سوَّد عدَّةَ أوراق في رمي أهل السنَّة بالنَّصب، وتسمية جماعات منهم، ثم قال (ص: ٦٤ - ٦٥): "ثم جاء بعد هؤلاء آل تيمية بحرَّان، ثم دمشق، وابن كثير ﵀ كان فيه نصب إلى حدٍّ كبير، والذهبي إلى حدٍّ ما، أما ابن تيمية إلى حدٍّ لا يُنكره باحث منصف، فاشتهر عنه النصب، وكُتبه تشهد بذلك، ولذلك حاكمه علماء عصره على جملة أمور، منها بغض علي، ولم يُحاكموا غيره من الحنابلة، مع أنَّ فيهم نصبًا ورثوه عن ابن بطة وابن حامد والبربهاري وابن أبي يعلى وغيرهم.
والتيار الشامي العثماني له أثر بالغ على الحياة العلمية عندنا في الخليج، وهذا من أسرار حساسيتنا من الثناء على الإمام علي أو الحسين، وميلنا الشديد لبني أميَّة، فتنبَّه!!
[ ١٨٤ ]
والنواصب لهم أقوال عجيبة كعجائب غلاة الشيعة، فمنهم من كان ينشد الأشعار التي قيلت في هجاء النَّبيِّ ﷺ، ومنهم من يلعن عليًّا وهم الأكثر، ومنهم من يتَّهم عليًّا بمحاولة اغتيال النَّبيِّ ﷺ، ومنهم من يحرِّف الأحاديث في فضله إلى ذمٍّ، وغير ذلك مِمَّا لا أستحل ذكره هنا، والغريب في أمرنا سكوتنا عن هذه الطائفة التي كان منها مَن يذمُّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه!! ".
وقال في (ص: ١٧٦): "ثم تتابع علماء الشام كابن تيمية وابن كثير وابن القيم - وأشدُّهم ابن تيمية - على التوجس من فضائل علي وأهل بيته، وتضعيف الأحاديث الصحيحة في فضلهم، مع المبالغة في مدح غيرهم!!
وعلماء الشام - مع فضلهم - بشرٌُ لا ينجون من تأثير البيئة الشامية التي كانت أقوى من محاولات الإنصاف، خاصة مع استئناس هؤلاء بالتراث الحنبلي الذي خلفه لهم ابن حامد وابن بطة والبربهاري وعبد الله بن أحمد والخلال وأبو بكر ابن أبي داود!! ".
وأجيب على ذلك بما يلي:
١ - النواصب عند أهل السنَّة هم الذين ينالون من أهل بيت الرسول ﷺ ويُؤذونهم، والنواصب عند المالكي وأسلافه من الرافضة هم الذين لا يغلون في عليٍّ وزوجه فاطمة وبعض أولاده، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية عقيدة أهل السنَّة في أهل البيت وبراءتهم من طريقة الروافض والنواصب، فقال في العقيدة الواسطية: "ويُحبُّون (يعني أهل السنَّة والجماعة) أهلَ بيت رسول الله ﷺ ويتولَّونهم، ويحفظون فيهم وصيَّة رسول الله ﷺ، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي" " إلى أن قال: "ويتبرَّؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة
[ ١٨٥ ]
ويَسبُّونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل"، وقد أوردتُ نقولًا كثيرة عن الصحابة ومَن سار على نهجهم في بيان فضل أهل البيت وتوقيرهم، وذلك في كتابي: "فضل أهل البيت وعلوِّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة".
٢ - أمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي له نصيب كبير من حقد المالكي، والذي زعم زورًا أنَّه يُبغض عليًّا ﵁، فله كتاب"فضل أهل البيت وحقوقهم"، وهو مطبوع، وقد أثنى على عليٍّ وأهلِ البيت في كُتبه، ومن ذلك قوله في منهاج السنة (٦/١٧٨): "وعلي ﵁ ما زالا - أي أبو بكر وعمر - مُكرِمَيْن له غاية الإكرام بكلِّ طريق، مقدِّمين له بل ولسائر بني هاشم على غيرهم في العطاء، مُقدِّمَين له في المرتبة والحرمة والمحبَّة والموالاة والثناء والتعظيم، كما يفعلان بنظرائه، ويفضِّلانه بما فضَّله الله ﷿ به على من ليس مثله، ولم يُعرف عنهما كلمة سوء في عليٍّ قطُّ، بل ولا في أحد من بني هاشم" إلى أن قال: "وكذلك عليٌّ ﵁، قد تواتر عنه من محبَّتهما وموالاتهما وتعظيمهما على سائر الأمَّة ما يُعلم به حاله في ذلك، ولم يُعرف عنه قطُّ كلمة سوء في حقِّهما، ولا أنَّه كان أحقَّ بالأمر منهما، وهذا معروف عند مَن عرف الأخبار الثابتة المتواترة عند الخاصّة والعامة، والمنقولة بأخبار الثقات".
وقال أيضًا (٦/١٨): "وأمَّا علي ﵁، فأهل السنَّة يُحبُّونه ويتولَّونه، ويشهدون بأنَّه من الخلفاء الراشدين والأئمَّة المهديين".
وقال أيضًا في الوصية الكبرى كما في مجموع فتاواه (٣/٤٠٧ - ٤٠٨):
«وكذلك آل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإنَّ الله جعل لهم حقًّا في الخُمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على
[ ١٨٦ ]
رسول الله ﷺ، فقال لنا: (قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد)، وآل محمد هم الذين حرُمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء ﵏؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الصدقة لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد"، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وحرَّم الله عليهم الصدقة؛ لأنَّها أوساخ الناس"، وقال أيضًا كما في مجموع فتاواه (٢٨/٤٩١): "وكذلك أهل بيت رسول الله ﷺ تجب محبَّتُهم وموالاتهم ورعاية حقِّهم".
٣ - وأمَّا الإمام الذهبي فقد أثنى على عليٍّ ﵁ ثناءً عظيمًا، وألَّف في مناقبه كتابًا خاصًّا، قال في كتابه تذكرة الحفاظ (١/٩): "علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي، قاضي الأئمَّة وفارس الإسلام وختن المصطفى ﷺ، كان مِمَّن سبق إلى الإسلام ولم يتلعثم، وجاهد في الله حقَّ جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل، وشهد له النَّبيُّ ﷺ بالجنَّة، وقال: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه"، وقال له: "أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبيَّ بعدي"، وقال: "لا يحبُّك إلاَّ مؤمن ولا يبغضك إلاَّ منافق"، ومناقب هذا الإمام جَمَّة أفردتُها في مجلد، وسمَّيته بـ (فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ﵁)، وكان إمامًا عالمًا متحريًّا في الأخذ، بحيث إنَّه يستحلف مَن يحدِّثه بالحديث".
٤ - وأمَّا الإمام ابن القيم فقد قال في بيان منزلة أهل البيت في كتابه الصواعق المرسلة كما في مختصره لابن الموصلي (١/٩٠) في بيان أسباب قبول التأويل الفاسد: "السبب الثالث: أن يَعْزُو المتأوِّلُ تأويلَه إلى جليلِ
[ ١٨٧ ]
القَدْر، نبيلِ الذِّكر، مِن العقلاء، أو مِن آل بيت النَّبيِّ ﷺ، أو مَن حصل له في الأمَّة ثناءٌ جميل ولسانُ صِدق؛ ليُحلِّيه بذلك في قلوب الجُهَّال، فإنَّه من شأن الناسِ تعظيمُ كلامِ مَن يَعظُمُ قدْرُه في نفوسهم، حتى إنَّهم لَيُقدِّمون كلامَه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلمُ بالله منَّا!
وبهذا الطريق توصَّل الرافضةُ والباطنيَّةُ والإسماعليَّةُ والنُّصيريَّة إلى تنفيقِ باطلهم وتأويلاتِهم حين أضافوها إلى أهل بيت رسول الله ﷺ؛ لِمَا علموا أنَّ المسلمين متَّفقون على مَحبَّتِهم وتعظيمِهم، فانتمَوا إليهم وأظهروا مِن مَحبَّتِهم وإجلالهم وذِكر مناقبهم ما خُيِّل إلى السَّامع أنَّهم أولياؤهم، ثم نفقوا باطلَهم بنسبتِه إليهم.
فلا إله إلاَّ الله! كم مِن زندقَةٍ وإلحادٍ وبدعةٍ قد نفقت في الوجود بسبب ذلك، وهم بُرآءُ منها.
وإذا تأمَّلتَ هذا السَّببَ رأيتَه هو الغالب على أكثر النفوس، فليس معهم سوى إحسان الظنِّ بالقائل، بلا بُرهان من الله قادَهم إلى ذلك، وهذا ميراثٌ بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرُّسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، وهذا شأنُ كلِّ مقلِّدٍ لِمَن يعظمه فيما خالف فيه الحقَّ إلى يوم القيامة".
٥ - وأمَّا الإمام ابن كثير، فقد قال في تفسيره لآية الشورى بعد أن بيَّن أنَّ الصحيح تفسيرها بأنَّ المرادَ بـ ﴿الْقُرْبَى﴾ بطون قريش، كما جاء ذلك في تفسير ابن عباس للآية في صحيح البخاري، قال ﵀: "ولا نُنكرُ الوُصاةَ بأهل البيت والأمرَ بالإحسان إليهم واحترامِهم وإكرامِهم؛ فإنَّهم من ذريَّةٍ طاهرَةٍ، مِن أشرف بيتٍ وُجِد على وجه الأرض، فخرًا وحسَبًا ونَسَبًا، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة النَّبويَّة الصحيحة الواضحة الجليَّة، كما كان سلفُهم، كالعباس وبنيه، وعليٍّ وأهل بيته وذريَّتِه، ﵃ أجمعين".
[ ١٨٨ ]
وبعد أن أورد أثرَين عن أبي بكر ﵁، وأثرًا عن عمر ﵁ في توقير أهل البيت وبيان علوِّ مكانتِهم، قال: "فحالُ الشيخين ﵄ هو الواجبُ على كلِّ أحدٍ أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضلَ المؤمنين بعد النَّبيِّين والمرسَلين، ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين".
٦ - قوله: "والغريب في أمرنا سكوتنا عن هذه الطائفة التي كان منها مَن يذمُّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه!! ".
أقول: أهل السنَّة لم يسكتوا عن المالكي الذي ذمَّ أصحابَ رسول الله ﷺ وقال: إنَّهم يُذادون عن الحوض ويُؤمر بهم إلى النار، ولا ينجو منهم إلاَّ القليل مثل همَل النعم، فكيف يسكتون عمَّن يذمُّ الرسول ﷺ؟! ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب"الصارم المسلول على شاتم الرسول" ﷺ.
وأمَّا ما زعمه أنَّ من النواصب مَن يتَّهم عليًّا بمحاولة اغتيال النَّبيِّ ﷺ، وأنَّ منهم من ينشد الأشعار في هجاء الرسول ﷺ، فهو من أسوأ هذيان المالكي، والعجيب أنَّه لم يحمله الحياء على ترك التفوه بهذا الإفك المبين.
وأمَّا زعمه أنَّ أهل السنَّة في الخليج في هذا العصر عندهم حساسية من الثناء على عليٍّ والحسين ﵄، فهو من أقبح الكذب وأبطل الباطل؛ فإنَّ أهل السنَّة في هذه البلاد يُعظِّمون عليًّا ﵁ وغيرَه من أهل البيت ويتوَلَّونهم جميعًا، فلا يغلون في أحد منهم ولا يجفون في أحد.
وأهل السنَّة في هذه البلاد بخير، ولا يسوؤهم ويكدر صفوهم إلاَّ وجود المالكي وأمثاله من أهل الزيغ والضلال بينهم.
[ ١٨٩ ]