وقد انساقوا في هذا الباب تأثرًا بما عليه الغربيون الذين استمدوا هذا
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٠٨.
(٢) ديوان الفيتوريّ ١/ ١٢٣.
[ ١ / ٤٠١ ]
الانحراف من جذورهم اليونانية الإغريقية التي وزعت الألوهية على آلهة وأرباب شتى، وفرقت الإنسان في آماله وطموحاته ومشاعره على هذه الآلهة الباطلة، ومزقت حياته شر ممزق وألقت به في أودية الهلكات، وردته إلى أسفل سافلين، فعاش في خسر وبوار، وهذا هو شأن كل كفر وشرك وإلحاد في قديم الزمان وحديثه.
والذي يتحدث عن مشكلات الإنسان المعاصر في أوجهها النفسية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية مغفلًا سببها الأساسي المتمثل في انحراف الإنسان عن طاعة اللَّه وعبادته، فإنما يخبط في ظلام وتيه في صحراء الأوهام، وإن أتى بحل فإنّما هو حل جزئيّ يصلح جانبًا ويفسد جوانب أخرى، ويداوي زكامًا ويوجد جذامًا.
وذلك لأن أساسي منهاج الإسلام التأله للَّه تعالى، وهو العليم الحكيم، ومنهجه هو الحكمة والعدل والخير كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ (^١).
وقال -جلَّ شَأنُهُ-: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ (^٢).
فمتى أعرض الإنسان عن هذا الأصل وهو تأليه اللَّه وحده لا شريك له وعبادته فى ون سواه، فإنه يخبط في الضلال ويتردى في الهلاك والخسران: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (^٣).
_________________
(١) الآية ٣٩ من سورة الإسراء.
(٢) الآية ٢ من سورة الجمعة.
(٣) الآيتان ١٠٣ - ١٠٤ من سورة الكهف.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وعند النظر في النتاج الفكريّ والأدبيّ لأهل الحداثة نجد أنهم قد اغترفوا من مستنقع الشرك والتأليه لغير اللَّه بأوسع المغاريف، وضربوا حوله بعطن، وعلّوا ونهلوا من ذلك الخوض الآسن، وكان هذا دأبهم من أول روادهم إلى آخر أتباعهم، فقد استخفوا بلفظ "الإله" ومعناه، وقادهم هذا الاستخفاف إلى تأليه كل ما يخطر في بالهم من الإنسان والحيوان والأشياء، والشعر والكلام، وغير ذلك.
ومنبع انحرافهم في هذا: أنهم جحدوا حق اللَّه تعالى في الألوهية، وبعضهم لم يجحد حق اللَّه تعالى في الألوهية ولكنه يجحد حقه المطلق في ذلك، فلا يفرده -جل وعلا- بهذا بل يدخل معه في هذا الوصف من شاء من المخلوقات، وكلا الأمرين كفر وانحراف وضلال مبين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٢)، وكل قول أو اعتقاد يناقض هذه الحقيقة فهو جهل وانحراف وضلال مبين.
ومنذ أن بدأت الحداثة العربية على يد السياب ونازك الملائكة والبياتي رتعت في هذا المرتع الوخم، واستفّت ترب الخزي والعار والجهل، وسوف أورد هنا بعض الأمثلة من كلامهم في هذا:
ولتكن البداية من السياب أول من شق طريق التبعية للغرب ونشر أشرعة الحداثة، والذي وصفه أدونيس بقوله: (بدر شارك السياب من شهودنا الأُول على الحضور؛ ولادة محتوى جديد، وولادة تعبير جديد. . . تجربة السياب مع ذلك ريادة: بدءًا منها ومعها أخذ ينشأ الشعر العربيّ الجديد في وسط تعبير جديد، وهو الآن من القوة والسيادة بحيث أنه يبدو إبداعًا مستمرًا) (^٣).
والسياب إذا أردنا أن نعرفه فهو منذ النشأة الريفية في جنوب
_________________
(١) الآية ١٦٣ من سورة البقرة.
(٢) الآية ١٩ من سورة محمد.
(٣) زمن الشعر: ص ٢١٢ - ٢١٣.
[ ١ / ٤٠٣ ]
العراق في جيكور في أسرة آل السياب كان بعيدًا عن الفهم الصحيح للدين إن لم نقل عن الفهم الأولي للدين، فقد كانت أسرة آل السياب تزين جدران ديوانها بصور المتحررين من الدين والمحاربين له (^١)، وكان عمه عبد القادر السياب أحد العاملين في حزب سريّ اسمه "الحزب اللاديني" (^٢).
وحتى الجانب الدينيّ هناك ما يشير إلى تأثره بالعقائد الشيعية مثل نذره إهداء شمعة لقبر صاحب الزمان (^٣).
وفي القرية تلقفته الأيدي الماركسية، وكان ذلك عن طريق عمه عبد المجيد السياب وصديقه الإيراني الماركسيّ المحبّ لأدب جبران خليل جبران ومي زيادة (^٤).
ثم انضم للحزب الشيويّ العراقيّ وأصبح من أتباع يوسف سلمان يوسف المسمى "فهدًا" وهو يهوديّ عراقيّ من مؤسسي الحزب الشيوعيّ، ومعه من يهود العراق ساسون دلال ويهودا صديق (^٥).
ووصل الأمر بالسياب وأسرته أن أصبحت قريتهم حصنًا منيعًا من حصون الشيوعية (^٦)، ومكث السياب إلى عام ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م منتميًا للحزب الشيويّ ومخلصًا له (^٧)، وكان عام ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م قد أنشأ قصيدة تعد عنده هي بداية الشكل الحديث في الشعر العربي (^٨).
_________________
(١) مثل سعد زغلول وكمال ايتاتورك. انظر: كتاب بدر شاكر السياب لإحسان عباس: ص ١٩.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٩.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠. والمراد به المهدي المنتظر عند الشيعة محمد بن الحسن العسكريّ.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ٨٩ - ٩٠.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٩١ - ٩٢، ١٠٤.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٩٢.
(٧) انظر: المصدر السابق: ص ٩٣.
(٨) انظر: المصدر السابق: ٩٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وقد ظل السياب يؤكد دائمًا أنه هو الأسبق في ابتداع الشكل الجديد وخاصة إذا ذكرت نازك الملائكة (^١).
وفي عام ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٨ م نشر ديوانه الأول أزهار ذابلة، وفيها مقدمة لصحفيّ نصرانيّ اسمه رفائيل البرتي وجه فيها السياب توجيهًا عميقًا في الثورة على الماضي والتهكم به، ومحاكاة الشعر الإفرنجيّ والإمعان في الجرأة على هذه المحاكاة، وقد أثرت هذه الكلمات تأثير عميقًا في الوجهة الشعرية التي اختارها السياب من بعد (^٢).
ولاشك أن السياب قد انغمس في اتجاه المحاكاة وخاصة بعد دراسته في دار المعلمين العالية حيث حدث عن نفسه قائلًا: (فدرست شكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرمانتيكيين في سنتيّ الأخيرتين، في دار المعلمين العالية تعرفت -لأول مرة- بالشاعر الإنجليزي ت. س أليوت، وكان إعجابي بالشاعر الإنجليزي "جون كيتس" لا يقل عن إعجابي "بأليوت") (^٣).
ومما لا ريب فيه أن ثقافة الشاعر ونشأته وأجواء حياته لها تأثير مهم في تحديد المؤثرات الاعتقادية والفكرية والنفسية التي تلقاها وسار عليها، وشكلت شخصيته الفنية والمضمونية.
ولقد أظهر السياب أنه تأثر في أشكاله الحديثة بالشعر الإنجليزي في مقدمة ديوانه أساطير، وإن كان بعض النقاد لا يعتبر تلك المقدمة إلّا خلطًا صبيانيًا وسطحية في الفهم للشعر الإنجليزي) (^٤).
واتسع تأثير السياب بأليوت وكيتس وغيرهما من الإنجليز إلى حد الترجمة عنهم وأحيانًا الانتحال (^٥)، أمّا الإعجاب والمحاكاة فحدث
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ١٠٩.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٣.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٢٥.
(٥) انظر: المصدر السابق: ١٤٥ - ١٤٦.
[ ١ / ٤٠٥ ]
ولا حرج (^١).
وقد تحدث الخال عن تأثر السياب وغيره بالأدب الإنجليزيّ، بل وذكر أن السياب تعلم الشعر الحديث على يد معلم إنجليزي في بغداد، وهذا نص قوله عندما سئل عن انطباعاته عن بدر شاكر السياب: (شعريًا كان بدر موهوبًا جدًا وكان طموحًا، ويحب المعرفة والتقدم، وأذكر جيدًا أنه عندما كان يأتي إلى بيروت، كان يقول لي: أعطني كتبًا لأنني أريد أن أقرأ كنت أعطيه ديوانًا حديثًا لشاعر إنكليزي، وكان بدر يعرف شويّة (^٢) إنكليزي، كان يأخذ القاموس ويقعد يدرس كل كلمة وكل حرف ويعلم على الهوامش، كان دقيقًا كثيرًا، كان يحب العلم، والاكتساب كان مهمًا جدًا عنده، وقد درس بدر الأدب الإنكليزي بدار المعلمين بجامعة بغداد، وقد صادف أستاذًا إنكليزيًا في دار المعلمين، كان له اتجاه معاصر حديث، كما يفهمون الشعر في بلادهم، علم بدر الشعر الحديث كما علم نازك الملائكة والبياتي. . .، ومن حسن حظ بدر أنه تعرف بجبرا إبراهيم جبرا، جبرا كان درس بكمبردج وكمان (^٣) عندو (^٤) نفس الأفكار المعاصرة في الشعر، اتصل بجبرا، وجبرا كتير فادو (^٥) بها الموضوع. . .) (^٦).
ومن هذه الأجواء والعوامل نشأ الشاعر الحداثيّ الذي شق أول طريق في الحداثة الشعرية العربية، ليس في الشكل وحده لكن في المضمون أيضًا الذي يعد أحد أهم أسباب ودوافع الثورة الحداثية على التراث والدين والقيم وكل الثوابت (ولكن إذا كان المضمون أحد مسوغات الثورة في الشكل فإن المضمون الجديد الذي مارسه السياب جزئيًا في ديوان أساطير، وكان الشكل الجديد ملائمًا له، معتمد على الصراع الذي يشبه المرض بين العقل الظاهر والوعي الباطن. . . .) (^٧).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٥٦.
(٢) و(^٣) و(^٤) و(^٥) ألفاظ عامية باللهجة اللبنانية وكان من دعاتها.
(٣) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ٢٩٠.
(٤) بدر شاكر السياب لإحسان عباس: ص ١٣٦ - ١٣٧.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ومن خلال التتبع لمضامين شعر السياب نجد أنه قد اغترف من وحول أساتذته الإنجليز وقلدهم في استخدام الأساطير والعبث بالمصطلحات الشرعية، وليس التأليه لغير اللَّه تعالى إلّا واحدًا من هذه الضلالات التي لم ينعتق شعره منها، ولعله هو أول من سن هذه السنن السيئة في الشعر العربي الحديث، فقد جاء المعجبون والشاكون والرافضون، والثائرون على الدين والأمة والتاريخ ووجدوا في الأرضية التي هيأها السياب والبياتي ونازك والجيل التالي لهم مثل صلاح عبد الصبور وجبرا وأدونيس وجدوا فيها الميدان الرحب لمنازلة الدين الإسلاميّ ومحاربته.
وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى فإنه لابد من إيراد شواهد على استخفافه بلفظ الألوهية ومضمونها، ونسبته الألوهية لغير اللَّه تعالى:
فمن ذلك قوله متأثرًا بالفكر اليونانيّ الجاهليّ الوثنيّ:
(هو لن يعود
أو ما علمت بأنه أسرته آلهة البحار) (^١).
وقصيدته التي بعنوان "مرثية الآلهة" (^٢) مليئة بهذه المعاني والأسماء والرموز الوثنية المؤلهة من دون اللَّه، ونحو ذلك قوله:
(وجاء عصر سار فيه الإله
عريان، يدمي، كي يروي الحياة
واليوم ولي محفل الآلهة) (^٣).
ويتحدث عن عشتار الوثن المعبود المرتجى عند الفينيقيين والبابليين،
_________________
(١) ديوان السياب: ص ٢٢٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٤٩ - ٣٥٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٨٢.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وعشتار أنثى لتموز (^١)، يقول عنها السياب: (عشتار، أم الخصب، والحب، والإحسان، تلك الربة الوالهة) (^٢).
وفي موضع آخر يتحدث عن عشتار وتموز وكلبهم سربروس يقول: (ليعوِ سربروس في الدروب لينهش الآلهة الحزينة، والآلهة المروعة) (^٣).
ويقول:
(تؤوب إلهة الدم، خبز بابل، شمس آذار) (^٤).
ويقول عن تموز:
(وينبش التراب عن إلهنا الدفين
تموزنا الطعين) (^٥).
وفي سياق امتداحه لجميلة بو حريد (^٦) يقول عنها:
(تعلين حتى محفل الآلهة
كالربة الوالهة
كالنسمة التافهة) (^٧).
(يا نفحة من عالم الآلهة) (^٨).
_________________
(١) انظر: معجم الأساطير: ص ٥٢، ١٤٣.
(٢) ديوان السياب: ص ٣٨٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٨٥.
(٤) ديوان السياب: ص ٤٨٧.
(٥) المصدر السابق: ص ٤٨٣.
(٦) جميلة بو حريد امرأة جزائرية قاومت الاحتلال الفرنسي للجزائر حتى قتلت.
(٧) ديوان السياب: ص ٣٨٦.
(٨) المصدر السابق: ص ٣٨٧.
[ ١ / ٤٠٨ ]
(أنا سنمضي في طريق الفناء
ولترفعي "أوراس" حتى السماء
حتى تروى من مسيل الدماء
أعراق كل الناس كل الصخور
حتى نمس اللَّه.
حتى نثور) (^١).
سبحان اللَّه العظيم، وتقدس وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
ويقول عن قريته جيكور:
(فمن يفجر الماء منها عيونًا لتبنى قرانا عليها؟
ومن يرجع اللَّه يومًا إليها؟
. . . وتخضل من لمسها، من ألوهية القلب فيل عروق الحجار) (^٢).
وفي مقطع له بعنوان رؤيا في عام ١٣٧٥ هـ/ ١٩٥٦ م وهو ضد الشيوعية والشيوعيين بعد ترك السياب للحزب الشيوعي العراقي (^٣)، يقول:
(أيها الصقر الإلهي الغريب
أيها المنقض من أولمب في صمت المساء) (^٤).
ومن أقواله في تأليه الإنسان:
_________________
(١) المصدر السابق: ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٤١٥.
(٣) انظر: ديوان السياب المقدمة: ص "ق ق".
(٤) المصدر السابق: ص ٤٢٩.
[ ١ / ٤٠٩ ]
(من قلبه المورق بالغار
إنسانك العملاق ظل الإله) (^١).
أمّا الشخصية الثانية في درب الحداثة العربية فهي نازك الملائكة -على خلاف بين الحداثيين أنفسهم من هو البادي بهذا البلاء- وقد سلكت نفس المسالك وإن كانت أقل غلوًا من غيرها في ذلك من أيام نشوتها الحداثية، ثم إنها أحست فيما بعد بفداحة هذا الاتجاه وخطورته فقالت بعد أن وصفت اضطرارها لشعر التفعيلة: (. . . لم يكن يدور في خلدي أن أناسًا من الشعراء سيتخذون عملي الاضطراري سنة يحتذونها في منشوراتهم الشعرية ودواوينهم. . . أرفع صوت احتجاج على زملائي الشعراء الذين أصبحوا يكتبون شعرًا موزونًا على الأسلوب العربي، ثم يدرجونه وكأنه شعر حر، فإن هذا العمل لا يزيد القاريء العربي إلّا بلبلة وجهلًا. . . . .) (^٢).
وتقول: (. . . وقد يعجب بعض الشعراء من قلة هذا العدد بالنسبة لقصائد الديوان؛ لأنهم ألفوا أن يروا طائفة من الشعراء وقد تركوا الأوزان الشطرية العربية تركًا قاطعًا وكأنهم أعداء لها وراحوا يقتصرون على نظم الشعر الحر وحده في تعصب وعناد. . . أحب الشعر العربي ولا أطيق أن يبتعد عصرنا عن أوزانه العذبة الجميلة، ثم إن الشعر الحر كما بينت في كتابي "قضايا الشعر المعاصر" يملك عيوبًا واضحة أبرزها الرتابة والتدفق والمدى المحدود وقد ظهرت هذه العيوب في أغلب شعر شعراء هذا اللون. . .، وإني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها. . . .) (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٠٤.
(٢) ديوان نازك الملائكة ٢/ ٤١٥ - ٤١٦ وهي من مقدمة مجموعة قصائد بعنوان شجرة القمر تاريخها ٢٨/ ٣/ ١٩٦٧ م/ الموافق ربيع أول ١٣٨٦ هـ.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤١٧ - ٤١٨.
[ ١ / ٤١٠ ]
وفي مقابلة أجريت معها قالت: (يعاني شعرنا المعاصر الحديث من مجموعة إشكالات منها التعمية والتقليد وأخطاء الوزن وضعف اللغة واستعمال اللغة العامية. . .) (^١).
ثم شرحت بعض هذه المشكلات قائلة: (أمّا التعمية فهي تعمد الغموض الشديد في الشعر بحيث يقرأ القاريء القصيدة الكاملة ولا يفهم منها حرفًا، وقد تعالت صيحة القراء واحتجاجاتهم في كل بقعة من العالم الإسلامي والعربي، والمواطن اليوم مجروح وحزين؛ لأن قضية العدو الصهيوني تذله، وهو ينتظر من شعرائه أن يعبروا عن ثورته ورفضه وسخطه فلايجد لدى الشعراء سوى أشطر كثيرة لا معنى لها، وعندما لجأ القاريء إلى نقاد الشعراء المحدثين رجع خائبًا؛ لأن الناقد متواطيء مع الشاعر في كثير من الأحيان، فهو ينقد القصيدة نقدًا غامضًا لا سبيل إلى فهم عبارة منه. . .، والمشكلة الكبرى في نظري أن الشاعر هو نفسه لا يعرف أن يشرح قصيدته، ولو أنه كان قادرًا على إيضاح المعنى لاستطاع الناقد ذلك أيضًا ولفهم القاريء القصائد.
أمّا البند الثاني "التقليد" فهو لا يقل خطورة عن الأول. . . أقصد الشعر الحديث، الشعر الحر الذي ينظمه اليافعون فذلك هو الشعر الذي يعشعش فيه التقليد: إن الواحد من الشعراء يقلد زملاءه دون نجديد ولا أصالة؛ ولذلك تنتشر في شعرهم ظواهر معينة ينقلها الواحد عن الآخر مثل التظاهر بالاهتمام بالأسطورة. . . .) (^٢).
وحذرت في كتاباتها "قضايا الشعر المعاصر" من الاستسلام المطلق للشعر الحديث (^٣).
هذا النقد الذي وجهته نازك إلى شعر الحداثة وهي مؤسِّسَة لهذا الاتجاه يدل على مقدار شعورها بجناية هذا المسمى شعرًا، وإن كان نقدها
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ٢٠٧.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٣) انظر: قضايا الشعر المعاصر: ص ٤٨.
[ ١ / ٤١١ ]
في مجمله ينصب على الشكل إلّا أنه لم يخل من نقد المضمون مثل الغموض والتعمية، وترك قضايا الأمة، وقد اعتبر الحداثيون نازكًا وكتابها قضايا الشعر المعاصر ردة وتخلفًا.
هذه الشاعرة لم تخل من الانحرافات الاعتقادية في شعرها، ولم تسلم من لوثات الحداثيين خاصة في أول اعتناقها للحداثة على يد الأستاذ الإنجليزي الذي علمها هي والسياب والبياتي الشعر الحديث (^١) في أشكاله ومضامينه الإنجليزية، وهي بطبيعة الحال تقوم على المادية ومحاربة الدين والسخرية من أصوله وفروعه ومصطلحاته، ومن هنا أخذت نازك الملائكة هذه الانحرافات واسترسلت معها حتى بعد نقدها للحداثة، والذي يهمنا في هذا المقام ذكر انحرافها في باب الألوهية متمثلًا في تأليه غير اللَّه تعالى.
تقول عن نفسها وقد مرضت حتى شارفت الهلاك:
(وستمحوا الأيام ذكر فتاة شغفتها آلهة الشعر حبًا) (^٢)
وتقول في مرثية غريق:
(إيه يا ضفة ما ذاك الخيال فوق صدر الموج تحت الظلمات
أإله قد تصباه الجمال؟ أم غريق عزه حبل النجاة) (^٣)
وتقول:
(جئت وروحي فزع صارخ باسم إله الصمت باسم العدم) (^٤)
وتقول تخاطب حبيبها:
_________________
(١) انظر: قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص ٢٩٠، في مقابلة مع يوسف الخال ذكر فيها هذا الأمر.
(٢) ديوان نازك الملائكة ١/ ٤٩٧.
(٣) المصدر السابق ١/ ٥٠٨.
(٤) المصدر السابق ١/ ٥١٣.
[ ١ / ٤١٢ ]
(حبي الألهي النقي ظلمته ووفاء روحي الشاعري العابد) (^١)
ونحوه قولها:
(أسفًا للماضي الإلهي هل ما … تت أغانيه في فؤادي الوحيد
آه يا شاعري لماذا تهاويـ … ـــت بعيدًا وراء أمسي البعيد
وأنا لم أزل صلاة لعينيـ … ــــك وإعصار لهفة وشرود
كيف ضاع الحب الإلهي يا طائري الحر فانفرجت ظنونا؟) (^٢)
وتحت عنوان العودة إلى المعبد، وتعني به الحب قالت:
(معبدي عادت بي الأحزان فارأف بعذابي
. . . ذهب الأمس بأوهام فؤادي ومحاها
فإذا قلبي عبد ولقد كان إلها
. . . عدت يا معبد للصمت فلن أشدو بحبي
. . . هي ذي آلهة الشعر فهل تمسح حزني
. . . معبدي افتح لقلبي الباب ولا تقس عليه) (^٣).
ووصفت الموسيقي الروسيّ تشايكوفسكي بأوصاف غاية في الغلو والضلال والفساد، وذلك في قصيدتها "أنشودة الأبدية"، قالت في مقدمتها: (إلى القيثارة الإلهية التي منحت الإنسانية أروع الألحان، إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسي ذكرى لمرور أربع وخمسين سنة على وفاته) (^٤).
ثم قالت:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٢٢.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٥٣ - ٥٥٤.
(٣) المصدر السابق ١/ ٦١٦ - ٦١٩.
(٤) المصدر السابق ١/ ٦٢٨.
[ ١ / ٤١٣ ]
(سأحب الحياة من أجل الحا … نك يا بلبلي الحزين وأحيا
سأرى في النجوم من نور أحلا … مك ظلًا مخلدًا أبديّا) (^١)
. . . آه يا أيها الملاك إلى رو … حك في الموت حن روحي الحزين (^٢)
. . . من بعيد أرنوالي الهيكل السا … مي وأصغى إليك يا معبودي) (^٣)
. . . رقد الحالم الإلهي تحت الـ … ـــفجر حسيمًا ميتًا وروحًا أصما) (^٤)
. . . وعلا ذلك الجبين الأثيري … شحوب الموت المرير القاسي
وهوى ذلك الإله السماوي … على الأرض خامد الأنفاس
عبثًا قبلته آلهة الفجر … وغنته أعذب الأنغام
عبثًا ذكرته ربة موسيـ … ــــقاه بالذكريات والأحلام) (^٥)
فهذه نصوص جلية في الاستخفاف بلفظ "الإله" وهو توجه لم يقدر اللَّه حق قدره ولم يحفظ لألوهيته تعالى قدسيتها.
أمّا البياتي وهو من المؤسسين للحداثة، ومن السادرين في حبها والدفاع عنها، فقد امتلأت كتبه بهذا النوع من الانحراف، ولعله يرى ذلك أقل ما يُمكن قوله وفعله فقد اغتذى بالحداثة من شبابه في دار المعلمين في بغداد على يد الإنجليزي الآنف ذكره، ثم تدرج في دركات الانحراف ليصبح ماركسيًا يدافع عنه الماركسية، وينشر فكرها وألفاظها ورموزها ويتغنى بتاريخها ورجالاتها ومدنها، ومن المعلوم أن الماركسية تقوم على عقيدة الإلحاد القائلة بأن "لا إله والحياة مادة"، ومن اعتقد هذا فلا ريب أن لفظ الإله عنده غير محترم وأنه سينتكس في وحول الضلالات ويلج إليها من أوسع وأقذر الأبواب.
_________________
(١) ديوان نازك الملائكة ١/ ٦٢٨.
(٢) المصدر السابق ١/ ٦٢٩.
(٣) المصدر السابق ١/ ٦٣٠.
(٤) المصدر السابق ١/ ٦٣٣.
(٥) المصدر السابق ١/ ٦٢٤.
[ ١ / ٤١٤ ]
ولولا أن من مقاصد هذا البحث بيان انحرافات أهل الحداثة من خلال كلاهم، لكان الإعراض عن كلام أشد شيعة الحداثة عتيًا أولى من ذكره.
ولنذكر الآن شواهد من كلام البياتي في تأليهه لغير اللَّه، وسخريته واستخفافه بمصطلح الإله. يتحدث في قصيدة بعنوان "ملائكة وشياطين" عن شاعر ويقصد نفسه فيقول:
(أوتاره أهداب آلهة وجناحه أشواق إنسان) (^١)
ونحوه قوله:
(وماذا علي إذا لم أكن إلهًا وحلمي توارى وغاب) (^٢)
وتحت عنوان البعير المسعور يقول:
(هذا العبير الإلهي نشقته بالأمس وحدي من خمائل شعرها) (^٣)
ويقول:
(خياله يطفو على جفني وإن عنك احتجب
إلهه المقتول في كفيه قيثار خشب) (^٤)
ويقول عن أحلامه الشاعرية مقتديًا بوثنية اليونان في تعدد الآلهة:
(وفي الجزر النائيات التي تلوذ بها آلهات البحر
سيسمع الحاني الصائدون تغني بها الريح بين الشجر) (^٥)
ونحوه قوله:
(هنا رفعت للسماء العقيم قرابينها آلهات القبور) (^٦)
_________________
(١) ديوان البياتي ١/ ٢٢.
(٢) المصدر السابق ١/ ٥٥ - ٥٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ١٠٥.
(٤) المصدر السابق ١/ ١١٩.
(٥) المصدر السابق ١/ ١٢٢.
(٦) المصدر السابق ١/ ١٧٤.
[ ١ / ٤١٥ ]
وقوله:
(ودليل مركبي الطروب
عينان خضراوان، آلهة الربيع) (^١).
وقوله:
(كان لنا فجر وكانت لنا آلهة تَمنحنا ودها) (^٢)
وقوله:
(وهواي كان
طفلًا إلهيًا على الأشواك يحبو في الهجير) (^٣).
وقوله:
(على سفح "حمرين" يا فتنتي
ومعبودتي
ليالي الشتاء الحزين) (^٤).
وله قصيدة بعنوان "الآلهة والمنفى" (^٥).
ويقول:
(بأي الهوى وبأي الدروب
تموتين يا نجمتي الشاحبه
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٧٧.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٨٠.
(٣) المصدر السابق ١/ ١٨٥.
(٤) ديوان البياتي ١/ ٢٣٧.
(٥) المصدر السابق ١/ ٢٩٤.
[ ١ / ٤١٦ ]
إله يرود مراعي السماء
إله تطارده العاصفه
رأيت الإله على المقصله
. . . رأيت الديوك على المزبله) (^١).
وفي مقطع له بعنوان "قصائد حب إلى عشتار":
(في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة) (^٢).
وفيه يقول:
(من هنا مرت وفي هذي الطلول الدارسة
لاحقتني لعنات الآلهة) (^٣).
ويقول:
(نرفع للفرات قربان إله الطين) (^٤).
وفي مقطع له بعنوان "مرثية إلى اخناتون" يتغنى بأمجاد الفراعنة ويمجدها ويصفها بأوصاف الألوهية وينطرح أمامها في عبودية وذل، ومما قاله فيه:
(مرتلين للإله العاشق المنفي أخناتون) (^٥).
(. . . بسبب الجريمة
لا تقبل الآلهة الصلاة والقربان) (^٦).
(على نقوش قبره المنهوب
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٩١ - ٤٩٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٠٦.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٠٧.
(٤) المصدر السابق ٣/ ٢٢٢.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٢٦٨، ٢٦٩.
(٦) ديوان البياتي ٢/ ٢٦٨، ٢٦٩.
[ ١ / ٤١٧ ]
لا شيء غير نذر الآلهة الغضبى وصمت الحجر النائم في وادي
الملوك تحت كثبان رمال الأبد المسحوق. . .
. . . يا أيها المعبود
أنت الذي يعيش في الحقيقة
ممجدًا مباركًا قدوس. . .
. . . متوجًا بزهرة اللوتس والثعبان
حيًا جميلًا خالدًا معبود
وعاشقًا معشوق
شمس النهار أنت في جلالك العظيم
. . . أنت لا تموت
إنك لا تفنى إلى الأبد
إنك لا تعطش في سفينة الشمس ولا تجوع
ولا يدب الشيب في شعرك أو تنفى إلى أصقاع موت النور
تحترق السماء من أجلك والنيل على غدائر الأرض وفوق
صدرها الحنون) (^١).
هذا الارتماء العبودي، والخضوع الوثني والأوصاف التبجيلية التأليهية التي يقدمها في نسك وثني متخلف!! أليس عجيبًا أن يجحد ألوهية اللَّه الحقة، ويضفي صفات الخلود والإرادة على أخناتون (^٢) الفرعون المندثر
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٢) عاشر فراعنة الأسرة الثامنة عشرة وثاني، أبناء أبيه ٣٦٩ - ٣٥٣ ق. م عبد قرص الشمس، واعتبرها إلهه الذي لا يشرك معه أحدًا، وبنى لربه معبدًا في ديار الكرنك أسماه معبد رع. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ١/ ٦٦.
[ ١ / ٤١٨ ]
الهالك منذ آلاف السنين؟!، ولكنها العقلية الجاهلية منذ القدم وإلى اليوم تجحد الحق المبين وتوقن بالخرافة والوهم.
وفي مقطع له بعنوان "المعبودة" يخاطبها بوثنية قاحلة قائلًا:
(أيتها المعبودة أيتها الحمامة المقدسة
. . . أيتها المعبودة التي قهرت جميع معبوداتي
وتربعت ملكة على عرشهن
آمنت بك
وبكلماتك
وإبداعاتك التي رأيت في سطورها
شمس العالم وهي تولد من جديد) (^١).
وفيها يقول:
(قلبي هرم خوفو الكبير
أراك تضطجعين في مقصورته الملكية
ماسة مشعة منذ آلاف السنين
وأنا عبدك أقبل يدك
وأحرك كنوزك الإلهية) (^٢).
وسيرًا على انطباعه بالوثنيات وتأثيراتها الضلالية يقول تحت عنوان "سيرة ذاتية لسارق النار"، وسارق النار هو بروميثوس الوثن اليوناني الذي يؤلهونه، وقد أسهب البياتي في تفصيل سيرة هذا الوثن واعتقادات أسلافه اليونان فيه (^٣).
_________________
(١) ديوان البياتي ٢/ ٣١٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ١ / ٤١٩ ]
ويقصد بهذا المقطع نفسه، وفيه يقول:
(من أعطاك حق البحث في مدينة العشق عن اللَّه؟) (^١).
ويقول فيها مؤلهًا الإنسان:
(بحثت من حان إلى حان ومن منفى إلى مفنى
عن الوجه الذي يحمله سارق نار الشعر
من معابد الآلهة - الإنسان) (^٢).
ومثل هذا قوله:
(أو لم نحترق
من أجل أن نضيء ليل البشر - الآلهة - الطيور) (^٣).
ويسترسل مع الوثنين والأوثان مجتهدًا في نشر وترويج بضاعتها الكاسدة التي انطفأت نارها بمبعث خاتم الرسل محمد -ﷺ- فيقول تحت عنوان "القصيدة الإغريقية":
(تعدو عارية، آلهة الشعر المجنون إلى "دلفي (^٤) " تبكي أقدار الشعراء) (^٥).
ويقول:
(كنا أربعة: أنا والموسيقى الأعمى ودليلي
ومغني آلهة الأولمب الحكماء) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٣٥٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٥٥.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٥٩ ونحوه ص ٣٦١.
(٤) دلفي معبد إغريقي. انظر: المصدر نفسه: ص ٣٩٨.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٣٨٢.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٣٨٣.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ومن هذا الطرح نستطيع أن نفهم كيف تؤثر الدراسة والتلقي في العقائد والأفكار، فالبياتي -وهو أحد النماذج الحداثية- تلقى في شبابه عن أستاذه الإنجليزي، ثم استطرد في هذا الميدان ليصبح نسخة عن أي فكر أو عقيدة، إلّا عن عقيدة الإسلام ومبادئه، فمرة يتطوح فكره بين أيدي الأوثان القديمة من الإغريق والبابليين واليونان، ومرة ينطرح في عبادة وإجلال للأوثان الجديدة وخاصة الماركسية والوجودية، وكل هذه المعبودات أثرت في أقواله وأعماله، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
وننتقل الآن إلى الطبقة الثانية، وعلى رأسها أدونيس الذي سبق من تقدم، وفاق من لحق بعده، وأضحى رأسًا في حمل لواء الانحوافات والخرافات الجاهلية، وأستاذًا في التعبير عن عقائد الضلال التافهة.
وله في قضية تأليه غير اللَّه باعٌ كبيرٌ، فالذئب والضوء وفينيق والحداثة وذاته والأرض والشمس والعالم والحشرات والإنسان كلها يصفها بالألوهية، مرة بما يقتضي تعبده واحترامه لها، ومرة بما يدل على استخفافه بمصطلح الألوهية ومعناه، وهذه بعض الأمثلة على ذلك، كقوله:
(ومعي الناي - جمعت فيه آفاق بلادي شطآنها وقراها
أطلع اللحن لحنها فكأني واضع بين راحتي إلها) (^١)
وقوله:
(يدي هنا غريبة، غريب
وجهي إله حاضري غريب) (^٢).
وقوله:
(وبين كل خطوة وخطوة
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٥.
(٢) المصدر نفسه ١/ ١٢٤.
[ ١ / ٤٢١ ]
مغاور تألهت ونُصُب) (^١).
وفي مقطع بعنوان "صلاة" يخاطب فينيق ويدعوه في عبودية وثنية مكشوفة، ويقول:
(صليت أن تظل في الرماد
أن يهدأ السحر وأن يكون
موعدنا في النار في الرماد
صليت أن يقودنا الجنون) (^٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^٣).
وقد دعا أدونيس أن يكون موعده مع في فينيق في النار، وأن يقتاده الجنون، وليس هناك أعظم جنونًا من إنسان يوجه فكره وفنه لعبادة آلهة وثنية أو فكرية أو مذهبية -آلهة غير اللَّه الحق المبين- يعبدها ويفني نفسها فيها، وإن لبّس ذلك بلباس الأدب أو البحث العلمي أو النقد أو العقلانية أو المعاصرة أو التحديث، إلى غير ذلك من المعاذير التي يغطي بها الحداثيون خطل فكرهم وعقيدتهم وما ينتج عن ذلك من إفرازات.
وليست هذه الوحيدة من وثنيات أدونيس بل له "ترتيلية البعث" (^٤)، وهي مليئة بالتقديس والدعاء والرجاء العبادي لفينيق، ومترعة بالإعجاب به، ووصفه بأوصاف القداسة والخلق والألوهية (^٥).
ومن أقواله في موضع آخر:
(أعيش في جزيرة الألوان
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ٢٤٣.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٣٣٥.
(٣) الآية ١٩ من سورة الأنفال.
(٤) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٢٥.
(٥) المصدر السابق ١/ ١٦٥ - ١٧٢.
[ ١ / ٤٢٢ ]
أعيش كالإنسان
أصالح الآلهة العمياء والآلهة البصيرة) (^١).
وعلى الطريقة الوثنية اليونانية يستخدم هو وأضرابه لفظ الإله والألوهية على كل شيء ويدنسون هذا المصطلح بإضافته إلى أتفه الأشياء وأحقرها، كقوله تحت عنوان "الذئب الإلهي":
(تحت وجهي جرس الليل انكسر
وأنا الذئب الإلهي الجديد) (^٢).
وقوله:
(الحب زي - كلما كثر المحبون قل الحب
سرير تعمره حشرات إلهية تنفث الهذيان الكوني
حيث يشتبك فخذ القمر وفخذ الفأر
يتعانق فك الشمس ولسان الحرذون) (^٣).
وعلى ما في هذا الكلام مما يصلح للسخرية والتندر وضرب الأمثال لخبال العقول وتفاهة القول والفكر، فإن فيه أيضًا وصف الإنسان الذي يعمر سرير الحب -ويريد به الجنس- بأنه حشرة، ونعت الحشرة بالألوهية، على طريقته التدنيسية لكل ما يتعلق بعقائد ومصطلحات الإيمان، ومنهجه التبجيلي لكل ما يتعلق بعقائد ومصطلحات الكفر والإلحاد والضلال.
وفي مكان آخر يصف الجنس ذاته بأنه إله:
(أعراس أعراس
نرفعها ذبائح انتقامًا من الموت
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٣٢.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٣٩.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٦٢٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
إلهًا آخر يرى كل شيء) (^١).
ويؤله الأرض قائلًا:
(حين تكون الأرض
مقصلة خرساء أو إله) (^٢).
وكذلك المقصلة:
(انظر: الكون بهلوان
إن إله العالم المقصلة) (^٣).
ويؤله عالم الجسد والجنس قائلًا على لسان إحداهن:
(سلامًا أيها العالم يا مألوهي) (^٤).
ويمضي على طريقة المانوية في تأليه النور فيقول:
(أيها الضوء
خلقت إلهًا ويرفضك الظلام
. . . ألهذا كنت الخالق يلبس شكل الخليقة) (^٥).
أمّا معبوده الأكبر وإلهه الأعظم فهي الأفكار والعقائد التي يدعو إليها وينادي بها، وكثيرًا ما نجده يمزج بينها وبين ذاته، ويربطها بشخصه، بسبب نظرته المتعالية المستكبرة، واعتداده بأستاذيته المتعالية على الأتباع والمعجبين من الإمّعات الجهلة.
يقول عن إله الحداثة الذي عبدوه من دون اللَّه:
(بلى في بلادي لكل الزمان لكل المصير اكتناه
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٢٤.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٥٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٠٤.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٩٨.
(٥) الأعمال الشعرية لأدونيس ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وإن شوهوه
وفيها لخلق لصيرورة الحياة إله
وإن أنكروه) (^١).
وعندما يتحدث عن المسلم صاحب الدين والخلق القويم، وعن تراث المسلمين وتاريخهم، يسخر ويجعل ذلك تخلفًا وأغلالًا وسلاسل تقيد الحرية والإبداع فيقول:
(سمعته وفمه حجارة
خطاي لا أريدها
ثقيلة رتيبة
وهذه سلاسلي
أموت في رنينها
سلاسلي حديدها إله. . .
. . . والآخرون الكون في بيوتهم
واللَّه فوق طبق من العقول مترف
أغيّر الحياة: شكل سيرها
وآدميًا موثقًا بخبزه
يغص بالهواء، يبقى اللَّه في حلقومه معلقًا
ولا يزال صوته
يجتاحني، وفمه حجارة
خطاي لا أريدها) (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ١٣٦.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وفي غضون غروره بنفسه وشعره يستعلي -انتفاخًا- إلى حد التأليه فيقول:
(عاشق أتدحرج في عتمات الجحيم
حجرًا غير أني أضيء
إن لي موعدًا من الكاهنات
في سرير الإله القديم
كلماتي رياح تهز الحياة
وغنائي شرار
إنني لغة لإله يجيء
إنني ساحر الغبار) (^١).
تنضح هذه الكلمات بالمعاني المكررة التي يرددها في قوالب عديدة، فهو يصف نفسه بأنه حجر مضيء ويتدحرج في ظلام الواقع المتأثر بالماضي، بالإسلام وتراثه وحضارته.
وسوف يقضي على الدين الذي عبر عنه باللقاء مع الكاهنات في سرير الإله القديم ويعني به اللَّه تعالى، ثم ينعطف على ذكر أدوات ثورته ورفضه ونقضه، إنها كلماته التي جعلها رياحًا تهز الحياة وشرارًا يوقد ويحرق.
ثم يقرر في استكبار بأنه وشعره وفكره "لغة لإله يجيء" إله الحداثة، وإله العقلانية المزعومة، وإله التحرر الداعر والإلحاد.
ويكرر هذا الكلام في قوله:
(إنني حجر الصاعقة
والإله الذي يتلاقى مع المفرق الضائع
_________________
(١) الأعمال الكاملة لأدونيس ١/ ٢٩٨.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وأنا الراية العالقة
بجفون السحاب المشرد والمطر الفاجع
وأنا التائه الذي يتقدم سيلًا ونارًا
مازجًا بالسماء الغبار
وأنا لهجة البرق والصاعقة) (^١).
ويكرر المعنى في صيغة أخرى قائلًا:
(أخلق أرضًا تثور معي وتخون
أخلق أرضًا تجسستها بعروقي
ورسمت سماواتها برعدي
وزينتها ببروقي
حدها صاعق وموج
وراياتها الجفون) (^٢).
وفي مقطع بعنوان "إله يحب شقاءه" تضج كلماته بهذه الرعونات والادعاءات الجوفاء، فيجعل اللَّه تعالى إلهًا يتمزق تحت خطواته، خطوات مهيار الرجيم، وكلماته وأغنياته إله يزيح التخلف والإرهاب، ويحب الشقاء والجحيم الحداثي، ويرد البراءة لوجه الحياة، فيقول:
(بالإله الذي يتمزق
في خطواتي
أنا مهيار الرجيم
أرفع الميتين ذبيحة
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٤٠.
(٢) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٣٤٣.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وأصلي صلاة الذئاب الجريحة
غير أن القبور التي تتثاءب
في كلماتي
حضنت أغنياتي
بإله يزيح الحجارة عنا
يحب شقاءه
ويبارك حتى الجحيم
فيصلي مع صلواتي
ويرد لوجه الحياة البراءة) (^١).
وقد قامت فلسفة الهرطقة هذه عنده على أساس أن الإنسان خالق لا مخلوق، وأنه يشارك في الخلق الإلهي (^٢).
أمّا مهاجمته لذات اللَّه -جلَّ وعلا- فقد قامت على أساس أوضحه في تلمود الحداثة متحدثًا عن جبران نيابة، وعن نفسه أصالة قائلًا: (لا يستطيع الإنسان. . . أن يصبح نفسه إلّا إذا هدّم كل ما يعادي حريته الكاملة، وتفتحه المليء، وما يقف حاجزًا دون طاقته الخلاقة وتتجسد هذه القوة المعادية كما يرى جبران، فيما يسمى "الشريعة" بتنويعاتها وأشكالها السلطوية، الماورائية، والاجتماعية: "اللَّه" بالمفهوم التقليدي، الكاهن، الطاغية، الإقطاعي، الشرطي) (^٣).
فإذا وجدنا في تلويحات الحداثيين ورموزهم الوافضة كلامًا عن محاربة الكاهن أو الطاغية أو الإقطاعي أو الشرطي أو السلطة أو محارب الحرية أو سيد الرمال أو زعيم التخلف أو رأس التحجر ونحو ذلك فإن المراد الأول بذلك هو اللَّه تعالى كما نص على ذلك أدونيس في النص السابق، وقد يريدون شريعته ودينه وأنبياءه وكتبه وما يتفرع عن ذلك.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٤٩.
(٢) انظر: الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٥٧.
(٣) المصدر السابق ٣/ ١٨١.
[ ١ / ٤٢٨ ]
وإذا انتقلنا إلى رأس آخر من رؤوس الطواغيت الحداثية وهو الصليبي يوسف الخال فإننا نجد تأليهه لغير اللَّه من أصول فنه وشعره وكلامه، وله في ذلك باع طويل، أسوة بأسياده نصارى الغرب الذين أخذوا هذه النظرة الوثنية عن اليونان، واعتبروا فلسفة اليونان أساسًا لفكرهم.
يقول الخال:
(غنه إلياذة من هومر
أمرعت والدهم لم يدرك صباه
غنه ما شئت كم قيثارة
ابدعت في عالم الفكر إله) (^١).
ويقول مستخفًا بلفظ الإله:
(أين أمضي؟
أإلى المأتم في الغابة والميت إله؟) (^٢).
ومثله قوله:
(بغ. . بغا. . بغ
بغ. .
بغبغا. . بغ
أترى هذا الذي مات إله) (^٣).
وفي معرض تأليهه وإشادته باالبحر رمز الغرب والتجديد والتقدم عنده، يقول:
_________________
(١) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ١٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٠١.
(٣) المصدر السابق: ص ٢١٩ ونحوه ص ٢٧٩ وص ٣٥٨.
[ ١ / ٤٢٩ ]
(أيها البحر، أيها الأمل البحر
ترفق بنا ترفق ترفق. . .
. . . كل الجراحات يا بحر
حبالى ونحن مهد عريق
للولادات: أي أي إله
ما رأى النور بيتنا، ما تربى
كيف يحيا، يشقى، يموت) (^١).
يقول:
(الرخام هنا مجامرًا
للبطل الإله، مقبضًا لسيفه) (^٢).
ويقول:
(ردي الحبيب لي
رديه كالإله من غيابه) (^٣).
ويقول:
(مسافر سلبه اللصوص
مزقوا ثيابه
رموه في مفازة
هجرها الإله
_________________
(١) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ٢٢٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٣٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٣٩.
[ ١ / ٤٣٠ ]
قالوا له: إلهك الجديد ما تراه) (^١).
ويتحدث عن عشيقته قائلًا:
(حبيبتي معي، جسدي معي، إلهي معي، قم أيها القدر وافسح لي مكانك) (^٢).
(آه أي إله أنت، جنتك لا تغري بالخطيئة. . .
. . . عانقيني يا إلهي الصغير) (^٣).
وفي اعتزاز بفكره الحداثي، وسعي في هدم عقائد الإيمان يقول تحت عنوان "العشاء الأخير":
(تقول: لنأكل الآن ونشرب، إلهنا مات
فليكن لنا إله آخر، تعبنا من الكلمة وتاقت
نفوسنا إلى غباوة العرق. . .
. . . ونقول: لعل الطارق إلهنا الجديد، وهذه الريح
أزهار شهية تفتحت في المجاهل) (^٤).
ويقول:
(الأشجار تهجر الصمت وتبكي إلهها القديم) (^٥).
ويعبر عن حربه اللَّه تعالى ودينه وشريعته قائلًا:
(وفي صحرنايا ولدت وفيها
على حائط ساجد في الطريق
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٧٠.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٧٢.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٥) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ٢٨١.
[ ١ / ٤٣١ ]
شنقت إلهي، وفي الرمل
في ظلمات الحروف العقيمة) (^١).
(أقوم وأرحل عن صحرنايا
وأسلك دربي إلى منتهاه
هنالك أحضن وجه التراب
وأسمع صمت الإله
وأبني من الريح مأوى يقيني) (^٢).
أمّا النصراني الآخر جبرا إبراهيم جبرا، والشاعر الحداثي التموزي وأحد المؤثرين الفاعلين في حركة الشعر الحديث، فهو على المنوال نفسه وفي المخاضة الآسنة ذاتها، وكيف لا والجميع قد ارتضع من إفرازات الطغيان المادي.
يقول جبرا:
(بي شهوة الإله) (^٣).
وتحت عنوان "الشاعر والنساء" امتدح الفاجرات الداعرات، وشتم العفيفات والحجاب والحشمة ثم قال:
(أأروي كيف دنت بوجهها
وشفتاها كأس من الياقوت
ونقش فيها إله الحب. . .
. . . وعلى شفتيها آلهة الليل لا تخشى) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٩٤. والرمل يقصد به الدين الإسلامي، والحروف العقيمة يريد بها اللغة العربية.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٩٥. وانظر: ص ٣٥٤، ٣٥٥.
(٣) المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا: ص ٣٦.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٢.
[ ١ / ٤٣٢ ]
ويقول:
(كأن السم مشيئة الآلهة) (^١).
ويتحدث عن عشيقاته قائلًا:
(وما اختار إلّا أروعكن
لتكون محط عبادتي وجنوني) (^٢).
أمّا ثالث أعمدة النصارى من الحداثيين فهو توفيق صايغ، وأقواله في هذا الباب عديدة منها قوله:
(من المياه تنبع آلهة الحب) (^٣).
وقوله:
(وفي نفثات شعر كأنفاس إله) (^٤).
وقوله:
(لا أطلب معها
غديرًا سائغًا بأعلى الجبل
السائح لشبرٍ عن إله) (^٥).
وقوله:
(سيعرّفُ الليلة
الإله الشبق
_________________
(١) المجوعات الشعرية الكاملة لجبرا: ص ٢٠٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٤١.
(٣) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص ٣٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٧٦.
(٥) المصدر السابق: ص ١٣٤.
[ ١ / ٤٣٣ ]
تلك التي
لم تعرف مثلها مع رجل) (^١).
ويخاطب حيوان الكركدن تحت عنوان "بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن":
(وألوهتك تبعت التجديف
والارتداد وحسب) (^٢).
وفيه قوله:
(حيوان وامرأة:
إله في خياليهما وإلهة) (^٣).
وفيه قوله:
(وصاح في صلاته:
إلهي قتلت الجسد؟
عذراؤك ولهى) (^٤).
وتحت عنوان معلقة توفيق صايغ يقول في دناءة وخبث وانحطاط، مؤلهًا بكارة امرأة، وساخرًا من اللَّه -﷿-:
(من جيروم لجوليا
الحورية العذراء
عذرتها ألّتهتها
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٦٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٦٤.
(٣) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص ٢٦٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٦٨.
[ ١ / ٤٣٤ ]
أهلت أسها أن تسمى
حَمَاةَ اللَّه) (^١).
ويقول:
(سيول خصب،
كنتها وكبحتها
كقلب وإلهٍ كاتم) (^٢).
وعن هذا المقطع كتب في الهامش: (المقطع الأول من القصيدة الطويلة التي بدأت أحبل بها منذ حوالي تموز ١٩٥٢ م) (^٣).
فبئس ما حبل به وبئس ما أنجب، ولتهنأ الحداثة بروادها الذين يحبلون ويلدون!!.
ويتحدث عن معشوقته قائلًا:
(وإله يريد ابتهالي ومحرقاتي. . .
. . . وقلت لها:
بل انك الآن ربتي
حين تخطرين وسط الجموع) (^٤).
وكلامه من هذا النوع كثير (^٥).
وللنصراني الحداثي الرابع أنسي الحاج مجاله وعباراته الساقطة في هذا الحضيض الوثني، ومن أقواله:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٠٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٣٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٣٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٣٦٤.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٤١، ٤٣، ٦٩، ١٦٦، ٢٣٩، ٣٧٦، ٣٨٠.
[ ١ / ٤٣٥ ]
(يتألف إله النجاح الاستهلاكي ويدوسني، المجد له ما دام يريده) (^١).
ويقول -تعالى اللَّه عما يقول-: (تقتل الغلمة جسد اللَّه بعد قتل اللَّه روحًا وجسدًا) (^٢).
ثم يضيف مؤلهًا الكلمة والشعر الحداثي: (هل حلم أحدهم بجعل الجميع يكتبون شعرًا؟، ربما لكنه كان يقصد، غير أن ينهش الجميع جثة. كان يقصد أن يتشارك الجميع في صيرورتهم شعراء، في تحولهم إلى شعر، ومهما يكن قصده فإنه كان في اتجاه قلب الناس آلهةً عصافير كواكب. . .) (^٣).
ثم يتبع ذلك بسفسطاته قائلًا: (فليمت الشعر، الأدب، الفن، لتنقرض اللغة، ليضمحل الإنسان الإلهي لحساب البرنامج) (^٤).
ويخاطب الداعرة التي تصور أفلام الجنس فيقول: (أعبد إلهك يا كائنة الإغراء، إله اللهو الغامر ضد كل ما يخيفني، أعبد إلهك لأنه طفل مثلي وغير واضح مثلك، وجائع مثلي، وطيب مثلك.
أعبد إلهك لأنه ليس إله الحصاد والمؤونة والسيف والدرع، بل إله اللحظة الخالدة الفانية) (^٥).
ويقول: (تلام الآلهة كيف تخترع الخطيئة وتعرض الإنسان الضعيف لحبائلها ثم تعاقبه على الوقوع. . . ولكن كيف نلوم الآلهة. . .) (^٦).
ويقول أيضًا: (الإنسان الذي أقام القيامة على الآلهة لأنها حكمت عليه بالموت اقتصاصًا من استعماله الحرية التي وهبته إياها ليس بأفضل
_________________
(١) خواتم لأنسي الحاج: ص ١٧.
(٢) المصدر السابق: ص ١٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٠.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٦ - ٤٧.
(٥) المصدر السابق: ص ٧١.
(٦) المصدر السابق: ص ٧٢.
[ ١ / ٤٣٦ ]
من الآلهة (^١).
ويقول في تدنيس مقصود:
(اللعب هو البراءة، كل لعب
ببلوغه المسافات الإلهية أو تلك الشيطانية) (^٢).
ويتحدث عن الإنسان على اعتبار أنه إله، وهي قضية أساسية من قضايا الحداثة والعلمانية فيقول: (المعجزة، التي هي ترجمة للقوة الخارقة للمشيئة الإلهية هي في الوقت ذاته دليل إلى ألوهية الإنسان. . . ولماذا يهجس اللَّه بإقناع الإنسان واستمالته لو لم يكن في الإنسان بعض اللَّه، مما لا يريده اللَّه أن يضيع) (^٣).
سبحان اللَّه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
أمّا الحداثي العراقي الماركسي (^٤) العقيدة سعدي يوسف فهو على الخطى نفسها في السخرية بالألوهية وتأليه غير اللَّه تعالى:
ومن أقواله:
(. . . وبقايا من محمد
الإله الجائع المدفون في أرض الحرائق) (^٥).
ويجعل الفن إلهًا له معابد فيقول:
(طيب وغابات وأردية ورنين إزميل وقيثار
ومعابد بيضاء مر بها دفء الشروق وورد آذار) (^٦)
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٢.
(٢) خواتم لأنسي الحاج: ص ٧٧.
(٣) المصدر السابق: ص ٦١.
(٤) انظر: ما يثبت ذلك في ديوانه ١/ ١٥٧.
(٥) المصدر السابق ١/ ٤٧٩.
(٦) المصدر السابق ١/ ٥٧٨.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وله من أمثال هذا كثير (^١).
وللشاعر العراقي الشيوعي الشيعي الأصل مظفر النواب من هذا الانحراف نصيب، مثل قوله: (أتقنت تعاليم الأهوازي، ووحدت النخلة واللَّه وفلاحًا يفتح نار الثورة في حقل الفجر) (^٢).
وإذا انتقلنا إلى مصر وأخذنا أمثلة من حداثييها فإننا نجد الداء نفسه قد استشرى فيهم ونشروه في كلامهم، فمنهم رائد الحداثة المصرية والعربية صلاح عبد الصبور القائل:
(كنا على ظهر الطريق عصابة من أشقياء
متعذبين كآلهة) (^٣).
وعندما يصف علاقته بمحبوبته التي سماها "الإله الصغير" فإنه يطنب في وصفها بالألوهية وفي وصف نفسه بالعبودية لها، قال:
(كان لي يومًا إله وملاذي كان بيته
قال لي أن طريق الورد وعرٌ فارتقيته
ذات يوم، كنت ارتاد الصحارى، كنت وحدي
حين أبصرت إلهي، أسمر الجبهة وردي
ورقصنا وإلهي للضحى خدًا. . . لخد
ثم نمنا وإلهي، بين أمواج وورد
وإلهي كان طفلًا، وأنا طفلًا عبدته
كل ما في الروض يهواه، ولكني امتلكته
ثم أصبحت إلهي تمنع الخطوة عني
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ١٥٠، ٣١٣.
(٢) مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية لعبد القادر الحصيني وهاني الخير: ص ٢٢.
(٣) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٣٤.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وأناديك فأعيا، ويسد الصمت أذني) (^١).
ويقول تحت عنوان "أناشيد غرام":
(قالت شفتاك نعم
فأنا ملقًى فوق بساط الريح إلهًا محبورًا) (^٢)
ويقول:
(أنا مصلوب، والحب صليبي
وحملت عن الناس الأحزان
في حب إله مكذوب) (^٣).
ومنهم أمل دنقل القائل:
(العينان الخضراون
مروحتان
في أروقة الصيف الحران
أغنيتان مسافرتان
ابحرتا من نايات الرعيان
بعبير حنان
بعزاء من آلهة النور إلى مدن الأحزان) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٧ - ٤٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٣.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢٤. وانظر: ص ٧٨، ٧٩.
(٤) الأعمال الشعرية لأمل دنقل: ص ٩٧.
[ ١ / ٤٣٩ ]
ولنزار قباني انحرافاته الاعتقادية، مضافة إلى انحرافاته السلوكية وكلامه البذيء، ومتاجرته بجسد المرأة تحت شعارات التحرر والإبداع، وغيرها من زخرف القول الذي يخادع به نفسه وبعض المراهقين الجهلاء:
فمن انحرافاته في الاستخفاف بلفظ الألوهية وتأليه غير اللَّه تعالى قوله:
(في شكل وجهك أقرأ شكل الإله الجميل) (^١)
وتحت عنوان "أحمر الشفاه" يقول:
(على فم أغنى من اللوزة فلقتاه
يرضع حرف مخمل تقبيله صلاه. . .
. . . بغزل نصف مغرب كأنه إله) (^٢)
وفي مقطع سماه "إلى ميتة" يخاطب خدينته قائلًا:
(كيف حطمت إلهي بيديا؟) (^٣).
ويصف استغراقه في الدعارة والجنس والخمر إلى حد العبادة، فيقول:
(صليت في معابد ليس لها إله
وأرخص الخمور ذقت
أرخص الشفاه) (^٤).
ويغالي في افتخاره بذاته ونرجيسته التي وصلت إلى حد عبادته لذاته، أي أنه جعل من نفسه لنفسه إلهًا وذلك في قوله:
_________________
(١) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٣٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ٣١٣.
(٤) المصدر السابق ١/ ٤١٠.
[ ١ / ٤٤٠ ]
(مارست ألف عبادة وعبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي) (^١)
ويخاطب عشيقته قائلًا:
(فاليوم أخلق منك إلهًا وأجعل نهدك قطعة جوهر) (^٢)
ويجعل من نفسه محاميًا عن المرأة ضد الرجل فيقول عنه على لسان امرأة:
(إله في معابدنا نصليه ونبتهل
يغازلنا. . وحين يجوع يأكلنا
ويملا الكأس من دمنا ويغتسل
إله لا نقاومه، يعذبنا ونحتمل. . .
إله ماله عمر إله اسمه الرجل) (^٣).
أمّا شعراء النضال الفلسطيني!! شعراء الأرض المحتلة!! الذين باعوها للأحزاب الشيوعية العلمانية والصهيونية ثم شاركوا في بيعها أخيرًا في سوق المزايدة العلني في مدريد وأوسلو وواي ريفر وشرم الشيخ، فلهم في الاستخفاف بلفظ الألوهية وفي تأليه غير اللَّه مثل الذي لأشباههم من الحداثيين العرب.
فمنهم محمود درويش القائل في مدح الشيوعي الأسباني "لوركا":
(هكذا الشاعر، موسيقى، وترتيل صلاه
ونسيم أن همس
يأخذ الحسناء في لين إله) (^٤).
وقد سبق نقل كلامه عن عبادة والده للأرض وذلك في قوله:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٦٦.
(٢) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٤٧٠.
(٣) المصدر السابق ١/ ٦٣١.
(٤) ديوان محمود درويش: ص ٦٨ - ٦٩.
[ ١ / ٤٤١ ]
(أبي من أجلها صلى وصام
وجاب أرض الهند والإغريق
إلهًا راكعًا لغبار رجليها) (^١).
ونحوه قوله في وطنه:
(والموت والميلاد في وطني المؤله توأمان) (^٢).
ونحوه قوله:
(وطني عيونك أم غيوم ذوّبت أوتار قلبي في جراح إله
هل تأخذن يدي فسبحان الذي يحمي غريبًا من مذلة آه) (^٣)
ويقول:
(وإن الآلهة
في البرلمان) (^٤).
وعن معشوقته ريتا يقول:
(يدفعها الخيال إلى الإمام إلى الإمام
بعنف أجنحة العقيدة
وأراك تبتعدين عني
آه تقتربين مني
نحو آلهة جديدة) (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٠١.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٢٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٣٧.
(٤) ديوان محمود درويش: ص ٢٧٩.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ١ / ٤٤٢ ]
ويقول في مقطع آخر:
(المسافات أقرب
بيننا شارعان وظهر إله) (^١).
وتحت عنوان قراءة في وجه حبيبتي يقول:
(أرى لغة لم تسجل
وآلهة تترجل) (^٢).
وقال:
(كانت الحلوة تعويضًا عن القبر
الذي ضم إلهًا) (^٣).
ويخاطب عشيقته قائلًا:
(وجئت يا معبودتي
كل حلم
يسألني عن عودة الآلهة) (^٤).
ويقول:
(لك الظل الذي يسقط في عينيك
شيطان إله) (^٥).
ويقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٩١.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٩٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٠٠.
(٤) المصدر السابق: ص ٣٢٠.
(٥) ديوان محمود درويش ص ٣٤٣.
[ ١ / ٤٤٣ ]
(غادر الكوخ فتى
ثم أتى لما أتى
وجه إله) (^١).
وعن القدس يقول:
(نرسم القدس
إله يتعرى فوق خط داكن الخضرة. . .) (^٢).
ويقول:
(. . . وأكمل هذا العناق البدائي، أصعد هذا الإله الصغير) (^٣).
ويقول:
(لعل السهل نثر
ولعل القمح شعر
ويزور الأهل يوم السبت
يرتاح من الحبر الإلهي
ومن أسئلة البوليس) (^٤).
وفي ديوانه أحد عشر كوكبًا يقول عن الهنود الحمر: (. . . إنهم يولدون كما تولد الناس في برشلونة لكنهم يعبدون إله الطبيعة في كل شيء. . . ولا يعبدون الذهب) (^٥).
وفيه يقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٤٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٩٨.
(٣) المصدر السابق: ص ٥١٢. وكرر القول ذاته في ص ٥١٣.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٨٨.
(٥) أحد عشر كوكبًا: ص ٣٨ - ٣٩. وانظر فيه: ص ٤٠، ٤٢، ٤٣.
[ ١ / ٤٤٤ ]
(. . . هذه الأرض جدتنا
مقدسة كلها حجرًا حجرًا، هذه الأرض كوخ
لآلهة سكنت معنا نجمة نجمة وأضاءت لنا
ليالي الصلاة. . .) (^١).
ويقول:
(ونحن نودع نيراننا لا نرد التحية لا تكتبوا
علينا وصايا الإله الجديد، إله الحديد. . .) (^٢).
ويقول:
(فكتبت: لا سمي الأرض، واسم الأرض آلهة تشاركني مقامي) (^٣).
ويقول:
(وأنا أنا، ولو انكسرت على الهواء المعدني، وأسلمتني حرب الصليب الجديد إلى إله الانتقام) (^٤).
ويقول:
(نحب الطبيعة عاشقة في تقاليد آلهة ولدت بيننا) (^٥).
ويقول:
(ويفتح فوق السفوح ممرات آلهة عبرت من هنا) (^٦).
_________________
(١) أحد عشر كوكبًا: ص ٤٤ - ٤٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٠.
(٤) المصدر السابق: ص ٦١.
(٥) المصدر السابق: ص ٦٧.
(٦) المصدر السابق: ص ٧٠.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ويقول:
(نخفف طقس العبادة، نترك آلهة للشعوب على الشاطئين) (^١).
ويقول:
(. . . ونحن الذين نسجنا عباءة أيامنا لم يكن للآلهة دور سوى أنها سامرتنا وصبت لنا خمرها) (^٢).
وفي ديوانه المسمى "ورد أقل" مقطع بعنوان "إلهي لماذا تخليت عني؟ "، يقول:
(إلهي إلهي لماذا تخليت عني؟ لماذا تزوجت مريم؟. . .
. . . لماذ تزوجتني يا إلهي، لماذا. . . لماذا تزوجت مريم) (^٣).
وزميله في النضال الشيوعي!! الهالك معين بسيسو يقول تحت عنوان "إله أورشليم":
(إن بين ثديي أرضنا ببيت
إله أورشليم) (^٤).
ويقول مخاطبًا زنجيًا أمريكيًا:
(يا جيمي ولسون
أنا أعلم أنك تلعن
آلهته الخبز الأبيض والأسود) (^٥).
ويقول:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧١.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٨١.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٠١.
[ ١ / ٤٤٦ ]
(والقاتل ما زال
كإله الأجراس) (^١).
ويقول:
(والملكة كإله خائف) (^٢).
وتحت عنوان "الوجه الآخر للشجرة" يقول:
(كإله من غير يدين
تتبعني يا وطني وغراب البين) (^٣).
ويخاطب وطنه مضفيًا عليه صفة الألوهية فيقول:
(يا إلهي الكبير
يا وطني) (^٤).
وفي مقطع مليء بالرموز الفرعونية والعبارات الشيوعية، يقول:
(والنيل طول العمر يجري فوق ظهره الأهرام
والملوك والنبي والإله
والنيل يجري لا يقول آه) (^٥).
أمّا شريكهما الثالث في الانتساب إلى فلسطين وفي الإيمان بالشيوعية فهو سميح القاسم، وله أقوال كثيرة في هذا النوع من الانحراف، ومنها قوله:
(سرب من الأطيار
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٠٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٢١١.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٣١.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٢٠.
(٥) المصدر السابق: ص ٦٧٣.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ليس يهم جنسه. . . سرب من الأطيار
عاش بنغم الحياة
في جنة يا طالما مر بها إله) (^١).
ويقول:
(أقدم أقدم
يا قربان الآلهة العمياء
يا كبش فداء) (^٢).
وفي مقطع بنادي إله المجد وإله الانتقام ويردد ذلك في توسل وضراعة (^٣)، وفي آخر يقول مؤلهًا نفسه وفكره:
(إن كان جذعي للفؤوس ضحية جذري إله في الثري يتأهب) (^٤)
ونحو ذلك قوله:
(وأنا ريشة نسر
في مهب الحزن والغيظ
إله لا يساوم) (^٥).
ويقول:
(ما الذي يخفيه في هذي الرموز
فارس يفترع الشمس تقاويه عجوز
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٥٢، ونحوه ص ٥٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٦٧.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٩٥ - ١٩٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٥١.
(٥) المصدر السابق: ص ٤٦٠.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وإله وثني وبغايا طاهرات) (^١).
ويقول:
(أيهاذا الأمبراطور الإلهي. . أتسمع؟
صوت حبلى تتوجع) (^٢).
ويقول:
(أنا عاهدت -حتى الموت- أطفالي وآلهتي) (^٣)
ويقول:
(إله اليتم والأحزان والتشريد لا تغضب
. . . إله الحرب فلتغضب) (^٤).
ويقول:
(أنا والسيول المستميتة
يا زوجتي ايزيس آلهة مريدة) (^٥).
ويقول:
(عشرين قافلة حزينة
خرجت مطأطئة الجباه
للشرق -أذكر- للجنوب وللشمال
خرجتْ تفتش عن إله) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٧٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٧٦.
(٣) ديوان سميح القاسم: ص ٥٤٤.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٤٦.
(٥) المصدر السابق: ص ٥٧٤.
(٦) المصدر السابق: ص ٦٣٤.
[ ١ / ٤٤٩ ]
ويقول:
(أبصرت إلهًا يتحطم) (^١).
ويقول: (وترف صاعدة على شرفات أقواس القزح
لتنام في شعر الإله) (^٢).
وفي سياق ارتمائه العبادي أمام تماثيل ورموز الشيوعية الماركسية يقول تحت عنوان المطر والفولاذ:
(وينتصب المصنع المارد إلهًا كلانا له عابد) (^٣)
وفي ديوانه لا استأذن أحدًا يقول:
(في قليل تبقى له
شامخًا شامخًا
تصغه بشرٌ
والإله نصفه، من رآه) (^٤).
ورابع المناضلين الفلسطنيين الشيوعيين، الدرزي توفيق زياد، مثل أصحابه في هذا الانحراف، ومن ذلك قوله في مدح الشيوعيين:
(لن يحبسوا أغنية
تعلو على هذي البطاح
شرقية، عربية الألحان
حمراء الجنان
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٩٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٣٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٢٥.
(٤) لا أستأذن أحدًا: ص ١١٢، وص ١١٣ وهي في مجلة الناقد العدد الأول تموز ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ، ومثل هذا اللفظ في ديوان البياتي ١/ ٦٠٣.
[ ١ / ٤٥٠ ]
طلعت على الأرض الخصيبة
مثل آلهة الصباح) (^١).
ولعبد العزيز المقالح الحداثي اليمني الشهير دلوه الآسن في هذا الصنف من الانحراف، ومن ذلك قوله في مرثاة شهيد، ويقصد به ضابطًا يمنيًا قتل في الخامس من يونيو حسب تقديمه لهذه المقطوعة، يقول عنه:
(فلتخرس الأقلام والشفاه
فها هنا ينتصب الإله) (^٢).
ويقول:
(في حنايا وطن الأمس السعيد
انزلوا آلهة الجدب العقيمة) (^٣).
ويقول:
(وخلف السجون يعاني، يموت الإله) (^٤).
ومحمد الماغوط رائد قصيدة النثر مع أنسي الحاج وأدونيس، يسلك في وادي الفساد الاعتقادي أبشع المسالك، ومن أقواله في حبيبته:
(وترفق بي أيها الإله الكستنائي الشعر
صغني أغنية في قلبك) (^٥).
ويقول:
(مجاعة تزدرد حتى الفضيلة
_________________
(١) ديوان توفيق زياد: ص ١٠٩.
(٢) ديوان المقالح: ص ١٢٤.
(٣) المصدر السابق: ص ١٧١.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٦٣ ونحوه ٢٦٢.
(٥) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص ٧٩.
[ ١ / ٤٥١ ]
والشعور الإلهي المسوس) (^١).
ويقول عن نفسه:
(سأكون شهمًا وضالًا
ولي عنفوان الآلهة) (^٢).
ولمحمد الفيتوري إكثار في هذا النوع من الانحراف، وهذه بعض الأمثلة من كلامه كقوله:
(وتصبغ لون المياه
وتصبغ وجه الإله) (^٣).
وقوله:
(وحتى الطغاة الذين انتهوا
وآلهة البشر الساقطين) (^٤).
وقوله:
(فوق روض نضير
وجه إله غريب
معذب مقهور) (^٥).
وقوله:
(لسوف أحيا في الورى ثاثرًا
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٩٨.
(٢) المصدر السابق: ص ١٠٩.
(٣) ديوان الفيتوري ١/ ٥٩.
(٤) المصدر السابق ١/ ٩٦.
(٥) المصدر السابق ١/ ١١٦.
[ ١ / ٤٥٢ ]
على معانيها وأحكامها
محتقرًا كل نواميسها
حتى ألوهية أصنامها
قالوا: لك الفن. . ولم يجتمع في كائن قبلك مجدان
والفن أشواق ألوهية تولد في أعماق إنسان
والفن أقياس سماوية) (^١).
وعن عشيقته يقول:
(يا إلهي اتئدي
هذا رفات جسدي) (^٢).
وفي اقتداء باليونان وأتباعهم يقول:
(آلهة البحار صارت جيفا
وا أسفا
وا أسفا) (^٣).
وتحت عنوان "ثرثرة برجوازية" يقول:
(الآلهة الغرقى في العطر
تقهقه في الردهات
الآلهة الأموات
تقلب أعينها الشهوانية) (^٤).
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ١٩٨.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٢٨.
(٣) المصدر السابق ١/ ٢٤٣.
(٤) المصدر السابق ١/ ٢٧١.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وفي مضمار عنصريته السوداء وافتخاره بأفريقيا يقول:
(صوتك يا أفريقيا
صوت الإله) (^١).
وفي السياق العنصري البغيض يقول عن الأبيض والأسود:
(والحرية أشباح ضباب
وكأن الأبيض نصف إله
وكأن الأسود نصف بشر
قدر لفظته الأديان. . .
. . . ما ثم إله يتجبر
كذب ما قالته الأديان
فأطلي يا أفريقية) (^٢).
ويقول:
(زمني يا أخت هوايا هرم
في داخله جثمان إله) (^٣).
ويقرر تأليه الإنسان كما هو شأن أكثر الحداثيين، فيقول:
(كان غريبًا مثل تمثال حجر
فيه ألوهة البشر
ووثنية البشر) (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٣٣٩.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٣) ديوان الفيتوري ١/ ٣٧٢.
(٤) المصدر السابق ١/ ٣٧٥.
[ ١ / ٤٥٤ ]
ونحو ذلك قوله مخاطبًا إنسان العصر:
(أحمل نارك فاكبر يا إنسان العصر
ضع أقنعة الآلهة على وجهك
وتحد القهر) (^١).
ويذكر (آلهة من الذهب) (^٢).
ويقول:
(لوددت لو أني سكبتك في دمي
عرقًا إلهيًا وعطرًا) (^٣).
وعلى هذا النحو التدنيسي للفظ الإله يقول في موضع آخر مخاطبًا حبيبته:
(صدرك يا حبيبتي
حين يلفني ضبابه الكثيف يحتقن
في الإله والوثن
وجهك يا حبيبتي وثن) (^٤).
ومرة يجعل وجههًا إلهيًا (ترسم وجهك الإلهي) (^٥).
ويذكر (جبل الآلهة الشاهق) (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤١٢.
(٢) المصدر السابق ١/ ٣١٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٠٤.
(٤) المصدر السابق ١/ ٤٧٢.
(٥) المصدر السابق ١/ ٤٨٤.
(٦) المصدر السابق ١/ ٤٨٠.
[ ١ / ٤٥٥ ]
و(آلهة الموت) (^١).
و(آلهة الخراب) (^٢).
و(الرخ الإلهي) (^٣).
وله مقطع بعنوان "فرحي طفل إلهي" (^٤)
وكلامه من هذا النوع كثير (^٥).
وللشاعر الحداثي أحمد دحبور الاتجاه نفسه في هذا النوع من الانحراف كقوله في مقطوعة بعنوان "الريح وآلهة القرصان" (^٦):
(وحباني مدرج الحب: ربا بات، مرايا، وعقالًا قصبيًا
فتصبيت بعينيه إلهًا
وتعبدت فقدمت النذور
كيف لا اشتامه ربًا؟) (^٧).
وقوله في المقطع نفسه:
(يا إله الموج تاريخي بلا طفل) (^٨).
ويقول:
_________________
(١) ديوان الفيتوري ٢/ ٦٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٠٠.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٢١.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٥٧.
(٥) انظر: المصدر السابق ١/ ١٥٠، ٢٣٧، ٥١٤، ٥٩٧، ٦٠٣، وجـ ٢/ ٦٦، ١٢٣، ٤٦٣، ٤٩٤، ٤٩٦، ٤٩٩.
(٦) ديوان أحمد دحبور: ص ٤٩.
(٧) المصدر السابق: ص ٥١.
(٨) المصدر السابق: ص ٦٠، ٦١.
[ ١ / ٤٥٦ ]
(من يبعث الصوت الإله؟ يعيدنا للريح) (^١).
ويقول:
(لا صوت ينبع من عروق الغيب
يفصلنا عن الصوت الإله جدار نار) (^٢).
ويقول:
(وأرى أمام النار مركبة المرايا
ترسم النخل الإله، لموقد الرؤيا شراره) (^٣).
وفي مقطوعة بعنوان "الغول" يقول:
(كم أخاف الغول والغول إن. . شاءه الموتى إله) (^٤).
ويقول:
(والجوع إله لا يعبد) (^٥).
هذا كله في مجال الشعر الذي يعتبرونه رأس التجديد ويعدونه أهم عنصر من عناصر الحداثة، وسوف نورد بعض النماذج من كلامهم في الرواية والنقد.
فأمّا الرواية فنكتفي بالرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" المليئة بالكفر والضلال حيث جعل الإله فكرة من صنع البشر، فقال: (. . . ما يتحدث عنه جاء في صحائف التاريخ، الإله من البشر ثم انتقلت عدوى هذه
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٧٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٧٥.
(٣) ديوان أحمد دحبور: ص ٨٤.
(٤) المصدر السابق: ص ٨٧.
(٥) المصدر السابق: ص ٢٢٨. وانظر: ص ٥٥٣.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الفكرة لصحائف الأديان. . . .) (^١).
بل جعل اسم اللَّه وجعل المسمى -ﷻ- فكرة من اختراع الإنسان فقال: (فلنبدأ بلفظ "اللَّه"، الذي اختلفت فيه لغات العالم مما جعل البعض يردد أنه لو كان اللَّه موجودًا لأطلق على نفسه لقبًا واحدًا تشترك في نطقه كل لغات العالم بلهجاتها المختلفة، ولكن لفظ اللَّه يختلف من لغة إلى لغة أخرى، ويدللون بهذا على أن اللَّه كجوهر أيضًا صيغة بشرية من اختراع الإنسان اللفظ والجوهر معًا. . . .) (^٢).
هذا الإنكار الصريح لوجود اللَّه والإلحاد الواضح جعل هذا المتردي يجول في روايته الهابطة يبحث عن إله، فمرة يؤله العلم التجريبي (^٣)، ومرة يؤله القوانين العلمية (^٤)، ومرة يؤله العقل (^٥)، ومرة يؤله الإنسان (^٦).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ (^٧).
فهؤلاء الذين يكفرون باللَّه تعالى، ويتخذون من دونه آلهة يبتغون عندها العزة والإرتقاء والمكانة، ويؤلهون المخلوقات التي كانت بعد أن لم تكن ووجدت بعد العدم، ويعبدونها ويسخرون كلامهم وجهدهم الفكري والعملي في مدحها والتضرع إليها واستجدائها ما لا تملكه ولا تستطيعه، كل ذلك سيذهب وينتهي ويكون هباءً، وسيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا، ولذلك قال اللَّه بعد ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
_________________
(١) مسافة في عقل رجل: ص ١٢٩.
(٢) المصدر السابق: ص ١٤٧.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ١٦٥، ٢١١، ٢١٧، ٢٢٨.
(٤) انظر: المصدر السابق: ص ١٩٤.
(٥) انظر: المصدر السابق: ص ٢١١، ٢٣٠.
(٦) انظر: المصدر السابق: ص ٨٨، ١١٠، ١٢٩.
(٧) الآيتان ٨١ - ٨٢ من سورة مريم.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (^١).
نعم سيتخلى عنهم الإنسان الذي عبدوه، والعقل الذي ألهموه، والعلم الذي جعلوه ربًا، وسوف ينكرون عليهم هذا الانحراف؛ لأن هذه كلها مخلوقة للَّه، عابدة له قسوًا، مؤلهة له، ولذلك ستكون عليهم ضدًا بالتبرؤ منهم والشهادة عليهم.
ولكن الكافر قد أرخى زمامه للشيطان فهو قرينة يقوده إلى مستنقعات الإثم والضلال، ويزين لى الباطل ويؤزه إليه أزًا، ويدفعه في طرق الغواية دفعًا.
وقد يسأل الكافرون أو بعض العجلين من المسلمين متى تكون هذه العداوة والتخلي والإنكار من المعبودات المؤلهة بالباطل؟ والجواب ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ (^٢) أي: لا يضيق صدرك بهم وبمكرهم وكيدهم فإنهم ممهلون إلى وعد قريب، وأعمالهم كلها محسوبة معدودة مكتوبة، وبعد ذلك الحساب العسير ونار السعير عياذًا باللَّه من موجبات غضبه وعقابه.
وفي دراسة نقدية لرواية شرق المتوسط لعبد الرحمن المنيف يقول الناقد الحداثي: (. . . إن شرق المتوسط تؤرخ للوجه الكابوسي من العصر الحديث ولقد كان رجب إسماعيل، بمعنى من المعاني، مسيح هذا العصر.
صحيح أنه لم يكن دينًا سماويًا، ولكن كل عظمة مأساته تكمن في أنه كان ابن هذه الأرض: من طين هذه الأرض جبل. . . ولقد قال وأثبت في ظلمات يأسه ومحنته إن الإنسان هو الإله) (^٣).
ويقول في موضع آخر عن الرواية نفسها مضمنًا بعض كلام المنيف:
_________________
(١) الآيات ٨٣ - ٨٦ من سورة مريم.
(٢) الآية ٨٤ من سورة مريم.
(٣) الأدب من الداخل لجورج طرابيشي: ص ٧٨.
[ ١ / ٤٥٩ ]
(حينذاك اكتشف أن الإنسان ليس أقوى من الصخر فحسب بل أن الإنسان هو الإله) (^١).
وإذا انتقلنا إلى مجال النقد والتنظير والمقابلات فإننا نجد هذا الانحراف قد اتخذ من هذه الأساليب وسيلة لنشر هذا الضلال.
وقد مر معنا عدة مرات ثناء أحد نقادهم على الوثنية اليونانية وذمه وبغضه للتوحيد، واعتبارًا الوثنية أساسًا للحداثة والتعددية والإبداع والحرية، والتوحيد سببًا للجمود والتخلف (^٢).
وفى معرض ثناء محمد جمال باروت على طاغوت الحداثة أدونيس يقول: (. . . إن أدونيس يلتمس بذكائه الحاد كسوري وكشاعر وكمفكر وكإنسان يضج بالألوهة، أن الشعر الغربي الحديث في ذرواته العليا هو نوع الانتماء إلى الشرق) (^٣).
وأحد نقاد الحداثة يتحدث عن موقف بعض شعرائها من المرأة ويعتبر أنها تتحول عنده إلى (. . . هوية طوطمية، سرعان ما تنحل فيها هيئات الإله المعبود وأفعاله، فهي تضفي على المرأة قوى خفية أو سحرية، بحيث تشارك الألوهية في علل بعض الظواهر الطبيعية، كالبرق والريح والزلزال. . . .) (^٤).
وفي أسئلة موجهة إلى نزار قباني يقول في إجابته على بعض الأسئلة: (. . . إنني على الورق أمتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعًا ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، والا حكم اللَّه على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة اللَّه في ميدان النشر
_________________
(١) الأدب من الداخل لجورج طرابيشي: ص ٦٧.
(٢) انظر: مجلة الناقد - العدد الثامن شباط ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٣٢ - ٣٤.
(٣) الناقد - العدد العاشر- نيسان ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٢٣ من مقال بعنوان "أوهام الحداثة".
(٤) أسئلة الشعر لمنير العكش: ص ٢٥.
[ ١ / ٤٦٠ ]
والإعلام، وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج إلى الناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر) (^١).
وفي جواب آخر تفوح منه رائحة الإلحاد والسخرية باللَّه العظيم -جلَّ وعلا- يواصل فكره الخبيث وأقواله الضالة قائلًا: (لا أزال أصر على أن السماء لا تعرف أن تكتب شعرًا، وأن الشعر محصور بالإنسان، هو بالإنسان فقط. . . القلب الإنساني قمقم رماه اللَّه على شاطيء هذه الأرض، واعتقد أن اللَّه نفسه لا يعرف محتوى هذا القمم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت) (^٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (^٣).
ويستطرد قباني في تأليه الشعر والشعراء وجعلها عبادة من العبادات فيقول: (كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . . كل شئ يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى الجنس يصير دينًا. . . إنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسي بعينى كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . .) (^٤).
ونجد مثل هذه المعاني عند أنسي الحاج مما يؤكد أن الملة الحداثية الواحدة تنبثق من أصل واحد وإن اختلفت فروجها، أتواصوا به بل هم قوم طاغون.
ففي مقابلة أجريت مع أنسي الحاج سئل: (ما الذي تقصد إليه عندما تقول إن الشعر تغيير؟).
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٧٨. وانظر: ص ١٨٧.
(٢) أسئلة الشعر لمير العكش: ص ١٩٥.
(٣) الآية ١٤ من سورة الملك.
(٤) أسئلة الشعر: ص ١٩٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
أجاب قائلًا: (أقصد أنه تغيير للحياة لا لأشكال الشعر وتراكيب الكتاب فحسب. . . وعندما سماه الأقدمون لغة الآلهة لم يقصدوا رفعة شأنه الجمالي فحسب، بل قدرته وفعله الحقيقيان الحسيان في الزمن والعالم ولم يتردد هيجل نفسه في تبني تسمية الأقدمين ولكن صوره إذ قال: الشعر هو الفن الإلهي، من أين هذا الإلحاح على ألوهية الشعر؟ أو على شيطانيته كما فعل العرب؟، هل لأنه يرى ويتنبأ ويحدس فقط؟ لا أعتقد أظنه من قدرة له فائقة) (^١).
ولطالما ردد هؤلاء هذه النغمة المنحطة التي تبدأ من تأليه الإنسان وتمر بتأليه الشاعر وتنتهي بتأليه الحداثة وأهلها في جو من التقمص البليد لأراء وأفكار الغرب (فقد تحول الإنسان في الفكر الأوربي الحديث: المادي والمثالي إلى إله يخلق ويعبد) (^٢).
ولما بدأت حركة التغريب والاقتداء بالغرب في بلاد المشرف الإسلامي بدأت معها قضية الانحرافات الاعتقادية والفكرية، وللتدليل على هذا ننقل ما ذكرته مجلة أبولو اللسان الناطقة بلسان أول تجمع أدبي على النمط الأوربي في بلاد العرب، فكان مما قالته: (ليكن مذهبنا الخالد أن الشعر للشعر، وبعد ذلك ليكن الباعث الشعري للشاعر على طبع آثاره هو مجرد حنينه إلى الاندماج في الإنسانية إذا ما استوعبت شعره، كذلك حب الحياة لنفسه الفنية. . . يدعوه إلى إذاعة هذه الآثار لأنه يشعر بوجدانه أنها أغلى شطر من نفسه، بل أكثر من ذلك، فهو يضع نفسه في صف الآلهة بما يخلقه من آثار فنية، ونشرها يعزز ارتياحه إلى أنه روح خالد في الوجود. . . .) (^٣).
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ٣١٩.
(٢) في النقد الحديث دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية د/ نصرت عبد الرحمن: ص ١٨٤ هامش رقم ٢٠.
(٣) أبولو - العدد العاشر يونيو ١٩٣٣ م/ ١٣٥١ هـ: ص ١٠٩٣ - ١٠٩٤. نقلًا عن قضايا وشهادات ٣/ ١٥١.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وهذا القول ليس إلّا ترجمة لفكرة غربية أوروبية بعيدة كل البعد عن دين المسلمين وثقافتهم وعقيدتهم بل مضادة كل المضادة لذلك، ومن هنا بدأت أفواج الاقتداء بالغرب المادي فكرًا وفلسفة ونظام حياة.
ولم يكن يخطر على بال أحد من المسلمين من قبل أن يعتز بالوثنية، أو يمتدح الجاهلية، أو يسير على خطى اليونان والإغريق في تأليه غير اللَّه وعبادة غيره -جلَّ في عُلَاهُ-.
ولكن هؤلاء دخلوا على المسلمين من باب الأدب والفكر والثقافة وخلبوا عقول الإمّعَات وساعدهم في ذلك جهل كثير من المسلمين بدينهم، وقصور كثير من علماء المسلمين في الأعصر الأخيرة عن مناقشة وفضح خطط وأساليب وطرائق الإلحاد المغلفة بالفلسفة حينًا وبالعلوم التطبيقية حينًا وبالأدب والنقد في أحيان كثيرة.
هذه العقائد الضالة التي طرحتها المجلات والصحف والمجامع الأدبية أصبحت على طول المدى من الأمور المعتادة ومن المواطن المرتادة بلا نكير، بل يأتي النكير على من أنكرها أو عارضها أو ناقشها، ففي قضيتنا التي نتحدث عنها وهي تأليه الشاعر والشعر والحداثة، وهي فرع عن الانحراف الأصلي وهو تأليه غير اللَّه تعالى والإشراك به -﷿-؛ نجد أن من المسلمات الحداثية في شعرهم ونقدهم إطلاق مثل هذا المعنى المنحرف هكذا بدون أي تردد أو تحفظ أو احتياط، وقد ذكرنا أمثلة عديدة لذلك فيما مضى، ومثل قول أحد النقاد الحداثيين: (عندما يرى الشاعر الحديث إلى نفسه ذاتًا إلهية مكتفية بذاتها، يتضاءل العالم، يصير العالم فقيرًا وتصير المعارك الاجتماعية هشة وفي غير ساحتها، فخير للشاعر أن يظل في عليائه، مبتعدًا عن معارك العالم، وضرورات تغييره، فغنى الشاعر الحديث لا يأتي من هذا العالم الفقير، بل من ذات الشاعر نفسه المكتفية بذاتها) (^١).
_________________
(١) قضايا وشهادات ٣ شتاء ١٩٩١ م/ ١٤١١ هـ: ص ٢٠٨ من مقال لمحمد دكروب بعنوان محنة الشعر العربي الحديث.
[ ١ / ٤٦٣ ]
وتقول ناقدة حداثية متعصبة، مبينة أصل فكرة إلغاء ألوهية اللَّه تعالى وتأليه الإنسان، وأثر ذلك في الحداثة والعلمانية: (أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون ويشكل مبدأ القيم والغايات، وعندئذٍ ترسخت الحركة الإنسانوية، توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس، وحلت مشروعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون اسشثناء ودون اعتبار اللون والعرق أو المذهب والدين. . . .) (^١).
ثم تضيف بعد كل هذا الإلحاد والكفر والضلال إضافة في غاية المغالطة والجهل والاستخفاف بعقول القراء، فتقول: (والعلمنة لا تعني الإلحاد، إنّما تعني حرية الاختيار واتخاذ موقف فلسفي أمام مشكلة المعرفة، فالكثير من العلمانيين مؤمنون حقيقيون ولكنه ليس إيمان التبعية والجهل. . . فقط كل يمارس طقوسه وشعائره، كما يهوى ويريد، وربّما لا يمارسها، ولكن توقف الدين عن فرض سيطرته وتشريعاته على الحياة السياسية والاجتماعية، العلمنة هي الموقف الحر للروح أمام مشكلة المعرفة) (^٢).
قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ (^٣).
طبيعة الكفر واحدة وإن تنوعت الأزمان، وحججهم تعود إلى أصل واحد وإن اختلفت الفلسفات والاتجاهات، وهل من قول أشد تطابقًا في فتنته وعماه من قول هؤلاء المعاصرين مع أسلافهم من الكافرين والملحدين
_________________
(١) المصدر السابق ٢ صيف ١٩٩٠ م/ ١٤١٠ هـ: ص ١٠٢ من مقال لأنيسة الأمين بعنوان "امرأة الحداثة العربية".
(٢) المصدر السابق: ص ١٠٣.
(٣) الآيتان ٢٣ - ٢٤ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٤٦٤ ]
الذين يشركون باللَّه ويكفرون به، ثم يدّعون بكل صفاقة وحمق أنهم هم المؤمنون حقًا!!.
وهذه الدعوى التي يرددها طواغيت الحداثة والعلمانية في كل مكان من بلدان المسلمين، يؤلهون غير اللَّه ثم يزعمون التوحيد ويعبدون المناهج والنظم والفلسفات والتجمعات الجاهلية، ثم يزعمون أنهم مؤمنون باللَّه ومتبعون لشريعته ولرسوله.
ولنختم بشهادة جهاد فاضل الناقد الحداثي الشهير التي يؤكد فيها أن القوم ألهوا الحداثة وقدسوها، وذلك في قوله: (لا يمل هؤلاء ترداد كلمة الحداثة على مدار ساعات النهار، وكلمة الحداثة عند هؤلاء تشبه كلمة اللَّه التي يرددها دراويش المولوية في ساعات الجذب والوصال حتى تتخدر منهم حواسهم والأوصال فيرتمون أرضًا. . . .) (^١).
وهذا هو السبب الذي يدفع الحداثيين إلى الاستماتة في الدفاع عن صنم الحداثة الذي عبدوه وقدسوه، فلا يقبلون فيه نقدًا ولا يسمعون فيه ثلبًا، كما كان كفار العرب لا يقبلون ذم آلهتهم المعبودة من دون اللَّه.
إن تأليه الحداثيين لغير اللَّه، واستهانتهم واستخفافهم بلفظ الإله، وتقليد الوثنيين في كل ذلك، معلم أساسي من معالم الحداثة العربية، وهذا الذي دفع لجنة الشعر المصرية إلى رفع مذكرة إلى نائب رئيس الوزارة، ووزير الثقافة والإرشاد القومي سنة ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م، والتي كان من بنودها أن الشعر الحديث يعكس روحًا منافية لروح الثقافة الإسلامية كفكرة الخطيئة والصلب والخلاص، كما أن فيه تهاونًا كبيرًا في استعمال لفظ الإله كأنها لا تزال تحمل دلالتها عند الوثنيين ولم تتخذ في الإسلام معنى خاصًا يجب احترامه مهما كان السياق الذي ترد فيه (^٢).
_________________
(١) قضايا الشعر الحديث: ص ١٥١.
(٢) انظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ٢٤، وذكريات الجيل الضائع: ص ٩١، والقصيدة الحديثة وأعباء التجاوز لابن عقيل: ص ١٢٢.
[ ١ / ٤٦٥ ]
وقد عبر النصراني غالي شكري عن تذمره الحداثي الممزوج بالقبطية الأرثوذكسية فقال: (هذه المذكرة. . تفصح في جلاء تام عن خيوط المؤامرة الرجعية الخطيرة على كافة القيم الثورية البناءة التي يعيشها المجتمع المصري الحديث) (^١).
وأي رجعية أعظم من الرجعية الوثنية الإلحادية التي ردت وترد الإنسان المتبع لها إلى أسفل سافليين؟!.
أمّا التقدم والقيم البناءة فلم تكن يومًا ما قرينة للكفر والإلحاد والجاهلية.
وقد رد إحسان عباس على المذكرة المذكورة، ودافع عن الحداثة، واعتبر أن هذه القضايا ليست اتهامات (^٢).
وهذا التميع الظاهر والذوبان الاعتقادي الواضح من أهم مقاصد الحداثة وأهدافها.