قال الرافضي ص ١٦١: «أما الأسباب التي دعتني للاستبصار فكثيرة جدًا ولا يمكن لي في هذه العجالة إلا ذكر بعض الأمثلة منها:
١ - النص على الخلافة:
لقد آليت على نفسي عند الدخول في هذا البحث أن لا أعتمد إلا ماهو موثوق عند الفريقين، وأن أطرح ما انفردت به فرقة دون الأخرى
والباحث في هذا الموضوع إذا تجرد للحقيقة فإنه سيجد النص على علي بن أبي طالب واضحًا جليًا كقوله ﷺ: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه). وهذا النص مجمع عليه من الشيعة والسنة
أما الاجماع المدعى على انتخاب أبي بكر يوم السقيفة ثم مبايعته بعد ذلك في المسجد، فإنه دعوى بدون دليل، إذ كيف يكون الإجماع وقد تخلف عن البيعة علي والعباس وسائر بني هاشم، كما تخلف أسامة بن زيد، والزبير، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد ابن الأسود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وخزيمة بن ثابت
وأبو بريده الأسلمي، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، وسهل بن حنيف، وسعد بن عبادة، وقيس بن سعد، وأبو أيوب الانصاري، وجابر بن عبد الله، وخالد بن سعيد، وغير هؤلاء كثيرون فأين الإجماع ياعباد الله؟
[ ٣٢٨ ]
وجوابه: أن هذا الحديث الذي ذكره وهو قوله ﷺ: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) قد أخرجه أحمد والترمذي والحاكم (^١) ولم يخرجه أحد من أصحاب الصحاح، وقد اختلف العلماء في تصحيحه كما نقل ذلك أئمة أهل الشأن.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فليس في الصحاح لكن هو مما رواه العلماء، وتنازع الناس في صحته، فنقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه، كما حسنه الترمذي، وقد صنف أبو العباس بن عقده مصنفًا
في جمع طرقه». (^٢)
وقال ابن حزم: «وأما من كنت مولاه فعلي مولاه فلا يصح من طريق الثقات أصلًا». (^٣)
وقد ذهب إلى تصحيح هذا الحديث الحاكم، ومن المعاصرين الشيخ الألباني. (^٤)
والقصد أن العلماء اختلفوا في تصحيح الحديث، وهذا على خلاف ما ادعى الرافضي من أن الحديث موثق عند الفريقين، فإن من العلماء من ينكره ولا يرى صحته كما تقدم.
وعلى القول بصحة الحديث فلا حجة فيه للرافضة في دعواهم أنه نص على خلافة علي، فإن الموالاة المذكورة في الحديث هي (الموالاة) التي ضد المعاداة. لا (الولاية) التي هي الإمارة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٨٤، ١١٨، والترمذي: في (كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب) ٥/ ٦٣٣، ح ٣٧١٣، وقال هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ٣/ ١١٨، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد حكم بصحة الحديث الشيخ الألباني في سلسلة الاحاديث الصحيحة ٤/ ٣٣٠، ح ١٧٥٠.
(٢) منهاج السنة ٧/ ٣١٩.
(٣) الفصل ٤/ ٢٢٤.
(٤) انظر: أقوالهم عند تخريج الحديث في الصفحة السابقة.
[ ٣٢٩ ]
قال ابن الاثير في النهاية: «تكرر ذكر المولى في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف،
والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه، وأكثرها قد جاءت
في الحديث، فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكل من ولي أمرًا أو قام به فهو مولاه ووليه، وقد تختلف مصادر هذه الأسماء (فالوَلاية) بالفتح في النسب، والنصرة، والمعتق، (والوِلاية) بالكسر في الإمارة والولاء المعتق، (والموالاة) من والى القوم، ومنه الحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) يحمل على أكثر الأسماء المذكورة. قال الشافعي ﵁ يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ (^١)» . (^٢)
وهذا المفهوم اللغوي الذين ذكره ابن الأثير هنا للفظة الموالاة في الحديث واستشهد له بقول الشافعي، هو الذي قرره العلماء المحققون في ردهم على الرافضة.
قال أبو نعيم: «فإذا احتج بالأخبار وقال: قال رسول الله ﷺ من كنت مولاه فعلى مولاه، قيل له: مقبول منك، ونحن نقول وهذه فضيلة بينة لعلي بن أبي طالب ﵇ ومعناه من كان النبي ﷺ مولاه فعلي والمؤمنون مواليه، دليل ذلك قول الله ﵎:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (^٣) وإنما هذه منقبة من النبي ﷺ لعلي ﵁ وحث على محبته وترغيب في ولايته لما ظهر من ميل المنافقين عليه وبغضهم له، وكذلك قال ﷺ: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) . (^٤) وحكي عن ابن عيينه أن
_________________
(١) سورة محمد آية ١١.
(٢) النهاية لابن الأثير ٥/٢٢٨.
(٣) سورة التوبة آية ٧١.
(٤) رواه مسلم: (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الانصار وعلي ﵃ من الإيمان) ١/٨٦، ح١٣١.
[ ٣٣٠ ]
عليًا ﵁ وأسامة تخاصمًا فقال علي لأسامة أنت مولاي فقال: لست لك مولى: إنما مولاي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: (من كنت مولاه فعلي مولاه). وهذا كما يقول الناس: فلان مولى بني هاشم، ومولى بني أمية وإنما الحقيقة واحد منهم». (^١)
ويقول شيخ الإسلام بعد أن ذكر تضعيف العلماء لهذا الحديث: ونحن نجيب بالجواب المركب، فنقول: إن لم يكن النبي ﷺ قاله فلا كلام، وإن كان قاله فلم يرد قطعًا الخلافة بعده، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغًا مبينًا، وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة، وذلك أن المولى
كالولي والله تعالى قال: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (^٢)، وقال: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (^٣) فبين أن الرسول ولي المؤمنين وأنهم مواليه أيضًا، كما بين أن الله وليّ المؤمنين وأنهم أولياؤهم، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فالموالاة ضد المعاداة وهي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين أعظم قدرًا، وولايته إحسان وتفضل، وولاية الآخر طاعة وعبادة
وفي الجملة فرق بين الولي والمولى ونحو ذلك وبين الوالي، فباب الولاية التي هي ضد العداوة شيء، وباب الولاية التي هي الإمارة شيء، والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية، والنبي ﷺ لم يقل: من كنت واليه فعلي واليه، وإنما اللفظ: من كنت مولاه فعلي مولاه. وأما كون المولى بمعنى الوالي فهذا باطل، فإن الولاية تثبت من الطرفين، فإن المؤمنين أولياء الله وهو مولاهم». (^٤)
فتبين أن المولاة التي أرادها النبي ﷺ هي موالاة الإسلام التي هي
_________________
(١) الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص ٢١٧ - ٢٢٠.
(٢) سورة المائدة آية ٥٥.
(٣) سورة التحريم آية ٤.
(٤) منهاج السنة ٧/ ٣٢١ - ٣٢٤.
[ ٣٣١ ]
ضد العداوة، والمستلزمة للمحبة والمناصرة، دون الولاية التي هي الإمارة، ولهذا ما استدل أحد من الصحابة لا علي ولا غيره بهذا الحديث على استخلاف علي، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل العلم المعتد بأقوالهم في الأمة، وإنما استدل به الرافضة الذين هم أجهل الناس بمدلولات النصوص وأبعدهم عن الفهم الصحيح.
وأما دعوى الرافضي تأخر بعض الصحابة عن بيعة أبي بكر وذكر منهم: عليًا، والعباس، وسائر بني هاشم، وأسامة بن زيد، والزبير وسلمان، وأبا ذر، والمقداد، الخ من ذكر: فدعوى مجردة من الدليل وهو مطالب بصحة النقل على ما يقول، وأما ما أحال عليه من كتب التاريخ كتاريخ الطبري، وابن الأثير، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، فمعلوم لكل مطلع على هذه الكتب أن أصحابها لم يلتزموا صحة ما ينقلون فيها من أخبار، بل ينقلون الأخبار بأسانيدها، ويرون أن الذمة تبرأ بذكر السند ليكون الباب مفتوحًا لمن أراد الدراسة والتحقيق، ولهذا يجد المطلع على هذه الكتب أن أصحابها قد ينقلون الروايات المتعارضة في المعنى في الموضع الواحد لهذا السبب.
على أنني تتبعت الكتب المذكورة فلم أجد أنها نقلت تخلف كل من ذكر عن بيعة أبي بكر، وإنما جاء في بعضها ذكر بعض الروايات التي فيها تخلف بعض الصحابة: كعلي، وطلحة، والزبير،
وسعد بن عبادة، عن البيعة كما في تاريخ الطبري. (^١)
وفي الكامل لابن الأثير: زيادة بني هاشم. (^٢)
وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: أن عليًا والزبير تأخرا عن بيعة
أبي بكر ثم إنهما جاءا فاعتذرا لأبي بكر وبايعا وقالا: (ما غضبنا
إلا لأنا أخرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي) . (^٣)
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري ٣/٢٠٢، ٢٠٣، ٢٠٦.
(٢) انظر: الكامل في التاريخ ٢/٣٢٥.
(٣) تاريخ الخلفاء ص٨٠.
[ ٣٣٢ ]
والصحيح الثابت أن الصحابة اتفقوا قاطبة على استخلاف الصديق، على ما دلت على ذلك النقول الصحيحة وأقوال المحققين من أهل العلم.
ففي صحيح البخاري من حديث عائشة الطويل في خبر البيعة لأبي بكر: (فقال عمر بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس). (^١)
وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: (ما رأى المسلمون
حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سييء، وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبابكر ﵁). (^٢)
وأخرج النسائي والحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال: (لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبابكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبابكر). (^٣)
فدلت هذه الروايات الصحيحة على اتفاق الصحابة على بيعة أبي بكر وإجماعهم على ذلك، على ماصرح بذلك الصحابة ﵃.
كما نقل هذا الإجماع غير واحد من الأئمة.
فعن معاوية بن قرة ﵀ قال: (ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يشكون أن أبابكر خليفة رسول الله ﷺ، وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله ﷺ، وما كانوا يجتمعون على خطأ
وضلال). (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ لو كنت متخذًا خليلًا) فتح الباري ٧/ ١٩ - ٢٠، ح ٣٦٦٨.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك ٣/ ٨٣ - ٨٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
(٣) أخرجه النسائي في (كتاب الإمامة- ذكر الإمامة والجماعة) ٢/ ٥٨، والحاكم في المستدرك ٣/ ٧٠ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٤) أورده السيوطي في تأريخ الخلفاء ص ٧٧.
[ ٣٣٣ ]
وعن الإمام الشافعي ﵀ قال: (أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق، وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرًا من أبي بكر فولوه رقابهم). (^١)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: «وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار، الذين هم بطانة رسول الله ﷺ، والذين بهم صار للإسلام قوة وعز، وبهم قُهِر المشركون، وبهم فتحت جزيرة العرب، فجمهور الذين بايعوا رسول الله ﷺ هم الذين بايعوا أبا بكر». (^٢)
ويقول أيضًا: «فلما اتفقوا على بيعته، ولم يقل أحد إني أحق بهذا الأمر منه، لا قرشي ولا أنصاري، فإن من نازع أولا من الأنصار لم تكن منازعته للصديق، بل طلبوا أن يكون منهم أمير، ومن قريش أمير، وهذه منازعة عامة لقريش، فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة.
ثم بايعوا أبا بكر من غير طلب منه، ولا رغبة بذلت لهم ولا رهبة، فبايعه الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة، والذين بايعوه ليلة
العقبة، والذين بايعوه لما كانوا يهاجرون إليه، والذين بايعوه لما كانوا يسلمون من غير هجرة كالطلقاء، ولم يقل أحد قط إنى أحق بهذا الأمر من أبي بكر، ولا قاله أحد في أحد بعينه: إن فلانًا أحق بهذا الأمر من أبي بكر». (^٣)
وقال الحافظ ابن كثير-﵀: «وقد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب، والزبير ابن العوام». (^٤) ثم ساق الروايات الصحيحة الدالة على ذلك.
فثبت بهذا اتفاق الصحابة ﵃ وإجماعهم على بيعة أبي بكر ﵁
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) منهاج السنة ١/ ٥٣١.
(٣) منهاج السنة ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥.
(٤) البداية والنهاية ٦/ ٣٠٦.
[ ٣٣٤ ]
كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة عن الصحابة، وعن أئمة السلف من بعدهم، وما قرره العلماء المحققين في هذا.
ولا يقدح في هذا ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ أن عليًا قد تخلف عن بيعة أبي بكر حياة فاطمة ﵂ ثم إنه بعد وفاتها التمس مصالحة أبي بكر وبايعه معتذرًا له بأنه ما كان ينافس أبا بكر في ما ساقه الله إليه من أمر الخلافة، لكنه كان يرى له حق المشورة لقرابته من رسول الله ﷺ. (^١)
فإن العلماء المحققين ذكروا أن هذه بيعة ثانية لإزالة ما كان قد وقع بسبب الميراث من وحشة، مع مبايعة علي لأبي بكر ﵄ في بداية الأمر:
قال ابن كثير ﵀ بعد أن ساق بعض الروايات الدالة على مبايعة علي لأبي بكر في بداية عهده: «وهذا اللائق بعلي ﵁ والذي تدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله ﷺ، كما سنورده، وبذله له النصيحة والمشورة بين يديه، وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵇ بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إياهم ذلك بالنص من رسول الله ﷺ ..». (^٢)
وقال ابن حجر في شرح حديث عائشة المشار إليه آنفًا: «وقد تمسك الرافضة بتأخر علي عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور. وفي هذا الحديث ما يدفع حجتهم، وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري وغيره: (أن عليًا بايع أبا بكر في أول الأمر) وأما ما وقع في مسلم عن الزهري أن رجلًا قال له: (لم يبايع علي
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (كتاب المغازي، باب غزوة خيبر) فتح الباري ٧/ ٤٩٣، ح ٤٢٤٠ - ٤٢٤١.
(٢) البداية والنهاية ٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
[ ٣٣٥ ]
أبا بكر حتى ماتت فاطمة؟ قال: لا
ولا أحد من بني هاشم) فقد ضعفه البيهقي بأن الزهري لم يسنده، وأن الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح، وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى، لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث كما تقدم، وعلى هذا فيحمل قول الزهري (لم يبايعه علي): في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضور عنده، وما أشبه ذلك. فإن في انقطاع مثله عن مثله ما يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرضا بخلافته، فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر علي المبايعة التي بعد موت فاطمة ﵍ لإزالة هذه الشبهة». (^١)
قلت: ومما يشهد لصحة مبايعة علي والزبير لأبي بكر في بداية الأمر: ما رواه الحاكم من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وفيه أن أبا بكر لما بويع خطب الناس وذكر من عدم حرصه على الخلافة، وعدم رغبته فيها إلى قوله: (فقبل المهاجرون ما قال وما اعتذر به، قال
علي ﵁ والزبير: ما غضبنا إلا لأنا قد أخرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين وإنا لنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس
وهو حي). (^٢)
وبهذا تندحض دعوى الرافضي في زعمه أن الصحابة لم يتفقوا على مبايعة أبي بكر، وإنكاره إجماع الصحابة على بيعته، وتبين أن ما استدل به من بعض الأخبار الواردة في كتب التاريخ بتخلف بعض الأفراد عن بيعة أبي بكر لاتثبت عند التحقيق، ولا تقوى على معارضة الروايات الصحيحة الدالة على إجماع الصحابة على بيعة
أبي بكر التي تناقلها المحدثون في كتبهم، وحكموا عليها بالصحة والثبوت، وما نص عليه المحققون من أهل السنة من القطع بإجماع الصحابة على بيعة الصديق.
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٤٩٥.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك ٣/ ٧٠، ح ٤٤٢٢ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٣٣٦ ]
على أن خلافة أبي بكر لو لم ينعقد الإجماع عليها من الصحابة لم يكن ذلك قادحًا في صحتها، إذ أنه ليس من شرط البيعة إجماع الناس عليها ومبايعتهم جميعهم، كما هو مقرر عند العلماء في السياسة الشرعية. (^١)
بل متى ما اتفق أهل الحل والعقد على رجل تمت له البيعة، ولزمت الجميع، وعلى هذا فلا يضر أبا بكر ولا يقدح في خلافته
تأخر بعض الأفراد عن بيعته بعد اتفاق جمهور الصحابة عليها، بل إن
هذا -لو ثبت- لكان قدحًا في حق المتخلفين عن بيعته، لخروجهم عن الجماعة، وما اتفق عليه أهل الرأي فيهم.
ثم إن هذا الرافضي مع ادعائه عدم الإجماع على بيعة أبي بكر، وزعمه تخلف بعض الأفراد عنها لا يستطيع أن ينكر رجوع هؤلاء المتخلفين عن رأيهم، ودخولهم في البيعة بعد ذلك، بل إنه يعترف بهذا، وحينئذ فلاحجة له في قول أو اجتهاد رجع عنه صاحبه إلى ما يرى أنه الحق والصواب، فكيف وقد حصل الإجماع والاتفاق على بيعة الصديق أول الأمر، وأتلفت عليه القلوب والأبدان من أول يوم.
_________________
(١) قال ابن جماعه: «ولا يشترط في أهل البيعة عدد مخصوص، بل من تيسر حضوره عند عقدها، ولا تتوقف صحتها على مبايعة أهل الأمصار، بل متى بلغتهم لزمهم الموافقة إذا كان المعقود له أهلًا لها». تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ص ٥٣.
[ ٣٣٧ ]