إن المتتبع للأدب العربي المعاصر والدارس لمذاهبه ومدارسه وتوجهاته، يكتشف أن العنوان الموضوع لهذا الفصل يقارب الحقيقة ولا يلج إلى عمقها.
حيث إن الحقيقة في هذه القضية أن الأدب العربي المعاصر، وأعني الحداثة على وجه الخصوص لا تتوقف علاقته بالوثنيات والديانات المحرفة على مجرد التأثر بها، بل تجاوز ذلك إلى حد أصبحت معه هذه الوثنيات والديانات المحرفة جزءًا من النظام المعرفي، والأساس الثقافي والفكري للحداثة، وما الألفاظ الوثنية والنصرانية واليهودية إلّا نضحة من بئر عميقة استقى منها الحداثيون وتظلعوا.
ومما يؤكد هذا الأمر ما يلي:
١ - أن الحداثة نبتة غربية، وهذه النبتة نشأت وترعرعت في طينة الفلسفات الغربية التي تعود في أصل تكوينها إلى اليونانية الإغريقية، وإلى اليهودية والنصرانية.
٢ - إن أساتذة الحداثة من الغربيين على الرغم من مناداتهم بالتحرر من القديم وتجاوز السائد، إلّا أنهم لم يتحرروا مطلقًا من سلطان الفلسفات اليونانية القديمة، ولا من بقايا الدين النصراني واليهودي الذي ولدوا ونشاؤوا
[ ٢ / ٦٨٢ ]
في أحضان رموزه، وبقي مؤثرًا فيهم (^١)، ومما يؤكد ذلك:
٣ - أن هؤلاء الأساتذة الغربيين تعج كتاباتهم بالمعاني والمصطلحات والألفاظ ذات الدلالات والجذور اليونانية أو النصرانية أو اليهودية، وقد أخذ ذلك عنهم تلامذتهم من حداثيي العرب وحاكوهم وقلدوهم.
٤ - إن الحداثة الغربية حلقة في التسلسل الانحرافي الذي اعتنقه الغرب بدءًا من فلسفات الإغريق وانتهاءً بالنصرانية واليهودية المحرفتين، وقد ذكرنا في الفصل الأول شيئًا من هذا التسلسل الفكري والاجتماعي والثقافي والاعتقادي الذي أوصل الغرب إلى ما وصلوا إليه اليوم من انحرافات هائلة واسعة كبيرة، ليس آخرها الحداثة بمدارسها الإلحادية والشكية واللاأدرية، ولا الوجودية ولا السلوكيات البهيمية التي انحط إليها الإنسان الغربي إلّا من شاء اللَّه وقليل ما هم.
٥ - إن طبيعة الفلسفات والأفكار اليونانية القائمة على أوثان مؤلهة وأرباب معبودة من دون اللَّه وما توالد من هذه الطبيعة من فلسفات أخرى تدور على محور الإلحادية، كل هذه قادت -وطبيعي أن تقود- إلى الحداثة بمدارسها الفكرية والأدبية المختلفة.
٦ - إن طبيعة الدين النصراني بعد أن حرفه أهله، وكذبوا فيه، ومن خلاله، على اللَّه -جلَّ وعلا- أتاحت للنصارى الغربيين بما فيهم الحداثيين، أن يمتطوا الدين لتحقيق مآربهم والوصول إلى أغراضهم، ولو كانت هذه المآرب والأغراض تعارض الدين بالكلية أو تناقضه، فإن لديهم من فوضوية الكذب في الدين، والاختلاق فيه، ما يبرر لهم استخدامه على أي نحو يريدون.
٧ - وقبل هذا كله لابد من النظر في طبيعة الصراع بين الحق والباطل والإيمان والكفر والهدى والضلال، فإن الحق قوته في ذاته وبراهينه وأدلته،
_________________
(١) ولا يعني هذا بالضرورة أنهم -جميعًا- مستمسكون بهذه الأديان، يدعون إليها ويدافعون عنها ولكنهم استعملوا رموزها ومضامينها لتحقيق مآربهم، وتحصيل مراداتهم الإلحادية الشكية مثل تدنيس المقدس، وحرب ألوهية اللَّه تعالى وغير ذلك من مقاصدهم، وكان صنيعهم في استخدام المصطلحات الدينية الإسلامية بقصد إهانتها وامتهانها كما هو موضح في مواضعه من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
أمّا الباطل فإنه لابد أن يؤلب أجناده وإن اختلفت مللهم وعقائدهم واتجاهاتهم، ولابد أن يبحث له عن جذور تسند جذعه الخاوي، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^١).
وهذا ما حدث فعلًا في قضية الحداثة، فإنها لهشاشتها وتداعي بنيانها تبحث لها عن جذور تقويها وأركان تشد من أزرها، ولو كانت هذه الجذور متباينة مختلفة متناقضة متشاكسة، فها هي تأخذ من وثنيات اليونان والبابليين، والفراعنة والهنادكة والبوذيين، والجاهليين العرب، وتنبض بنبض اليهودية والنصرانية، وتستند إلى المرتدين والزنادقة والباطنيين.
وهؤلاء جميعًا على تفرق عقائدهم وتباينها واختلافها يجتمعون في نسق الحداثة ليكونوا أصدق مثال على أن الكفر ملة واحدة في مقابل ملة الإسلام، وإزاء كل هذا نجد أن رقاب بعض أبناء المسلمين العرب انحنت أمام الفكر الغربي الحديث تحتشي منه في جوفها، وتلعق من حمأته، وتشرب من مائه الآسن شرب الهيم، فكان من قيئها على الصحف وفي الكتب وفي المنتديات وفي وسائل الإعلام ما نسمعه من دعوات علمانية وحداثية ووجودية وقومية واشتراكية وشيوعية وليبرالية وبرغماتية إلى آخر تلك الأسماء والمذاهب الشائنة الشائهة.
وقضية تأثر الحداثيين العرب بالعقائد الوثنية واليهودية والنصرانية من أوضح الواضحات، وأجلى المضامين الحداثية، في الشعر والدراسة والنقد والرواية.
وتتبع كل شواهد هذه القضية مما يعسر ويصعب، ولكن نقول قولًا إجماليًا ثم نتبعه بشيء من التفصيل، ثم بشيء من الشواهد والأدلة لإثبات الدعوى.
أمّا الإجمال فإنه يُمكن القول إنه لا يخلو حداثي من التأثر بهذه العقائد الباطلة، إمّا في مجمل اتجاهه وفلسفته، وإمّا في جزئيات عباراته ورموزه، وسوف نسوق إن شاء اللَّه جملة من الشواهد على هذا الأمر.
وأمّا التفصيل فإن الحداثيين العرب ينقسمون في الجملة إلى ثلاثة أقسام من حيث الأصل والمنبت والانتساب:
_________________
(١) الآية ٧٣ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٦٨٤ ]