قال الرافضي ص ١٦٧:
«٣ - علي أولى بالاتباع:
ومن الأسباب التي دعتني للاستبصار وترك سنة الآباء والأجداد، الموازنة العقلية والنقلية بين علي بن أبي طالب وأبي بكر
وقد فتشت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعًا إلا على علي بن أبي طالب، فقد أجمع على إمامته الشيعة والسنة في ما ورد من نصوص تثبتها مصادر الفريقين، بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلا فريق من المسلمين.
كما أن كثيرًا من الفضائل والمناقب التي يذكرها الشيعة في علي بن أبي طالب لها سند ووجود حقيقي ثابت في كتب أهل السنة المعتمدة عندهم، ومن عدة طرق لايتطرق إليها الشك، فقد روى الحديث في فضائل الإمام علي جمع غفير من الصحابة حتى قال أحمد ابن حنبل: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل كما جاء لعلي بن أبي طالب.
وقال القاضي إسماعيل والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي.
[ ٣٣٩ ]
أما بشأن أبي بكر فقد فتشت في كتب الفريقين فلم أجد له في كتب أهل السنة والجماعة القائلين بتفضيله ما يوازي أو يعادل فضائل الإمام علي.
على أن فضائل أبي بكر المذكورة في الكتب التاريخية مروية عن ابنته عائشة، وقد عرف موقفها من الإمام علي، فهي تحاول بكل جهدها دعم أبيها ولو بأحاديث موضوعة، أو عن عبد الله بن عمر، وهو أيضًا من البعيدين عن الإمام علي، وقد رفض مبايعته بعدما أجمع الناس على ذلك، وكان يحدث: أن أفضل الناس بعد النبي أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم لا تفاضل، والناس بعد ذلك سواسية، يعنى هذا الحديث أن عبد الله بن عمر جعل الإمام عليًا من سوقة الناس كأي شخص عادي ليس له فضل ولا فضيلة»
والجواب: أن هذا الكلام قد تضمن من الافتراء، والكذب، والظلم، والبغي الشيء العظيم، مما يعلمه من له أدنى اطلاع على سيرة الصحابة ووقف على النصوص، وأقوال أهل العلم في ذلك، ولولا ما أعلم من سخف عقول هؤلاء الرافضة، وخسة طباعهم، وقلة حيائهم، وعظيم جرأتهم على الكذب والبهتان، لتعجبت أن يصدر هذا الكلام من عاقل يزعم أنه يستند في بحثه للنصوص الصحيحة، ويدعى التحقيق العلمى المتجرد، يخاطب الناس بهذا الكلام الذي يعلم الخاص والعام أنه محض كذب وافتراء.
فقوله فتشت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعًا إلا على علي بن أبي طالب، فقد أجمع على إمامته السنة والشيعة، بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلا فريق من المسلمين.
فهذا القول مع ما تضمنه من الكذب فهو ليس بحجة على ما ادعى من بطلان خلافة أبي بكر، إذ ليس من شرط صحة خلافة أبي بكر إجماع كافة الفرق عليها، ونظير هذا القول قول اليهود للمسلمين: اتفقنا على صحة نبوة موسى ﵇، واختلفنا في نبوة
محمد ﷺ، فدل هذا على صحة نبوة ما
[ ٣٤٠ ]
اتفقنا عليه، وبطلان نبوة ما اختلفنا فيه، وكذلك لو قال النصارى للمسلمين مثل هذا في عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فمعلوم أن هذا القول فاسد من أصله، فكذلك قول الرافضي هذا فاسد كفساد قول اليهود والنصارى على حد سواء.
وقد نبه على هذا في الرد على الرافضة الإمام الدهلوي في التحفة الإثني عشرية قال: «ومن مكايدهم أنهم يقولون: إن فضائل أهل البيت وما روي في إمامة الأمير متفق عليه عند الفريقين بخلاف فضائل الخلفاء الثلاثة فهى مختلف فيها، فينبغي للعاقل أن يختار ما اتفق عليه بموجب (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) . والجواب: أن شبهتهم هذه كشبهة اليهود والنصارى في قولهم: إن نبوة موسى وعيسى متفق عليها عند الفريقين، بخلاف نبوة محمد ﷺ، والذي يزيل هذه الشبهة
هو أن الأخذ بالمتفق عليه وترك المختلف فيه إنما يكون بمقتضى العقل لو لم يوجد دليل آخر، فإن وجد فلا التفات للاتفاق والاختلاف» . (^١)
قلت: وهذه القاعدة على فسادها فإن مقدمتها التي بنيت عليها غير مسلمة، فليس صحيحًا أن الأمة اتفقت على إمامة علي واختلفت في إمامة أبي بكر، وبيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه بالنظر إلى مواقف عامة المسلمين من السنة والشيعة، ومن عداهم من فرق الأمة، يظهر بطلان هذه الدعوى بل صحة خلافها، وهو أن الأمة قد اتفقت على إمامة أبي بكر أكثر مما اتفقت على إمامة علي، بل لايعرف من خالف في إمامة أبي بكر إلا الرافضة، بينما خالف في إمامة علي كثير من الخلق حتى زعمت بعض الفرق نسبته للكفر والردة كالخوارج، واعتقدت فيه بعض الطوائف الفسق كالنواصب وأضرابهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مقررًا هذا الأمر في معرض رده
_________________
(١) مختصر التحفة الإثني عشرية ص٣٦.
[ ٣٤١ ]
على الرافضي في دعواه الاتفاق على إمامة علي وأنه نزهه الموافق والمخالف:
«هذا كذب بين، فإن عليًا ﵁ لم ينزهه المخالفون، بل القادحون في علي طوائف متعددة، وهم أفضل من القادحين في
أبي بكر وعمر وعثمان، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه، فإن الخوارج متفقون على كفره، وهم عند المسلمين كلهم خير من الغلاة الذين يعتقدون إلاهيته أو نبوته، بل هم والذين قاتلوه من الصحابة والتابعين خير عند جماهير المسلمين من الرافضة الإثني عشرية الذين اعتقدوه إمامًا معصومًا، وأبو بكر وعمر وعثمان ليس في الأمة من يقدح فيهم إلا الرافضة. والخوارج المكفرون لعلي يوالون أبا بكر وعمر ويترضون عنهما، والمروانية الذين ينسبون عليًا إلى الظلم، ويقولون: إنه لم يكن خليفة، يوالون أبا بكر وعمر مع أنهما ليسا من أقاربهم فكيف يقال: إن عليًا نزهه المؤالف والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة.
ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل، وأن القادحين في علي حتى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة، وهم أعلم من الرافضة وأدين، والرافضة عاجزون معهم علمًا ويدًا، فلا يمكن للرافضة أن تقيم عليهم حجة تقطعهم بها، ولا كانوا في القتال منصورين عليهم» . (^١)
فظهر بهذا أن الذين يصححون إمامة أبي بكر ويعتقدون عدالته أكثر من القائلين بإمامة علي واعتقاد عدالته، بل إنه لم يقدح في إمامة
أبي بكر وعدالته إلا الرافضة دون سائر فرق الأمة، بينما يقدح في إمامة علي وعدالته بل إسلامه بعض الفرق الذين هم أعلم بدين الله وأقوم من الرافضة وإن كانوا ضالين في اعتقادهم في علي ﵁.
الوجه الثاني: أنا لا نسلم موافقة أهل السنة للرافضة فيما تعتقده في إمامة علي-﵁.
_________________
(١) منهاج السنة ٥/٧-٨.
[ ٣٤٢ ]
فالرافضة تعتقد في علي أنه وصي النبي ﷺ وخليفته على الأمة مباشرة، وأن الخلفاء قبله كانوا مغتصبين لهذا الحق، ظالمين لعلي وأن خلافتهم غير شرعية.
وأما أهل السنة فيعتقدون في علي أنه الخليفة الرابع بعد الخلفاء الثلاثة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان، ويضللون من اعتقد تقدمه على واحد من هؤلاء فشتان بين العقيدتين.
وعلى هذا فليس بين أهل السنة والرافضة أي اتفاق في هذه المسألة إلا على عدالة علي وأنه خليفة راشد، وبالتالي فهم لا ينتفعون من تقرير هذه القاعدة إلا على إثبات عدالة علي وخلافته، وتبقى بقية معتقداتهم في علي التي هي محل نزاع بينهم وبين سائر فرق الأمة مفتقرة إلى الدليل خارجة عن هذه القاعدة التي قعدوها.
وبهذا يظهر لك أيها القارىء بطلان دعوى الرافضي في احتجاجه بمبدأ الاتفاق والاختلاف عند أهل السنة والرافضة، وأن هذه حجة داحضة وشبهة زائفة بما تقدم ذكره. هذا مع كذبه في دعوى اتفاق الأمة على خلافة علي واختلافها في خلافة أبي بكر مما يظهر من خلاله فساد قوله وسقوط حجته جملة وتفصيلًا.
أما ما ادعاه من أنه فتّش في كتب أهل السنة فلم يجد لأبي بكر من الفضائل ما يوازي فضائل علي.
فجوابه: أنه بقوله هذا يكشف للناس عن جهله الفاضح فيما ادعاه أوكذبه الواضح فيما عزاه، فإن المنازع في هذه المسألةكمن ينازع في طلوع الشمس في رابعة النهار حتى إن سلف هذا الرافضي مع عظيم جهلهم، وكثرة كذبهم، لا أعلم -بحسب ما اطلعت عليه من أقوالهم- أنهم قالوا بقول هذا الرجل، وإنما يزعم عامتهم أن ما اشتهر في كتب السنة من فضائل أبي بكر وعمر وعثمان موضوعة مكذوبة، ولايجترؤن على ما اجترأ عليه من الكذب والبهتان، وما على القارئ الراغب في الوقوف على كذب هذا الرافضي وتزويره، إلا أن يتصفح أقرب ما لديه من كتب أهل السنة في
[ ٣٤٣ ]
الحديث -وأشهرها الصحيحان والسنن- ويقارن بين ماجاء فيها من الأحاديث في فضائل أبي بكر وفضائل علي ليقف بنفسه على حقيقة الأمر ومبلغ هذا الرافضي من العلم.
وسأورد فيما يلي أمثلة لبعض هذه الأحاديث الثابتة في فضائل أبي بكر ومناقبه، التي لم يشاركه فيها أحد من الصحابة لا علي ولامن هو أفضل من علي (كعمر وعثمان) ليعلم بهذا بطلان دعوى الرافضي في هذا الأمر:
فمن ذلك:
مارواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري قال: (خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبابكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لايبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر). (^١)
وفي الصحيحين أيضًا من حيث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ بعثه علي جيش ذات السلاسل، قال: (فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك، قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب فعدّ رجالًا). (^٢)
ومن حديث أبي الدرداء قال: (كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي ﷺ: أما صاحبكم
_________________
(١) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر) فتح الباري ٧/ ١٢، ح ٣٦٥٤، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁) ٤/ ١٨٥٤، ح ٢٣٨٢.
(٢) رواه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا) فتح الباري ٧/ ١٨، ح ٣٦٦٢، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر)، ٤/ ١٨٥٦، ح ٢٣٨٤.
[ ٣٤٤ ]
فقد غامر فسلم وقال: يارسول الله إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا فأتى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يارسول الله والله أنا كنت أظلم (مرتين) فقال النبي ﷺ: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي (مرتين) فما أوذي بعدها. (^١)
قال ابن شاهين بعد ماروى الحديث: «تفرد أبو بكر الصديق بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد». (^٢)
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك عن أبي بكر ﵁ قال: (قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا
فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما). (^٣)
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون). (^٤)
ومن حديث أبي موسى الأشعري قال: مرض رسول الله ﷺ فاشتد
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: (فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا)، فتح الباري ٧/ ١٨، ح ٣٦٦١.
(٢) كتاب اللطيف لابن شاهين ص ١٥٧.
(٣) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم) فتح الباري ٧/ ٨، ح ٣٦٥٣، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر) ٤/ ١٨٥٤، ح ٢٣٨١.
(٤) أخرجه البخاري في: (كتاب المرضى، باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع)، فتح الباري ١٠/ ١٢٣، ح ٥٦٦٦، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر) ٤/ ١٨٥٧، ح ٢٣٨٧.
[ ٣٤٥ ]
مرضه فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: يارسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس، فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف قال فصلى بهم أبو بكر حياة رسول الله ﷺ). (^١)
وقد شهد له الصحابة بأنه كان أفضلهم ومنهم علي ﵁
على ماروى البخاري من حديث محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: (أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين). (^٢)
وفي خبر البيعة قال عمر لأبي بكر: (أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ) (^٣)، وكان ذلك بحضور جمع من الصحابة فلم ينكر ذلك أحد فكان إجماعًا.
وعن ابن عمر قال: (كنا في زمن النبي ﷺ لانعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم). (^٤)
فهذه نماذج مما ورد في فضل أبي بكر الصديق ﵁ من المناقب والفضائل العظيمة التي لم يشاركه فيها غيره، مما جاء في الصحيحين أو أحدهما فقط من غير استقصاء لذلك، فكيف مع
الاستقصاء!! فكيف بما جاء في غيرهما!! وأما ما جاء في كتب السنة عامة من فضائله الأخرى التي
_________________
(١) أخرجه مسلم: (كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر) ١/ ٣١٦، ح ٤٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا)، فتح الباري ٧/ ٢٠، ح ٣٦٧١.
(٣) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا)، فتح الباري ٧/ ٢٠، ح ٣٦٦٨.
(٤) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان)، فتح الباري ٧/ ٥٣ - ٥٤، ح ٣٦٩٧.
[ ٣٤٦ ]
شاركه فيها بعض الصحابة كعمر وبقية الخلفاء فإنها أجل من أن تستوعب في هذا المقام.
وأشير هنا إلى ما تضمنته الأحاديث المتقدمة من تلك المناقب التي اختص بها دون غيره من عامة الصحابة فمنها:
١ - قول النبي ﷺ في حقه: إنه أمن الناس عليه في صحبته وماله.
٢ - قول النبي ﷺ في حقه (لو كنت متخذًا غير ربي خليلًا لا تخذت أبا بكر).
٣ - أمر النبي ﷺ أن تسد الأبواب في المسجد إلا بابه.
٤ - إخبار النبي ﷺ أنه أحب الرجال إليه، وابنته أحب النساء إليه.
٥ - غضب النبي ﷺ له حتى تمعر وجهه، وانتصاره له، واستغفاره له ثلاثًا.
٦ - إخبار النبي ﷺ أنه صدقه من غير تردد ولا شك، بعد ما كذبه قومه.
٧ - قول النبي ﷺ في حقه: (هل أنتم تاركو لي صاحبي) ولم يقل ذلك لأحد غيره، مما يدل على اختصاصه من الصحبة بما لم يبلغه غيره.
٨ - أنه صاحب النبي ﷺ في الهجرة وثاني اثنين في الغار، وقول النبي ﷺ له: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
٩ - إرشاد النبي ﷺ لاستخلافه، وهمّه أن يكتب بذلك كتابًا، ثم تركه ذلك ثقة بالله ويقينًا. وأن الله يأبى غير ذلك ويأبى المؤمنون غيره، وهذا من أعظم مناقبه، وأنه لا يختلف في فضله بعد النبي ﷺ.
١٠ - شهادة الصحابة له بما فيهم علي ﵁ أنه خير الناس بعد النبي ﷺ، وشهادة عمر له بأنه: سيدهم، وخيرهم، وأحبهم إلى رسول الله ﷺ، في جمع كبير من خيار الصحابة، فلم ينكر ذلك عليه أحد فدل على إجماعهم على ذلك.
[ ٣٤٧ ]
١١ - تقديم النبي ﷺ له في الصلاة وصلاته بالناس في حياة النبي ﷺ.
فهذه المناقب لم يشارك الصديق فيها أحد من الصحابة على الإطلاق، لا علي ولا غيره، فكيف يدعي هذا الرافضي أنه فتش في كتب أهل السنة فلم يجد لأبي بكر من الفضائل ما يثبت لعلي، مع أن هذه الأحاديث قد جاءت في الصحيحين وهي مشهورة، لا تكاد تخفى على أحد من صغار طلاب العلم فكيف بمن يدعي البحث والتحقيق العلمي.
ومقارنة بما ثبت في حق أبي بكر من الفضائل التي لم يشاركه فيها غيره، فينبغي أن يعلم أن ما ثبت في حق علي ﵁ من الفضائل ليست هي من خصائصه، بل قد يشاركه فيها غيره من الصحابة، وذلك أن من أجل ما ثبت في حق علي من الفضائل:
حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم أنه قال وقد ذكر عنده علي بن أبي طالب: (أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له خَلّفَه في بعض مغازيه، فقال له علي: يارسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليًا فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ (^١)، دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: اللهم هؤلاء أهلي). (^٢)
فهذا الحديث مع ما فيه من المناقب العظيمة لعلي بن أبي طالب، إلا
_________________
(١) سورة آل عمران آية ٦١.
(٢) أخرجه مسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب) ٤/ ١٨٧١.
[ ٣٤٨ ]
أنها ليست مما اختص به علي على غيره من الصحابة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
قال بعد أن ذكر الحديث: «فهذا حديث صحيح رواه مسلم في
صحيحه وفيه ثلاث فضائل لعلي لكن ليست من خصائص الأئمة، ولا من خصائص علي، فإن قوله وقد خلفه في بعض مغازية فقال له علي: يارسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله ﷺ: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي ليس من خصائصه، فإنه استخلف على المدينة غير واحد ولم يكن هذا الاستخلاف أكمل من غيره، ولهذا قال علي: اتخلفني مع النساء والصبيان فبين له النبي ﷺ أن الاستخلاف ليس نقصًا ولا غضاضة فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده، وكذلك أنت استخلفتك لأمانتك عندي، لكن موسى استخلف نبيًا، وأنا لا نبي بعدي، وهذا تشبيه في أصل الاستخلاف فإن موسى استخلف هارون على جميع بني اسرائيل، والنبي ﷺ استخلف عليًا على قليل من المسلمين، وجمهورهم استصحبهم في الغزاة، وتشبيهه بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر وعمر، هذا بإبراهيم وعيسى، وهذا بنوح وموسى، فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص.
وكذلك قوله: لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا، فقال: ادعو لي عليًا، فأتاه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله على يديه، وهذا الحديث أصح ماروي
لعلي من الفضائل أخرجاه في الصحيحين من غير وجه، وليس هذا الوصف مختصًا بالأئمة ولا بعلي، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي، وكل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين يتبرؤن منه ولا يتولونه، ولايحبونه، بل قد يكفرونه أو
[ ٣٤٩ ]
يفسقونه، كالخوارج فإن النبي ﷺ شهد له بأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله
وكذلك حديث المباهلة شركه فيه فاطمة، وحسن، وحسين، كما شركوه في حديث الكساء، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال، ولابالذكور، ولا بالأئمة، بل يشركه فيه المرأة والصبي». (^١)
وكذلك ما جاء في حق علي ﵁ من فضائل في أحاديث أخرى لا يعني اختصاصه بها، كقول النبي ﷺ في حقه: (أنت مني وأنا منك) (^٢)، بل قد تثبت لغيره.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن قوله لعلي: (أنت مني وأنا منك) ليس من خصائصه، بل قال ذلك للأشعريين، وقاله لجليبيب وإذا لم يكن من خصائصه بل قد شاركه في ذلك غيره، من هو دون الخلفاء الثلاثة في الفضيلة، لم يكن دالًا على الأفضلية ولا على الإمامة». (^٣)
ونظير هذا قول النبي ﷺ له: (إنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) (^٤) فهو ليس من خصائصه لأنه ثبت أنه قال مثل هذا للأنصار، فعن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول للأنصار: (لايحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله). (^٥)
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٤٢ - ٤٥، وانظر: أيضًا تقرير شيخ الإسلام لهذه المسألة في منهاج السنة ٥/ ١٣ - ٣٦، ٨/ ٤١٩ - ٤٢١.
(٢) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب عمرة القضاء)، فتح الباري ٧/ ٤٩٩، ح ٤٢٥١.
(٣) منهاج السنة ٥/ ٣٠، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الكلام مفصلًا مع ذكر الأدلة عليه المشار إليها هنا قبل ذلك، انظره: في الكتاب نفسه ٥/ ٢٨ - ٢٩.
(٤) أخرجه مسلم من حديث علي ﵁: (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵁ من الإيمان) ١/ ٨٦، ح ٧٨.
(٥) أخرجه مسلم: (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان) ١/ ٨٥، ح ٧٥.
[ ٣٥٠ ]
قال أبو نعيم بعد ذكر حديث: (لا يحبك إلا مؤمن) قلنا: «هكذا نقول وهذه من أشهر الفضائل وأبين المناقب لا يبغضه إلا منافق ولا يحبه إلا مؤمن ولو أوجب هذا الخبر خلافة، لوجبت إذًا
الخلافة للأنصار، لأنه قال مثله في الأنصار» (^١) ثم ساق الحديث.
فهذه أعظم فضائل علي ﵁ ومناقبه الثابتة في الأحاديث الصحيحة قد تبين عدم اختصاصه بها دون غيره، بل قد ثبت مثلها في حق من هو دون أبي بكر في الفضل، في حين أن ما ثبت لأبي بكر من الفضائل لم يشاركه فيها أحد لا علي ولا من هو أفضل منه، على ما تقدم تقريره بالأدلة الصحيحة الصريحة، الدالة على بطلان دعوى الرافضي وظهور كذبه.
وأما ما نسبه الرافضي لأحمد ﵀ أنه قال: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل كما جاء لعلي).
فهذا إن ثبت عن الإمام أحمد فمحمول على مجموع ماروى من الصحيح والضعيف، وهذا لا يخالف ما هو مقرر عندنا، وأما الصحيح فلا يمكن أن يكون كذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره كذب، لا يقوله أحمد ولا غيره من أئمة الحديث، لكن قد يقال: روى له مالم يرو لغيره لكن أكثر ذلك من نقل من عُلم كذبه وخطؤه». (^٢)
وكذلك ما نقله الرافضي عن باقي الأئمة كالقاضي إسماعيل والنسائي وأبي علي النيسابوري فهو كما قال شيخ الإسلام فإن كان المقصود بالمنقول الصحيح فلا يمكن أن يثبت ذلك عن الأئمة، لأن الواقع يشهد بخلاف هذا، وإن كان المقصود من ذلك مجموع المنقول من الصحيح وغيره فلذلك وجه.
_________________
(١) الرد على الرافضة ص ٢٤٤.
(٢) منهاج السنة ٨/ ٤٢١.
[ ٣٥١ ]
والسبب والله أعلم في كثرة ما يروى من فضائل علي، سواء من الصحيح، أو الضعيف، أو الموضوع، يرجع إلى أمرين:
الأول: انتساب الرافضة لعلي ﵁ ودعواهم محبته، ووضعهم كثيرًا من الروايات الموضوعة في فضائله، على ما هو معلوم من كتبهم، وعلى ما صرح به العلماء المشتغلون بالحديث ونقده.
يقول ابن الجوزي: «وغلو الرافضة في حب علي ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه» . (^١)
الثاني: ما ذكره ابن حجر ﵀ في الفتح بعد نقله الأثر المتقدم، المنسوب لأحمد ولبعض الأئمة حيث قال: «وكأن السبب في ذلك أنه تأخر ووقع الاختلاف في زمانه، وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه، من كثرة من كان بينها من الصحابة، ردًا على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جدًا،
ثم كان من أمر علي ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه ثم اشتد الخطب فتنقصوه، واتخذوا لعنه على المنابر سنة، ووافقهم الخوارج على بغضه وزادوا حتى كفروه، مضمومًا ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السنة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السنة إلى بث فضائله، فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف في ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة من الفضائل إذا حرر بميزان العدل، لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلًا» . (^٢)
وأما قول الرافضي إن فضائل أبي بكر مروية عن ابنته عائشة وقد عرف موقفها من علي، أو عن ابن عمر وهو من البعيدين عن علي.
فهذا من أظهر الكذب وأوضحه: فإن فضائل أبي بكر قد نقلها كثير من الصحابة، ليست مقصورة على واحد أو اثنين أو قريبًا من ذلك، فضلًا
_________________
(١) تلبيس إبليس ص١٣٦.
(٢) فتح الباري ٧/٧١.
[ ٣٥٢ ]
أن يدعى أنها محصورة فيما نقلته عائشة أو ابن عمر، وهذه كتب السنة وفي مقدمتها الصحيحان تشهد بصحة هذا، فما على طالب الحق إلا أن يرجع إليها ليقف على جلية الأمر بنفسه. ويكفي دلالة على هذا أن ما تقدم نقله من النصوص في فضل أبي بكر
والتي تضمنت أكثر من عشر مناقب هي من خصائص أبي بكر التي لم يشاركه فيها غيره ليست مقصورة في روايتها على من ذكر، بل لم ترو عائشة منها إلا حديثًا واحدًا وهو إرادة النبي ﷺ أن يكتب لأبي بكر كتابًا بالوصية له، والإشارة لاستخلاف أبي بكر ثابتة بأحاديث أخرى من غير طريق عائشة، كحديث جبير بن مطعم في قصة المرأة التي جاءت للنبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت: (يارسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر)، وهذا الحديث في الصحيحين (^١) وكحديث حذيفة الذي في السنن أن النبي ﷺ قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (^٢)، وأما ابن عمر فقد روى حديثًا واحدًا أيضًا في تقديم الصحابة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان (^٣)، وهذا ثابت دون ذكر عثمان، من طريق محمد بن الحنفية
عن أبيه علي بن أبي طالب وأن أفضل الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر. (^٤)
وأما بقية الأحاديث فقد رواها عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن العاص، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري على ما تقدم نقل أحاديثهم آنفًا، كما روى
_________________
(١) أخرجه البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا)، فتح الباري ٧/ ١٧، ح ٣٦٥٩، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر) ٤/ ١٨٥٦، ح ٢٣٨٦.
(٢) أخرجه الترمذي في: (كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر) ٥/ ٦٠٩، ح ٣٦٦٢، وابن ماجه: (في المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ) ١/ ٣٧، ح ٩٧، والحاكم في المستدرك ٣/ ٧٩، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٢٣٣، رقم ١٢٣٣، وفي صحيح ابن ماجه ١/ ٢٣، ح ٨٠.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٨٨.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٨٨.
[ ٣٥٣ ]
فضائل أبي بكر من غير هؤلاء جمع كبير من الصحابة، منهم على سبيل المثال لا الحصر: عمر بن الخطاب، والبراء ابن عازب، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر، وأبوهريرة، وعبد الله ابن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة، وعمرو بن عنبسة، وأبو أمامة، وجابر بن عبد الله، وسفينة (مولى أم سلمة)، وأبو بكرة، وغيرهم ممن يصعب حصرهم (^١) وإنما ذكرت هنا بعض ما يستدل به على كذب الرافضي في دعواه: أنه لم يرو فضائل أبي بكر إلا عائشة وابن عمر ﵄.
على أنه لو اقتصرت فضائل أبي بكر على روايتهما فليسا متهمين في روايتهما، فكون عائشة ابنة أبي بكر ليس قادحًا في قبول ما تروي من فضائله، لأن عدالة الصحابة أمر مقطوع به، فكيف بأم المؤمنين عائشة على ما هي عليه من وفور العلم والدين، والقرب من رسول الله ﷺ، واتهام هذا الأفاك الأثيم أم المؤمنين بوضع الأحاديث في فضائل أبيها، هذا من أعظم البهتان، الذي نسأل الله تعالى أن يجازيه به جزاء وفاقًا. وأما اتهامه ابن عمر بهذه التهمة أيضًا، مدعيًا أنه كان من البعيدين عن علي فهذه فرية أخرى لا تقل عن سابقتها، ودعوى مجردة من أي دليل.
ولو أخذنا بمقياس الرافضي هذا في نقد الروايات، لكان هذا واردًا على ما يروى في فضل علي من الأحاديث التي نقلها أبناؤه وأهل بيته، ومن تدعى الرافضة تشيعهم له من الصحابة، بل ما يروي علي نفسه من فضائله كقوله: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) (^٢) فإن كانت عائشة ﵂ متهمة في ماروته من فضائل أبيها ﵄ فالتهمة واردة هنا على علي، وأبنائه، وأهل بيته، ومن
_________________
(١) انظر: الأحاديث في فضائل أبي بكر بالإضافة إلى ما تقدم تخريجه في الصحيحين: في سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل، وباب الخلفاء) ٥/ ٢٤ - ٣١، وسنن الترمذي: (كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق، وباب في مناقب أبي بكر وعمر) ٥/ ٦٠٦ - ٦١٧، والمستدرك للحاكم ٣/ ٦٤ - ٨٦.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٩٤.
[ ٣٥٤ ]
يُدعى تشيعهم له، فيما ينقلونه من فضائله، بل إن التهمة في الوضع
لعلي أقوى من التهمة في الوضع لأبي بكر، ذلك أن أبا بكر لم تختلف الأمة عليه، ولم تفترق عنه، بل كانت مجتمعة عليه، ولم تشك في فضله، فما كان محتاجًا لهذا أصلا، بخلاف علي فإن الأمة افترقت في عهده، وقاتلته طائفة منها، وتنكرت له طوائف من أهل البدع ففسقه أقوام، وكفره آخرون فكان محتاجًا لما يجمع الناس عليه، وكان الدافع لدى محبيه وشيعته أقوى في الوضع له، من الدافع لأهل بيت أبي بكر في الوضع له بل إن الثاني منعدمًا تمامًا لعدم الحاجة إليه، ولهذا فإن الموضوع في فضل علي ﵁ من الأحاديث أكثر بكثير مما وضع في فضل أبي بكر أو غيره من الصحابة، لكن هذا ليس من صنيع أحد من أهل بيته المعروفين بالعلم والعدالة، ناهيك أن ينسب شيء من ذلك له، أو لأحد من أبنائه أو الموالين له من الصحابة، فإنهم أبعد الناس عن ذلك، بل هم الصادقون المصدقون في كل ما ينقلون وما يروون، فمن اعتقد فيهم غير ذلك فقد باء بالخسران وناله ما نال الرافضة من الإثم والبهتان. وأما أهل السنة فهم بحمد الله يعتقدون في الصحابة كلهم العدالة المطلقة، والصدق والأمانة فيما يخبرون به عن أنفسهم أوغيرهم، ولا يتطرق لديهم الشك في ما ينقل عن الصحابة من أخبار في الفضائل وغيرها إذا ما ثبتت النسبة إليهم، وأسندوها إلى
رسول الله ﷺ، وإنما أردت من هذا بيان فساد قول الرافضي، ودحض حجته، وكشف شبهته، والله تعالى من وراء القصد.
وأما قول الرافضي عن ابن عمر أنه رفض مبايعة علي بعدما أجمع الناس على ذلك، فدعوى مجردة عن الدليل، وهو مطالب بصحة النقل لإثبات ذلك، فكيف به ولم يوثق كلامه بنقل، ولم يحل على مصدر، فكان حق مثل هذه الدعوى أن لايُعبأ بها، ولا يتكلف الرد عليها. غير أني أذكر هنا بعض ما يدل على كذبه، ويقطع الشك الذي قد يثيره في النفوس.
فأقول: إن بيعة علي ﵁ كانت باتفاق أصحاب النبي ﷺ لا يعرف بينهم تنازع في ذلك، كما تقدم تقرير ذلك بنقل الروايات الدالة
[ ٣٥٥ ]
على اتفاق الصحابة على استخلافه، وأنهم كانوا يرون أنه أولى الناس بذلك (^١)، وقد كان ابن عمر من أعيان الصحابة وكبارهم، وممن لا يغفل له رأي لو كان مخالفًا، ولا نتشر ذلك بين الناس، ونقلته المصادر. وإنما الذي حصل: أن بيعة علي ﵁ كانت في وقت فتنة وتفرق بين الناس، بسبب مقتل عثمان فتريث بعض الصحابة
-ومنهم ابن عمر- في البيعة وقالوا لا نبايع حتى يبايع الناس على ماروى ذلك الطبري في تأريخه من طريق أبي مليح في خبر البيعة لعلي وفيه: «وخرج علي إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار
وطاق (^٢)، وعمامة خزّ، ونعلاه في يده، متوكئًا على قوس فبايعه الناس، وجاءوا بسعد فقال علي: بايع، قال لا أبايع حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس، قال: خلوا سبيله، وجاءوا بابن عمر فقال: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: ائتني بحميل (^٣)، قال: لا أرى حميلًا، قال: الأشتر؛ خلِّ عني أضرب عنقه، قال عليّ: دعوه أنا حميله». (^٤)
وقد كان هذا التوقف من سعد وابن عمر في البيعة لعلي في بداية الأمر. ثم إنهما بايعا بعد ذلك، بعدما اجتمع الناس على عليّ، فقد كان هذا شرطهما، وهذا من تمام فقههما ﵄ فإنهما لو بايعا عليًا وبايع الناس غيره لتبعهما في بيعتهما خلق كثير، ولتفرق الناس افتراقًا عظيمًا. ومما يدل على بيعتهما بعد ذلك ما نقله ابن كثير في سياق أحداث البيعة لعلي ﵁ حيث قال: «فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد
مراجعة الناس لهم في ذلك وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان
_________________
(١) انظر: ص ٢٣٤ من هذا الكتاب.
(٢) الطاق: قال ابن الأعرابي هو: الطيلسان، وقيل: الطيلسان الأخضر، لسان العرب لابن منظور ١٠/ ٢٣٣.
(٣) الحميل: هو الكفيل ومنه الحديث: (الحميل غارم) أي: الكفيل ضامن، لسان العرب ١١/ ١٨٠.
(٤) تأريخ الطبري ٤/ ٤٢٨.
[ ٣٥٦ ]
يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس». (^١)
فتبين أن بيعة علي كانت في يومين يوم الخميس، ويوم الجمعة، فلعل من نقل تخلف ابن عمر، وسعد، وبعض الصحابة، كان في اليوم الأول من البيعة، ثم إنهم بايعوا في اليوم الثاني، فلم يتخلف منهم أحد، وهذا الذي قرره المؤرخون الذين نقلوا خبر البيعة.
يقول ابن حبان في كتاب الثقات: إن الناس حين هرعوا إلى علي بعد مقتل عثمان لمبايعته قال: ليس ذلك إليكم، وإنما لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أولئك إلا أتى إليه، فطلب أن تكون على ملإٍ من الناس، فخرج إلى المسجد فبايعوه. (^٢)
ويقول ابن عبد ربه: «لما قتل عثمان أقبل الناس يهرعون إلى علي بن أبي طالب، فتراكمت عليه الجماعة في البيعة، فقال: ليس ذلكم إليكم إنما ذلك لأهل بدر ليبايعوا فقال: أين طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص؟ فأقبلوا فبايعوا ثم بايعه المهاجرون والأنصار، وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة
سنة خمس وثلاثين هجرية». (^٣)
ثم إن الروايات الصحيحة جاءت مؤكدة دخول ابن عمر في البيعة. (^٤)
فقد روى الذهبي من طريق سفيان بن عيينة، عن عمر بن نافع، عن أبيه عن ابن عمر قال: (بعث إليّ علي فقال: يا أبا عبد الرحمن إنك رجل مطاع في أهل الشام، فسر فقد أمرتك عليهم، فقلت: أذكرك الله وقرابتي من رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، إلا ما أعفيتني فأبى عليّ، فاستعنت عليه بحفصة فأبى، فخرجت ليلًا إلى مكة). (^٥) وهذا دليل قاطع على مبايعة
_________________
(١) البداية والنهاية ٧/ ٢٣٨.
(٢) انظر الثقات لابن حبان ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٣) العقد الفريد ٤/ ٣١٠.
(٤) قد عنيت بعض الدراسات الحديثة بجمع هذه الروايات، انظر: على سبيل المثال، كتاب تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة للدكتور محمد أمحزون ٢/ ٥٩ - ٧٥.
(٥) سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٢٤، وقال محققو الكتاب: «رجاله ثقات».
[ ٣٥٧ ]
ابن عمر، ودخوله في الطاعة، إذ كيف يوليه عليّ وهو لم يبايع.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر: من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن ابن عمر أنه قال حين احتضر: (ما آسى على شيء إلا تركي قتال
الفئة الباغية مع علي ﵁). (^١)
وهذا مما يدل أيضًا على مبايعته لعلي، وأنه إنما ندم على عدم خروجه مع علي للقتال فإنه كان ممن اعتزل الفتنة، فلم يقاتل مع أحد، ولو كان قد ترك البيعة لكان ندمه على ذلك أكبر وأعظم ولصرح به. فإن لزوم البيعة والدخول فيما دخل الناس فيه واجب، والتخلف عنه متوعد عليه برواية ابن عمر نفسه أن النبي ﷺ قال: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). (^٢)
وهذا بخلاف الخروج للقتال مع علي، فإنه مختلف فيه بين الصحابة وقد اعتزله عامة الصحابة، فكيف يتصور أن يندم ابن عمر على ترك هذا القتال، ولا يندم على ترك البيعة لو كان تاركًا لها، مع ما فيه من الوعيد الشديد.
وبهذا كله يظهر كذب الرافضي فيما ادعاه، من ترك ابن عمر البيعة لعلي ﵄ حيث ثبت أنه كان من المبايعين له بل
المقربين منه، الذين كان يحرص على توليتهم، والاستعانة بهم، لما رأى
فيه من صدق الولاء والنصح له، فرضي الله عنهما وسائر الصحابة والقرابة، وقاتل الله المفرقين بينهم الطاعنين عليهم بما ليس فيهم من المارقين والملحدين.
وأما قول الرافضي ضمن طعنه في ابن عمر: «وكان يحدث أن أفضل الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم لا تفاضل والناس بعد ذلك سواسية»، ثم قال: «ويعني هذا أن ابن عمر جعل الإمام عليًا من سوقة الناس، كأي شخص ليس له فضل».
_________________
(١) الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع بحاشية كتاب الإصابة لابن حجر ٦/ ٣٢٦.
(٢) أخرجه مسلم: (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ..) ٣/ ١٤٧٨، ح ١٨٥١.
[ ٣٥٨ ]
فجوابه: أن هذا الأثر صحيح مشهور عن ابن عمر، وقد تقدم ذكره عند ذكر فضائل أبي بكر، لكن الرافضي زاد فيه ماليس منه، وهو قوله: «والناس بعد ذلك سواسية» ثم طعن بذلك على ابن عمر
﵄ وزعم أنه يرى مساواة علي وعامة الناس في الفضل، وهذه الزيادة لم يقلها ابن عمر، ولم تثبت عنه في شيء من طرق هذا الأثر.
فإن هذا الأثر رواه البخاري عن ابن عمر من طريقين:
الأولى: من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عنه أنه قال: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان بن عفان ﵃». (^١)
والثانية: من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عنه أنه قال: (كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) (^٢)، وقد أخرجه من هذه الطريق أبو داود في سننه. (^٣)
كما أخرج أبو داود هذا الأثر من طريق ثالثة عن سالم
ابن عبد الله عن ابن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله ﷺ
حي أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم
عثمان ﵃). (^٤)
فهذه طرق الأثر الصحيحة المشهورة، لم ترد فيها تلك الزيادة التي زعم الرافضي، وحيث إنه لم يعز هذه الزيادة لمصدر، فلا عبرة لها ولا بما علقه عليها من مطاعن لا أصل لها.
وأما إن زعم الرافضي أن ماذكره هو مفهوم ما جاء في الأثر: (ثم
_________________
(١) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ)، فتح الباري ٧/ ١٦، ح ٣٦٥٥.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٨٨.
(٣) سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل) ٥/ ٢٤ - ٢٥، ح ٤٦٢٧.
(٤) سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل) ٥/ ٢٦، ح ٤٦٢٨.
[ ٣٥٩ ]
نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) رُدّ بأن هذا الفهم غير مسلم، فترك المفاضلة شيء، واعتقاد المساواة شيء آخر، والثابت عن ابن عمر هو ترك المفاضلة بين الصحابة بعد أولئك الثلاثة، لا أنه كان
يعتقد تساوي الباقين في الفضل، فإن هذا لم يقله ولا يحتمله لفظه بوجه، ناهيك عن دعوى الرافضي أنه يعتقد تساوي علي في الفضل مع أي شخص عامي، لا فضل له ولا صحبة، فإن هذا من أبطل الباطل الذي لا يقول به أقل الناس علمًا وفهمًا، فكيف بالصحابي الجليل ابن عمر الذي كان يعرف لعلي فضله وقدره بين أصحاب
النبي ﷺ.
وقد نص على هذا العلماء في شرح الحديث: قطعًا لهذه الشبهة.
قال الخطابي: «وجه ذلك والله أعلم أنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان علي رضوان الله عليه في زمان رسول الله ﷺ حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي كرم الله وجهه، ولا تأخيره ودفعه عن الفضيلة بعد عثمان، وفضله مشهور، لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة» . (^١)
ونقل ابن حجر: عن بعض العلماء أن قول ابن عمر هذا كان قبل أن ينعقد الإجماع على أفضلية علي بعد الخلفاء الثلاثة. (^٢)
قلت: وعلى كل حال فابن عمر إنما يحكي ما كان سائدًا بين
الصحابة في عهد النبي ﷺ من المفاضلة بين الصحابة على نحو ما ذكر، وما كان يعبر عن رأيه الخاص، وهو صادق في خبره، والطعن في صحة هذا القول لا يرد عليه وحده، وإنما يرد على عامة الصحابة. وعندئذ يظهر لك أيها القارئ مقدار ضلال الطاعن في هذا الأثر، ومدى بعده عن الحق. وأما بعد هذا العهد الذي يصفه ابن عمر فإن الذي استقر عليه أمر أهل السنة هو تفضيل علي بعد الخلفاء الثلاثة، وعلى ذلك نص العلماء المحققون من أهل السنة.
_________________
(١) معالم السنن ٤/٢٧٩.
(٢) انظر: فتح الباري ٧/١٦.
[ ٣٦٠ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق أهل السنة من العلماء، والعباد، والأمراء، والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃» . (^١)
ويقول أيضًا: «ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم
عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃ كما دلت عليه
الآثار» . (^٢)
ويقول ابن أبي العز: «وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃
أجمعين في الفضل كترتيبهم في الخلافة» . (^٣)
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وبراءة ابن عمر ﵄ من مطاعن هذا الرافضي وكشف كذبه وتزويره في كلام هذا الصحابي الجليل لمّا لم يجد في كلامه ما يطعن به عليه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/٤٠٦.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/١٥٣.
(٣) شرح الطحاوية ص٧٢٧.
[ ٣٦١ ]