جاء في قراءته (ص:٢٨) عنوان بلفظ: «الاختلاف يوم السقيفة وموقف المسلمين منها وآثارها الفكرية»، أورد تحته كلامًا ينتهي في (ص:٣٤) اشتمل على تشكيك في أحقية أبي بكر وأولويَّته بالخلافة، وأنا أورد هنا بعضَ المقاطع المشتملة على جُمل من هذا التشكيك:
١ - ففي (ص:٢٩) قال: «فعند علم الأنصار بوفاة النَّبِيِّ - ﷺ - اجتمعوا في سقيفة بَنِي ساعدة يريدون تولية سعد بن عبادة ﵁ على المسلمين؛ بحجَّة أنَّ الأنصارَ هم أهلُ المدينة عاصمة الإسلام، وأنَّ قريشًا أخرجت النَّبِيَّ - ﷺ - من مكة، وأنَّ الأنصارَ هم الذين حَموا النَّبِيَّ - ﷺ -
[ ٦٥ ]
ودعوتَه، ولقوا في ذلك الشدائد، وأنَّ المهاجرين ليسوا إلاَّ ضيوفًا عليهم في المدينة، وعلى هذا فصاحب الدار أولَى بالتصرُّف في داره من الضيف» .
٢ - وقال في (ص:٣٠ - حاشية): «بعضُهم يرى أنَّه ليس كلُّ من بايع أبا بكر الصديق يراه أَوْلَى مِن غيره! وإنَّما بايَعه لأنَّه يراه من الأكفاء للخلافة، ولخشيته من الفتنة ورضاه بالأمر الواقع!! » .
٣ - وقال في (ص:٣٠ - ٣٢): «وكان هناك قسمٌ آخر من كبار المهاجرين لَم يُبايعوا أبا بكر، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ ابن عمِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وزوج ابنته فاطمة الزهراء، وكان معه بنو هاشم قاطبة، كالحسن والحسين وعمِّه العباس بن عبد المطلب وأبنائه عبد الله بن العباس والفضل بن العباس، وكوكبة من كبار المهاجرين الأوَّلين كعمار بن ياسر وسَلمان الفارسي وأبو (كذا) ذر الغفاري والمقداد بن عمرو وغيرهم، كما كان معهم بعضُ الأنصار كأُبَيِّ بن كعب والبراء بن عازب وجابر بن عبد الله، وغيرهم من عموم الصحابة الذين كانوا يرون أنَّ عليَّ ابنَ أبي طالب كان أكفأَ الناس لتولِّي الأمر بعد النَّبِيِّ - ﷺ -! لكونه أوَّلَ مَن أسلم، ولكونه بمنزلة كبيرة من النَّبِيِّ - ﷺ - (كمنزلة هارون من موسى باستثناء النبوة)، وكان من علماء الصحابة وشجعانهم وزهادهم، ومن العشرة المبشَّرين بالجنة، مع نسبه الشريف وقربه من النَّبِيِّ - ﷺ - نسبًا وصِهرًا ونشأة وسكنًا، فكان هذا القسم من المهاجرين ومعهم بعض الأنصار يرون أنَّ عليَّ بن أبي طالب هو أنسبُ الصحابة لتولِّي الخلافة بعد النَّبِيِّ - ﷺ -!! بل تبيَّن أنَّ معظمَ الأنصار كانوا يَميلون مع عليٍّ أكثرَ من ميلِهم مع (أبي بكر!!)؛ لعلمِهم بأنَّ عليًّا وإن كان قرشيًّا لكنَّه لن يؤْثرعليهم قريشًا، لكن السبب في بيعتهم أبا بكر وتركهم عليًّا أنَّ عليًّا لَم يكن موجودًا في
[ ٦٦ ]
السقيفة أثناء المجادلة والمناظرة مع الأنصار، وربَّما لو كان موجودًا لَتَمَّ له الأمر!! لأنَّ بعضَ الأنصار لَمَّا رأوا أنَّ الأمر سينصرفُ عن سعد بن عبادة هتفوا باسم عليٍّ في السقيفة!! والأنصار كانوا أغلبيةً في المدينة، لكن عليًّا كان مشغولًا بِجَهاز النَّبِيِّ - ﷺ -، من غسله وتكفينه والإقامة على إتمام
ذلك، فهو إمَّا أنَّه لَم يعلم بهذا الاجتماع المفاجئ في السقيفة، أو أنَّه يرى أنَّه ليس من المناسب أن يترك الجسدَ الشريف ويذهب إلى السقيفة يتنازع مع الناس في أحقيته بخلافة النَّبِيِّ - ﷺ -!! فآثر البقاءَ مع الجسد الشريف غسلًا وتكفينًا مع الصلاة عليه، ثمَّ دفنه - ﷺ -، وهذا استغرق يومين من موته - ﷺ -.
وكانت البيعة العامة لأبي بكر قد تَمَّت قبل دفن النَّبِيِّ - ﷺ -، وهذا كان له أثرٌ نفسي على علي بن أبي طالب ومن مَعه مِن أهل البيت، كفاطمة الزهراء، ومن معه من المهاجرين والأنصار، فقد كان هؤلاء يَرون أنَّ أصحابَ السقيفة لَم يُراعوا مكانتهم، وقطعوا الأمور دون مشورتِهم، وكانوا يفضِّلون أن يتأنَّى الناس حتى يتِمَّ دفنُ النَّبِيِّ - ﷺ - ثمَّ يتشاور الناسُ ويوَلُّون مَن يرونه أهلًا للخلافة، أمَّا أن يتِمَّ الأمر في وسط النزاع المحتدم بين المهاجرين والأنصار، ثمَّ بين الأوس والخزرج من الأنصار، فهذا يُضعف عندهم شرعيَّة البيعة!! ويجعلها أشبه ما تكون بالقهر والغلبة التي تتنافى مع الشورى المأموربها شرعا ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ !!» .
٤ - وقال عن الاختلاف الذي جرى في السقيفة (ص:٢٩ - حاشية): «ويرى البعضُ أنَّ هناك أسبابًا قبليَّة وتعصب (كذا) لفئات وأشخاص، وليس اختلافهم لمصلحة الإسلام!! ورغم عدم تسليمنا بل وإنكارنا لهذا القول إلاَّ أنَّه ليس هناك دليلٌ شرعي ولا عقلي يمنع من هذا!! فالصحابة يعتريهم ما يعتري سائرَ البشر!» .
[ ٦٧ ]
٥ - وقال في (ص:٣١ - حاشية): «سببُ ميل الأنصار لعليٍّ أكثرمن ميلهم لأبي بكر وعمر أنَّ عليًّا كان أكثر فتكًا في مشركي قريش؛ إذ قتل من قريش في بدر وحدها نحو خمسة عشر رجلًا، وأوصلهم بعض المؤرِّخين - كالواقدي - إلى ثلاثة وعشرين رجلًا، فكان الأنصارُ يرون أنَّ عليًّا كان صارمًا في موضوع قريش، وأنَّه سيكبحُ جِماحَ قريش (وخاصة الطُّلَقاء منهم، وكان الطُّلَقاء يُمثِّلون أغلب قريش)، وأنَّه لن يصيب الأنصارَ من قريش أذى أو أثرة إذا كان علي هو الخليفة؛ لأنَّ قريشًا تُبغض عليًّا لكثرة نكايته في بيوتاتهم، بعكس أبي بكر وعمر وعثمان؛ إذ لَم يثبت أنَّهم قتلوا من قريش أحدًا باستثناء رجل واحد قتله عمرُ بنُ الخطاب يوم بدر، أما علي فقتل منهم العشرات في بدر وأُحُد والخندق ويوم الفتح، وهي المعارك المشهورة مع قريش
وقد كان بين علي والأنصار مَحبَّة عظيمة، وكان عليٌّ على علاقة كبيرة بهم، وولَّى جَمعًا من فضلائهم أيَّام خلافته»، فذكر سبعًا منهم ثمَّ قال: «بينما لَم يجد الأنصارُ فرصتَهم في عهد أبي بكر وعمر وعثمان؛ إذ كانت الولايات في أيدي القرشيِّين في الغالب (وهذا أمرٌ يدعو للدراسة لمعرفة الأسباب!!)، ومن الاتفاقات الجديرة بالذِّكر هنا أنَّه ورد في الأنصار حديثًا (كذا): (لا يحب الأنصارَ إلاَّ مؤمن، ولا يُبغضهم إلاَّ منافق)، وورد الحديث نفسه في علي: (لا يحب عليًّا إلاَّ مؤمن، ولا يُبغضه إلاَّ منافق)، الحديثان في مسلم، وبوَّب مسلمٌ لهذا بابًا بعنوان (باب حب علي والأنصار من الإيمان)، فسبحان الله!!» .
٦ - وقال في (ص:٣٣ - حاشية): «أسلم يوم مكة ألفان من قريش وسُمُّوا الطُّلَقاء، فلعله لهذا السبب كان الأنصار يَخشون إذا ذهبت الخلافة
[ ٦٨ ]
لقريش أن تصل إلى هؤلاء الطُّلَقاء، وقد حصل هذا بعد ثلاثين سنة، إذ تولَّى الأمر معاوية بن أبي سفيان وهو من الطُّلَقاء، وقد وجد الأنصار في عهده الأثرة الشديدة التي أخبرهم بها النَّبِيُّ - ﷺ -!!!» .
وبعد إيراد هذه المقاطع من كلامه المشتملة على جُمل من التشكيك في أحقية أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله - ﷺ -، أجيب عن ذلك من جهتين:
الأولى: التنبيه على بعض ما أورده.
الثانية: في بيان الأدلة الدَّالة على أحقِّيَّة أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله - ﷺ -.
أما الجهة الأولى، فأقول: إنَّ مَن يرى أو يسمع مثلَ هذا الكلام الذي سطَّره المالكي لا يَشُمُّ منه رائحة السنَّة ولا رائحةَ أهلها، بل يتبادر إلى ذهنه أنَّ بين يديه كتابًا من كتب أهل البدع والضلال.
وإنَّ مجرَّدَ قراءة مثل هذا الكلام أو سماعه وتصوُّره يُغنِي عن الاشتغال بالتعليق عليه، لكنِّي أنبِّه على أمور ثلاثة:
أوَّلًا: ما أشار إليه في المقطع رقم (٣) من أوْلَوِيَّة علي ﵁ بالخلافة؛ لكونه بمنزلة كبيرة من النَّبِيِّ - ﷺ - كمنزلة هارون من موسى باستثناء النبوة، فيُجاب بأنَّ بعضَ أهل الأهواء والبدع يتشبَّثون بأوْلوية علي بن أبي طالب بالخلافة بالحديث الوارد في ذلك، وهو حديث ثابتٌ في الصحيحين عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁، ولفظه عند البخاري (٤٤١٦): «أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا، فقال: أَتُخلِّفنِي في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون
[ ٦٩ ]
من موسى، إلاَّ أنَّه ليس نبيٌّ بعدي؟!» .
وهو لا يدلُّ لهم؛ لأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إنَّما قال ذلك تطييبًا لنفس عليٍّ ﵁ لَمَّا قال له: أَتُخلِّفنِي في الصبيان والنساء؟ وهذا الاستخلاف إنَّما هو مدَّة سفره إلى تبوك، كما أنَّ استخلاف موسى لهارون كان مدَّة ذهابه لمناجاة الله، فهذا هو المراد بالتشبيه، فالمشبَّه استخلافه النَّبِيّ - ﷺ - لعليٍّ مدَّة غيبته، والمشبَّه به استخلاف موسى لهارون مدَّة غيبته، إلاَّ أنَّ المشبَّه به نبِيٌّ استخلف نبيًّا لوجود الأنبياء في زمن واحد، وأمَّا نبيُّنا محمد - ﷺ - فإنَّه لانبِيَّ بعده، لا في زمانه ولا بعد زمانه.
وليس فيه دلالة على أحقِّيَّة علي بالخلافة بعد رسول الله - ﷺ -.
ثانيًا: ما أشار إليه في المقطع رقم (٥) من أوْلوية عليّ ﵁ بالخلافة لكونه قد أكثر القتل في كفار قريش، أقول إنَّ كثرةَ القتل لا تعتبر دليلًا على الأولوية، ومن المعلوم أنَّ بعض من تأخَّر إسلامُهم كانت نكايتُهم بالعدوِّ أشدَّ مِمَّن هو أفضل منهم مِمَّن تقدَّم إسلامُهم، وإنَّما التفضيل والتقديم في الخلافة يُعوَّل فيه على الأدلَّة، وسبق ذكرُ الأدلَّة الدالَّة على تفضيل أبي بكر ﵁ على غيره، وسيأتي بعد قليل ذكر الأدلّة الدالَّة على تقديمه في الخلافة على غيره.
ثالثًا: ما أشار إليه في المقطع رقم (٥) من ورود حديثين في صحيح مسلم، أحدهما في الأنصار، والثاني في عليٍّ، يدلاَّن على أنَّه لا يحبُّهم إلاَّ مؤمنٌ ولا يبغضهم إلاَّ منافقٌ، أقول: إنَّ الحديثَ في الأنصار جاء في الصحيحين من حديث البراء بن عازب ﵁، ولفظه: «الأنصار لا يحبُّهم إلاَّ مؤمنٌ ولا يبغضهم إلاَّ منافقٌ، فمَن أحبَّهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» رواه البخاري (٣٧٨٣) ومسلم (١٢٩)، وأيضًا من
[ ٧٠ ]
حديث أنس ﵁، ولفظه: «آيةُ الإيمان حبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفاق بغضُ الأنصار» رواه البخاري (٣٧٨٤) ومسلم (١٢٨) .
وفي صحيح مسلم (١٣١) عن زرٍّ قال: قال عليّ: «والذي فَلَقَ الحَبَّة وَبَرَأَ النَّسَمَة إنَّه لعهدُ النَّبيِّ - ﷺ - إليَّ: ألاَّ يُحبَّني إلاَّ مؤمن، ولا يبغضني إلاَّ منافقٌ» .
وبغضُ المنافقين للأنصار إنَّما هو لنُصرتهم النَّبيَّ - ﷺ - لإظهار دينه، وهذا المعنى لا يختصُّ به الأنصار؛ فإنَّ المهاجرين هم أيضًا أنصارٌ، وقد جَمعوا بين الهجرة والنُّصرة، ولهذا كانوا أفضلَ من الأنصار، وقد وصفهم الله بهذين الوصفين في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، قال الحافظ في الفتح (١/٦٣) في شرح حديث حبّ الأنصار: « فلهذا جاء التحذيرُ من بغضهم والترغيب في حبهم حتَّى جعل ذلك آيةَ الإيمان والنفاق؛ تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور كلٌّ بقسطه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عليّ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال له: (لا يُحبُّكَ إلاَّ مؤمن، ولا يبغضكَ إلاَّ منافقٌ)، وهذا جارٍ باطّرادٍ في أعيان الصحابة؛ لتحقق مشترك الإكرام؛ لِمَا لهم مِن حسن الغناء في الدِّين، قال صاحب المفهم: وأمَّا الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغضٌ لبعضٍ فذاك من غير هذه الجهة (يعني النصرة)، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لَم يحكم بعضهم على بعضٍ بالنفاق، وإنَّما كان حالُهم في ذاك حالَ المجتهدين في الأحكام، للمصيب أجران، وللمخطئ أجرٌ واحد، والله أعلم» .
[ ٧١ ]
وكتاب المفهم هو شرحٌ لصحيح مسلم، وصاحبُه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، وهو شيخ لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي المفسر.
وأمّا ما ذكره المالكي مِن أنَّ مسلمًا بوَّب لهذا بابًا بعنوان «باب حبُّ عليٍّ والأنصار من الإيمان»، فإنَّ مسلمًا ﵀ لَم يضع في صحيحه أبوابًا، وهو في حكم المبوَّب، وتراجم الأبواب إنَّما هي من عمل غيره، قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم (١/٢١): «وقد ترجم جماعةٌ أبوابَه بتراجم بعضُها جيِّدٌ وبعضُها ليس بجيِّد، إمَّا لقصور في عبارة الترجمة، وإمَّا لركاكةِ لفظها، وإمَّا لغير ذلك، وأنا إن شاء الله أحرصُ على التعبير عنها بعبارات تليقُ بها في مواطنها، والله أعلم» .
وأما الجهة الثانية فهي في بيان الأدلَّة الدالَّة على أحقِّيَّة أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله - ﷺ -، وأذكر هنا بعضَ ما وقفتُ عليه من الأحاديث والآثار وحكاية الإجماع.
أوَّلًا: الأحاديث والآثار:
١ - روى البخاري (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧) في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، عن عائشة ﵂ قالت: «قال لي رسول الله - ﷺ - في مرضِه: ادْعِي لي أبا بكر وأخاكِ حتى أكتب كتابًا، فإنِّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر» .
٢ - روى البخاري (٧٢٢٠)، ومسلم (٢٣٨٦) في صحيحيهما، واللفظ للبخاري عن جُبير بن مُطْعم قال: «أتت النَّبيَّ - ﷺ - امرأةٌ فكلَّمتْه في شيءٍ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله! أرأيتَ إن جئتُ ولَم
[ ٧٢ ]
أجدْك، كأنَّها تريد الموت؟ قال: إن لَم تجديني فأتِي أبا بكر» .
٣ - روى البخاري في صحيحه (٦٧٨) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «مرض النَّبيُّ - ﷺ - فاشتدَّ مرضُه، فقال: مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس» الحديث، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (٤٢٠) .
وجاء أمره - ﷺ - أبا بكر ليصلي بالناس من حديث عائشة ﵂ عند البخاري (٦٧٩) ومسلم (٤١٨) .
وقد فهم الصحابةُ ﵃ من تقديم أبي بكر ﵁ في الإمامة في الصلاة أنَّه الأحقُّ بالخلافة، فروى ابن سعد في الطبقات (٣/١٧٨ - ١٧٩) قال: أخبرنا حُسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ عن عبد الله (يعني ابن مسعود) ﵁ قال: «لَمَّا قُبض رسول الله - ﷺ - قالت الأنصار: مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنَّ رسول الله - ﷺ - قد أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس؟ قالوا: بلى! قال: فأيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر!» .
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه رجالُ الجماعة، وعاصم هو ابن أبي النجود، وحديثُه في الصحيحين مقرونٌ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٦٧)، وقال: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.
وفي صحيح البخاري (٣٦٦٨) أنَّ عمر ﵁ قال لأبي بكر يوم السقيفة: «بل نبايعُك أنت؛ فأنت سيِّدنا وخيرُنا وأحبُّنا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخذ عمر بيده، فبايعه وبايعه الناس» .
٤ - روى مسلم في صحيحه (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله البجلي
[ ٧٣ ]
أنَّه قال: «سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: إنِّي أبرأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإنَّ الله تعالى قد اتَّخذني خليلًا، كما اتَّخذ إبراهيمَ خليلًا، ولوكنتُ متَّخذًا من أُمَّتي خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا» الحديث.
وهذا التنويهُ بهذه الفضيلة العظيمة للصِّدِّيق في مرض موته - ﷺ - وقبل وفاته بخمس ليالٍ، فيه إشارةٌ قويّةٌ إلى أنَّه الأحقُّ بالخلافة من غيره.
٥ - روى البخاري (٣٦٦٤) ومسلم (٢٣٩٢) في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول: «بينا أنا نائمٌ رأيتُني على قليبٍ عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثمَّ أخذها ابنُ أبي قُحافة فنزع بها ذَنُوبًا أو ذَنوبين، وفي نزعه ضَعفٌ، والله يغفر له ضعفَه، ثمَّ استحالت غربًا فأخذها ابنُ الخطاب، فلَم أَرَ عَبْقريًاّ من الناس ينزع نزعَ عمر، حتى ضرب الناسُ بعَطَن» .
ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهذه الرؤيا فيها إشارةٌ إلى خلافة أبي بكر وقِصَرها، وإلى خلافة عمر مِن بعده، وطولها وكثرة نفعها.
٦ - روى ابن أبي شيبة في مصنّفه (٧/٤٣٤ رقم:٧٠٥٣) فقال: حدثنا ابن نُمير، عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير قال: سمعتُ عليًاّ يقول: «قُبض رسول الله - ﷺ - على خير ما عليه نَبِيٌّ من الأنبياء، قال: ثمَّ استخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله - ﷺ - وبسنته، ثمَّ قُبض أبو بكر على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها، ثمَّ استُخلف عمر فعمل بعملهما وسنتهما، ثمَّ قُبض على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها وبعد أبي بكر» .
ورجالُ هذا الإسناد محتجٌّ بهم، فعبد خير وعبد الله بن نمير ثقتان، وعبد الملك بن سلع صدوق.
[ ٧٤ ]
ثانيًا: حكايةُ الإجماع والاتّفاق على خلافة أبي بكر ﵁:
لَم يأت نصٌّ عن رسول الله - ﷺ - صريحٌ على خلافة أبي بكر أو غيره، لكنَّه قد جاء أحاديث صحيحة تدلُّ دلالة قويَّة على أنَّه أولَى من غيره بالخلافة، وقد مرَّ جملةٌ منها، وقد حصل اتِّفاق الصحابة ﵃ على بيعته، وتحقَّق ما أخبر به الرسول - ﷺ - في قوله في الحديث المتقدِّم قريبًا: «يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر»، ويدلُّ على حصول اتِّفاقهم على بيعته ما يلي:
١ - روى الحاكم في المستدرك (٣/٧٨ - ٧٩) قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثني أبي وأحمد بن منيع، قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عاصم، عن زِر، عن عبد الله (يعنِي ابنَ مسعود) قال: «ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيِّئًا فهو عند الله سيِّء، وقد رأى الصحابةُ جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر ﵁» .
ورجاله مُحتجٌّ بهم، والقطيعي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/٢١٠)، وقال عنه: «الشيخ العالم المحدِّث مسند الوقت» .
٢ - روى البخاري في صحيحه (٧٢١٩) بإسناده إلى الزهري أنَّه قال: «أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنَّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي النَّبِيُّ - ﷺ -، فتشهَّد وأبو بكر صامت لا يتكلَّم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يَدْبَرَنا، يريد بذلك أن يكون آخرَهم، فإن يكُ محمدٌ - ﷺ - قد مات، فإنَّ الله تعالى قد جعل بين أظهرِكم نورًا تهتدون به بما هدى الله به محمدًا - ﷺ -، وإنَّ أبا
[ ٧٥ ]
بكر صاحب رسول الله - ﷺ - ثاني اثنين، فإنَّه أولَى الناسِ بأمورِكم، فقوموا فبايِعوه، وكانت طائفةٌ منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بَنِي ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر، قال الزهري (أي بالإسناد المتقدِّم) عن أنس بن مالك: سمعتُ عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناسُ عامَّة» .
٣ - روى أبو داود في سننه (٤٦٣٠) قال: حدَّثنا محمد بن مسكين، حدَّثنا محمد - يعني الفريابي - قال: سمعتُ سفيان (يعني الثوري) يقول:
«مَن زعم أنَّ عليًّا ﵇ كان أحقَّ بالولاية منهما فقد خطَّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء» .
إسناده صحيح، ومحمد بن يوسف الفريابي ثقة أخرج له الجماعة، ومحمد بن مسكين ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبوداود والنسائي.
٤ - روى البيهقي في كتابه مناقب الشافعي (١/٤٣٤) بإسناده إلى الشافعي قال: «أجمع الناسُ على خلافة أبي بكر، واستخلَف أبو بكر عمر، ثمَّ جعل عمرُ الشورى إلى ستة، على أن يُوَلُّوها واحدًا، فوَلَوْها عثمان ﵃ أجمعين» .
٥ - قال الإمام أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة (ص:١٨٥ - ١٨٦): «وأثنى الله ﷿ على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق الكتاب بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان، فقال ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية.
قد أجمع هؤلاء الذين أثنى عليهم ومدَحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁، وسَمَّوه خليفة رسول الله - ﷺ -، وبايعوه وانقادوا له،
[ ٧٦ ]
وأقَرُّوا له بالفضل، وكان أفضلَ الجماعة في جميع الخصال التي يستحقُّ بها الإمامةَ من العلم والزهد وقوَّة الرأي وسياسة الأمَّة وغير ذلك» .
٦ - قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ المعروف بابن السَّقاء: «وأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر، قالوا له: يا خليفة رسول الله! ولَم يُسَمَّ أحدٌ بعده خليفة، وقيل: إنَّه قُبض النَّبِيُّ - ﷺ - عن ثلاثين ألف مسلم، كلٌّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله! ورَضوا به مِن بعده، ﵃، وإلى حيث انتهينا قيل لهم: أمير المؤمنين» . من تاريخ بغداد للخطيب (١٠/١٣١) .
والمراد أنَّ أبا بكر كان يُقال له: يا خليفة رسول الله! وأمَّا غيره فيُقال له: يا أمير المؤمنين.
٧ - قال أبو عثمان الصابوني إسماعيل بن عبد الرحمن في كتابه عقيدة السَّلف أصحاب الحديث (ص:٨٧): «ويُثبت أصحابُ الحديث خلافةَ أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله - ﷺ - باختيار الصحابة واتِّفاقهم عليه وقولهم قاطبة: رَضِيَه رسولُ الله - ﷺ - لدِيننا فرضيناه لدُنيانا، يعني أنَّه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيَّام مرضه وهي الدِّين، فرضيناه خليفةً للرسول - ﷺ - علينا في أمور دُنيانا.
وقولهم: قدَّمك رسول الله - ﷺ - فمَن ذا الذي يُؤَخِّرك؟ وأرادوا أنَّه - ﷺ - قدَّمَك في الصلاة بنا أيَّام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمَن ذا الذي يُؤخِّرك بعد تقديمه إيَّاك؟!
وكان رسول الله - ﷺ - يتكلَّم في شأن أبي بكر في حال حياته بِما يُبيِّن للصحابة أنَّه أحقُّ الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتَّفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه - والله - وارتفعوا به وعَزُّوا وعَلَوْا بسببه» .
٨ ـ
[ ٧٧ ]
قال الإمام البيهقي في كتابه الاعتقاد (ص:١٧٩ - ١٨٠): «وقد صحَّ بما ذكرنا اجتماعُهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطنُ عليٍّ أو غيرِه بخلاف ظاهرِه، فكان عليٌّ أكبرَ محلًاّ وأجلَّ قدرًا من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حقٍّ أو يُظهِرَ للناس خلافَ ما في ضميره، ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لَم يصحَّ إجماعٌ قطُّ، والإجماعُ أَحَدُ حُجَج الشريعة، ولا يجوز تعطيلُه بالتوهُّم» .
٩ - قال ابن قدامة في لُمعة الاعتقاد (ص:٣٥): «وهو (أي أبو بكر الصديق) أحقُّ خلق الله بالخلافة بعد النَّبِيِّ - ﷺ -؛ لفضله وسابقته وتقديم النَّبِيِّ - ﷺ - له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃ وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة» .
١٠ - قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١/٢٦٤):
«وأجمعت الصحابةُ على تقديم الصدِّيق بعد اختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بَنِي ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منَّا أميرٌ ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إنَّ العربَ لا تدين إلاَّ لِهذا الحيِّ من قريش، ورَوَوا لهم الخبرَ في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش» .
١١ - قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٥/١٥٤ - ١٥٥) عند شرحه لأثر عائشة ﵂ لَمَّا سُئلت: «مَن كان رسول الله - ﷺ - مستخلفًا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثمَّ مَن بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثمَّ قيل لها: مَن بعد عمر؟ قالت: أبو عبيد بن الجراح، ثمَّ انتهت إلى هذا»، قال: «هذا دليلٌ لأهل السُّنَّة في تقديم أبي
[ ٧٨ ]
بكر ثمَّ عمر في للخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه دلالة لأهل السُّنَّة أنَّ خلافةَ أبي بكر ليست بنصٍّ من النَّبِيِّ - ﷺ - على خلافته صريحًا، بل أجمعت الصحابةُ على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نصٌّ عليه أو على غيره لَم تقع المنازعةُ من الأنصار وغيرهم أولًا، ولَذَكر حافظ النصَّ ما معه، ولرجعوا إليه، لكن تنازعوا أوَّلًا، ولم يكن هناك نصٌّ، ثمَّ اتَّفقوا على أبي بكر واستقرَّ الأمر» .
١٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٦/٤٥٥): « فبايعه الذين بايعوا الرَّسولَ تحت الشجرة، والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لَمَّا كانوا يُهاجرون إليه، والذين بايعوه لَمَّا كانوا يُسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرِهم، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنِّي أحقُّ بهذا مِن أبي بكر، ولا قاله أحدٌ في أحدٍ بعينه: إنَّ فلانًا أحقُّ بهذا الأمر من أبي بكر» .
١٣ - عقد ابن القيم في كتابه «الفوائد» فصلًا في فضائل أبي بكر، ومِمَّا جاء فيه قوله في (ص:٩٥): «نطقتْ بفضله الآياتُ والأخبارُ، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار» .
١٤ - قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (٩/٤١٥ - ٤١٨):
«وقد اتَّفق الصحابةُ ﵃ على بيعة الصِّديق في ذلك الوقت، حتى عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ وأرضاهما، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الإسفراييني، ثنا أبو علي الحُسين بن علي الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب، قالا: نا بُندار بن بشار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وُهيب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نَضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: «قُبض رسول الله - ﷺ -، واجتمع الناسُ في دار سعد بن
[ ٧٩ ]
عُبادة، وفيهم أبو بكر وعمر، قال: فقام خطيبُ الأنصار فقال: أتَعلمون أنَّ رسول الله - ﷺ - كان من المهاجرين، وخليفتَه من المهاجرين، ونحن كنَّا أنصارَ رسولِ الله - ﷺ -، فنحن أنصارُ خليفتِه كما كنَّا أنصارَه، قال: فقام عمرُ بنُ الخطاب، فقال: صدق قائلُكم، ولو قُلتُم غيرَ هذا لَم نُتابِعكم، فأخذ بيد أبي بكر، وقال: هذا صاحبُكم فبايِعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصارُ، قال: فصعد أبو بكر المنبرَ، فنظر في وجوه القوم، فلَم يرَ الزبيرَ، فدعا بالزبير فجاء، قال: قلتَ: ابنُ عمَّةِ رسول الله - ﷺ - وحواريُّه، أردتَ أن تشُقَّ عصا المسلمين؟! قال: لا تثريبَ يا خليفة رسول الله! فقام فبايعه، ثمَّ نظر في وجوه القوم فلَم يرَ عليًّا، فدعا بعليِّ بن أبي طالب، فجاء فقال: قلتَ: ابنُ عمِّ رسول الله - ﷺ - وختَنُه على ابنتِه، أردتَ أن تشُقَّ عصا المسلمين؟! قال: لا تثريبَ يا خليفة رسول الله! فبايعه)، هذا أو معناه» .
وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله رجال مسلم، وابن خزيمة هو إمام الأئمة صاحب الصحيح.
وإبراهيم بن أبي طالب هو محمد بن نوح، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/٤٥٧) وقال: «الإمام الحافظ المجوِّد الزاهد، شيخ نيسابور، وإمام المحدِّثين في زمانه»، ونقل عن الحاكم أنَّه قال فيه: «إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرِّجال، جمع الشيوخ والعلل» .
وأبو علي الحسين بن علي الحافظ، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/٥١) وقال: «الحافظ الإمام العلاَّمة الثبت أبو علي الحسين بن علي ابن يزيد بن داود النيسابوري، أحد النُّقَّاد» .
وشيخ البيهقي، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/٣٠٥) وقال: «الإمام الحافظ النَّاقد القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن حسين
[ ٨٠ ]
ابن شاذان بن السَّقا الإسفراييني، من أولاد أئمَّة الحديث، سمع الكتب الكبار وأملى وصنَّف» .
وقد أورد ابن كثير حديث البيهقي هذا في البداية (٨/٩٢) بإسناده ومتنه، وفيه أنَّ كنية شيخه أبو الحسن، ثمَّ قال: «وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطَعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سِنان الخدري»، وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى (٨/١٤٣) هذا الإسناد وأحال في متنه على متن إسناد قبله، وقال:
«بنحوه»، وفيه أنَّ كنية شيخه: أبو الحسن.
وقال ابن كثير أيضًا (٩/٤١٧): «وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم، حدَّثني أبي: (أنَّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأنَّ محمد بن مسلمة كسَر سيفَ الزبير، ثمَّ خطب أبو بكر، واعتذر إلى الناس، وقال: والله! ما كنتُ حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة، ولا سألتُها الله في سرٍّ ولا علانية، فقبِل المهاجرون مقالتَه، وقال عليٌّ والزبير: ما غضِبْنا، إلاَّ لأنَّنا أُخِّرنا عن المشورة، وإنَّا نرى أبا بكر أحقَّ الناس بها بعد رسول الله - ﷺ -؛ إنَّه لصاحبُ الغار، وإنَّا لنعرِف شرَفَه وخَيْرَه، ولقد أمره رسولُ الله - ﷺ - بالصلاة بالناس وهو حي) .
وهذا اللاَّئق بعليٍّ ﵁، والذي تدلُّ عليه الآثار من شهودِه معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القَصَّة بعد موت رسول الله - ﷺ -، كما سنورده، وبذلِه له النصيحةَ والمشورةَ بين يديه، وأمَّا ما يأتي من مبايعته إيَّاه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵊ بستَّة أشهر، فذلك محمولٌ على أنَّها بيعةٌ ثانية أزالت ما كان قد وقع من وَحشةٍ بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إيَّاهم ذلك بالنصِّ عن رسول الله - ﷺ - في قوله: (لا نورَث ما تركنا فهو صدقة») .
[ ٨١ ]
وإسناد موسى بن عقبة صحيح؛ سعد بن إبراهيم وأبوه من رجال الصحيحين، وسعدٌ ثقة، وأبوه له رؤية.
١٥ - قال يحيى بن أبي بكر العامري في كتابه الرياض المستطابة (ص:١٤٣): «وقد كانت بيعتُه إجماعًا من الصحابة الذين هم أعرفُ بالحال، وأدرى بصحَّة الدليل في المقال، والإجماعُ حُجَّة قطعية من غيرهم، فما ظنُّك بهم؟!» .
ومِمَّا تقدَّم من الأحاديث والآثار وحكاية الإجماع يتبيَّن أنَّ خلافةَ أبي بكر ﵁ حقٌّ، وأنَّه أوْلَى بالخلافة من غيره، وأنَّ القولَ بخلاف ذلك ضلالٌ عن الحقِّ وخروجٌ عن الجادَّة واتِّباعٌ لغير سبيل المؤمنين التي بيَّنها الرسول - ﷺ - في قوله: «يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر»، فالله يأبى إلاَّ أبا بكر، والمؤمنون يأبون إلاَّ أبا بكر، ويأبى بعضُ الذين اتَّبعوا غيرَ سبيل المؤمنين مِن أهل الأهواء والبدعِ إلاَّ غير أبي بكر، نعوذ بالله من الخذلان.
ثمَّ أقول: إنَّ غُلوَّ المالكي في عليٍّ ﵁ لا يُفيد عليًّا شيئًا، وإنَّ جفاءَه في حقِّ الكثيرين من الصحابة لا يضُرُّهم شيئًا، وإنَّما مضرَّة الغلوِّ والجفاء تعود على الغالي الجافي، نسأل الله السلامةَ والعافية.
تنبيه: بعد إيراد المالكي كلامه الذي شكَّك فيه في أَوْلَوِيَّةِ أبي بكر ﵁ في الخلافة أورد كلامًا يُشكِّك فيه في أوْلوية عمر وعثمان ﵄ في الخلافة من بعده، ولَم أُشغِل نفسي بإيراده هنا والردِّ عليه؛ اكتفاءًا بما تقدَّم في خلافة أبي بكر ﵁، ومن المعلوم أنَّ مَن سهُل عليه التشكيكُ في خلافة أبي بكر فإنَّ تشكيكَه في خلافة عمر وعثمان أسهلُ وأسهل، نسأل الله السلامة والعافية من كلِّ شرٍّ وسوء.
* * *
[ ٨٢ ]