قال المؤلف ص ١١١ تحت عنوان (رأي القرآن في الصحابة).
«قبل كل شيء لابد لي أن أذكر أنه ﷾ قد مدح في كتابه العزيز في العديد من المواقع صحابة رسول الله، الذين أحبوا الرسول ﷺ واتبعوه، وهذا القسم من الصحابة الذين عرف المسلمون قدرهم من خلال مواقفهم وأفعالهم معه، أحبوهم، وأجلوهم، وعظموا قدرهم، وترضوا عنهم كلما ذكروهم.
وبحثي لا يتعلق بهذا القسم من الصحابة، الذين هم محط الإحترام والتقدير من السنة والشيعة، كما لا يتعلق بالقسم الذي اشتهر بالنفاق، والذين هم معرضون للعن المسلمين جميعًا من السنة والشيعة، ولكن بحثي يتعلق بهذاالقسم من الصحابة، الذين اختلف فيهم المسلمون، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع، والذين حذرهم رسول الله ﷺ في العديد من المناسبات أو حذر منهم».
قلت: لا يخفى ما في كلامه هذا من الكذب والتلبيس، وذلك أن أهل السنة يعتقدون عدالة الصحابة كلهم، وأما المنافقون فليسوا من الصحابة بحال، فالصحابي في الإصطلاح: هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا
به ومات
[ ٢٢٣ ]
على ذلك (^١) فخرج الكفار والمنافقون من حد الصحبة، لأنهم لم يؤمنوا بالنبي ﷺ، وإن كان المنافقون في عهد النبي ﷺ يعاملون بما يظهرون من الإسلام.
وتقسيمه الذي ذكره لا يمثل سوى عقيدة الرافضة، دون أهل السنة. فالرافضة هم الذين يقسمون الصحابة إلى قسمين: عدول ومرتدين، وعندهم أن الصحابة كلهم ارتدوا عن الإسلام إلا القليل منهم، لا يتجاوزون أربعة أو سبعة، كما جاء ذلك مصرحًا به في بعض رواياتهم المشهورة، التي تقدم نقلها عند الحديث عن معتقدهم في الصحابة. (^٢)
فالصحابة الذين قال: إن الفريقين يعتقدون عدالتهم: هم أولئك الأفراد الذين يستثنيهم الرافضة من حكم الردة، والقسم الذي ذكر أنه اختلف فيه هم عامة الصحابة الذين يعتقد الرافضة ردتهم وكفرهم، وأما أهل السنة فلا يقرون هذا التقسيم ولا يعتقدونه فالصحابة عندهم كلهم عدول.
ومع فساد هذا التقسيم الذي ذكره، فكان الأولى به لو كان صادقًا فيما ادعاه من الإنصاف أن يقول بعد هذا: إني سأبحث في
سيرة هذا القسم من الصحابة وأثبت الحق في ذلك، لكنه ذكر هذا
القسم ثم حكم عليه مباشرة وطعن فيه فقال: «ولكن بحثي يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين اختلف فيهم المسلمون، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع، والذين حذرهم رسول الله ﷺ في العديد من المناسبات أو حذر منهم» .
فظهر أن الرجل إنما يقرر عقيدة الرافضة في الصحابة في أصل تقسيمه لهم وحكمه عليهم، خلافًا لما يدعيه من العدل والإنصاف والتجرد في الحكم، ولهذا سبق حُكْمُه بحثه في سيرتهم وأحوالهم، وذكره النصوص التي زعم أنها مستنده فيما يقرر.
_________________
(١) الإصابة لابن حجر ١/٧.
(٢) انظر ص ٧٥ ومابعدها.
[ ٢٢٤ ]
ثم شرع المؤلف في ذكر الآيات التي زعم أنها كشفت حال الصحابة ونزلت بتوبيخهم وتهديدهم.
[ ٢٢٥ ]
طعن الرافضي على الصحابة بقوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار﴾، والرد عليه.
قال الرافضي ص١١٢: «المثال الأول على ذلك هو آية
محمد رسول الله يقول تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ . (^١)
قال بعد ذلك: «.. فكلمة (منهم) التي ذكرها الله تعالى دلت على التبعيض وأوحت أن البعض من هؤلاء لاتشملهم مغفرة الله ورضوانه، ودلت أيضًا على أن البعض من الصحابة انتفت منهم صفة الإيمان والعمل الصالح، فهذه الآيات المادحة والقادحة في آن واحد فهي بينما تمدح نخبة من الصحابة تقدح في آخرين» .
قلت: تضمنت هذه الآية الكريمة أبلغ الثناء والمدح من الله تعالى لأصحاب النبي ﷺ ووصفه لهم بتلك الصفات العظيمة، الدالة على
علو قدرهم في الدين، ورسوخ قدمهم في الإيمان والعمل الصالح، وأما
ما ادعاه
_________________
(١) سورة الفتح آية ٢٩.
[ ٢٢٦ ]
هذا الرافضي أن (منهم) في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم﴾ (^١) للتبعيض وأنها تدل على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعضهم، فهذا من فرط جهله، وجرأته على الله، وكذبه عليه بما لا تحتمله الآية ولا يستند لقول أحد من أهل العلم في تفسيرها.
والذي عليه المفسرون وأهل العلم أن (من) في الآيه لبيان الجنس فيكون المعنى: (وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس) وهم
الصحابة.
قال القرطبي: «وليست من في قوله: (منهم) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم، ولكنها عامة مجنسة مثل قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (^٢) لايقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس أي: فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب فأدخل (من) يفيد بها الجنس وكذا (منهم) أي: من هذا الجنس، يعني: جنس
الصحابة، ويقال: أنفق نفقتك من الدراهم أي: اجعل نفقتك
هذا الجنس». (^٣)
وكذا قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «من هذه لبيان الجنس». (^٤)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: «فإن قيل لم قال: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم﴾ (^٥) ولم يقل: وعدهم كلهم؟
قيل: كما قال: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا
الصالحات﴾ (^٦) ولم يقل: وعدكم و(من) تكون لبيان الجنس، فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (^٧) فإنه لا يقتضي أن يكون من الأوثان ما ليس برجس.
_________________
(١) سورة الفتح آية ٢٩.
(٢) سورة الحج آية ٣٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٢٨٢.
(٤) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٠٥.
(٥) سورة الفتح آية ٢٩.
(٦) سورة النور آية ٥٥.
(٧) سورة الحج آية ٣٠.
[ ٢٢٧ ]
وإذا قلت: ثوب من حرير فهو كقولك: ثوب حرير، وكذلك قولك: باب من حديد كقولك: باب حديد، وذلك لا يقتضي أن يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره
كليًا فإن الجنس الكلي هو: مالا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يكن مشتركًا فيه في الوجود، فإذا كانت (من) لبيان الجنس كان التقدير: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ من هذا الجنس وإن كان الجنس كلهم مؤمنين مصلحين» (^١) .
فتبين بهذا بطلان ما ادعاه الرافضي من أن (من) في الآية تبعيضية واستدلاله بها على انتفاء الإيمان والعمل الصالح عن بعض الصحابة، لمخالفة ذلك لما ذكره العلماء هنا، بل مخالفته لعموم نصوص الكتاب والسنة، القاطعة بعدالة الصحابة وتزكيتهم، والشهادة لهم بالإيمان والتقوى، والسبق في ذلك، وما أخبر الله عنهم من رضاه عنهم، ورضاهم عنه، ووعده لهم بأعلى الدرجات في الجنة، ومخالفته كذلك لما هو معلوم بالاضطرار للمسلمين، وما انعقد عليه إجماعهم من حسن الثناء عليهم، والاعتراف لهم بالفضل والسبق في الدين، وأن الأمة بعدهم لا يبلغوا مراتبهم، ولا يدانوهم في الفضل، مما يجعل الطعن فيهم طعن في الأمة، والقدح فيهم قدح في الكتاب والسنة.
_________________
(١) منهاج السنة ٢/٣٨-٣٩.
[ ٢٢٨ ]