﷿ في كتابه الأئمة ﵈ (١/٢١٧) .
ـ باب عرض الأعمال على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة ﵈ (١/٢١٩) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿، وأنَّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها (١/٢٢٧) .
[ ١٢٨ ]
ـ باب أنَّه لم يجمع القرآن كلَّه إلاَّ الأئمَّة ﵈، وأنَّهم يعلمون علمه كلَّه (١/٢٢٨) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل ﵈ (١/٢٥٥) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون متى يموتون وأنَّهم لا يموتون إلاَّ باختيار منهم (١/٢٥٨) .
ـ باب أنَّ الأئمَّة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنَّه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم (١/٢٦٠) .
ـ باب أنَّ الله ﷿ لم يعلِّم نبيَّه علمًا إلاَّ أمره أن يعلِّمه أمير المؤمنين ﵇، وأنَّه كان شريكَه في العلم (١/٢٦٣) .
ـ باب أنَّه ليس شيء من الحقِّ في يد الناس إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل (١/٣٩٩) .
ومع هذه الطوام الكبرى عند الرافضة في كتاب من أصولهم المعتمدة يكون نصيبُهم من المالكي السلامة، بينما يكون نصيبُ أهل السنَّة منه الحقد وسلاطة اللسان وتصيد المثالب من كتاب مغمور لا يعرفه الكثيرون من أهل السنَّة.
والإمام ابن تيمية له نصيب كبير من حقد المالكي، وقد غاظه وأزعجه إطلاق لقب شيخ الإسلام عليه، واعتبر ذلك من غلوِّ أهل السنَّة - ومنهم الحنابلة - في مشايخهم وأئمَّتهم، وأقول: إنَّه اشتهر تلقيبه بهذا اللقب لفضله وسعة علمه وكثرة نفعه، ولم يكن مختصًّا بإطلاق هذا اللقب عليه، بل أطلقه بعضُ العلماء على أئمَّة هدى قبله، وفي مقدِّمتهم خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقد وصف ثعلب - أحد أئمَّة اللغة المتوفى سنة (٢٩١هـ) - أبا بكر ﵁ بشيخ الإسلام كما في
[ ١٢٩ ]
تاريخ دمشق لابن عساكر (٢٩/١٠)، ووصف ابن القيم أبا بكر وعمر بشيخي الإسلام في كتابه إعلام الموقعين (١/٢١٦)، وكذلك وصفهما بهذا المناوي في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير (٥/٤٦٠)، (٦/١٣٣)، ووصف الإمام أحمدُ بهذا الوصف أحمد بنَ عبد الله بن يونس أحد رجال الكتب الستة المتوفى سنة (٢٢٧هـ)، كما في ترجمته من تهذيب الكمال للمزي.
ومع اكتئابه وغيظه لوصف ابن تيمية بهذا الوصف، فإنَّه لا يحرِّك ساكنًا لوصف بعض أئمَّة الضلال من الرافضة بالآيات العظمى وحُجج الإسلام والمسلمين، وقد قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أنَّ عين السخط تبدي المساويا
[ ١٣٠ ]