قال في (ص: ١٦٢) تحت عنوان"ذم المناظرة والحوار": "الحوارُ والمناظرة كانت سائدة عند المعتزلة، وبحوارهم ومجادلتهم جلبوا لجمهورهم كثيرًا من الناس، ويبدو أنَّه لَمَّا رأى الحنابلة هذا الأمر قد تفاقم وأنَّهم لا يستطيعون مناظرة المعتزلة قالوا بتحريم ذلك من باب ردة الفعل فقط فقط!! ".
والجواب: أنَّ أهل السنَّة والجماعة يُعوِّلون على النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، وأهل الأهواء والبدع يُعوِّلون على العقول وعلم الكلام المذموم، وهم لا يرغبون مناظرة أهل البدع الذين يُجادلون بالباطل، معوِّلين على العقول مع اتِّهامهم للنقول؛ إمَّا لأنَّها آحاد، أو أنَّها قطعية الثبوت ظنيَّة الدلالة، ومع ذلك فإنَّهم تحصل منهم المناظرة أحيانًا، ومن أمثلة ذلك مناظرة عبد العزيز بن يحيى الكناني بشرًا المريسي في مسألة خلق القرآن بحضرة المأمون، وتلك المناظرة هي موضوع كتاب الحيدة للكناني، والمالكي نفسه يعلم هذا، وقد ذكَر اسمَ هذا الكتاب في أول الكتب التي أوردها قائلًا إنَّ الحنابلة يعوِّلون عليها، وقد مرَّ ذكر كلامه في الردِّ عليه في قدحه في كتب أهل السنَّة، وقد أبطل الكناني في هذه المناظرة مقالة خلق القرآن من المنقول وبالمعقول، وقد انقطع بشر المريسي وخذله الله بحضرة المأمون، كما هو واضح في كتاب الحيدة.
ومن ذلك مناظرة أبي إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي في مسألة خلق أفعال العباد، قال عبد الجبار: سبحان مَن تنزَّه عن الفحشاء، وقصدُه أنَّ المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد دون مشيئة الله؛ لأنَّ الله
[ ١٣٨ ]
أعلى وأجَلُّ من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمة حقٍّ أُريد بها باطل، ثم قال: سبحان مَن لا يقع في ملكه إلاَّ ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويُعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه؟ أأنتَ الرّبُّ وهو العبد؟ فقال عبد الجبار: أرأيتَ إن دعاني إلى الهدى وقضى عليَّ بالرَّدَى، أتراه أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه مُلكًا لك فقد أساء، وإن كان له: فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبُهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله، ما لهذا جواب! " (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عند سورة الشمس) .
[ ١٣٩ ]