الاستهزاء بالدين وأهله من دأب أعدائه -دائمًا- من أقدم العصور إلى اليوم، وقد مر في مواطن من هذا البحث ذكر نماذج من استهزائهم بدين اللَّه وبالمؤمنين به، وبيان أن هذا الأسلوب من أساليب أسلافهم القدماء من كفار ومنافقي العصور الخالية، فهو إذن أسلوب رجعي، وطريقة ارتدادية يمارسها هؤلاء اليوم ولكن بتسمية كاذبة وادعاء أجوف، تحت عناوين التقدم والتحديث والتطور، فيا لها من مفارقات عجيبة!!.
ومن أمثلة السخرية بالغيبيات قول أدونيس في الخضر ﵇:
(ثم رأيتني مع الخضر
يده حول عنقي
يدي حول خاصرته
ورأيتني افترق عنه
بغتة
وأمشى على الهواء) (^٣).
_________________
(١) انظر: مسافة في عقل رجل: ص ١٩١.
(٢) انظر: المصدر السابق: ص ٢٠١.
(٣) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ٥٦٥.
[ ٣ / ١٥٩٤ ]
ومن أبرز ألوان سخريته ما أورده في مقطوعة "رحيل في مدائن الغزالي" من أحداث عن حادثة الإسراء والمعراج، حيث جعل نفسه هو الذي أسري وعرج له، وأتى بشيء من أحداث الإسراء والمعراج وأضاف إليها من خرافات باطنيته، وسخريات ماديته في تهكم واستخفاف واضحين (^١).
وفي سَوْرة من سورات التشاؤم والغضب بعد المرض الذي أصاب السياب، وبعد أن أهمله أصحابه من الشيوعيين والقوميين والتموزيين، يود أن يمشي على قدميه بدلًا من العكازين ولو كان مشيه إلى القبر أو إلى جهنم، وهنا يستخف بالعذاب وبالموكلين به، ويظهر في هيئة الساخر الذي لا يبالي بهذه الأهوال العظيمة، يقول السياب:
(. . . وأسير أسير على قدمي!!
لو كان الدرب إلى القبر
الظلمة والدود والفراس بألف فم
يمتد أمامي في أقصى أركان الدنيا. . في نحر
أو واد أظلم أو جبل عال
لسعيت إليه على رأسي أو هدبي أو ظهري
وشققت إلى سقر دربي ودحوت الأبواب السودا
وصرخت بوجه موكلّها
لم تترك بابك مسدودًا؟؟
ولتدعُ شياطين النار
تقتص من الجسد الهاري
تقتص من الجرح العاري) (^٢).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ١٢١ - ١٥١.
(٢) ديوان السياب: ص ٦٩٢ - ٦٩٣.
[ ٣ / ١٥٩٥ ]
وعلى نمط السياب يقف صلاح عبد الصبور، الذي يصف غيبيات الجنة باستخفاف ساخر في قوله:
(من نام فشف فمات
مات شهيدًا، وتحول في أعطاف الجنة مصطبة يتكيء
عليها رضوان) (^١).
أمَّا أنسي الحاج فإن سخريته بالغيبيات تأتي في بين آخر، وذلك في قوله: (أفضل ما في الشيطان أنه على عكس أهل التعصب لا يدعي امتلاك الحقيقة) (^٢).
أمَّا نزار قباني فإنه يستعرض -كعادته- قائمة شتائمه وسخرياته الموجه إلى هذه الأمة وكل ما يتعلق بكيانها ومقوماتها، ومن ذلك قوله لإحدى داعراته في قحّة لئيمة ينال من خلالها من الخضر ﵇، يقول:
(أعطيني الفرصة
كي ألتقط السمك السابح تحت مياه الخضر
قدماك على وبر السجادة. . حالة شعر
ويداك على البطن المتحمس للأطفال
قصيدة شعر
أعطيني الفرصة
كي اكتشف الحد الفاصل بين يقين الحب
وبين الكفر
أعطيني الفرصة
حتى أقنع أني قد شاهدت النجم
_________________
(١) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٧٢٤.
(٢) خواتم: ص ٦٥.
[ ٣ / ١٥٩٦ ]
وكلمني سيدنا الخضر) (^١).
ومن أقواله الساخرة المستخفة، الموجهة نحو الغيبيات، حديثه عن الموت سواء كان مراده الموت ذاته أو ملك الموت، يقول قباني:
(لو كان للموت طفل لأدرك ما هو موت البنين
لو كان للموت عقل
سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
لو كان للموت قلب. . تردد في ذبح أولادنا الطيبين) (^٢).
ويصف رجلًا اسمه "غودو" تحت عنوان "بانتظار غودو" بأنه من أولياء اللَّه في تهكم واضح بالولاية والأولياء، بل يصفه بأنه اللَّه تعالى وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا، يقول قباني عن "غودو":
(لم نره
لكن من رأوه فوق الشاشة الصغيرة
يبتلع الزجاج
أو يسير كالهنود فوق النار
ويخرج الأرانب البيضاء من جيوبه
ويقلب الفحم إلى نضار
يؤكدون أنه
من أولياء اللَّه، جلّ شأنه
وأن نور وجهه يحير الأبصار. . .
. . . لم نره
_________________
(١) الأعمال الشعرية لنزار قباني ٢/ ١٩٨.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٨٤.
[ ٣ / ١٥٩٧ ]
ولم نقبل يده
لكن من تبركوا يومًا به
قالوا بأن صوته
يحرك الأحجار
وأنه وأنه هو العزيز الواحد القهار) (^١).
وفي سياق حقده "الشيوعي العمالي" على بلاد النفط يقول محمود درويش ساخرًا بالجنة وبالوعد الحسن من اللَّه للمؤذن وللشهيد:
(ومدينة البترول تحجز مقعدًا في جنة الرحمن - قلتم لي
وطوبى للممول والمؤذن. . والشهيد!) (^٢).
أمَّا زميله في الكفاح "الشيوعي"! سميح القاسم فإنه يتحدث عن ضياع البشر ويسوق أخبار الغيب في تهكم بآدم وحواء ﵉، وخروجهما من الجنة، ويذكر قصة قابيل وهابيل في سياق أساطير أخرى مثل الإله الفرعوني "راع" و"خوفو" والوثن العربي "اللات"، ثم يختم ذلك بالسخرية من إيمان المؤمنين باللَّه وبقدرته المطلقة، كل ذلك في مقطوعة بعنوان "الخطيئة والوثن"، ومما جاء فيها:
(دوري مع الإعصار! يا قطعان! ضيعك الرعاة!
وابكي ربيعًا مات. . مات!
وتهيأي للمسلخ المشؤوم تهدر فيه زاكية الدماء
من القرون الخاليات!
من يوم أنشب آدم المغدور في حواء نابًا
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٤٧٧.
[ ٣ / ١٥٩٨ ]
يغتذي من لحمه المغبون ينهل من دماه!
ويظل يؤمن أن في صلب الخطيئة هادر
ينبوع أسرار الحياة
ويهز صوت اللَّه أركان الوجود:
- اليوم تفقد جنتي! فاخرج يرافقك الشقاء
مدى رحيلك في يباب الأرض
خلفك موصدعدني، وأمسك لن يعود!!
- دوري مع الإعصار! يا قطعان! ضيعك الرعاة!
وابكي ربيعًا مات. . مات!
من يوم شاء اللَّه أن تهوي يدا قابيل،
قاتلتين، غائصتين في الدم، في الحياة
ويروح يصرخ من وراء السدل
في عسف الطغاة. . الأغبياء من الطغاة
- قابيل! يا قابيل! أين مضت بهابيل خطاه؟!
إذهب يرافقك الشقاء. . جزاء فعلتك الحرام!
قدر عليك السهد المبرح والسقام
وتند عن أرض الخلود العاهرة
صرخات بُقيا اللحم والدم والعظام!. . .
- الرب "راع" (^١)!
ما زال يرمقه الملايين الرعاع
_________________
(١) يظهر أنه يقصد اللَّه تعالى بهذا اللفظ بدلالة ما يليه من ألفاظ جلَّ اللَّه وتعالى وتقدس.
[ ٣ / ١٥٩٩ ]
يتعبدون ويرفعون له الذبائح والقرابين البريئة
يسجدون الليل. . حتى منتهاه
- ماذا وراء الصمت تكتم يا إله؟!
ويضج إعصار الحقيقة بين أغلال
تصفده بها الأوهام، غادرة الجموح، غبية التيار
نادمة المصير!
- لاسر في صمت الإله!!
لا شيء غير الجوع والحرمان والطوفان. . .
والرب "راع"
ما زال يعبده الملايين الرعاع
والمؤمنون الآبقون، وجوههم للات ترنو
في خنوع أبله، قطعانهم في الرمل تزحف
هاربين من الضياع إلى الضياع. . .
. . . واستسلموا للريح أن هدت عرائشكم
وقصفت الكروم الخضر
إن اللَّه يرزقكم غدًا من عنده الخير الكثير!
وإذا استباح الداء آلافًا من الأطفال
فاستلقوا على أعتاب برجكم العتيد
وعزّموا، تحمل نساؤكم توائم
إن ربكموا على كلٍ قدير!!) (^١).
_________________
(١) ديوان سميح القاسم: ص ٣١١ - ٣١٦.
[ ٣ / ١٦٠٠ ]
أمَّا ممدوح عدوان فإنه يسجل سخريته بالجنة والطريق التي توصل إليها في قوله:
(حينما نادى علي:
"طل باب تتوخاه إلى الجنة
قد يفضي إلى باب جهنم
إن سر الدين باق
فتعلم. . كيف تبقى عنده الآن وتسلم! ". . .
وذووا. . ماتوا اختناقًا
لم أجد فيهم شهيدًا
وعلي أغلق الجنة باب إثر باب وتعمم
وأنا ما عدت أعلم
فيم أهرقنا دمانا
ووقفنا في الطريق!؟
وتركنا نسوة الحي على الدرب رقيق. . .) (^١).
أمّا علاء حامد فيبلغ به حقده على دين الإسلام أنه وصف المؤمنين بالغيبيات بالمرضى النفسيين الذين يحتاجون إلى مصحات نفسية، وحقيقة الأمر كما جاء في المثل العربي "رمتني بدائها وانسلت" (^٢)!!.
• • •
_________________
(١) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان، المجلد الأول، تلويحة الأيدي: ص ٦٨ - ٧٠.
(٢) مجمع الأمثال ٢/ ٢٣.
[ ٣ / ١٦٠١ ]