قال في (١٦٤) تحت عنوان: "التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال": "القرآن الكريم أعلى مصدر تشريعي عند المسلمين، فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنة وفي الإجماع وفي القياس وفي قول الصحابي وفي غير ذلك، لكن لم يختلفوا أنَّ القرآن هو المصدر الرئيس الشرعي في كلِّ أمر من الأمور الدينية، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ففي الآية تحذير للمسلم بأنَّ من لم يرضَ بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم
[ ١٣٩ ]
فإنَّه يقدح في إيمانه بالله واليوم الآخر، وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيمًا للقرآن واستدلالًا به منهم، فلمَّا رأى الحنابلة ذلك وأنَّ القرآن الكريم تستدلُّ به الطوائف (المبتدعة!!) لجأوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم مع تضخيم الآثار والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء، بل وبدَّعوا من يعود إلى القرآن الكريم وقدَّموا عليه أقوال الرجال:
يقول البربهاري: "إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا شكَّ أنَّه رجلٌ قد احتوى على الزندقة، فقُم من عنده ودَعْه".
وقال: "وأنَّ القرآن أحوجُ إلى السنَّة من السنَّة إلى القرآن".
أقول: السنَّة عظيمة المنزلة، لكن ليست أهمَّ من القرآن، وهي أحوجُ إلى القرآن، فالسنَّة تحاكم إلى القرآن، فيُعرفُ ما ثبت عن رسول الله وما لم يثبت؛ إذ أنَّ من منهج المحدِّثين في معرفة ضعف بعض متون السنة مخالفتها للقرآن الكريم.
وقال (ص: ٨٦): "التكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم".
أقول: انظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخرَ هؤلاء!!
وقال البربهاري أيضًا (ص: ١١٥): "وإذا سمعتَ الرجل يطعن على الآثار أو يردُّ الآثار أو يريد غير الآثار فاتَّهمه على الإسلام، ولا تشك أنَّه صاحب هوى مبتدع".
أقول: وهل الذي يطعن على القرآن الكريم، أو لا يريد القرآن الكريم ويريد أقوال الرجال، هل هذا مبتدع أم لا؟
[ ١٤٠ ]
ثم على منهج البربهاري نفسه يُمكن لمعارضه أن يُبدِّعه؛ لأنَّه يترك الأحاديث الصحيحة ويلجأ للضعيفة والموضوعة وأقوال الرجال، ويُعارض بها كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصحيحة!! ".
وأجيب عن ذلك بما يلي:
١ - إنَّ كتاب المالكي الذي أردُّ عليه وهو"قراءة في كتب العقائد" مملوءٌ بالحقد والغيظ على أهل السنَّة من أوَّله إلى آخره، ولكنَّه في هذا الموضع أظهر منتهى الحقد عليهم، مع الافتراء والكذب وقلب الحقائق.
٢ - يصف المالكي أهل السنَّة بالتناقض كما مرَّ ذلك قريبًا، وهنا يتناقض فيقول: "السنَّة عظيمة المنزلة" ومع هذا يشكِّك في ثبوتها فيقول: "فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنَّة!! ".
٣ - طعن في ثبوت السنَّة وزعم أنَّ المسلمين اختلفوا في ثبوتها، فقال: «فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنَّة"، ولَم يُبيِّن هذا الاختلاف، ومن المعلوم المقطوع به أنَّ أهل السنَّة والحديث يُؤمنون بالسنَّة كما يؤمنون بالقرآن، ويعملون بما فيهما، والعمل بالسنَّة قد أمر الله به في القرآن، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾، والسنَّةُ هي المتلقاة عن أصحاب رسول الله ﷺ، وقد اشتملت عليها دواوين السنَّة، وأبرزها الصحيحان للإمامَين البخاري ومسلم رحمهما الله، وقد اشتمل كتاب صحيح البخاري على سبعة وتسعين كتابًا، منها كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ولعلَّ المالكي يريد بالاختلاف في ثبوت السنة خلاف الرافضة لأهل السنَّة؛ فإنَّ السنَّة عندهم سنَّةُ الأئمَّة المعصومين، وهي غير السنة عند أهل السنَّة،
[ ١٤١ ]
ويُماثل صحيح البخاري عندهم"الأصول من الكافي"، ومن ضمن أبوابه (١/٣٩٩): "باب أنَّه ليس شيء من الحقِّ في يد الناس إلاَّ ما خرج من عند الأئمَّة ﵈، وأنَّ كلِّ شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل!!! ".
وقول المالكي بعد زعمه اختلاف المسلمين في ثبوت السنَّة: "لكن لم يختلفوا أنَّ القرآن الكريم هو المصدر الرئيس الشرعي في كلِّ أمر من الأمور الدينية، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ففي الآية تحذير للمسلم بأنَّ من لم يرضَ بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنَّه يقدح في إيمانه بالله واليوم الآخر".
وأقول: إنَّ هذه الآيةَ التي استدلَّ بها تدلُّ على الردِّ إلى القرآن والسنَّة، فالردُّ إلى الله ردٌّ إلى الكتاب، والردُّ إلى الرسول ردٌّ إلى السنَّة، وهي المتلقاة عن أصحابه الكرام الذين هم خيرُ القرون.
٤ - زعم أنَّ الإجماع مختلف في ثبوته، ويقصد بذلك اختلاف جميع فرق الضلال مع أهل السنَّة؛ كما أوضح ذلك في كتابه السيِّء عن الصحابة، حيث قال في (ص: ٦١ - الحاشية): "لأنَّ أقوى دليل للذين يرون الإجماع هو الحديث المشهور:"لا تجتمع أمَّتي على ضلالة"، والحديث وإن كان فيه كلام من حيث الثبوت، لكن الأمَّة فيه لا تعني بعض الأمًَّة، وإنَّما كلّ أمَّة الإجابة، كلّ المسلمين باختلاف مذاهبهم الفقهية والعقدية والسياسية، ومن زعم بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد من (أمَّتي) أنَّها تعني المحدِّثين وأصحاب المذاهب الأربعة فقد جازف!! ".
٥ - افترى على أهل السنَّة كذبًا وزورًا أنَّهم يُزهِّدون في التحاكم إلى القرآن الكريم مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال، كما عنون بذلك، وقال:
[ ١٤٢ ]
"وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيمًا للقرآن واستدلالًا به منهم، فلمَّا رأى الحنابلة ذلك وأنَّ القرآن الكريم تستدلُّ به الطوائف (المبتدعة!!) لجأوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم مع تضخيم الآثار والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء، بل وبدَّعوا من يعود إلى القرآن الكريم وقدَّموا عليه أقوال الرجال".
وهذا بهتان بيِّنٌ وإفكٌ مبين، وقد قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينا﴾ ً، وهو أيضًا قلبٌ للحقائق، ووضعٌ لِمَن رفعه الله ورفعٌ لِمَن وضعه، وقد قال الله ﷿: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾، وما أشبه صنيعه في قلب الحقائق بقول الشاعر كما في معجم الأدباء لياقوت الحموي (١٧/١٩٨):
قد قُدِّم العَجْبُ على الرُّوَيس وشارف الوهد أبا قُبيسِ
وطاول البقل فروعَ المَيْس وهبت العنز لقرع التيس
وادَّعت الروم أبًا في قيس واختلط الناس اختلاط الحيس
إذ قرا القاضي حليف الكيس معاني الشعر على العبيسي
والمعنى في البيت الأول تقديم عَجْب الذنب على الرأس، وأنَّ المكان المنخفض يُطاوِلُ المكان المرتفع، وأبو قُبيس: جبل عال بمكة.
٦ - قوله: "بل وبدَّعوا من يعود إلى القرآن الكريم وقدَّموا عليه أقوال الرجال:
يقول البربهاري: (إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا شكَّ أنَّه رجلٌ قد احتوى على الزندقة، فقُم من عنده ودَعْه)، وقال: (وأنَّ القرآن أحوجُ إلى السنَّة من السنَّة إلى القرآن") .
[ ١٤٣ ]
وأقول: أهل السنَّة لَم يُبدِّعوا من يعود إلى القرآن الكريم، وإنَّما بدَّعوا مَن يأخذ به ولا يأخذ بالسنَّة، ومِمَّا يدلُّ على ذلك قول الله ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقول النَّبيِّ ﷺ في حديث المقدام بن معد يكرب: "ألا إنِّي أوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يَحلُّ لكم لَحمُ الحمار الأهلي، ولا كلُّ ذي ناب من السَّبُع، ولا لقطةُ مُعاهد إلاَّ أن يستغني عنها صاحبُها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لَم يَقرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه"، وقوله ﷺ في حديث أبي رافع: "لا أُلفيَنَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِه، يأتيه الأمرُ من أمري مِمَّا أمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبعناه"، وهما حديثان صحيحان، أخرجهما أبو داود في سننه في"بابٌ في لزوم السنَّة" (٤٦٠٤)، (٤٦٠٥)، وأخرجهما أيضًا الترمذي وابن ماجه.
وأمَّا قول البربهاري في حاجة القرآن إلى السنَّة فعبارته هكذا: "وأنَّ القرآنَ إلى السنَّة أحوج من السنَّة إلى القرآن"، وليس فيها تزهيدٌ في القرآن، بل المعنى فيها واضح، وهو أنَّ السنَّة هي التي تبيِّن القرآن وتوضحه وتدلُّ عليه، وليس القرآن هو الذي يوضحها ويُبيِّنها، ومن ذلك أنَّ القرآن الكريم جاء فيه الأمر بإقامة الصلاة، ثم جاءت السنَّة مبيِّنة عدد الصلوات وأنَّها خمس، وبيان عدد الركعات في كلِّ صلاة منها، وبيان ما فيها من قيام وركوع وسجود وجلوس، وما يُشرع قراءته وقوله فيها، وقد أرشد إلى ذلك الرسول ﷺ بقوله: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"، وقال مثل ذلك في الحجِّ: "خذوا عنِّي مناسككم"، ومن ذلك الزكاة، فقد جاء القرآن بالأمر بإيتائها، وجاء في السنَّة بيان الأموال التي تُزكَّى ومقدار الأنصباء ومقدار ما يُخرج من الزكاة، وهكذا في العبادات والمعاملات وغير ذلك.
[ ١٤٤ ]
٧ - قوله: وقال (أي البربهاري) (ص: ٨٦): "التكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم".
أقول: انظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخرَ هؤلاء!! ".
وأقول: انظروا إلى نار الحقد المشتعلة في قلب هذا المالكي على أهل السنَّة، حتى كاد يتميَّز من الغيظ؛ فليس في كلام البربهاري ذكر أسماء جُعل النَّبيُّ ﷺ في آخرها، وإنّما فيه ذكر مسألة التكبير على الجنائز، وبعضُ من قال بأنَّ التكبيرات عليها أربع، ثم ذكر الدليل على ذلك من قوله ﷺ، ومن ذلك حديث صلاته على النجاشي في المصلى، وتكبيره أربع تكبيرات، أخرجه البخاري (١٣٣٣)، ومسلم (٩٥١)، وهذه هي الطريقة التي سلكها العلماء في الاستدلال، فيُذكر القول ومن قال به، ثم الدليل على ذلك، والمالكي لا يخفى عليه ذلك، لكن الحقد على أهل السنَّة دفعه إلى ما قاله، وسبق أنَّه ذكر عند زعمه نقد المذهب الحنبلي في العقيدة أنَّ من أسباب ذلك تعلُّم الإنصاف وتعليمه، وهذا مثال واحد من أمثلة بُعده عن الإنصاف، وأنَّه في وادٍ والإنصافُ في واد آخر، بل هو في الثرى والإنصاف في الثريَّا.
٨ - قوله: "وقال البربهاري أيضًا (ص: ١١٥): "وإذا سمعتَ الرجل يطعن على الآثار أو يردُّ الآثار أو يريد غير الآثار فاتَّهمه على الإسلام، ولا تشك أنَّه صاحب هوى مبتدع". أقول: وهل الذي يطعن على القرآن الكريم، أو لا يريد القرآن الكريم ويريد أقوال الرجال، هل هذا مبتدع أم لا؟! ".
[ ١٤٥ ]
وأقول: هذا اتِّهامٌ واضح لأهل السنَّة بأنَّهم يطعنون في القرآن، وأنَّهم لا يُريدونه ويريدون أقوال الرجال، وهو مثل العنوان الذي ذكره في أوَّل هذا الموضع، وهو"التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال"، وإذا كان أهل السنَّة هم الذين يطعنون في القرآن ولا يريدونه، فمَن الذي يأخذ بالقرآن ومن الذي يريده سواهم، لا شكَّ أنَّ هذا من الإفك المبين والظلم الواضح وقلب الحقائق، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
[ ١٤٦ ]