قال في (ص: ١٧٨ - ١٨١) تحت عنوان: "الاستدراك على الشرع (أو بدعة اشتراط فهم السلف): "ترى أصحاب العقائد وأخصُّ هنا أصحابنا السلفية يشترطون شروطًا ليس (كذا) في كتاب الله ولا سنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقطعوا به كلَّ آمال الاتفاق، فالله ﷿ أرشدنا عند اختلافنا مع المسلمين أن نرجع للكتاب والسنَّة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ
[ ١٤٩ ]
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فلمَّا رأى أصحاب العقائد ومنهم السلفية الحنابلة أنَّ العودةَ للكتاب والسنَّة سيلغي أكثرَ الشتائم والتكفيرات والتبديعات والمخالفات الموجودة في كتب العقائد لجأوا إلى الزيادة على ما ذكره الله ﷿ بقولهم: "إنَّ الكتاب والسنَّة لا تكفي فلا خير في كتاب بلا سنَّة، ولا خير في سنَّة بلا فهم السلف الصالح"!! وهكذا نفوا الخيرية عن الكتاب والسنَّة بهذا الشرط البدعي الذي اشترطوه، وانتقصوا به من كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أقول: ولا أدري هنا ماذا يقصدون بـ (فهم السلف) إن كانوا يقصدون الصحابة فقد اختلف الصحابة في فهم كثير من العقائد والأحكام فبأيِّ فهم نلتزم؟! وإن كانوا يقصدون اتباع ما فهمه الصحابة كلهم فهذا لا يخالف فيه أحد لكن حصول هذا الإجماع في الفهم صعب بل مستحيل إلاَّ في أمر دليله واضح.
وإن قصدوا اتِّباع فهم آحاد السلف فيما لم يختلفوا فيه (كذا)، قيل لهم اختلافهم في الفهم دليل على أنَّ فهمهم يخطئ ويصيب؟! فإذا كان كذلك فمن يضمن لنا أنَّ فهم الآحاد منهم ليس من القسم الذي أساءوا فهمه؟!
وقد فهم عدي بن حاتم من الآية الكريمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فهمًا خاطئًا ردَّه عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وفهمت زوجات النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أوَّلكنَّ لحوقًا بي أطولكنَّ يدًا" على الحقيقة، بينما هذا كان مجازًا فهو كناية عن الإنفاق والصدقة، ففهمت ذلك زينب بنت
[ ١٥٠ ]
جحش فقط، أمَّا بقيَّة أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يفهمن هذا الفهم.
وهكذا قصص كثيرة في اختلاف الصحابة - فضلًا عن غيرهم - في فهم بعض النصوص القرآنية والحديثية.
ثم إنَّ هذا الفهمَ لم يقل به أحد من الصحابة، فلم يقل أحد منهم للتابعين: إذا فهمتم من آية كريمة فهمًا فلا تأخذوا به حتى تنظروا ماذا نفهم منها؟!
فالقاعدة المشهورة (الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمَّة) باطلةٌ بإجماع سلف الأمَّة من المهاجرين والأنصار الذين لم يشترطوها واكتفوا بما ذكره الله ﷿ من التحاكم للقرآن والسنَّة، أمَّا زيادة اشتراط الفهم فهو استدراك قبيح على الآية الكريمة.
أمَّا آلية الفهم فلا تتمُّ بتقليد صحابي ولا تابعي، وإنَّما بالنظر في الآيات والأحاديث الصحيحة التي تتحدَّث عن الموضوع نفسه، والعودة بعد ذلك للآثار ولغة العرب وكل ما يساعد في تجلية المعنى وما إلى ذلك.
فتحصيل الفهم يتمُّ عبر سبل كثيرة قد يجوز إدخال (فهم آحاد السلف) في هذه السبل للترجيح فقط، لكن لا يجوز الاقتصار عليه، كيف والقرآن الكريم يأمرنا بالتدبُّر والتفكُّر؟
ثم هؤلاء القائلون بفهم السلف هم أوَّل من يُخالف السلف إذا فهموا شيئًا خلاف ما هم عليه!! ومعظم ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان.
راجع المسائل السابقة التي في هذا الكتاب ثم فتِّش في سير الصحابة والتابعين وانظر مَن منهم فضَّل الآثار وأقوال الرجال على القرآن الكريم؟!
[ ١٥١ ]
ومن منهم جعل المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني؟!
ومن منهم كفَّر المسلمين؟!
ومن منهم تسمَّى بغير الإسلام؟!
ومن منهم زهَّد في كبائر الذنوب؟!
ومن منهم غلا في علمائهم وكبارهم؟!
ومن منهم أفتى باغتيال المخالفين له في الرأي؟!
ومن منهم شبَّه الله بخلقه؟!
ومن منهم ركَّز على الجزئيات وترك الأصول؟!
ومن ومن إلخ.
فنحن لا مع القرآن ولا مع السنَّة ولا مع فهم السلف الصالح!! وكلُّ ما عندنا من الأمور دعاوى نقنع بها العوام لا دليل عليها من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولا السلف الصالح (وهم عندي المهاجرون والأنصار ومن كان على نهجهم فقط) .
فالقرآن أوَّلًا والسنَّة الصحيحة ثانيًا، هما المقياسان الرئيسان وتأتي بعد ذلك مقاييس أخرى من أقوال جمهرة المهاجرين والأنصار أو قول جمهور الصحابة واختيارات علمائهم الكبار، أمَّا الإجماع فلن يمكن إلاَّ حصوله (كذا) ومعه نص شرعي فيما يظهر، فهذه المقاييس نقيس بها كلَّ الرجال كأحمد بن حنبل وأبا حنيفة (كذا) والشافعي ومالك والبربهاري وغيرهم، كلُّ هؤلاء الرِّجال يجب أن يخضعوا لمعيار القرآن وما صحَّ من السنَّة، كلُّ هؤلاء تحت القرآن والسنَّة لا فوقها، وهذا هو طريق وفهم السلف من الصحابة الكبار، فلم يكن عندهم أحد فوق القرآن وما صحَّ من السنَّة، فمَن لم يكن
[ ١٥٢ ]
على هذا المنهج فليس على منهج الصحابة ولا (السلف الصالح) ولا يجوز أن يدَّعي كذبًا وزورًا الانتساب لمنهج المهاجرين والأنصار، ولا يجوز له أن يتشدَّق بمنهج لا يعرفه ولا يضبط معاييره وملامحه فالكلام سهل وبسبب الكلام اختلفت فرق الأمَّة وتفاخرت بالألقاب والمناهج!! ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه!!
وهذا التخبط عندنا - كما أسلفت - له علافة بالألفاظ التي نردِّدها ولا نعرف معناها فـ (الفهم) لا نفهمه ولا نعرف معناه ولا معاييره ولا آليات تحصيله، وكذلك السلف الصالح نذهب إلى البربهاري وعبد الله بن أحمد وابن تيمية وننسى الصحابة من المهاجرين والأنصار، فالبربهاري وابن بطة عندنا من السلف بينما الصحابة ليسوا من السلف، ولو كانوا عندنا من السلف الصالح لما خالفناهم في فهم الإسلام وفي الأمور التي سبق شرحها".
وأجيب بما يلي:
١ - ساق هذا الكلام الكثير المتناقض لبيان عدم اعتبار فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ التقيُّدَ بهذا الفهم يمنع من الانفلات في الفهوم الخاطئة، ويُمكِّن من التمرُّد على ما كان عليه سلف هذه الأمَّة من الصحابة ومَن سار على نهجهم، وعلى هذا فالأخذ بالكتاب والسنَّة على فهم السلف يعتبره المالكي بدعةً، ويعتبره أهل السنَّة حقًّا واضحًا جليًّا، فالسنَّة عند المالكي بدعة، والبدعة عنده سنَّة.
٢ - ليس فهم نصوص الكتاب والسنَّة وفقًا لفهم السلف استدراكًا على الشرع، وإنَّما هو أخذٌ بالحقِّ واتِّباع لسبيل المؤمنين، وأهل السنَّة لا يقولون بعدم كفاية الكتاب والسنَّة كما زعم، بل هم الذين يقولون بالتعويل عليهما، لكن على فهم السَّلف وليس على فهم غيرهم.
[ ١٥٣ ]
٣ - لم يختلف الصحابةُ في فهم العقيدة، بل هم فيها على صراط مستقيم، كما قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، ويتَّضح ذلك من كلام المقريزي الذي سيأتي ذكرُه بعد قليل.
٤ - قاعدة التعويل على فهم سلف الأمَّة لنصوص الكتاب والسنَّة لا يؤثِّر فيها ما زعمه المالكي من وجود أخطاء حصلت من بعض الصحابة في فهم النصوص، وهي في الحقيقة ليست بأخطاء، فالذي ذكره عن عديِّ بن حاتم ﵁ من الفهم للخيط الأسود والأبيض كان قبل نزول قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، ففي صحيح البخاري (٤٥١١) عن سهل بن سعد ﵁ قال: "أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعده: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنَّما يعني الليل من النهار".
وعلى هذا فعديٌّ ﵁ لم يفهم الآيةَ فهمًا خاطئًا كما زعم المالكي، وأوهم أنَّ الآيةَ نزلت كاملة؛ فإنَّ فهمَ عديٍّ ﵁ كان قبل نزول قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، كما اتَّضح من سياق الحديث.
وأمَّا ما ذكره من فهم أكثر أزواج النَّبيِّ ﷺ قوله ﷺ: "أوَّلكُنَّ لحوقًا بي أطولكنَّ يدًا" أنَّ المرادَ اليد الحقيقية، وأنَّ زينبَ بنت جحش ﵂ فهمت طولَ اليد بالصدقة، فليس الأمر كما زعم من أنَّ زينبَ فهمت ذلك، بل قد فهم أزواج الرسول ﷺ لَمَّا ماتت زينب بعده ﷺ أنَّ المراد طول اليد بالصدقة، ففي صحيح مسلم (٢٤٥٢) عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمِّ المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "أسرعكُنَّ لحاقًا بي
[ ١٥٤ ]
أطولكنَّ يدًا، قالت: فكنَّ يتطاولنَّ أيَّتهنَّ أطول يدًا، قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنَّها كانت تعمل بيدها وتصدَّق".
وأمَّا ما جاء في صحيح البخاري (١٤٢٠) عن عائشة ﵂: "أنَّ بعضَ أزواج النَّبيِّ ﷺ قلن للنَّبيِّ ﷺ: أيُّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكنَّ يدًا، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودةُ أطولَهنَّ يدًا، فعلمنا بعدُ أنَّما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به وكانت تحبُّ الصدقة"، فيُفهم منه أنَّ سودةَ ﵂ أطولهنَّ يدًا حقيقة، ثمَّ لَمَّا ماتت زينب قبل غيرها من أمَّهات المؤمنين عُلم أنَّ المراد بطول اليد طولها بالصدقة، فكانت رواية مسلم مفسِّرةً لرواية البخاري.
وقد قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث عند البخاري: " (فعَلِمْنا بعدُ) أي: لَمَّا ماتت أولُ نسائه به لحوقًا"، وقال أيضًا: "ويؤيِّده أيضًا ما روى الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكنَّ لحوقًا بي أطولكنَّ يدًا، قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نَمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأةً قصيرةً ولَم تكن أطولَنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينبُ امرأةً صنَّاعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتصدَّق في سبيل الله)، قال الحاكم: على شرط مسلم، انتهى، وهي رواية مفسِّرة مبيِّنة مرجِّحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب".
وقوله ﷺ: "أسرعكنَّ لحوقًا بي أطولكنَّ يدًا" هو لفظ محتمل لمعنيين، وهو في أحدهما أظهر من الآخر، والنَّبيُّ ﷺ أراد أحدَهما، وفهم أزواجُه ﷺ المعنى الآخر، ولا يُقال عن فهم أزواج النَّبيِّ ﷺ إنَّه خطأ؛ لأنَّه المتبادَر
[ ١٥٥ ]
من اللفظ، وإنَّما يُقال: تبيَّن فيما بعد عند وفاة زينب ﵂ أنَّ ما فهمنه لم يكن مطابقًا لما أراده رسول الله ﷺ، وبهذا يتبيَّن أنَّ ما ذكره المالكي من الخطأ في الفهم في المثالَين المذكورين أنَّه ليس بخطأ كما زعم.
٥ - نعم! لم يقل الصحابةُ للتابعين: لا تفهموا النصوصَ إلاَّ وفقًا لفهمنا، وإنَّما يُبيِّنون لهم الخطأ في الفهم، ومن أمثلة ذلك ما روى البخاري في صحيحه (٤٤٩٥) بإسناده إلى هشام بن عروة، عن أبيه أنَّه قال: "قلت لعائشة زوج النَّبيِّ ﷺ وأنا يومئذ حديث السنِّ: أرأيتِ قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أرى على أحد شيئًا أن لا يطوَّف بهما، فقالت عائشة: كلاَّ! لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما، إنَّما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلُّون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرَّجون أن يطوَّفوا بين الصفا والمروة، فلمَّا جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ".
وتأمَّل قول عروة ﵀ فيما مهَّد له من العذر لخطئه في الفهم بقوله: "وأنا يومئذ حديث السنِّ"، يتبيَّن لك أنَّ حداثةَ السنِّ مظنَّةُ الخطأ في الفهم، والمالكي ومعه الأربعة الذين شاركوه في الضلال الذين أوردهم في آخر كتابه حُدثاء الأسنان، ولم يكن المالكي مخطئًا في أباطيله التي اشتمل عليها كتابُه هذا وغيره مِمَّا زعمه بحوثًا، ليس مخطئًا فحسب، بل هو من الخاطئين.
وأيضًا فإنَّ الصحابة يُرشدون التابعين وغيرَهم إلى الائتساء والاقتداء بأصحاب رسول الله ﷺ، ففي جامع بيان العلم وفضله (٢/٩٧) عن ابن مسعود ﵁ قال: "مَن كان منكم متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب محمد ﷺ؛
[ ١٥٦ ]
فإنَّهم كانوا أبرَّ هذه الأمَّة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هديًا، وأحسنَها حالًا، قومًا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيِّه ﷺ، فاعرفوا لهم فضلَهم، واتَّبعوهم في آثارهم؛ فإنَّهم كانوا على الهدي المستقيم".
وفي سنن الدارمي (٢١١) عنه ﵁ أنَّه قال: "اتَّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم".
وفي سنن الدارمي أيضًا (١٤١) عن عثمان بن حاضر، قال: "دخلتُ على ابن عباس، فقلت: أَوْصني، فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتَّبع ولا تبتدع! ".
وفي السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (٨٠) أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إنَّكم اليوم على الفطرة، وإنَّكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدَثةً فعليكم بالهدي الأول".
وكذلك العلماء يوصون باتِّباع ما جاء عن الصحابة والسير على منهاجهم، ففي السنة من كتاب السنن لأبي داود (٤٦١٢) عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في أثر طويل قوله: "فارضَ لنفسك ما رضي به القومُ لأنفسهم؛ فإنَّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كَفُّوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى"، وفي السنَّة للالكائي (١/١٥٦) عن الإمام أحمد أنَّه قال: "أصول السنَّة عندنا التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم، وترك البدع، وكلُّ بدعة فهي ضلالة ".
وقال ابن أبي حاتِم في الجرح والتعديل (١/٨٧): "فأمَّا أصحابُ رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحيَ والتنزيلَ، وعرفوا التفسيرَ والتأويلَ، وهم الذين اختارهم اللهُ ﷿ لصحبة نبيِّه ﷺ ونصرتِه وإقامةِ دينه وإظهارِ حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوةً، فحفظوا
[ ١٥٧ ]
عنه ﷺ ما بلَّغهم عن الله ﷿، وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعَوْه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمرَ الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسيرَ الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم اللهُ ﷿ بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إيَّاهم موضع القدوة"، إلى أن قال: "فكانوا عدولَ الأمَّة وأئمَّةَ الهدى وحججَ الدِّين ونقلةَ الكتاب والسنة، وندب الله ﷿ إلى التمسُّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية".
٦ - قوله (ص: ١٧٩): "فالقاعدة المشهورة (الكتاب والسنَّة وبفهم سلف الأمة) باطلة بإجماع سلف الأمة من المهاجرين والأنصار الذين لم يشترطوها، واكتفوا بما ذكره الله ﷿ من (التحاكم للقرآن والسنَّة)، أمَّا زيادة اشتراط الفهم فهو استدراك قبيح على الآية الكريمة!!! ".
أقول: ما ذكره من دعوى بطلان القاعدة المذكورة بإجماع سلف الأمة قولٌ باطلٌ ودعوى لا أساس لها من الصحَّة، كما تبيَّن من آثار عن السلف في الفقرة السابقة، واعتبار فهم الصحابة لنصوص الكتاب والسنَّة لا يُنافي الأخذ بالآية الكريمة في الردِّ إلى الكتاب والسنَّة، وليس استدراكًا عليهما كما زعم؛ فإنَّ في ذلك التنفيذ والتطبيق لما جاء في الكتاب والسنَّة على فهم صحيح، ومِمَّا يوضِّح ذلك أنَّ ما جاء عن السلف في فهم معنى قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أنَّه بمعنى علا وارتفع هو الحقُّ، وأنَّ ما جاء عن المتكلِّمين من تفسيره بمعنى استولى باطل واتِّباع لغير سبيل المؤمنين.
[ ١٥٨ ]
ومِمَّا يوضح بطلان قول المالكي هذا أنَّ الخوارجَ لَمَّا ركبوا رؤوسَهم وخالفوا الصحابة في فهم الكتاب والسنَّة انحرفوا عن الحقِّ، وقصَّة مناظرة ابن عباس ﵄ لهم في مستدرك الحاكم (٢/١٥٠ - ١٥٢)، وهي بإسناد صحيح على شرط مسلم، وفيها قول ابن عباس: "أتيتُكم من عند صحابة النَّبيِّ ﷺ من المهاجرين والأنصار، لأبلِّغكم ما يقولون، المخبرون بما يقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد، فقال بعضُهم: لا تخاصموا قريشًا، فإنَّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، قال ابن عباس: وأتيتُ قومًا لم أرَ قومًا قطُّ أشدَّ اجتهادًا منهم، مسهمة وجوههم من السَّهر، كأنَّ أيديهم وركبهم تثنى عليهم، فمضى من حضر، فقال بعضُهم: لنكلِّمنَّه ولننظرنَّ ما يقول، قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عمِّ رسول الله ﷺ وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثًا، قلت: ما هنَّ؟ قالوا: أمَّا إحداهنَّ فإنَّه حكم الرِّجالَ في أمر الله، وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾، وما للرِّجال وما للحكم، فقلت: هذه واحدة، قالوا: وأمَّا الأخرى فإنَّه قاتَلَ ولَم يسْب ولَم يغنَم، فلئن كان الذي قاتل كفَّارًا لقد حلَّ سبيُهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالُهم، قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ قال: إنَّه مَحا نفسَه من أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين، قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنَّة نبيِّه ﷺ ما يُردُّ به قولُكم أتَرضَون؟ قالوا: نعم! فقلت: أمَّا قولكم: حكَّم الرِّجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُدَّ حكمُه إلى الرِّجال في ثمن ربع درهم، في أرنب ونحوها من الصيد، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فنشدتكم الله: أحُكم الرِّجال في أرنب ونحوها من
[ ١٥٩ ]
الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟! وأن تعلموا أنَّ الله لو شاء لَحَكم ولَم يُصيِّر ذلك إلى الرِّجال، وفي المرأة وزوجها قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فجعل الله حكم الرِّجال سنة مأمونة، أخَرَجتُ من هذه؟ قالوا: نعم! قال: وأمَّا قولكم: قاتَل ولم يسْب ولم يغنم، أَتَسبُون أمَّكم عائشة، ثمَّ تستحلُّون منها ما يُستحلُّ من غيرها؟! فلئن فعلتم لقد كفرتُم، وهي أمُّكم، ولئن قلتُم: ليست أمَّنا لقد كفرتُم؛ فإنَّ الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فأنتم تدورون بين ضلالَتين، أيّهما صرتُم إليها صرتُم إلى ضلالة، فنظر بعضُهم إلى بعض، قلت: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم! وأمَّا قولكم: مَحا اسمَه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمَن ترضَون وأريكم، قد سمعتُم أنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم الحُديبية كاتَبَ سُهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب، فقال رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين: اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: لا والله! ما نعلم أنَّك رسول الله، لو نعلم أنَّك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله ﷺ: اللَّهم إنَّك تعلمُ أنِّي رسول الله، اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، فوالله لرسول الله خيرٌ من علي، وما أخرجه من النبوة حين محا نفسَه، قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان وقُتل سائرُهم على ضلالة".
٧ - قوله في (ص: ١٧٩): "ثم هؤلاء القائلون بفهم السلف هم أوَّل من يُخالف السلف إذا فهموا شيئًا خلاف ما هم عليه!! ومعظم ما كتبوه في العقائد كان خلاف فهم السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان!! ".
[ ١٦٠ ]
أقول: أهل السنَّة الذين يحقد عليهم المالكي ويُطلق لسانَه في ثلبهم والنَّيل منهم هم المتَّبعون لسلف هذه الأمَّة من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان؛ لأنَّهم يُعوِّلون على النصوص الشرعيَّة بفهم السَّلف الصالح، بخلاف غيرهم من المتكلِّمين الذين نصيبُهم من المالكي السلامة، فإنَّهم يُعوِّلون على العقول لا على النقول، وما دوَّنه أهلُ السنَّة في كتب العقائد مِمَّا عوَّلوا فيه على النصوص لا يُعجبُ المالكي؛ لأنَّه لا يريد ذكر أيِّ مسألة في العقيدة فيها مخالفة أهل السنَّة لأيِّ فرقة من فرق الضلال، بل يريد عقيدة تقتصر على الأخذ بأصول الإسلام الجامعة والابتعاد عن الجزئيات المفرِّقة، مع إعذار مَن اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية، كما هو نصُّ كلامه من قراءته (ص: ٢٨ - حاشية) .
٨ - قوله: "فنحن لا مع القرآن ولا مع السنَّة ولا مع فهم السلف الصالح!! وكلُّ ما عندنا من الأمور دعاوى نقنع بها العوام لا دليل عليها من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولا السلف الصالح وهم عندي المهاجرون والأنصار ومن كان على نهجهم فقط".
أقول: نعم! أنت ومعك الأربعة الذين ذكرتهم في آخر كتابك لستُم مع الكتاب والسنَّة، ولا مع فهم السَّلف الصالح، بل أنتم مع أهل البدع والأهواء، وكيف يكون مع الكتاب والسنَّة وفهم السلف الصالح مَن يقدح بالسَّلف الصالح؟! وهم أصحاب رسول الله ﷺ، فيزعم أنَّهم يُذادون عن حوض رسول الله ﷺ ويُؤخذون إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل هَمَل النَّعم، كما جاء ذلك في كتاب المالكي السيِّء عن الصحابة، والقدحُ في الصحابة قدحٌ في الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ القدحَ في الناقل قدحٌ في المنقول، وقد قال أبو زرعة الرازي ﵀ كما في الكفاية للخطيب البغدادي
[ ١٦١ ]
(ص: ٤٩): "إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ".
وأمَّا أهل السنَّة الذين يتحدَّث عنهم المالكي وكأنَّه واحد منهم، فهم بريئون منه براءة الشمس من اللمس.
٩ - قوله: "وهم - يعني السلف الصالح - عندي المهاجرون والأنصار، ومن كان على نهجهم فقط".
أقول: هذا من المالكي قصرٌ للصحابة على المهاجرين والأنصار ومَن كان على نهجهم فقط، ومن المعلوم أنَّ الهجرةَ انتهت بفتح مكة، فمَن أسلَم بعد الفتح وصحب الرسول ﷺ فليس من الصحابة عند المالكي، بل إنَّه أخرج من الصحبة الشرعيَّة كلَّ مَن أسلَم وصحب الرسول ﷺ بعد الحُديبية، وهذا هو الذي قرَّره في كتابه السيِّء في الصحابة، ورددتُ عليه فيه بكتابي "الانتصار للصحابة الأخيار في ردِّ أباطيل حسن المالكي"، وذكرتُ فيه أنَّ ما زعمه من قصْر الصُّحبة الشرعية على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية هو من محدثات القرن الخامس عشر، وتأمَّل قوله هنا: "عندي"؛ فإنَّ ذلك يزيد في بيان اختصاصه بهذه البدعة، وأنَّه لَم يُسبق إليها طيلة القرون الماضية، ومن أجل أن يَسْلَم له مثل هذا الفهم الخاطئ الذي انفرد به، زعم أنَّ الأخذ بالكتاب والسنَّة بفهم السلف الصالح، زعم أنَّ ذلك بدعةٌ، نعوذ بالله من الخذلان.
١٠ - ما ذكره (ص: ١٨٠) عن أحمد بن حنبل وأبي حنيفة والشافعي ومالك والبربهاري من وجوب أن يخضعوا لمعيار القرآن وما صحَّ من السنَّة،
[ ١٦٢ ]
وأنَّهم تحت القرآن والسنَّة لا فوقها، وأنَّ هذا طريقُ وفهم السلف من الصحابة الكبار؛ إذ لم يكن عندهم أحدٌ فوق القرآن وما صحَّ من السنَّة.
أقول: هو كلام حقٍّ أُريد به باطل، وهو التشنيع والتهويل على أهل السنَّة بأنَّهم يجعلون الرِّجال فوق الكتاب والسنَّة، وهذا من أقبح الكذب وأشدِّ الإفك، فمَن من أهل السنَّة فهم هذا الفهم الخاطئ وقال هذه المقالةَ القبيحة، بل إنَّ أهل السنَّة هم المتمسِّكون بالكتاب والسنَّة، المقدِّمون لهما على قول كلِّ أحد، قال الإمام الشافعي ﵀ كما في كتاب الروح لابن القيم (ص: ٣٩٦): "أجمع الناسُ على أنَّ مَن استبانت له سنَّةُ رسول الله ﵌ لم يكن له أن يَدَعها لقول أحد".
وأمَّا غير أهل السنَّة من أهل البدع أسلاف المالكي فهم الذين يُعوِّلون على العقول ويتَّهمون النقول، فإن كان النقلُ آحادًا فهو عندهم ظنيُّ الثبوت فلا يُعوَّل عليه في أصول الدِّين، وإن كان قرآنًا أو سنَّةً متواترةً - وهو لا يتفق مع أهوائهم الفاسدة - قالوا: قطعي الثبوت ظنيُّ الدلالة، فلا يُعوَّلُ عليه!!
١١ - وقال في (ص: ١٧٩ - ١٨٠): "راجع المسائل السابقة التي في هذا الكتاب ثم فتِّش في سير الصحابة والتابعين وانظر مَن منهم فضَّل الآثار وأقوال الرجال على القرآن الكريم؟!
ومن منهم جعل المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني؟!
ومن منهم كفَّر المسلمين؟!
ومن منهم تسمَّى بغير الإسلام؟!
ومن منهم زهَّد في كبائر الذنوب؟!
ومن منهم غلا في علمائهم وكبارهم؟!
ومن منهم أفتى باغتيال المخالفين له في الرأي؟!
[ ١٦٣ ]
ومن منهم شبَّه الله بخلقه؟!
ومن منهم ركَّز على الجزئيات وترك الأصول؟!
ومن ومن إلخ".
والجواب: أنَّ هذا من المالكي اتِّهام لأهل السنَّة بهذه العظائم، وسبق له أن اتَّهمهم بأكثر من ذلك، ومرَّت الإجابة على بعض هذه الأمور التي ذكرها هنا، وبعضها لم تسبق الإجابة عليه، وفيما يلي الإجابة باختصار عنها:
ـ أمَّا زعم المالكي أنَّ الحنابلةَ وغيرَهم من أهل السنَّة يُفضِّلون الآثار وأقوال الرِّجال على القرآن الكريم، فهو قولٌ في غاية البطلان؛ لأنَّ أهل السنَّة وحدَهم هم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وهم الذين يُعظِّمون النصوصَ الشرعية ويُعوِّلون عليها، ويذكرون الآثار التي توافقها أو تبيِّنها، ولا يقولون بتقديم الآراء على النصوص؛ لأنَّ تقديمَ الآراء على النصوص شأنُ أهل البدع، الذين تعويلُهم على علم الكلام وأقوال الرِّجال، وليس على النصوص الشرعيّة.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يجعلون المسلمَ شرًّا من اليهودي والنصراني، فقد مرَّت الإجابة عن ذلك قريبًا.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُكفِّرون المسلمين، فهو زعمٌ في غاية البطلان؛ لأنَّ أهل السنَّة لا يُكفِّرون إلاَّ مَن كفَّره الله ورسوله ﷺ، بل إنَّ أهل السنَّة يعتبرون الفرقَ الثنتين والسبعين التي جاء في حديث رسول الله ﷺ أنَّها في النار، يعتبرونهم مسلمين من أمَّة الإجابة، فكيف يزعم هذا الحاقدُ على أهل السنَّة أنَّهم يُكفِّرون المسلمين، وهذه عقيدتُهم في فرق الضلال المختلفة؟!
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة تسمَّوا بغير الإسلام، حيث قالوا: إنَّهم أهل سنَّة، وإنَّهم على منهج السلف، وهذا من إفكه وتلبيسه، فهم متسمُّون
[ ١٦٤ ]
بالإسلام كما تسمَّى به غيرهم من المبتدعة، ولكنَّهم يتميَّزون عنهم بانتسابهم إلى السنَّة واتِّباع سلف الأمَّة، والإسلامُ يشمل أهل السنَّة وغيرهم من فرق الضلال التي لم تصل بدعُهم إلى الكفر، لكنَّهم يمتازون عنهم بنسبتهم إلى السنَّة واتِّباع سلف الأمَّة من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، فيُقال: مسلم سنِيٌّ، ومسلم بدعيٌّ.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُزهِّدون في كبائر الذنوب، فهذا كذبٌ عليهم؛ لأنَّهم يُحذِّرون منها، ويعتبرون مَن وقع فيها مؤمنًا ناقصَ الإيمان، فلا يصفونه بالإيمان المطلق كما هو شأن المرجئة، الذين يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة؛ وذلك لتغليبهم جانبَ الوعد، ولا يَسلبون عنه مطلقَ الإيمان كما هو شأن الخوارج والمعتزلة؛ وذلك لتغليبهم جانبَ الوعيد، فأهل السنَّة يعملون بنصوص الوعد والوعيد معًا، ولا يهملون شيئًا منها، ويقولون عن مرتكب الكبيرة: مؤمن بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، وأمَّا في الآخرة فأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء عفى عنه، وإن حصل له العذاب فإنَّه يخرج من النار، ولا يخلد في النار إلاَّ الكفَّار الذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يغلون في علمائهم وكبارهم، فهذا من تهويله وحقده على أهل السنَّة، والغلوُّ في العلماء والكبار هو ديدنُ أهل البدع، وخاصَّة الرافضة منهم، وأمَّا أهل السنَّة فإن وُجد من فرد أو أفراد مبالغة في أحد من علمائهم فلا يُسوِّغ ذلك نسبة الغلوِّ إلى أهل السنَّة عمومًا.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُفتون باغتيال المخالفين لهم في الرأي، فهذا من الكذب على أهل السنَّة؛ فإنَّ علماءهم لا يُفتون بقتل إلاَّ مَن كان مستحقًّا للقتل، ولعلَّ مرادَه في ذلك ما يتباكى عليه من قتل أئمَّة الضلال،
[ ١٦٥ ]
كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي وغيرهم، وقد زعم أنَّ قتلَهم كان سياسيًّا، ولم يكن من أجل بدعهم.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة يُشبِّهون اللهَ بخلقه، فهذا من أقبح ما افتراه على أهل السنَّة، فأهل السنَّة أثبتوا لله الصفات ولم يُشبِّهوه بالمخلوقات، فجمعوا بين الإثبات والتنزيه، كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، بخلاف المشبِّهة الذين أثبتوا وشبَّهوا، وبخلاف النفاة، فإنَّهم أرادوا التنزيه لكنَّهم عطَّلوا ولم يُنزِّهوا.
ـ وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة ركَّزوا على الجزئيات وتركوا الأصول، فهذا كذبٌ عليهم؛ فهم يُركِّزون على الكليَّات والجزئيات، ومستندهم في ذلك ما جاءت به نصوص الكتاب والسنَّة، وذلك بخلاف أهل البدع الذين يُعوِّلون على العقول وعلم الكلام في الكليَّات والجزئيات.
١٢ - قوله (ص: ١٨٠): "فالبربهاري وابن بطة عندنا من السلف بينما الصحابة ليسوا من السلف، ولو كانوا عندنا من السلف الصالح لما خالفناهم في فهم الإسلام وفي الأمور التي سبق شرحها".
أقول: السلفُ الصالح عند أهل السنَّة والجماعة هم الصحابة ﵃ ومَن سلك سبيلَهم، ومنهجُهم في العقيدة اتِّباعُ الكتاب والسنَّة بفهم السلف الصالح، والتقييد بفهمهم يُسمِّيه المالكي بدعة، وأهل السنَّة هم الذين يأخذون بنصوص الوحي وفقًا لفهم السلف من الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، ولا يُخالفون الصحابة، بل الذين يخالفونهم هم أهل البدع الذين يُعوِّلون على علم الكلام، ولا يُعوِّلون على النصوص.
وقد ذكرتُ بين يدي شرحي مقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني عشر فوائد في العقيدة، الفائدة الأولى: منهج أهل السنَّة والجماعة في العقيدة: اتِّباع
[ ١٦٦ ]
الكتاب والسنَّة على فهم السلف الصالح، وهذا يُسمِّيه المالكي بدعة، وأنا أوردُ هنا ما أثبتُّه هناك:
عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة مبنيَّةٌ على الدليل من كتاب الله ﷿ وسُنَّة رسوله ﷺ وما كان عليه الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم، قال الله ﷿: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال ﷺ في حديث العرباض بن سارية: " فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تَمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦) وغيرهما، وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وفي صحيح البخاري (٧٢٨٠) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "كلُّ أمَّتِي يدخلون الجنَّة إلاَّ مَن أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبَى؟ قال: مَن أطاعنِي دخل الجنَّة، ومَن عصانِي فقد أبَى".
[ ١٦٧ ]
وفي صحيح مسلم (٧٦٧) عن جابر بن عبد الله: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: "أمَّا بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالة".
وروى البخاري في صحيحه (١٥٩٧)، ومسلم في صحيحه (١٢٧٠) عن عابس بن ربيعة، عن عمر ﵁: "أنَّه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، فقال: إنِّي لأعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ النَبِيَّ ﷺ يُقبِّلُك ما قبَّلتُك".
وروى البخاري في صحيحه (٢٦٩٧)، ومسلم في صحيحه (١٧١٨) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ لمسلم: "مَن عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ".
وما جاء في هذه الرواية أعمُّ من الأُولى؛ لأنَّها تشتمل على مَن كان مُحْدِثًا أو تابعًا لمحدث.
وروى الإمام أحمد (١٦٩٣٧)، وأبو داود (٤٥٩٧) وغيرُهما - واللفظ لأحمد – عن معاوية ﵁ قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أهلَ الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإنَّ هذه الأمَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة يعني الأهواء، كلُّها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة".
وانظر تخريجه وشواهدَه في تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط وغيره على هذا الحديث في حاشية المسند.
وروى البخاري في صحيحه (٥٠٦٣)، ومسلم في صحيحه (١٤٠١) عن أنس في حديث طويل، آخره: "فمَن رغب عن سُنَّتِي فليس منِّي".
[ ١٦٨ ]
وإنَّما كانت عقيدةُ أهل السنَّة والجماعة مبنيَّةً على الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ ما يُعتقد هو من علم الغيب، ولا يُمكن معرفة ذلك إلاَّ بالوحي كتابًا وسنَّة.
وما جاء في الكتاب العزيز وثبت في السُنَّة فإنَّ العقلَ السليم يُوافقه ولا يُعارضه، ولشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ – كتاب واسع اسمه: درء تعارض العقل والنقل.
والمعوَّل عليه في فهم النصوص ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ وما جاء عنهم من الفهم الصائب والعلم النافع، وقد فهموا معاني ما خوطبوا به من صفات الله ﷿؛ لأنَّ الكتاب والسُّنَّة بلغتهم، مع تفويضهم علم كيفياتها إلى الله ﷿؛ لأنَّ ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلاَّ هو سبحانه، كما جاء عن الإمام مالك بن أنس في بيان هذا المنهج الصحيح، حيث قال عندما سُئل عن كيفية الاستواء: "الاستواءُ معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وقد أوضح ما كان عليه الصحابةُ في صفات الله ﷿ الشيخ أبو العباس أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة (٨٤٥ هـ) في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٢/٣٥٦)، فقال: "ذِكْرُ الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملَّة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية: اعلم أنَّ الله تعالى لَمَّا بعث من العرب نبيَّه محمدًا ﷺ رسولًا إلى الناس جميعًا وصف لهم ربَّهم ﷾ بما وصف به نفسَه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروحُ الأمين، وبما أوحى إليه ربُّه تعالى، فلم يسأله ﷺ أحدٌ من العرب بأسرهم قرَويُّهم وبَدويُّهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ وغير ذلك مِمَّا لله
[ ١٦٩ ]
فيه سبحانه أمرٌ ونهيٌ، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنَّة والنار؛ إذ لو سأله إنسانٌ منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل كما نُقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة والملاحم والفتن ونحو ذلك مِمَّا تضمَّنته كتبُ الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومَن أمعن النَّظر في دواوين الحديث النَّبوي ووقف على الآثار السلفية، عَلِم أنَّه لَم يَرد قطُّ من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم - أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مِمَّا وصف الربُّ سبحانه به نفسَه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيِّه محمد ﷺ، بل كلُّهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام في الصفات، نعم! ولا فرَّق أحدٌ منهم بين كونها صفةَ ذات أو صفةَ فعل، وإنَّما أثبتوا له تعالى صفات أزليَّة: من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقًا واحدًا، وهكذا أثبتوا – ﵃ – ما أطلقه الله سبحانه على نفسه الكريمة: من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزَّهوا من غير تعطيل، ولم يتعرَّض مع ذلك أحدٌ منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدلُّ به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوَّة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحدٌ منهم شيئًا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصرُ الصحابة ﵃ على هذا، إلى أن حدث في زمنهم القولُ بالقدر، وأنَّ الأمرَ أنفة، أي: أنَّ الله تعالى لم يُقدِّر على خلقه شيئًا مِمَّا هم عليه ".
[ ١٧٠ ]
وهذا الذي أوضحه المقريزي هو ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ قبل ظهور الفرق المختلفة، وقد قال ﷺ في حديث العرباض بن سارية الذي مرَّ ذكرُه قريبًا: "فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
وليس من المعقول أن يُقال في شيء من مذاهب هذه الفرق المختلفة في العقيدة التي حدثت في أواخر عهد الصحابة وبعده، كالقدرية والمرجئة والأشاعرة وغيرها، ليس من المعقول أن يُقال في شيء من ذلك: إنَّه الحقُّ والصواب، بل الحقّ الذي لا شكَّ فيه هو ما كان عليه أصحابُ رسول الله ﷺ، ولو كان شيء من هذه المذاهب حقًّا لسبقوا إليه ﵃ وأرضاهم، فلا يُعقل أن يُحجب حقٌّ عن الصحابة ويُدَّخر لأناس يجيئون بعدهم، قال إبراهيم النخعي كما في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/٩٧): "لَم يُدخَّر لكم شيءٌ خُبِّئَ من القوم لفضل عندكم".
وقد نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ كلامًا نفيسًا لأبي المظفر السمعاني، فقال (١٣/٥٠٧): "واستدلَّ أبو المظفر بن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلِّمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجَوهر وعرض، قالوا فالجسمُ ما اجتمع من الافتراق والجوهر ما حمل العرض، والعرض ما لا يَقوم بنفسه، وجعلوا الرُّوح من الأعراض، وردُّوا الأخبارَ في خَلق الرُّوح قبل الجسد والعقل قبل الخلق، واعتمدوا على حَدْسهم وما يؤدِّي إليه نظرُهم، ثم يَعرضون عليه النصوصَ فما وافقه قبلوه وما خالفه ردُّوه، ثمَّ ساق هذه الآيات ونظائرَها من الأمر بالتبليغ، قال:
[ ١٧١ ]
وكان مِمَّا أمر بتبليغه التوحيد، بل هو أصلُ ما أمرَ به فلم يترك شيئًا من أمور الدِّين أصولَه وقواعدَه وشرائعَه إلاَّ بلَّغه، ثمَّ لَم يَدْعُ إلى الاستدلال بما تَمسَّكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرفٌ واحدٌ فما فوقه، فعُرف بذلك أنَّهم ذهبوا خلافَ مذهبهم وسلكوا غيرَ سبيلهم بطريق مُحدَث مُخترَع لم يكن عليه رسول الله ﷺ ولا أصحابُه ﵃، ويلزم من سلوكه العودُ على السلف بالطعن والقَدْح، ونسبتهم إلى قلَّة المعرفة واشتباه الطرق، فالحذر من الاشتغال بكلامهم والاكتراث بمقالاتهم؛ فإنَّها سريعةُ التهافت كثيرةُ التناقض، وما من كلام تَسمعه لفرقة منهم إلاَّ وتَجدُ لخصومهم عليه كلامًا يوازنه أو يقاربه، فكلٌّ بكلٍّ مقابل، وبعضٌ ببعضٍ مُعارَض، وحسبُك من قبيح ما يلزم من طريقتهم أنَّا إذا جَرينا على ما قالوه وألزمنا الناسَ بما ذكروه لزِم مِن ذلك تكفيرُ العوَام جميعًا؛ لأنَّهم لا يعرفون إلاَّ الاتِّباعَ المجرَّد، ولو عُرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرُهم فضلًا عن أن يصير منهم صاحب نظر، وإنَّما غاية توحيدهم التزامُ ما وجدوا عليه أئمَّتَهم في عقائد الدِّين والعضُّ عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار بقلوبٍ سليمة طاهرة عن الشُّبَه والشكوك، فتراهم لا يَحيدون عما اعتقدوه ولو قُطِّعوا إرَبًا إرَبًا، فهنيئًا لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة، فإذا كُفِّر هؤلاء وهم السواد الأعظم وجمهور الأمَّة، فما هذا إلاَّ طَيُّ بِساط الإسلام وهدمُ مَنَار الدِّين، والله المستعان".
وما جاء في كلام أبي المظفر من ذِكر خلق العقل فيه نظر؛ قال ابن القيم في كتابه المنار المنيف (ص: ٥٠): "ونحن ننبِّه على أمور كليَّة يُعرف بها كون الحديث موضوعًا" إلى أن قال (ص: ٦٦): "ومنها أحاديث العقل، كلُّها
[ ١٧٢ ]
كذب وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصحُّ في العقل حديث، قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم ابن حبان، والله أعلم".
وقد نقل الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري نقولًا عن جماعة من السلف في إثبات الصفات من غير تشبيه أو تحريف أو تعطيل، وختم ذلك بكلام نفيس له، ومِمَّا قاله (١٣/٤٠٧ – ٤٠٨): "وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبةُ وحماد بنُ زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدِّدون ولا يشبِّهون، ويروُون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف، قال أبو داود: وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرُنا.
وأسند اللاَّلكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقاتُ عن رسول الله ﷺ في صفة الرَّبِّ من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسَّر شيئًا منها وقال بقول جهم فقد خرج عمَّا كان عليه النَبِيُّ ﷺ وأصحابُه وفارق الجماعةَ؛ لأنه وَصفَ الرَّبَّ بصفَة لا شيء.
ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ ومالكًا والثوريَّ والليث ابنَ سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
وأخرج ابنُ أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى: سمعتُ الشافعيَّ يقول: لله أسماء وصفاتٌ، لا يَسَع أحدًا رَدُّها، ومَن خالف بعد ثبوت الحجَّة عليه فقد كفر، وأمَّا قبل قيام الحجة فإنَّه يُعذر بالجهل؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبتُ هذه الصفات، ونَنفي عنه التشبيهَ، كما نفَى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
[ ١٧٣ ]
وأسند البيهقيُّ بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري، عن سفيان بن عيينة قال: كلُّ ما وَصف الله به نفسَه في كتابه فتفسيرُه تلاوتُه والسكوتُ عنه.
ومن طريق أبي بكر الضُّبَعي قال: مذهبُ أهل السنة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: بلا كيف، والآثارُ فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال الترمذي في الجامع عَقب حديث أبي هريرة في النُزول: وهو على العرش كما وصفَ به نفسه في كتابه، كذا قال غيرُ واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.
وقال في باب فضل الصدقة: قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتَوهَّم، ولا يُقال كيف، كذا جاء عن مالك وابن عُيينة وابن المبارك أنَّهم أَمَرُّوها بلا كيف، وهذا قولُ أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأمَّا الجهميَّةُ فأنكروها، وقالوا هذا تشبيهٌ. وقال إسحاق بن راهويه: إنَّما يكون التشبيهُ لو قيل يدٌ كيَدٍ، وسَمعٌ كسمعٍ.
وقال في تفسير المائدة: قال الأئمةُ: نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم: الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك.
وقال ابن عبد البر: أهلُ السُّنَّة مُجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ولم يُكَيِّفوا شيئًا منها، وأمَّا الجهميَّةُ والمعتزلةُ والخوارجُ فقالوا: مَن أقرَّ بها فهو مشبِّهٌ، فسمَّاهم مَن أقَرَّ بها مُعَطِّلةً.
وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: اختلفت مسالكُ العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضُهم تأويلَها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يَصحُّ من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويضِ معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأيًا ونَدين الله به
[ ١٧٤ ]
عقيدةً اتِّباع سلف الأمَّة؛ للدَّليل القاطع على أنَّ إجماعَ الأمَّة حُجةٌ، فلو كان تأويلُ هذه الظواهر حتمًا لأوشكَ أن يكون اهتمامُهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرُ الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتَّبَع. انتهى.
وقد تقدَّم النقلُ عن أهل العصر الثالث وهم فقهاءُ الأمصار، كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومَن عاصرهم، وكذا مَن أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يُوثَق بما اتَّفق عليه أهلُ القرون الثلاثة، وهم خيرُ القرون بشهادة صاحبِ الشريعة".
وما جاء في كلام الجوينِي من أنَّ السَّلف يُفوِّضون معاني الصفات إلى الله ﷿ غير صحيح؛ فإنَّهم يُفوِّضون في الكيف، ولا يُفوِّضون في المعنى، كما جاء عن مالك ﵀، فقد سُئل عن كيفية الاستواء؟ فقال: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
[ ١٧٥ ]