يقول المؤلف ص ٩٥، تحت عنوان: (الصحابة ورزية الخميس): «ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاثة أيام فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة، ليكتب لهم كتابًا يعصمهم من الضلالة، ولكن الصحابة اختلفوا، ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر، فغضب رسول الله ﷺ وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شئيًا».
ثم ذكر تحته كلامًا طويلًا، مفاده:
- أن اختلاف الصحابة هذا هو الذي منع رسول الله ﷺ من كتابة الكتاب، وبالتالي حرم الأمة من العصمة من الضلالة، واستدل على ذلك بقول ابن عباس ﵄: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب).
- أن الشيعة يعتقدون بأن الرسول ﷺ أراد أن ينص على خلافة علي، ثم ذكر أن هذا هو الرأي الذي يميل إليه، وليس هناك تفسير معقول غيره.
[ ١٩٦ ]
- أن عمر هو الذي عارض رسول الله ﷺ وقال: (إنه يهجر)، ثم
قال: (عندكم القرآن)، (حسبنا كتاب الله)، وقال إنه لا يجد مبررًا لقول عمر الذي أنزل رسول الله ﷺ أنه لا يعي ما يقول، وذكر أن تعليل أهل السنة بأن عمر قال ذلك شفقة على رسول الله ﷺ لايقبله بسطاء العقول فضلًا عن العلماء.
- أن الأكثرية الساحقة من الصحابة كانت على قول عمر ذلك، ولذلك رأى رسول الله ﷺ عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
- أن الصحابة في هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات إلى رميه ﷺ بالهجر والهذيان
قلت: ما ذكره المؤلف هنا من مطاعن ليس هو أول من أوردها، وإنما أخذها عن سلفه من الرافضة، وهي من مطاعنهم القديمة المشهورة على الصحابة. وعمدتهم في ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فقال النبي ﷺ هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ: قوموا.
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما
حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم). (^١)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ قال: (يوم الخميس وما يوم
_________________
(١) رواه البخاري: (كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ) فتح البارى ٨/ ١٣٢، ح ٤٤٣٢. ومسلم: (كتاب الوصية، باب من ترك الوصية) ٣/ ١٢٥٨، وفي رواية مسلم أن القائل إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع الخ هو عمر ﵁.
[ ١٩٧ ]
الخميس، اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجَر، اسْتَفْهِمُوه، فذهبوا يردون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها). (^١)
وليس فيما ثبت في هذا الحديث ورواياته الصحيحة أي مطعن على أصحاب رسول الله ﷺ، وأما ما ذكره هذا الرافضي من مطاعن
فباطلة معلومة الفساد، وقد أجاب العلماء قديمًا عن بعضها.
وإليك أيها القارى الرد عليها مفصلًا:
قوله أولًا: إن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمر رسول الله ﷺ فغضب وأخرجهم من البيت
فيقال له: أما اختلافهم فثابت، وقد كان سببه اختلافهم في فهم قول الرسول ﷺ، ومراده لاعصيانه كما زعمت.
قال القرطبي في سبب اختلافهم: «وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول». (^٢)
ثم ذكر أن النبي ﷺ لم يعنفهم ولاذمهم بل قال للجميع: (دعوني فالذي أنا فيه خير) (^٣) وهذا نحو ما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم الرسول ﷺ: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (^٤) فتخوف ناس
_________________
(١) رواه البخاري: (كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ (فتح الباري ٨/ ١٣٢، ح ٤٤٣١. ومسلم: (كتاب الوصية، باب من ترك الوصية) ٣/ ١٢٥٧، ح ١٦٣٧.
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي ٤/ ٥٥٩.
(٣) تقدم ذكر الحديث وتخريجه في الصفحة السابقة.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٥٣.
[ ١٩٨ ]
فوات الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ فما عنف أحد الفريقين. (^١)
وقد نبه المازري ﵀ على وجه اختلافهم هذا فقال: «إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب، مع صريح أمره لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة، دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع، لما قام عنده من القرائن بأنه ﷺ قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه ﷺ كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد، وفيه حجة لمن قال بالاجتهاد في الشرعيات». (^٢)
فتبين أن اختلافهم ناشئ عن اجتهاد في فهم كلام النبي ﷺ ومراده، وإذا كان علماء الأمة من بعدهم قد اختلفوا في فهم النصوص اختلافًا كبيرًا في مسائل كثيرة إلى أقوال متعددة ولم يُذَموا بذلك لما تضافرت به النصوص من رفع الحرج عنهم، بل أجرهم على الاجتهاد على كل حال، فكيف يذم أصحاب النبي ﷺ باختلافهم في مسألة جزئية مجتهدين، بعد أن عذرهم رسول الله ﷺ ولم يعنف أحدًا منهم بل أخذ بقول الطائفة المانعة من كتابة الكتاب، ورجع إلى قولها في
ترك الكتابة.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن اختلاف الصحابة، وما ترتب عليه من عدم كتابة النبي ﷺ لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم الأمة من العصمة إلى آخر كلامه في هذا
فقد تقدم الرد عليه مفصلًا بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. (^٣)
_________________
(١) انظر: المفهم ٤/ ٥٥٩.
(٢) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري ٨/ ١٣٤، كما نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم ١١/ ٩٢، وبينهما اختلاف يسير، والذي يظهر أن في نقل ابن حجر تصرفًا واختصارًا.
(٣) انظر: ص ٢٢٧ ومابعدها.
[ ١٩٩ ]
وأما استدلاله بقول ابن عباس: (ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب) (^١)، فلا حجة له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معناه: «يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد» . (^٢)
ويوضح هذا أن ابن عباس ﵄ ما قال ذلك إلا بعد ظهور أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والروافض. نص على هذا
شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣) والحافظ ابن حجر. (^٤)
وأيضًا فقول ابن عباس هذا قاله اجتهادًا منه، وهو معارض بقول عمر واجتهاده، وقد كان عمر أفقه من ابن عباس قطعًا. قاله
ابن حجر. (^٥)
قلت: بل هو معارض بقول عمر، وطائفة من الصحابة معه، كماجاء في الحديث: (فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك) . (^٦)
ويعضد هذا القول موافقة النبي ﷺ له بعد ذلك وتركه كتابة الكتاب، فإنه ﷺ لو أراد أن يكتب الكتاب ما استطاع أحد أن يمنعه، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك أيامًا باتفاق السنة والرافضة فلم يكتب شيئًا. (^٧)
وأما ادعاؤه أن النبي ﷺ أراد بذلك الكتاب أن ينص على خلافة
_________________
(١) تقدم تخريجه ص٢٧٧.
(٢) منهاج السنة ٦/٢٥.
(٣) انظر: منهاج السنة ٦/٣١٦.
(٤) انظر: فتح الباري ١/٢٠٩.
(٥) انظر: فتح البارى ٨/١٣٤.
(٦) تقدم تخريجه ص ٢٧٧.
(٧) تقدم تقرير هذه المسألة ص ٢٢٩.
[ ٢٠٠ ]
علي ﵁ بعد أن حكى ذلك عن الرافضة، زاعمًا أنه ليس هناك تفسير معقول غيره:
فالجواب على هذا أن ادعاءه أن هذا قول الرافضة -على الإطلاق- كذب ظاهر، خلاف المشهور من عقيدتهم.
فالرافضة يزعمون أن النبي ﷺ قد نص على خلافة علي، ونصبه وصيًا من بعده، بأمر الله له قبل حادثة الكتاب، ولهم في ذلك مبالغات كبيرة، حتى زعموا أن النبي ﷺ عُرِجَ به إلى السماء الدنيا مائة وعشرين مرة، في كل مرة يوصى بولاية علي.
جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفار فيما يرويه عن أبي عبد الله أنه قال: «عرج بالنبي صلى الله عليه وآله إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي صلى الله عليه وآله بولاية علي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض» . (^١)
هذا وقد نقل إجماعهم على هذه العقيدة شيخهم المفيد في مقالاته حيث قال: «واتفقت الإمامية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف أمير المؤمنين ﵇ في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك دفع فرضًا من الدين» . (^٢)
وبهذا يظهر كذب هذا الرجل وتلبيسه فيما ادعاه: من أن النبي ﷺ أراد بذلك الكتاب النص على استخلاف علي، ونسبته هذا القول
إلى الرافضة. فأي معنى لهذا عندهم إذا كانت الرافضة تعتقد أن النص على ولاية علي واستخلافه قد جاء من الله لنبيه ﷺ في أكثر من مائة وعشرين مرة في كل مرة يعرج به إلى السماء ويوصى بها، ثم تبليغ
النبي ﷺ أمته ذلك على ما تدعي الرافضة في نصوص متواترة قبل حادثة الكتاب.
_________________
(١) بصائر الدرجات ص٩٩.
(٢) أوائل المقالات ص٤٤.
[ ٢٠١ ]
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس، من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن عليًا كان هو المستحق للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصًا جليًا ظاهرًا معروفًا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب». (^١)
وعلى كل حال فسواء ثبت هذا القول عن بعض الرافضة، أم انفرد به هو فلا صحة له، إذ لا دليل عليه، وإنما مبناه على الظنون والأوهام الكاذبة، التي لا تستند لدليل من عقل أو شرع، بل الأدلة على خلافه كباقي عقائد الرافضة، وعلى فرض صحته -مع استحالة ذلك- فلا حجة فيه للرافضة، بل هو حجة عليهم في إبطال دعوى
الوصية لعلي ﵁ وهذا ظاهر، فإذا كان النبي ﷺ قد أراد من ذلك
الكتاب النَّصَ على خلافة علي في ذلك الوقت المتأخر من حياته، دل هذا على عدم نصه عليها قبل ذلك، إذ لا معنى للنص عليها مرتين، وإذا ثبت باتفاق أهل السنة والرافضة أن النبي ﷺ مات ولم يكتب ذلك الكتاب، بطلت دعوى الوصية من أصلها.
وإذا تقرر هذا: فليعلم أن العلماء اختلفوا في مراد النبي ﷺ من ذلك الكتاب، فذهب بعضهم إلى أن النبي ﷺ أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. نقله النووي، وابن حجر عن بعض أهل العلم. (^٢)
وقيل: إن مراده ﷺ من الكتاب: بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، وقد ذكر هذا القرطبي ضمن الاحتمالات المرادة من الكتاب. (^٣)
وقيل: إن المراد بيان كيفية تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة.
_________________
(١) منهاج السنة ٦/ ٢٥.
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٩٠، وفتح الباري لابن حجر ١/ ٢٠٩.
(٣) انظر: المفهم ٤/ ٥٥٨.
[ ٢٠٢ ]
وبهذا قال الدهلوي (^١) مستدلًا على ذلك بما كان النبي ﷺ
أوصى به في حديث ابن عباس المتقدم. (^٢)
والذي عليه أكثر العلماء المحققين: أن النبي ﷺ أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر ﵁ ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى.
وقد حكى هذا القول سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله (^٣) وإليه ذهب القرطبي (^٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، والسويدي. (^٦) وذكر القاضي عياض: أن الكتاب كان في أمر الخلافة وتعيينها من غير أن يشير إلى أبي بكر. (^٧)
وقد استدل من قال بهذا القول بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ: (ادعي لي أبا بكر وأخاك، حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا
أبا بكر). (^٨)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله ﷺ يريد أن يكتبه، فقد جاء مبينًا كما في الصحيحين عن عائشة ﵂» (^٩)، ثم ساق الحديث.
_________________
(١) انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٥١.
(٢) انظر: ص ٢٧٧ من هذا الكتاب.
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٩٠.
(٤) انظر: المفهم ٤/ ٥٥٨.
(٥) انظر: منهاج السنة ٦/ ٢٣ - ٢٤ - ٣١٦.
(٦) انظر: الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد (الجزء الثاني)، ص ٤٨.
(٧) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ٢/ ٨٩٠.
(٨) هذه الرواية أخرجها مسلم في صحيحه: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق) ٤/ ١٨٥٧، ح ٢٣٨٧، وأخرج الحديث البخاري -مع اختلاف في اللفظ- في صحيحه: (كتاب الأحكام، باب الاستخلاف) فتح الباري ١٣/ ٢٠٥، ح ٧٢١٧.
(٩) منهاج السنة ٦/ ٢٣.
[ ٢٠٣ ]
فهذه أقوال أهل العلم المعتد بأقوالهم، ليس فيها قول واحد يؤيد ما ذهب إليه الرافضي، بل تدل في مجموعها على بطلان ما ادعاه.
على أن الذي عليه أكثر العلماء في المراد بالكتاب هو النص على استخلاف أبي بكر، كما دل على ذلك حديث عائشة في الصحيحين وهو من القوة بمكان والله أعلم.
وأما طعن المؤلف على عمر ﵁ وزعمه بأنه قد اتهم رسول الله ﷺ بأنه لا يعي ما يقول، وقال: (إنه يهجر) ولم يمتثل قوله، وقال: (عندكم كتاب الله)، (حسبنا كتاب الله) .
فجوابه: أن ما ادعاه أولًا بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه لايعي ما يقول فهذا باطل. وذلك أن هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن
عمر ﵁ أصلًا وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين الروايات الواردة في الصحيحين -والتي احتج المؤلف بها- قائلها، وإنما الثابت فيها (فقالوا ما شأنه أهجر) (^١)، هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد. ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلام عمر.
قال ابن حجر: «ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع، قد يشتغل به عن تحرير ما يريد» . (^٢)
وقال الدهلوي: «من أين يثبت أن قائل هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع» . (^٣)
وقد ذهب إلى هذا السويدي وذكر أنه قد صرح بذلك جمع من متأخري المحدثين ومنهم ابن حجر. (^٤)
_________________
(١) تقدم نص الحديث بكماله وتخريجه ص٢٧٧.
(٢) فتح الباري ٨/١٣٣.
(٣) مختصر التحفة الإثني عشرية ص٢٥٠.
(٤) انظر: الصارم الحديد (الجزء الثاني) ص١٦.
[ ٢٠٤ ]
وهذا الذي صرح به العلماء هنا هو ظاهر قول النووي حيث يقول في معرض شرحه للحديث: «وهو المراد بقولهم هجر، وبقول عمر غلب عليه الوجع»، فقد فرّق بين القولين فتأمله ..
فثبت بهذا افتراء الرافضي وظلمه بنسبته هذه اللفظة لعمر من غير دليل، بل ظاهر الأدلة على خلافه، على أن هذه اللفظة لا مطعن فيها على عمر لو ثبتت عنه، كما أنه لامطعن فيها على من ثبتت عنه من الصحابة. وما ادعاه المؤلف من نسبة قائلها رسول ﷺ إلى أنه لايعي مايقول -حاشاه ذلك- باطل لايحتمله اللفظ وبيان ذلك من عدة وجوه.
الوجه الأول: أن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الاستفهام هكذا (أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر) وتمسك به المؤلف فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون، وشراح الحديث: منهم القاضي عياض (^١)، والقرطبي (^٢)، والنووي (^٣)، وابن حجر. (^٤)
فقد نصوا على أن الاستفهام هنا جاء على سبيل الإنكار على من قال: (لا تكتبوا).
قال القرطبي بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي ﷺ من الخطأفي التبليغ في كل أحواله، وتَقَرُرِ ذلك عند الصحابة: «وعلى هذا
يستحيل أن يكون قولهم (أهجر)، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف أتظن أنه
_________________
(١) انظر: الشفا ٢/ ٨٨٦.
(٢) انظر المفهم ٤/ ٥٥٩.
(٣) انظر شرح صحيح مسلم ١١/ ٩٣.
(٤) انظر فتح الباري ٨/ ١٣٣.
[ ٢٠٥ ]
قال: هذيانا، فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه». (^١)
قلت: وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على الرسول ﷺ، حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك فيه المخالف، وبه تبطل دعوى الرافضي من أصلها.
الوجه الثاني: أنه على فرض صحة رواية (هجر) من غير استفهام، فلا مطعن فيها على قائلها، لأن الهجر في اللغة يأتي
على قسمين: قسم لانزاع في عروضه للأنبياء، وهو عدم تبيين الكلام لبحّة الصوت، وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة، وقسم آخر: وهو جريان الكلام غير المنتظم، أو المخالف للمقصود على اللسان لعارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر.
وهذا القسم محل اختلاف بين العلماء في عروضه للأنبياء، فلعل
القائل هنا أراد القسم الأول، وهو أنا لم نفهم كلامه بسبب
ضعف ناطقته، ويدل على هذا قوله بعد ذلك
(استفهموه). (^٢)
الوجه الثالث: أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة صدرت عن قائلهاعن دَهَشٍ وحَيْرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم، والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبي ﷺ قاله القرطبي. (^٣)
قلت: وعلى هذا فقائلها معذور أيًا كان معناها، فإن الرجل يعذر بإغلاق الفكر والعقل، إما لشدة فرح أو حزن، كما في قصة الرجل الذي فقد دابته ثم وجدها بعد يأس فقال: (اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح). (^٤)
_________________
(١) انظر: المفهم ٤/ ٥٥٩.
(٢) انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٥٠.
(٣) المفهم ٤/ ٥٦٠.
(٤) أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ (كتاب التوبة، باب الحض على التوبة) ٤/ ٢١٠٤، ح ٢٧٤٧.
[ ٢٠٦ ]
الوجه الرابع: أن هذه اللفظة صدرت بحضور رسول الله ﷺ وكبارأصحابه، فلم ينكرواعلى قائلها، ولم يؤثموه، فدل على أنه معذور على كل حال، ولا ينكر عليه بعد ذلك إلا مفتون في الدين، زائغ عن الحق والهدى، كما هوحال هذا المسكين المعرض نفسه لما لا يطيق.
وأما ما ادعاه من معارضة عمر لرسول الله ﷺ بقوله: (عندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله) وأنه لم يمتثل أمر الرسول ﷺ فيما أراد من كتابة الكتاب:
فالرد عليه:
أنه ليس في قول عمر هذا، أي اعتراض على رسول الله ﷺ وعدم امتثال أمره كما توهم هذا الرافضي، وبيان هذا من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه ظهر لعمر ﵁ ومن كان على رأيه من الصحابة، أن أمر الرسول ﷺ بكتابة الكتاب ليس على الوجوب، وأنه من باب الارشاد إلى الأصلح، وقد نبه على هذا القاضي عياض، والقرطبي، والنووي، وابن حجر. (^١)
ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر ﵁ وذلك بترك الرسول ﷺ كتابة الكتاب، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف. ولهذا عد هذا من موافقات عمر
﵁. (^٢)
الوجه الثاني: أن قول عمر ﵁: (حسبنا كتاب الله) رد على من نازعه لا على أمر النبي ﷺ (^٣) وهذا ظاهر من قوله: (عندكم كتاب الله) فإن المخاطب جمع وهم المخالفون لعمر ﵁ في رأيه.
_________________
(١) انظر: الشفا ٢/ ٨٨٧، والمفهم ٢/ ٥٥٩، وشرح صحيح مسلم ١١/ ٩١، وفتح الباري ١/ ٢٠٩.
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ١/ ٢٠٩.
(٣) نص عليه النووي في شرح صحيح مسلم ١١/ ٩٣.
[ ٢٠٧ ]
الوجه الثالث: أن عمر ﵁ كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال.
فقيل: شفقته على رسول الله ﷺ مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: (إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع) فكره أن يتكلف رسول الله ﷺ ما يشق ويثقل عليه (^١) مع استحضاره قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (^٢)، ﴿تبيانًا لكل شيء﴾. (^٣)
وقيل: إنه خشى تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل نص على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم. (^٤)
وقيل: إنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها فاستحقوا
العقوبة لكونها منصوصة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة. (^٥)
قلت: ولا يبعد أن يكون عمر ﵁ لاحظ هذه الأمور كلها، أوكان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول ﷺ بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.
قال النووي: «وأما كلام عمر ﵁ فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره». (^٦)
_________________
(١) انظر: الشفا للقاضي عياض ٢/ ٨٨٨، وشرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٩٠، وفتح الباري لابن حجر ١/ ٢٠٩.
(٢) سورة الأنعام آية ٣٨.
(٣) سورة النحل آية ٨٩.
(٤) انظر: الشفا ٢/ ٨٨٩، وشرح صحيح مسلم للنووي ٢/ ٩٢.
(٥) انظر: الشفا ٢/ ٨٨٩، وفتح الباري ٨/ ١٣٤.
(٦) شرح صحيح مسلم ١١/ ٩٠.
[ ٢٠٨ ]
الوجه الرابع: أن عمر ﵁ كان مجتهدًا في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي ﷺ: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر) (^١)، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور
رسول الله ﷺ فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة الكتاب.
وأما قوله: إن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله ﷺ عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
فجوابه: (أن هذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول ﷺ، والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل صاحبه. وذلك أن الرسول ﷺ مأمور بالتبليغ سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا، قال تعالى: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين﴾ (^٣)، فلو كان الرسول ﷺ أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيا من حيي عن بينة.
فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما
تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية
وابن حجر -رحمهما الله-. (^٤) وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولًا، ثم تركه له بعد
_________________
(١) رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص في: (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد) فتح الباري ١٣/ ٣١٨، ح ٧٣٥٢، ومسلم: (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد) ٣/ ١٣٤٢، ح ١٧١٦.
(٢) سورة الشورى آية ٤٨.
(٣) سورة النحل آية ٨٢.
(٤) انظر: منهاج السنة ٦/ ٣١٥ - ٣١٦، وفتح الباري ١/ ٢٠٩.
[ ٢٠٩ ]
ذلك: ما ذكره النووي حيث قال: «كان النبي ﷺ همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول» . (^١)
وبهذا يظهر بطلان طعن الرافضي على الصحابة في هذه الحادثة، وينكشف زيف ما ادعاه في حقهم. وبيان توجيه مواقفهم التوجيه الصحيح اللائق بمقاماتهم العظيمة في الدين من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك.
فلله الحمد والمنة.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم ١١/٩٠.
[ ٢١٠ ]