أمّا البغض فيكفي في التدليل عليه ما ورد آنفًا من جحد وإنكار وتكذيب، وتلك عادة قديمة في أهل الباطل من الذين كانوا كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (^١).
وقد مرّ معنا في فصل تأثرهم بالوثنيات، كيف احتفوا بالأساطير والأوثان، وكيف افتخروا بها وأشادوا بها وجعلوها ملهمة لإبداعهم وقبلة لأفكارهم ومشروعاتهم السياسية، مثلما فعل سعيد عقل وعصابة شعر، فهم مع الأوثان والخرافات والأساطير في إجلال وتعظيم وإعجاب وحب، وهم مع حقائق الإيمان في سخرية وتشكيك وجحد وتكذيب، وهذا من عمى البصائر -والعياذ باللَّه- وإلّا كيف يليق بإنسان -فضلًا عمن يدعي العقلانية والموضوعية والعلمية- أن يرتمي في أحضان الخرافات مؤمنًا بها مبجلًا لها مناضلًا عنها، ويبتعد عن الحقائق الكونية الكبرى التي تشهد لها البراهين العظيمة والأدلة الهائلة؟ إذا لم يكن هذا هو الانتكاس في العقول والمفاهيم فأين هو الانتكاس؟.
وقد عبر عن هذا البغض محمود درويق في سؤال وجواب ضمن مقطوعة طويلة:
(- لماذا تحارب
- من أجل يوم بلا أنبياء) (^٢).
أمّا السخرية والاستهانة فإنها أسلوب قديم استخدمه أعداء الرسل والرسالات، ويستخدمه اليوم أرباب الحداثة والعلمنة، وقد ذكر إحسان
_________________
(١) الآية ٤٥ من سورة الزمر.
(٢) ديوان محمود درويش: ص ٥١٦.
[ ٢ / ١٢٤٦ ]
عباس هذا الأسلوب الحداثي وضرب أمثلة له وقال عنه: (السخرية أداة فعالة في التشكيك بالمسلمات) (^١).
أمّا أسلافهم فقد ذكر القرآن العظيم إنهم في مضادتهم للحق والهدى وعجزهم من المحاجة يلجأون إلى أسلوب السخرية؛ لينفروا الناس عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعن دعوتهم والخير والهدى الذي جاؤوا به.
ومن ذلك قولهم للنبي -ﷺ -: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ (^٢).
فهذه الوقاحة المقرونة بالسخرية بدأت بوصفهم للوحي بأنه ذكر أنزل من عند الحق، ثم أعقبوه بقولهم: إنك لمجنون؛ ليدل ذلك على أنهم مستهزئون بما قالوه أولًا، ومن ذلك قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (^٣)، وقولهم فيما قصه اللَّه عنهم: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ (^٤).
وهذا دأب الذين من قبلهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (^٥).
وأعظم وصف وأدقه في حال هؤلاء المستهزئين من الأقدمين والمحدثين ما ذكره اللَّه العليم في قوله الكريم: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ (^٦).
_________________
(١) اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص ١٥٨.
(٢) الآيات ٦ - ٨ من سورة الحجر.
(٣) الآية ٣٦ من سورة الصافات.
(٤) الآيتان ١٣، ١٤ من سورة الدخان.
(٥) الآية ٥٢ من سورة الذاريات.
(٦) الآية ٢١٢ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٢٤٧ ]
فهذا هو حالهم ركون إلى الحياة الدنيا، وشغف بها، وتشبث بمناهجها الأرضية ومعاييرها الدنيوية، يقود ذلك إلى سخرية من الذين آمنوا ومن دينهم وشرعهم وملتهم؛ وذلك لتباين ما بين الاتجاهين وتناقض ما بين العقيدتين.
ولشدة إغراقهم في الدنيويات والماديات يسخرون من أي معنى غيبي وأي قضية إيمانية؛ لأن قلوبهم الحيوانية لا تتجاوز حدود المحسوس، ولذلك كانوا يسخرون من نبي اللَّه نوح ﵊ حينما كان يصنع السفينة ويستهزئون به ويضحكون ملء أفواههم، كيف يصنع سفينة في أرض لا بحر ولا نهر فيها؛ لأنهم لا يرون سوى العالم المادي المحسوس ولا يؤمنون بشيء سواه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾ (^١).
ومن جنس هذه السخرية ما نقرؤه اليوم من كتابات العلمانيين والحداثيين الذين يرون أن أمريكا والغرب لا يُمكن أن تنهار، في سياق ردهم على بعض الكتاب المسلمين الذين قالوا بأن إغراق الغرب في الفساد والانحراف والظلم والرذيلة والإلحاد والمادية سوف يكون سببًا في زوالهم.
ومن جنس هذه السخرية ما يرد به كثير من الناس اليوم على وعظ الواعظين وتنبيه المؤمنين من خطر الذنوب والمعاصي وإنها سبب لوقوع المصائب من حروب وفتن وجوائح، وجدب وقحط وغلاء معيشة وغير ذلك، فيسخر منهم المادي العلماني ويسخر الفاسق الفاجر، لأنهم جميعًا لا يرون سوى الحياة المادية الدنيوية ولا يؤمنون إلّا بما يرون ويحسون، شأن البهائم والأنعام.
_________________
(١) الآيتان ٣٨ - ٣٩ من سورة هود.
[ ٢ / ١٢٤٨ ]
ولكن هل تنتهي قضية الاستهزاء والسخرية هكذا من دون عواقب ولا نتائج؟، لقد أخبر اللَّه تعالى بنتيجة ذلك في قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (^٢).
ولاشك أن من يقرأ منهم هذه النقول، وهذه الأدلة سوف يسخر ويستهزيء، ويضحك ويتندر؛ لأنهم في وادي أبي جهل يعمهون، ولا يُمكن لهم أن يفقهوا مثل هذه المعاني إلّا إذا أمكن البهيمة أن تعرفه، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (^٣).
وإذا ذهبنا نتتبع ما في كلامهم من استهانة بالرسل والرسالات وسخرية بهم وبأعمالهم وأقوالهم فإن ذلك يطول، وسوف نذكر شيئًا من ذلك للدلالة على انحرافهم، فمن ذلك قول أدونيس مستخفًا: (ونوح في سفينتي غريق) (^٤).
وقوله مستخفًا بالنبوة ومدنسًا لها:
(إنني نبيٌ وشكاك. . .
إنني حجة ضد العصر) (^٥).
_________________
(١) الآية ١٠ من سورة الأنعام.
(٢) الآيات ٢٩ - ٣٦ من سورة المطففين.
(٣) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
(٤) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٢٤.
(٥) المصدر السابق ١/ ٢٧٨.
[ ٢ / ١٢٤٩ ]
وقوله:
(. . . والبريق
حجر جالس على طرف الوجه نبىٌ لدمعه وصديق) (^١).
ويقول:
(كان صوتي نبيًا رميت على شمسه ردائي) (^٢).
ويقول:
(لي فرس وها هو الإسراء) (^٣).
كل هذا في تقديسه لنفسه وتدنيس النبوة والأنبياء، ومن ذلك تقديس القصائد الحداثية وغموضها ومتاهاتها الفكرية، وذلك في قوله:
(ذات يوم
تصير القصائد بوابة المدينة
نحو أرض الغرابة
وتصير الغرابة
وطن الأنبياء) (^٤).
في سخرية بالنبوة وأتباعها من المسلمين يقول:
(ثمة رأس كالصندوق بلبس حذاء النبوة) (^٥).
ولعمر اللَّه أن قائل هذا رأسه كبرميل النفايات فيه زبالات الأفكار وقاذورات الإلحاد، وإن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، بل ما
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٧٣.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٧٦.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤٧٨.
(٤) المصدر السابق ١/ ٤٨٨.
(٥) المصدر السابق ١/ ٥٤٩.
[ ٢ / ١٢٥٠ ]
نقوله في وصفكم أدنى مما تستحقون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وفي سياق امتداحه لمهيار، وهو رمز يقصد به نفسه والحداثة العربية الشعوبية الباطنية، يجعل مهيارًا رمزًا للحياة الجديدة، ورأسه هو الذي يهب الفاعلية للحياة، ويقول بأنه ليس إلهًا ولا نبيًا؛ لأنه أعلى منهما، هو نار ونفير وصاعقة وزلزال ووجه يسطع كالجوهرة، يقول:
(الرأس: "صوت بعيد":
ليس صوتي إلهًا
ليس صوتي نبيًا
صوتي النار والنفير
صوتي الصاعق المزلزل والطالع البشير
الجوقة: "غير منظورة"
وجهه مهيار في الماء يسطع كالجوهرة) (^١).
ومن استخفافه بالأنبياء قوله:
(واشنق الرغيف كأنه أفق النبي) (^٢).
أمّا المقطوعة التي أشرنا إليها مرارًا والتي يذكر فيها الإسراء والمعراج على سبيل التهكم والسخرية والاستخفاف وعلى أساس أنها أسطورة من الأساطير، فقد امتلأت بالألفاظ الإلحادية التي يسخر فيها ويستهزئ بالرسول -ﷺ- وبحادثة الإسراء والمعراج وبالملائكة، بل وباللَّه -جَلّ وتقدس (^٣) -.
ومن أقواله الخبيثة قوله:
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١١٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٣٠.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٢٦ - ١٤٦.
[ ٢ / ١٢٥١ ]
(لم يبق نبي إلأتصعلك، لم يبق إله) (^١).
ويستخدم بعض أقوال النبي -ﷺ- استخدامًا سيئًا يدل على عمق استهانته بالإسلام ورسوله -ﷺ-، يقول:
(وكان مكتوبًا: "أصبح وأنا لا آمل أن أمسى
أمسى وأنا لا آمل أن أصبح
ينزجر هكذا نصفي، ونصفي الآخر لا ينزجر وأتقدم كأنني
اتأخر، كسرطان مذعور) (^٢).
ويستمد أدونيس من أقوال أسلافه الذين سخروا من الأنبياء وشتموهم ونعتوهم بالجنون، يستمد مفهومًا حداثيًا، فيقول: (وكثيرًا ما قُرن بين النبي والمجنون في التقليد الديني القديم، الجنون إذن، نوع من رؤيا الغيب وهو من حيث أنه رمز شعري يمنح الشاعر مزيدًا من الحرية ليعبر عن غير الطبيعي وغير العادي، بدءًا من الطبيعي - العادي، والجنون عند جبران يشير إلى مغامرته الروحية وإلى التوتر التراجيدي في بحثه عن المطلق، بدءًا من الثورة على المجتمع، تقاليد وشرائع) (^٣).
فهو أولًا يصدق -ضمنًا- مقالة الذين رموا الأنبياء بالجنون، وثانيًا يجعل المجنون والشاعر الحداثي في منزلة النبي من حيث أنهم يشتركون في نوع من رؤيا الغيب.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢٦٦.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٥١. ويشير في ذلك إلى أثر "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" وهو موقوف على ابن عمر أخرجه البخاري فى كتاب الرقاق، باب: قول النبي -ﷺ-: "كن في الدنيا كانك غريب أو عابر سبيل" ٥/ ٢٣٥٨، وبنحوه في الترمذي كتاب الزهد، باب: ما جاء في قصر الأمل ٤/ ٥٦٧.
(٣) الثابت والمتحول ٣ - صدمة الحداثة: ص ١٧.
[ ٢ / ١٢٥٢ ]
وهذا القول الذي يقوله أدونيس مستندًا على قول الأعداء القدامى للرسل يذكر بقول نصر أبو زيد حين جعل الوحي قرينًا للشعر والكهانة والسحر، باعتبار أن كل منهما اتصال بين الإنسان وغير الإنسان، وأن ذلك هو الأساس المعرفي لظاهرة الوحي كما يقول (^١).
قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ (^٢).
ويأتي أدونيس بأقوال ابن الراوندي التي يسخر فيها بالمعجزات النبوية (^٣)؛ ليجعل من ذلك قاعدة له في نفي الرسل والرسالات ثم يأتي بقول أستاذ من أساتذته الغربيين فيه تهكم وشتم لعيسى ﵊، ويطلب مق أتباعه أن تصل جرأتهم إلى هذا المستوى، فيقول: (كلنا يعرف من هو المسيح، ولعلنا نعرف كيف خاطبه رامبو (^٤): "يسوع يا لصًا أزليًا يسلب البشر نشاطهم" حين تصل جرأة الإبداع العربي إلى هذا المستوى، أي حين تزول كل رقابة، يبدأ الأدب العربي سيرته الخالقة، المغيرة، البادئة، المعيدة) (^٥).
إنها دعوة صريحة إلى سلوك هذا الطريق المظلم وهدم هذا الأصل العظيم، وطبيعي أن تكون معاداة الرسل ومناهجهم من أهم أهداف وغايات الحداثي الملحد والعلماني الضال؛ لأنه لا يوجد من يقاوم هذا التيار الكفري إلّا الدين، ولذلك دعا أدونيس إلى التردي إلى مستوى رامبو في السخرية والشتم للأنبياء، ويعتبر أن الأدب العربي لا يُمكن أن يحقق سيرته ومكانته إلّا
_________________
(١) انظر: مفهوم النص: ص ٣٣ - ٣٩.
(٢) الآية ٥٣ من سورة الذاريات.
(٣) انظر: الثابت والمتحول ٢ - تأصيل الأصول: ص ٧٥، ٧٦.
(٤) رامبو أحد أعلام المذهب الرمزي في الأدب، وأحد شعراء الحداثة الذين توجهت إليهم أفئدة الحداثيين العرب حبًا وتقليدًا، تعود قصيدة النثر إليه، وعلى منواله نسج المقلدون له خاصة أدونيس وأنسي الحاج، وهو أول من أطلق على الشاعر اسم الشاعر النبي، وتهجم على عيسى ﵊، فقلده الحداثيون في كل ذلك. انظر: في النقد الحديث ص ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) زمن الشعر: ص ١٤٨.
[ ٢ / ١٢٥٣ ]
بالوصول إلى هذه الحضيض من الانحراف، وقد استجاب له الحداثيون فعلًا، وسلكوا مسلكه ومسلك رامبو، وسوف يأتي في شواهد هذا الوجه ما يؤكد ذلك.
ومن المقارنات العجيبة أن نجد أن أدونيس وأتباعه يطالبون بشتم الأنبياء والاستهانة بهم، وفي ذات الوقت يقدسون الأوثان ويقيمون لها أعظم الاعتبارات ويلوذون بها فكريًا، ويجعلونها ملهمة لأعمالهم وإنتاجهم، بل وسياساتهم وهويتهم، وقد ذكرت شواهد كثيرة في الفصل الرابع من الباب الأول من هذا البحث.
هل بعد هذه المقارنة الأكيدة من دليل يدل على أن الحداثة ليست سوى شعار لبسه أعداء دين اللَّه ليصدوا عنه ويحاربوه ويناقضوه؟.
وقد ذكرت أقوالًا عديدة للضال عزيز العظمة ينفي فيها النبوة والوحي ويجحد وجود الأنبياء، ومن ذلك مقاله الذي يدافع فيه عن المرتد سلمان رشدي في كتابه "الآيات الشيطانية"، واستدلاله بقصة الغرانيق المكذوبة وتأكيده أنها صحيحة حيث يقول: (ليس ثمة سبب تاريخي للطعن برواية الطبري بل هي أقرب إلى العقل من الرواية التقليدية، التي ترى في الإسلام شأنًا ولد كاملًا مكتملًا خارجًا عن نصاب وقائع وطبائع التاريخ. . . التوحيد الإسلامي ولد على تخوم الوثنية وغيرها من الأديان، وأن الإسلام في تطوره تعاطى مع وقائع اله سيحية واليهودية، وأنه تعاطى مع الوثنية المكية الطواف، السعي، تقديس الحجر الأسود، ولا تمتنع الدبلوماسية الدينية التي مارستها عبقرية محمد، بل إن العلاقة بين الآلهة والمواضع الحرم السياسية والعشائرية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية في عصر محمد وقبله شأن معروف للمؤرخين حتى الإسلاميين منهم) (^١).
هذا النص نموذج للحقد الكامن في قلب هذا النجس على الإسلام وأهله، ودليل على الجهل أو التجاهل المقصود، فهو يصحح قصة الغرانيق
_________________
(١) الناقد- العدد ٩ آذار ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٩ - ١٠.
[ ٢ / ١٢٥٤ ]
الموضوعة، ويكذب بالقرآن جملة وتفصيلًا!! وذلك بجعله التوحيد الذي يصف اللَّه به محمدًا -ﷺ- يقوم على تخوم الوثنية والأديان المحرفة، فتأمل سوء القصد وشناعة المغالطة، وخبث الطوية وعمق العداوة للإسلام.
وعلى النسق نفسه يكتب أحدهم قصة قصيرة بعنوان "مهابهاراتا" كلها سخرية بنبي اللَّه آدم وزوجه حواء ﵉، وتوظيف جنسي داعر، وعهر مكشوف، وتدنيس لهما ﵉، يصور في هذه القصة المعاشرة الجنسية بين آدم وحواء بأسلوب خبيث وقح، بل ويصور أن آدم ﵇ يمارس الزنى مع أخرى اسمها "ليليت" (^١).
أمّا أنسي الحاج فإنه يكتب في المجلة نفسها التي نذرت نفسها لخدمة الوثنية المعاصرة، وثنية الحداثة والعلمانية، ولمحاربة الإسلام والمسلمين، سائرة في ذلك على خطى مجلة شعر وبرامج يوسف الخال، كتب أنسي الحاج تحت عنوان "رحلة في جحيم الحقيقة الصغيرة" يخاطب اللَّه -جلَّ وعلا- بخطاب خبيث ساخر معترض متهم، كقوله: (أيكون جوهرك هو الفظاعة وتكون أنت لا إله الرحمة بل رب الاستمتاع بالتعذيب والقهر والتدمير والقتل باثًا وجودك لا على أساس الخلق للخلود، ولكن على أساس الخلق للإعدام، وتكون هكذا يا اللَّه أشرس كائن في الكون!؟) (^٢).
وعلى هذا المنوال كل مقاله الحقير، الذي جمع فيه كل خبثه وإلحاده واستقاءه كتابة على صفحات مجلة الناقد الجاهلية الإلحادية التي فتحت صدرها العفن لاستقبال كل هذا الصديد من مثل قوله: (هذه هي الحقيقة لا فلسفة لا دين لا مؤسسات لا دول، الوداع لكل هذا. . .، وحده الشعر عرف الحقيقة البشعة، عرف كل الحقيقة أكثر من الأنبياء والآلهة. . .
أتطلع إليك يا إله الشر،. . . اعبر لك عن ثورتي وأوبخك. . . كيف تستطيع النوم بعد مذابحك؟ كيف تستطيع العيش وليس فيك غير الهول
_________________
(١) الناقد- العدد ٩ آذار ١٩٨٩ م/ ١٤٠٩ هـ: ص ٥٠، والقصة لإسماعيل الأمين الذي عرفته المجلة بأنه كاتب من لبنان يعمل حاليًا في الصحافة العربية بلندن.
(٢) الناقد - ١٣/ كانون الأول ١٩٨٩ م/ ١٤١٠ هـ: ص ٦.
[ ٢ / ١٢٥٥ ]
ورياح القبور، فوقك تئن أرواح ضحاياك، وتحتك تصطك جماجمهم وحولك تلتهب بالدعوات الضامئة عيون المشتهين قتلك. . .
يا اللَّه، أتحب محبتك للإنسان أكثر أم حكمتك؟ هل أنت أسير حكمتك قضائك وقدرك؟ ولا يكسر طوقهما ولا يحررك منهما إلّا المعجزة، اجباري إياك بالصلاة أو بتحريكي شعورك بالذنب أو بأي شيء آخر، على اجتراح المعجزة، المعجزة هي منك أم ضدك، من أنت يا اللَّه؟. . .) (^١).
والمقال كله من هذا النوع الدنيء، سبحان ربي وتعالى عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
ومن أمثلة الاستهانة والتحقير ما سبق نقله في الفصل السابق من قول حسن حنفي أن النبي قبل عرض قريش بذكر آلهتهم "الغرانيق" على أساس أنه رجل سياسة وليس نبيًا (^٢).
وفي السياق نفسه دافع عن سلمان رشدي في روايته القذرة آيات شيطانية، والتي ممخر فيها بالنبي -ﷺ- أشد السخرية، يقول عنه حسن حنفي: (سلمان رشدي لم يقل شيئًا، أنا لا أتعرض لهذه الرواية -رواية سلمان رشدي- والأديب حُرٌّ في أن يكتب كما يشاء وحتى ولو كان مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة فلا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، أما إنه كافر وخرج. . . فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة) (^٣).
وهذا إقرار صريح منه بتبني الأسلوب الذي مارسه سلمان رشدي في الاستخفاف والسخرية والتحقير، ولا غرو أن يكون كذلك فقد قال اللَّه تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٨ - ٩.
(٢) انظر: الإسلام والحداثة: ص ٢٣٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٣٥.
[ ٢ / ١٢٥٦ ]
(٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (^١).
ومن أمثلة الاستخفاف قول نزار: (كل عمل عظيم كان في الأساس مغامرة، النبوة مغامرة والثورة مغامرة والحب مغامرة. . .) (^٢)، وستأتي أمثلة أخرى من أقواله في موضع لاحق من هذا الفصل.
ومن الأمثلة قولط بدر شاكر السياب مستهينًا بآدم ﵇:
(ويصرخ آدم المدفون فيّ: رضيت بالعار
بطردي من جنان الخلد أركض إثر حواء
أريدك يا سرابًا في خيالي ليس يسقيني) (^٣).
وقوله مستهينًا بعيسى بن مريم ونوح عليهما الصلاة والسلام:
(امتد نحو القبر دربٌ، بابُ
من خشب الصليب: فالمسيح
مات، وفي الطوفان ضل نوح) (^٤).
وقوله:
(والجوع لعنة آدم الأولى وإرث الهالكين) (^٥).
وقوله:
(يا سقف أعمالنا
يا ذروة تعلو لأبطالنا
_________________
(١) الآيتان ٦٧ - ٦٨ من سورة التوبة.
(٢) قضايا الشعر الحديث: ص ٢٤٣.
(٣) ديوان السياب: ص ٢٦٤.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٧٢.
(٥) المصدر السابق: ص ٣٦٩.
[ ٢ / ١٢٥٧ ]
ما حزَّ سوط البغي في ساعديك
إلا، وفي غيبوبة الأنبياء
أحسست أن السوط، أن الدماء
أن الدجى، أن الضحايا، هباء) (^١).
وفي مقطوعة مليئة بأنواع الضلال من تهكم وسخرية، يقول عن النبي محمد -ﷺ- مستهينًا:
(كمئذنة تردد فوقها اسم اللَّه.
وخط اسم له فيها
وكان محمد نقشًا على آجرة خضراء
يزهو في أعاليها
فأمسى تأكل الغبراء
والنيران من معناه
ويركله الغزاة بلا حذاء
بلا قدم
وتنزف منه، دون دم
جراح دونما ألم
فقد مات
ومتنا فيه، من موتى ومن أحياء
فنحن جميع أموات
أنا ومحمد واللَّه.
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٨٥.
[ ٢ / ١٢٥٨ ]
وهذا قبرنا: انقاض مئذنة معفرةٍ
عليها يكتب اسم محمدٍ واللَّه.
على كسرة مبعثرة
من الآجر والفخار
فيا قبر الإله على النهار
ظل لالف حربةٍ وفيل
ولون أبرهه
وما عكسته منه يد الدليل
والكعبة المخزومة المشوهة) (^١).
وهي مقطوعة مشبعة بهذا المحلول الإلحادي إلى آخرها.
ومن أمثلة استخفافه بالأنبياء قوله عن عيسى ﵊:
(والمسيح المبيعَ بخسًا بما لو بيع لحمًا لناء عن تسديد) (^٢).
ومن ذلك قوله عن النبي محمد وعن المسيح عليهما الصلاة والسلام:
(هم التتار أقبلوا، ففي المدى رعاف
وشمسنا دم، وزادنا دم على الصحاف
محمد اليتيم أحرقوه، فالمساء
يضيء من حريقه، وفارت الدماء
من قدميه، من يديه، من عيونه،
وأحرق الإله في جفونه
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٠٩.
[ ٢ / ١٢٥٩ ]
محمد النبي في حراء قيدوه
فسُمِّر النهار حيث سمروه
غدًا سيصلب المسيح في العراق
ستأكل الكلاب من دم البراق) (^١).
ويقول عن المسيح ﵊:
(ليت المسيح الذي داجى بشرعته من باع مثواه راءٍ فيك عن كثب) (^٢).
ويتحدث عن مجموعة من المومسات في بيت دعارة قائلًا:
(والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين نصبًا يخلد عار آدم واندحار الأنبياء) (^٣).
وشعر السياب من هذا النوع كثير، ومليء بأمثال هذه الانحرافات الهائلة، ولا عجب أن يكون كذلك وقد تلقى الحداثة عن الإنجليز، ثم تربى في أحضان الماركسيين، ثم لما تاب انقلب إلى مجلة شعر وشعراء تموز ومنظمة حرية الثقافة، وهل يرجى من الشوك العنب؟!.
وصنوه وشبيهه عبد الوهاب البياتي، لم يدع هذا الركن العظيم، فقد سلط عليه سهام بغضه واستهانته، من جب قلبه المليء بالماركسية والشيوعية ثم الوجودية ثم المادية اللبرالية، ومن أمثلة ذلك تسميته النبي "ابن السماء" و"العمدة المرهوب"، وذلك في قوله:
(وهناك عبر الحقل أكواخ تنام ونستفيق
عبر الطريق
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٤٦٧ - ٤٦٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٩٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٢٩.
[ ٢ / ١٢٦٠ ]
بشر ينام ويستفيق
بشر مع الدواب السائبات على سواء
ما دام ينعم بالثراء
ابن السماء
العمدة المرهوب والخبز العريق. . .
والعمدة المرهوب يمسح بالسياط دم الظهور
كتل مشوهة تدور
حول الزرائب، والقبور النائمات على القبور) (^١)
وهذا غاية في الاستخفاف والاستهانة من خلال هذه التسميات الباطلة، ثم يربط النوم والتخلف والحيوانية بالنبوة.
ومن أقواله المشابهة للقول السابق:
(قدمت أوراق انتسابي لرسول الأب
وقوميسار الشعب
من أجل أن تشرق شمس اللَّه.
على الغد المسكون بالخوف وبالأشباح
لكنه سلمني لغرف التعذيب والسجون والبوليس
والنفي والتشريد
فالعملة الرديئة
قد طردت في مدن الأزمنة الحديثة
_________________
(١) ديوان البياتي ١/ ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٢ / ١٢٦١ ]
العملة الجيدة الجديدة) (^١).
ويسخر من النبي -ﷺ- ومن حادثة شق الصدر، ثم يربط ذلك بالتخلف والمقابر والكتب الصفراء التي تعني عنده وعند أمثاله من الحداثيين الجمود والرجعية، يقول:
(قلت شبابي ضاع في المقابر
والكتب الصفراء والمحابر. . .
ودارت الأفلاك
ولم أزل أبحث في "تهامة"
عن تلكم الحمامة
وفي مساء زارني ملاك
ووضع القمر
على جبيني، شق صدري، انتزع الفؤاد
أخرج من حبة السواد
وقال لي إياك فالعنقاء
تكبر أن تصاد
فعد إلى المقابر
والكتب الصفراء والمحابر
من بلد لبلد مهاجر) (^٢).
وفي مقطوعة شيوعية صارخة، يبين أن هذا العصر هو عصر المداخن وهافانا وجيفارا، وعصر خلعت فيه أوروبا حياءها ودينها، ويعبر عن ذلك -
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٤١ - ١٤٢.
[ ٢ / ١٢٦٢ ]
بتدنيس وقح- في تشبيه الصديقة مريم أم عيسى عليهما الصلاة والسلام بالداعرات، ثم يسأل بعد ذلك لماذا لم تعلن البلاد المسلمة عن مثل هذا؟ ولماذا لم تقم بالدور الذي قامت به البلاد الشيوعية، وأوروبا الغربية؟، يقول:
(جيفارا الليلة فوق مداخن هافانا يظهر للناس
والعذراء على شاشات التلفزيون وفي باب نجوم الأخبار
تعلن عن قمصان للنوم وعن شقق للإيجار
فلماذا يا شيراز
لم تعلن عائشة عن قائمة الشهداء) (^١).
أمّا صلاح عبد الصبور فقد سبق أن نقلت مقطعأ من قصيدته "الناس في بلادي" وبينت مضامينه الاعتقادية المنحرفة، ومنها الصورة الساذجة التي يرسمها لبطل القصة "مصطفى" حيث يقول عنه:
(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى
وهو يحب المصطفى) (^٢).
هذه الصورة الساذجة التي يصور بها عقلية "مصطفى" هذا، تنبيء عن مقدار الاستهانة بالنبي -ﷺ-، حيث جعل من علائم بساطة وسذاجة "مصطفى" أنه يؤمن به وبالقدر، وقد سبق بسط ذلك.
ونحو ذلك قوله في وصف سذاجة أمه، رابطًا ذلك بإيمانها بالغيب وبالنبي:
(إلى أمي البرة الطاهرة
تخوفني نقمة الآخرة
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٤٤٠.
(٢) ديوان صلاح عبد الصبور: ص ٣٠.
[ ٢ / ١٢٦٣ ]
ونار العذاب
وما قد أعدوه للكافرين
وللسارقين ولللاعبين
وتهتف إن عثرت رجليه
وإن أرمد الصيف أجفانيه
وإن طنطنت نحلة حوليه
باسم النبي) (^١).
ثم يتحدث عن موت أخيه وعن دفنه، جاعلًا الحياة الدنيا مجال الصحوة والعمل والانجاز والعظمة وليست الآخرة، يقول عن أخيه:
(وفي حفرة من حفار الطريق
وهبناه للأرض باسم النبي. . .
ومن موته انبثقت صحوتي
وأدركت يا فتنتي أننا
كبار على الأرض لا تحتها
كهذا الرجل) (^٢).
وفي مرثية لجمال عبد الناصر، يتحدث عن التاريخ الإسلامي وعن أمجاد المسلمين الأوائل، فيجعل معركتي أحد وبدر مجرد شارات على رداء النبي محمد -ﷺ-، ثم ينتقل لوصف الحياة التي كانت تعيشها مصر أيام جمال تحت حكمه بأنها تختلف عن حياة النبي وأصحابه الذين كانوا يعيشون أيامًا يقضونها إلى يوم المعاد، أمّا حياتهم في عهد جمال فكانت
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٩، ونحوه في ص ٦٠.
(٢) المصدر السابق: ص ٦١.
[ ٢ / ١٢٦٤ ]
تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ، والمجد، والأمنيات، وهي مقارنة سخيفة استهدف فيها إعلاء شأن عبد الناصر ونظامه المعادي للإسلام والمسلمين وخفض شأن النبي -ﷺ- وحياته المليئة بالخير والمجد والفضل والكمال في كل شيء، يقول:
(أحد وبدر شارتان على رداء محمد، عاش الجهاد
لا، لم نكن نحيا كما يحيون أيامًا نقضيها إلى يوم المعاد
بل كان ما نحياه تاريخًا كأروع ما تكون ملاحم التاريخ
ساح ترن بها أغاني المجد مرعدة، وحمحمة الجياد) (^١).
أمّا النصراني اللبناني يوسف الخال فإنه على نمط عقائد الكتاب المحرف يرمي نبي اللَّه سليمان ﵊ بالعظائم، ويتحدث بلسان إحدى الداعرات قائلًا:
(ولو رآني سليمان
أما جن قلبه لدلالي
وارتمى خاشعًا يقبل وجه
الأرض من موطئي وظل نعالي) (^٢).
أعز اللَّه نبيه وشرفه، وقبح وجه هذا المستهزئ الضال.
وفي موضع آخر يستخف بالنبي، ويقصد عموم الأنبياء، ويجعل وجودهم بمثابة الخمر الذي يخدر الأحلام، وهي عبارة تشابه المبدأ الشيوعي الإلحادي "الدين أفيون الشعوب"، يقول:
(بعيدًا عن اللارجوع
نصير يتامى
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٤٤.
(٢) الأعمال الشعرية ليوسف الخال: ص ١٢٧.
[ ٢ / ١٢٦٥ ]
ولا شيء يفعل، يجعل أحلامنا
خمورًا على اسم نبي
مشاعًا نصير) (^١).
أمّا النصراني الآخر جبرا إبراهيم جبرا فله أسلوبه في التهكم والسخرية بالأنبياء، كما في قوله:
(نسمة الطريق المائج ليلًا بالعيون
ملجأ الغرباء والأنبياء
عشاق الأرصفة الطوال
نسمة الطريق السادر الهادر النازل
من البيت إلى الكهف والعين الصاعد
من البيت إلى الجلجلة
من فرشة الأحلام إلى الصليب
نسمة الطريق، حاملة الروث والياسمين. . .
هو الكذبة التي لا محيد عنها، الكذبة التي
صدقُها انبثق من الطريق عشيق الأنبياء والشاردين
والطيف هو الطريق والنسمة همسُهُ
لمسة النهدين الهائمين في ليلة الحر لطويل) (^٢).
وللنصراني الآخر، عميل وكالة المخابرات الأمريكية توفيق صايغ، كلام بذيء يخاطب فيه اللَّه تعالى، ويستخف فيه بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، يقول مخاطبًا اللَّه تعالى:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٥٦.
(٢) المجموعات الشعرية الكاملة لجبرا: ص ١٢٤ - ١٢٥.
[ ٢ / ١٢٦٦ ]
(أأدركت ما بنا
أم أأعماك الغرور واللاانتظار
وإباؤك أن ترانا انتشينا
نقمة ومقتا
نجزيك بهما عن الليالي المداد
نقعتنا بها بحمأة الترجي
ولا رجاء
ونفضتنا عنك ارخص مما اشتريتنا
ولم تخلف لنا
غير وعد برسول من لدنك
ينقل لنا خيراتك
ينفخ في رماد الذكريات؟
أراعك انا استددنا
حول الرسول ساخرين
واما شدا باسمك
خائفًا خافتًا
شدونا عالين صاخبين:
بغير حب إلهي بغير محبة؟
ولم نعذب رسولك ليبوح
انك مغلوب كايانا
وفي عوز مثلنا وأسرٍ وصحراء
[ ٢ / ١٢٦٧ ]
ورسالاتك هذي إلينا
استغاثات لا غرام
وتقربك الآن إلينا
ليس حبًا بقربي
لكن لتسكين إبرة فيك
لا تكل) (^١).
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (^٢).
هذا الكلام الردئ النابع من قلب خبيث، وعقيدة تطفح بالضلال فيه إشارة إلى مضمون الملة الحداثية، ودلالة على موقفها من دين اللَّه القويم، ومن رسالات الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وهو كلام جمع بين ركاكة المبنى وخبث المعنى، ومع ذلك يعدونه من كبار المبدعين ومن رواد المجددين!!.
ويقول في موضع آخر مستخفًا بعيسى ﵊:
(يسوع الشيخ
عاد فتيًا يلاعبني) (^٣).
وللنصراني أنسي الحاج مشاركاته القذرة في هذا الصدد، وقد سبق نقل كلامه الذي نشره في مجلة الناقد، وهنا من كتابه خواتم يخلط في تسوية تدنيسية بين الأنبياء الأطهار والملاحدة الكفار، وذلك في قوله:
(المسيح. محمد. روسو. فورييه. ماركس
_________________
(١) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) الآيات ١٨٠ - ١٨٢ من سورة الصافات.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٩٠.
[ ٢ / ١٢٦٨ ]
يرسمون للآخرين أوطانهم وكأنما ليبقوا هم غرباء) (^١).
أمّا الماركسي العراقي سعدي يوسف فيقول:
(حجر للنبي الذي كان يلعب
أو للصبي الذي كان يتعب) (^٢).
ويقول تحت عنوان "قصيدة مديح إلى مؤرخ مغربي":
(كان في "سبته" هذا الطفل
لم يحمل إلى الشاطيء والبحر الذي يُغرقه وهما
وما كان نبيَّ القهوة المغتربه
كان بين الأتربه) (^٣).
ويتحدث عن نفسه تحت عنوان "الأخضر بن يوسف ومشاغله" جاعلًا النبي رمزًا يعلق عليه سخرياته واستهاناته، ويرفع نفسه إلى مستوى الأنبياء، وهذا لون آخر من الاستهانة، يقول:
(نبي يقاسمني شقتي
يسكن الغرفة المستطيله
وكل صباح يشاركني قهوتي والحليب وسر الليالي الطويله
وحين يجالسني
وهو يبحث عن موضع الكوب في المائده
-كانت فرنسية من زجاج ومعدن-
أرى حول عينيه دائرتين من الزرقة الكامده
_________________
(١) خواتم: ص ١٣٨.
(٢) ديوان سعدي يوسف: ص ٩٣.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٤.
[ ٢ / ١٢٦٩ ]
وكانت ملابسنا في الخزانة واحدةً:
كان يلبس يومًا قميصي
وألبس يومًا قميصه
ولكنه حين يحتد
يرفض أن يرتدي غير برنسه الصوف
ويرفضني دفعة واحده
ويدخل كل المزارع
يحرث أو يشتري سكرًا
أو يقول العلامه
ولما التقينا على حافة البار
أخرج من جيبه زهرة وانحنى
هامسًا انها لي أتيت بها) (^١).
وسواء أراد بذلك النبي على الحقيقة، أو أراد وصف نفسه بأنه نبي، أو وصف شخص آخر بالنبوة، فكل ذلك استخفاف واضح واستهانة صريحة بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأصرح منه قوله:
(من يشتري جلد المسيح
إنا سلخناه فيا دنيا استريحي) (^٢).
قدس اللَّه نبيه وأجله، ورفع قدره في الدنيا والآخرة.
وفي إحدى المقطوعات بعنوان "رفض" يستهين باللَّه تعالى وبالوحي وبالرسالة، وببلاد المسلمين بلاد الرمل -حسب رمزه- وذلك في قوله:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٦٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٤١٥.
[ ٢ / ١٢٧٠ ]
(أنا في يديك ياربًا يسير على الرمال
إن الذي قد سار فوق الماء مات
وبقيت أنت بلا صفات
لكن قلبي في انتظارك
فالبحر مزقه نبي بالحذاء وبالبخار
القيته يبكي على قدمي مهتوك الإزار
وبقيت أنت
الهي الرملي مجهول الصفات
إلّا من الألم المقدس في انتظاري
وأنا أشق الرمل لكني أغوص
في الصفر. .
أحصى اللانهاية في النهاية
كنبيك الممنوع -صلبًا- عن طواطمهم
متألما حتى الشهادة
لكن سعدي لن يموت
في الرمل في شيراز من أجل الشهادة
متمسكًا بالصفر
يحصي اللانهاية في النهاية) (^١).
هذا المقطع نموذج للإلحاد الحداثي، وعينة من العينات الكثيرة التي انبثت باسم التجديد والمعاصرة، لتقوم بحرب سافرة ضد اللَّه سبحانه
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥١٧.
[ ٢ / ١٢٧١ ]
وتعالى، الذي يجعله سعدي بلا صفات، وضد الدين والرسالات التي يرمز لها بالرمل والصفر، على عادة الحداثيين الذين يدّعون حرب التقليد والمحاكاة، وهم يقومون بها على أبشع وجه وأخبثه، ولا أدل على ذلك من استخدامهم لرمز الرمل كناية عن الإسلام والمسلمين وبلادهم، ورمز البحر كناية عن الغرب والتقدم والنهضة، فلا تكاد تجد حداثيًا إلّا ولهذين الرمزين مكانة دلالية، على طريقة يوسف الخال الذي يظن أنه من أوائل من استخدمهما.
ومن أبرز الأعمال الحداثية لأمل دنقل قصيدته التي بعنوان "مقابلة خاصة مع ابن نوح" والتي أشاد بها الحداثيون وكتبوا عنها كثيرًا، وألف بعضهم فيها كتبًا.
وهي مترعة بالاعتراض على نبي اللَّه نوح ﵇، والإشادة بموقفه ابنه الرافض للركوب معه في السفينة، جاعلًا ذلك موقفًا شجاعًا، في حين أن الذين ركبوا في السفينة هم الجبناء والمستغلون والتافهون حسب قوله:
(جاء طوفان نوح
ها هم الحكماء يفرون نحو السفينة
المغنون -سائس خيل الأمير- المرابون
قاضي القضاة
"ومملوكُهُ! "
حامل السيف راقصة المعبد
"ابتهجت عندنا انتشلت شعرها المستعار"
جباة الضرائب - مستورد وشحنات السلاح
عشيق الأميرة في سمته الأنثوي الصبوح!
جاء طوفان نوح
[ ٢ / ١٢٧٢ ]
ها هم الجبناء يفرون نحو السفينة) (^١).
ويقول فيها:
(صاح بي سيد الفلك قبل حلول السكينة
انج من بلد لم تعد فيه روح
قلت: طوبى لمن طعموا خبزه
في الزمان الحسن
وأداروا له الظهر
يوم المحن
ولنا المجد - نحن الذين وقفنا
"وقد طمس اللَّه أسماءنا! "
نتحدى الدمار
ونأوي إلى جبل لا يموت
"يسمونه الشعب! "
فأبى الفرار ونأبى النزوح
كان قلبي الذي نسجته الجروح
كان قلبي الذي لعنته الشروح
يرقد الآن - فوق بقايا المدينة
وردة من عطن
هادئًا
بعد أن قال "لا" للسفينة
_________________
(١) الأعمال الشعرية الكاملة لأمل دنقل: ص ٣٩٤.
[ ٢ / ١٢٧٣ ]
وأحب الوطن) (^١).
قد يقال بأن دنقل لا يريد ابن نوح وإنّما استعار ذلك للتعبير عن فكرة معينة، فكرة حماية الأوطان والاستهانة بالمصاعب في سبيلها، ونحو ذلك مما قد تدل عليه هذه القصيدة، ولست متحدثًا عن هذا المطالب، وإنّما الكلام هنا: لماذا اختار ابن نوح، العمل غير الصالح، ليكون رمزًا للوطنية والفداء، وجعل نوحًا ﵇ ومن معه في السفينة رمزًا للخيانة والغباء والجبن؟، إن الدلالة الواضحة من استعارة هذه القصة وتوظيفها هي أن المنطلق الذي يسير منه أصحاب هذا الاتجاه هو الرفض للدين والرسل وتعاليمهم؛ لأنها تعني عندهم التخلف والرجعية، في حين أن الرافضين للرسل وتعاليمهم مثل ابن نوح يعتبرون هم رموز العقلانية والمعرفة والوطنية والثبات!!.
وهنا نبذ من كتاب يقع في "٢٤٤" صفحة مخصصة لدراسة هذه القصيدة، وعنوان الكتاب هو "في البحث عن لؤلؤة المستحيل، دراسة لقصيدة أمل دنقل: مقابلة خاصة مع ابن نوح" (^٢)، يقول فيه مؤلفه: (إذا عدنا إلى قصيدة مقابلة خاصة مع ابن نوح وجدنا أن التهكم والمفارقة قد بدأت خاصة بالواقع الخارجي في الجزء الأول من القصيدة، ولكنه انتقل إلى الداخل إلى انقسام الذات الشاعرة في الجزء الثاني والثالث، معبرًا عن أزمة اغتراب حادة تشكك في القيم الأساسية لدى الشاعر) (^٣).
ويؤكد هذا المؤلف الحداثي أن أمل دنقل قد اقتبس هذه القصيدة من التوراة ومن القرآن، وأن ذلك تم بناء على التفاتة من دنقل عن التراث الإغريقي والفرعوني إلى التراث العربي باعتباره التراث الوحيد الحي في
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٩٦.
(٢) مؤلفه هو د/ سيد البحراوي، وهي حلقات دراسية قام بتدريسها في كلية الآداب جامعة القاهرة. انظر: ص ٣٤ من الكتاب نفسه.
(٣) في البحث عن لؤلؤة المستحيل: ص ١٧٠، وعن التهكم في هذه القصيدة انظر: ص ١٢٠، ١٣٧.
[ ٢ / ١٢٧٤ ]
وجدان (^١) الناس: (وهو حريص على أن يؤكد في حوار آخر على عروبة التراث وليس إسلاميته، ويستطيع الدارس أن يؤكد بيقين كامل أن أمل كان مخلصًا في شعره لهذا الفهم الأخير للتراث كتراث شامل لحضارة المنطقة) (^٢).
ثم يشرح هذا المؤلف بمنظور حداثي مكذب هذا الأخذ والاعتماد على التراث، قائلًا: (وقصة طوفان نوح هي قصة أسطورية وردت في التوراة والقرآن وفي أساطير شعوب أخرى. . .، ويذهب بعض العلماء إلى محاولة تأكيد أن الطوفان قد حدث بالفعل نتيجة لتحولات جيولوجية محددة في نهاية العصر الجليدي الأخير) (^٣).
فالناقد الحداثي هنا أسوأ وأشد انحرافًا من الشاعر، وكلاهما يجتمعان في الإطار الإلحادي الذي ذكرته في مطلع هذا الفصل.
ثم يورد الناقد نصًا من التوراة وآيات من القرآن ليرى مدى أخذ أمل دنقل منهما، وفي أثناء ذلك يصف نص التوراة بأنه نص أدبي سردي: (بينما يلائم النص القرآني بإيجازه وكثافته وشعريته النص الشعري، وثمة مجموعة من الأدلة النصية تشير إلى أن النص القرآني أقرب إلى الشعر من النص التوراتي. . .، في السطور الثلاثة الأول من النص القرآني وجدنا اثنتي عشرة تفعيلة "فعولن" بأشكالها المختلفة، وأربعة عشرة (^٤) تفعيلة "فاعلن" بأشكالها المختلفة "فعلن، فعلن" دون أن تكون مرتبطة على الطريقة الشعرية، وإن كان بإمكاننا القول بأن الإيقاع فيها يعتمد على تفعيلتين متقاربتين وهو أمر كثير الحدوث في الشعر الحديث. . .، إن هذه العناصر بالتأكيد تشير على أن النص القرآني أكثر صلاحية للتعامل معه شعريًا من النص التوراتي) (^٥).
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: ص ١٤٢.
(٢) المصدر السابق: ص ١٤٣.
(٣) المصدر السابق: ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) هكذا والصواب أربع عشرة.
(٥) المصدر السابق: ص ١٤٦ - ١٤٧.
[ ٢ / ١٢٧٥ ]
ويكفي ما في هذا الكلام من افتراء وانحراف لنعلم إلى أي حد وصلت جرأتهم على اللَّه وكتابه ورسله.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (^٢).
ثم يخلص هذا المؤلف الضال إلى أن اعتماد دنقل على النص القرآني؛ لأن موقفه يماثل موقف ابن نوح، فيقول: (. . . اعتمد على النص القرآني في الجزء الذي يصور موقف ابن نوح "الذي يتماثل مع الشاعر تمامًا") (^٣).
ويقول: (. . . إن رفض ابن نوح لم يبق رفضًا فرديًا بل توسع ليشمل شباب المدينة. . . هذا الرفض المرفوض من قبل النص القرآني أصبح رفضًا ضروريًا وإيجابيًا) (^٤).
هذه هي عصارة الفكرة في القصيدة، وفي الدراسة النقدية التي قدمت لها، رفض تعاليم القرآن والإشادة بالرافضين لأوامر اللَّه، والامتداح للتمرد على وحي السماء، والتبجيل للموقف المعارض لأوامر الرسل الكرام ﵈، وهذا أحد إسرار الاحتفاء الحداثي الكبير بأمل دنقل (^٥).
أمّا نزار قباني الحداثي الكبير والأسوة عند أهل الملة الحداثية فقد اغترف من حمأة هذا الانحراف، وعلَّ منه ونهل، ومن أمثلة ذلك قوله في وصف ثور أسباني في حلبة مصارعة الثيران:
_________________
(١) الآية ٦٩ من سورة يس.
(٢) الآية ٤١ من سورة الحاقة.
(٣) المصدر السابق: ص ١٤٩.
(٤) المصدر السابق: ص ١٥١ - ١٥٢.
(٥) انظر ما كتب عنه من كتب ومقالات ودراسات في آخر كتاب "في البحث عن لؤلؤة المستحيل": ص ٢٣٦ - ٢٤٤.
[ ٢ / ١٢٧٦ ]
(برغم النزيف الذي يعتريه
برغم السهام الدفينة فيه
يظل القتيل على ما به
أجل وأكبر من قاتليه
نزيف الأنبياء
كوريدا. . . كوريدا
ويندفع الثور نحو الرداء
قويًا عنيدًا
ويسقط في ساحة الملعب
كأي شهيد. . كأي نبي
ولا يتخلى عن الكبرياء) (^١).
لم يجد هذا الرديء وصفًا يصف به الثور إلّا الأنبياء أكرم خلق اللَّه، وهذا يدل على تصميم مبدئي يتخذه هؤلاء ضد الدين والرسل والرسالات.
وفي هذا السياق الأرعن نجده يقول عن الحب:
(. . . وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأنبياء) (^٢).
ومن ذلك وصفه لحالات تخلف من وجهة نظره المادية الإباحية حيث يقول على سبيل التهكم:
(وأنبياء اللَّه يعرفونني
عليهم الصلاة والسلام
الصلوات الخمس لا أقطعها
_________________
(١) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٥٦١ - ٥٦٢.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧.
[ ٢ / ١٢٧٧ ]
يا سادتي الكرام
وخطبة الجمعة لا تفوتني
يا سادتي الكرام
من ربع قرن وأنا
أمارس الركوع والسجود
أمارس القيام والقعود) (^١).
ثم عقب بعد ذكر هذه الأعمال والعقائد الإسلامية وغيرها:
(وهكذا يا سادتي الكرام
قضيت عشرين سنة
أعيش في حظيرة الأغنام
أعلف كالأغنام
أنام كالأغنام
أبول كالأغنام
أدور كالحبة في مسبحة الإمام
لا عقل لي لا رأس لا أقدام
استنشق الزكام من لحيته
والسل في العظام
قضيت عشرين سنة
مكومًا كرزمة القش على السجادة الحمراء
أجلد كل جمعة بخطبة غراء) (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٣٠.
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.
[ ٢ / ١٢٧٨ ]
وهي كلمات واضحة تعبر بجلاء عن الموقف الاعتقادي الذي يتبناه نزار قباني من الإسلام وقضاياه وعباداته وعقائده، وتدل بيقين على أن القضية ليست تجديدًا في الأشكال والأساليب الشعرية بل القضية أبعد من ذلك وأخطر، إنها المعركة المعاصرة المتجددة ضد الإسلام.
ويتحدث هذا الحداثي عن اليهود في سياق الكلمات الرنانة، التي لم تقدم العلمانية وأزلامها سواها في معركة الصراع مع اليهود يوم كانت اتجاهات الريح مضادة لليهود في السوق السياسي والإعلامي، أمّا اليوم وقد انعكست الرياح وأضحت المسابقات الارتمائية السياسية والاقتصادية من أبرز معالم هذه الأيام، نرى أن الحداثيين والعلمانيين يتسابقون في حلبة هذا الارتماء على أعتاب اليهود.
ولما تحدث نزار عن اليهود يذمهم ويشتمهم لم يجد رمزًا يجعله لهم إلّا كليم اللَّه موسى ﵊، الذي حط عليه بألفاظه القذرة، مستهينًا بهذا النبي الكريم ومعجزاته العظيمة التي أيده اللَّه بها في معركة التوحيد والكفر والحق والباطل، يقول نزار:
(لأنه موسى قطعت يداه
لم يعد يتقن فن السحر
لأن موسى كسرت عصاه
ولم يعد بوسعه
شق مياه البحر
لأنكم لستم كأمريكا
ولسنا كالهنود الحمر
فسوف تهلكون عن آخركم
فوق صحارى مصر) (^١).
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٧٠.
[ ٢ / ١٢٧٩ ]
ثم يواصل تهكمه باليهود، من خلال تهكمه بالكتب المنزلة والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فيقول:
(ننصحكم أن تقرأوا
ما جاء في الزبور
ننصحكم أن تحملوا توارتكم
وتتبعوا نبيكم للطور
فما لكم خبز هنا ولا لكم حضور) (^١).
مع أن اليهود أبعد ما يكونون عن موسى ﵇ وعن التوراة الحقيقية والزبور الحقيقي، لكن الغرق في مستنقعات الحداثة والشرب من حوضها، حدا به أن يقول هذا القول، ليشبع نهمته في التهكم بالدين والإيمان، والأنبياء رسل الهداية والفضيلة والخير.
ومن أمثلة أقواله الرديئة الضالة، مخاطبته للخامس من حزيران قائلًا:
(سوف ننسيك فلسطين
ونستأصل عن عينيك أشجار الدموع
وسنلقي سورة الرحمن
والفتح، ونغتال يسوع) (^٢).
صور مكررة معادة تبدأ من ربط الحداثة والإبداع بالكفر والإلحاد، وتنتهي بربط النضال ونجاحه باستئصال القرآن واغتيال الأنبياء، وهذا هو سعي العلمانية منذ أن غرست في بلاد المسلمين؛ لتقوم بهدم الدين وتحطيم التدين في قلوب المؤمنين، والسخرية بمقدساتهم والاستهانة بأسس عقيدتهم وشريعتهم.
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٧٧.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٢١٢.
[ ٢ / ١٢٨٠ ]
وفي قصيدة همزية بعنوان "إفادة في محكمة الشعر" مليئة بالشتائم للأمة وتاريخها ورموزها، ومن ذلك قوله:
(مر عامان والمسيح أسير … في يديهم ومريم العذراء
مر عامان والمآذن تبكي … والنواقيس كلها خرساء
أيها الراكعون في معبد الحرف … كفانا الدوار والإغماء
مزقوا جبة الدراويش عنكم … واخلعوا الصوف أيها الأتقياء
اتركوا أولياءنا بسلام … أي أرض أعادها الأولياء) (^١)
هذه أدبيات العلمانية والحداثة، وهي صورة عن ممارساتها الفعلية، فما الذي حدث للأمة لما تولاها هؤلاء الذين سخروا من الدين وأهله ورموزه وتاريخه وحضارته، وارتموا في أحضان الفكر الصليبي واليهودي والماسوني والإلحادي؟، لقد أضحوا هم بأنفسهم ألد عدو على الأمة، وأنكى سلاح وُجه إليها.
وبطل الأرض المحتلة وقائد العنف الثوري "محمود درويش"!! الذي نغص على اليهود حياتهم بانضمامه إلى حزب "راكاح" الإسرائيلي الشيوعي!!، له مشاركة في هذا النوع من الانحراف، تشابه قول أمل دنقل السابق عن نبي اللَّه نوح ﵊، حين جعل درويش من النبي الكريم نوح ﵊ رمزًا للهروب والجبن وطلب منه ألّا يرحل، وذلك في قوله:
(يا نوح!
هبني غصن زيتون
ووالدتي حمامه!
إنا صنعنا جنه
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
[ ٢ / ١٢٨١ ]
كانت نهايتها صناديق القمامه
يا نوح!
لا ترحل بنا
انّ الممات هنا سلامه
إنا جذور لا تعيش بغير أرض
ولتكن أرضي قيامه) (^١).
ومن أقواله من هذا النوع:
(لو مرة في العمر أبكي
يا هدوء الأنبياء
لكن زهر النار بأبي أن يعرض للشتاء
يا وجه جدي
يا نبيًا ما ابتسم
من أي قبر جئتني) (^٢).
ومن أبشع أقواله التي مزج فيها أنواعًا من الانحراف قوله:
(أنا الحجر الذي مسته زلزلة
رأيت الأنبياء يؤجرون صليبهم
واستأجرتني آية الكرسي دهرًا، ثم صرت بطاقة للتهنئات
تغير الشهداء والدنيا) (^٣).
وقوله:
_________________
(١) ديوان محمود درويش: ص ١١٦ - ١١٧.
(٢) المصدر السابق: ص ١٢١ - ١٢٢.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٨٠.
[ ٢ / ١٢٨٢ ]
(طريق دمشق
ودمشق الطريق
ومفترق الرسل الحائرين أمام الرمادي) (^١).
وقوله:
(أنا ضد القصيدة
غيرت حزن النبي، ولم تغير حاجتي للأنبياء. . .
لا لنبوءة العراف
يومك خارج الأيام والموتى
وخارج ذكريات اللَّه والفرح البديل) (^٢).
(والليل سقف اللص والقديس
قبعة النبي وبزة البوليس) (^٣).
(فأتى ليرميهم بجثته
وكان دويّها والأنبياء
لكم انتصارات ولي حلم) (^٤).
ويصف أرض فلسطين بأسماء يمزج فيها المقدس بالمحتقر مزجًا يوحي بالاستهانة، يقول:
(ما اسم الأرض؟
بحر أخضر، آثار أقدام، دويلات، لصوص، عاشقات
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٣٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٥٤.
(٣) المصدر السابق: ص ٥٥٧.
(٤) المصدر السابق: ص ٥٦٧.
[ ٢ / ١٢٨٣ ]
أنبياء، آه ما اسم الأرض؟) (^١).
وفي حديث له عن شخص اسمه "راشد حسين" أحد المتتلمذين على فلسفة الصراع الطبقي، مما يشي بماركسيته، يقول:
(ولم يسأل سوى الكُتَّاب عن شكل الصراع الطبقي
ثم ناداه السؤال الأبدي الاغتراب الحجري
قلت: من أي نبي كافر قد جاءك البعد النهائي؟) (^٢).
وهذا تدنيس واستهانة عظيمة بالأنبياء الذين جاؤوا لمحاربة الكفر والإلحاد المادية، سواء أراد بذلك الأنبياء على الحقيقة، أو أراد أحد أعلام الماركسية، كعادة الحداثيين في تسمية الضالين والمنحرفين والكافرين أنبياء، تحقيرًا لمقام النبوة وتهوينًا لشأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وفي خطاب آخر يوجهه إلى "الأخضر" الرمز الذي يمتدحه ويثني عليه غاية الامتداح والثناء، ويقول له:
(يا أخضر! لا يقترب اللَّه كثيرًا من سؤالي. . .
ولتحاول أيها الأخضر
أن تأتي من اليأس إلى اليأس
وحيدًا يائسًا كالأنبياء) (^٣).
ومثل ما صنع نزار قباني في هجائه لليهود من خلال ذمه وشتمه لأنبياء بني إسرائيل وكتبهم، يصنع محمود درويش مثل صنيعه، في قوله:
(علق سلاحك فوق نخلتنا لأزرع حنطتي
في حقل كنعان المقدس. . . خذ نبيذًا من جراري
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٧٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٩١.
(٣) المصدر السابق: ص ٦٣٤ - ٦٣٥.
[ ٢ / ١٢٨٤ ]
خذ صفحة من سِفْر آلهتي وقسطًا من طعامي
وخذ الغزالة من فخاخ غنائنا الرعوي، خذ
صلوات كنعانية في عيد كرمتها، وخذ عاداتنا. . .
هذا غيابي سيد يتلو شرائعه علي
أحفاد لوط، ولا يرى لسدوم مغفرة سواي. . .
وسدى افتش عن غيبابي، فهو أبسط من حمير
الأنبياء تمر فوق السفح حاملة سماءً للأنام. . .
ورأيت بابًا للخروج، رأيت بابًا للخروج وللدخول
هل مر نوح من هناك إلى هناك لكي يقول
ما قال في الدنيا: لها بابان مختلفان، لكن الحصان يطير بي) (^١).
ولزميله الشيوعي الآخر معين بسيسو خوض واغتراف في هذا الوجه لانحراف، ومن ذلك قوله:
(للذي بعدي السموات: امرأة
وأنا لي الأنبياء
آه ما أحلى السماء
حين يطرد منها الأنبياء) (^٢).
وقوله:
(تفاجئني الأرض
يا وردة في كتاب
_________________
(١) أحد عشر كوكبًا: ص ٥٧ - ٦١.
(٢) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص ٥٧٦.
[ ٢ / ١٢٨٥ ]
سلام التراب
معلمة الأنبياء القراءة
سلام التراب سلام السحابة) (^١).
وثالثهم الماركسي المتعصب سميح القاسم له مقطوعة بعنوان "يهوشع بن نون" قدم فيها بمقدمة من العهد القديم، عن هذا النبي الكريم جاعلًا منه مجرد قائد عسكري يهودي، ثم يذم اليهود من خلال ذمه لهذا النبي الكريم كما فعل أدونيس وقباني من قبل، يقول سميح:
(لا تركعوا. . لا ترفعوا أيديكم إلى السماء
تدمرت واندثرت أسطورة السماء. . .
يهوشعٌ مات
فلا تستوقفوا الشمس، ولا تستمهلوا الغروب
سور أريحا شامخ في وجهكم إلى الأبد. . .
يهوشعٌ راح ولن يؤوب
يهوشعٌ مات!!) (^٢).
وماذا أفلحت هذه الخطابيات والشتائم الحداثية؟.
لقد استمسك اليهود بدينهم المحرف واعتزوا بأنبيائهم وكتابهم، في الوقت الذي تخلى فيه هذا الفلسطيني وأشباهه من العرب وأبناء المسلمين عن دينهم ورسولهم وكتابهم فأذلهم اللَّه غاية الإذلال، سواء في وقت إعلانهم المناوءة لليهود، أو في هذا الوقت الذي استسلموا فيه وخضعوا، ولا منجى من هذا الذل بالشتائم والهجاء ولا باستقبال البيت الأحمر أو الأبيض، بل النجاة في الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة والعمل الصالح
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٦٦٥ - ٦٦٦.
(٢) ديوان سميح القاسم: ص ٩٩ - ١٠١.
[ ٢ / ١٢٨٦ ]
الصائب والجهاد واستقبال قبلة المسلمين واستدبار كل ما عداها.
أمّا نبي اللَّه يوشع بن نون فإن شتمه كفر والاستهانة به ضلال، وقد قال فيه النبي -ﷺ-: "إن الشمس لم تحبس على بشر إلّا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس" (^١).
ومن شتائم هذا الماركسي قوله عن نبي اللَّه عيسى ﵊:
(رأيت سائحين
وبائعًا يصيح
من يشتري المسيح
بحفنتي طحين) (^٢).
وقد سبق ذكر مقطوعته التي بعنوان "أبطال الرواية" والتي ملأها بالتهكم والاستهزاء بأنبياء اللَّه محمد وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، والسخرية بأعمالهم وأقوالهم ومعجزاتهم (^٣)، ومن أشنع أقواله الدالة على انغماسه في هذا اللون من الانحراف ما جاء فى وصفه لهيروشيما والدمار الذي لحقها من القنبلة النووية، حيث يقول:
(من أي أعماق البشر
يتفجر الموت الزؤام على البشر؟
ولأي كهف ينزوي اللَّه المعفر بالغبار
وبالدخان وبالشرر؟
_________________
(١) أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة ٢/ ٣٢٥، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٣٢٣: انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري.
(٢) ديوان سميح القاسم: ص ٢٠٧.
(٣) انظر: المصدر السابق: ص ٣١٧ - ٣٢٣.
[ ٢ / ١٢٨٧ ]
وبأي معراج يلوذ الأنبياء الصالحون
غداة تربد الصور؟
بالحظ؟ بالمقسوم؟ بالمكتوب في غيب القدر؟!) (^١).
وقوله:
(يا صغار الأنبياء!
يا رواة حفظوا كل أساطير السماء
شيدوا البرج فقد نادى الإله
وبكى "نوح" على الطوفان. . طوفان الدماء) (^٢).
ومن أقوال محمد الفيتوري التي ضارع فيها غيره من الحداثيين في الاستهانة بالرسل والرسالات قوله:
(ولئن القدر السيد عبد يتأله
والنبوات مظلّة
والديانات تعله
هب من كل ضريح في بلادي
كل ميت مندثر
كل روح منكسر
ناقمًا على البشر
كل أعداء البشر
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٢٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٧٢.
[ ٢ / ١٢٨٨ ]
كافرًا بالسماء، والقضاء والقدر) (^١).
وقوله:
(ويطل يسوع
الثلج يغطي بردته البيضاء:
- ها أنت أتيت
غريبًا يقطر وجهك حزنًا
مسيرة ألفي عام
لا خبزك أنت ولا ملح الأديان
الحق أقول. .
الخالق والمأساة هو الإنسان
ويغيب يسوع
وتلوح وجوه الاثني عشر
- الأسفار اهترأت) (^٢).
هذا في سخريته واستخفافه بالمسيح عيسى بن مريم، أما سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فقد نال منه في قوله:
(وناح آصف، وغاصت
دودة في عرشها
وقفزت جراده، وسقطت جراده
_________________
(١) ديوان الفيتوري ١/ ١١٣.
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
[ ٢ / ١٢٨٩ ]
وانفجرت دويبة الأرض من الضحك
حين تهالكت فجأة عصا الملك
أكان مجنونًا؟
أكان عاقلًا؟
أكان قديسًا؟
أكان قاتلًا؟) (^١).
بل كان كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ (^٢)، وقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ (^٣).
ويقول ممدوح عدوان:
(أنا وقفة النخل الأبية
في عناق الموت
لم أنبت بمعجزة:
ولم يُعل النبي مقامه في تربتي
أرضي مهلهلة) (^٤).
ويقول:
(إن اخوة يوسف صاروا سماسرة
لدموع أبيهم
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٥٨٣ - ٥٨٤.
(٢) الآية ١٥ من سورة النمل.
(٣) الآية ٣٠ من سورة ص.
(٤) الأعمال الشعرية الكاملة لممدوح عدوان ٢/ أمي تطارد قاتلها: ص ٥٩.
[ ٢ / ١٢٩٠ ]
وصاروا أباطرة
بقميص أخيهم. . .
إني تبرأت من أول الكلمات
إلى آخر الصفقات
ومن أول الأنبياء
إلى صنم التمر) (^١).
وفي رواية مدن الملح يقول عبد الرحمن منيف: (لم يكن وصول باخرة النبي سليمان، أو باخرة الشيطان، كما اطلع عليها ابن نفاع ثم مغادرتها بعد غروب اليوم التالي، السبب الوحيد في أن يمتنع الرجال عن البدء بإنشاء المدينة الجديدة. . .) (^٢).
وفي حوار آخر في أحد أجزاء هذه الرواية نقرأ ما يلي:
(ولما ضحك السلطان أضاف ابن البخيت:
- وما هو بس كذا يا طويل العمر، أنا بزماني سمعت الأصقى،
وحكّيت الموتى، وبمصر سويت اللي ما يتسوى!
قطب السلطان جبينه وقال. . يجد مصطنع:
- وشنهو عندك بعد يا عيسى بن مريم ويا موسى ابن. . .
وضحك بقهقهة، وبعد قليل:
- صحيح يا ابن بخيت: شنهو اسم أبو موسى؟
ودارت عينا عبد اللَّه البخيت مثل هر محاصر، وتساءل:
صحيح. . موسى بن من؟
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ لابد من التفاصيل: ص ٤٣ - ٤٤.
(٢) مدن الملح ١ - التيه: ص ٢١٢.
[ ٢ / ١٢٩١ ]
وبعد أن ضحك وضحك السلطان، قال عبد اللَّه البخيت بصوت متآمر:
- أحسن شيء، يا طويل العمر، أن الواحد ما يقترب من الأنبياء، لأن هذولي يشوّرون، ولا يحتملون كلمة زايدة أو كلمة ناقصة!
- القول قولك يا بو بادي!
أمّا السبب الثاني الذي دعا السلطان لأن يكون عبد اللَّه البخيت مع فنر، فهو عمير، إذ يريده أن يخرج عمير من رأس فنر نهائيًا.
قال له يوصيه:
- هذا ابني، يا عبد اللَّه، اريده يكون سلطان، ما اريده ينتهي:
قال اللَّه وقال رسوله، يلزم يعرف شنهو اللي قاله اللَّه والرسول
لكن عنده ألف قضية وقضية غير هذي، وتنفس وصمت، وبعد فترة:
- ترى عمير وأمثاله يخربون ديرة، ويحوسون عشيرة وحجتهم:
قال اللَّه وقال رسوله، وحنا بهذا الزمان نعرف دربنا، ما نريد عمير وأمثاله يحكمونا، ولا نريدهم يسوونا مثل الكدش: البراقع حول عيوننا ويقولون امشوا) (^١).
في هذا الحوار يتبين لنا استهانة المؤلف بالأنبياء والسخرية القذرة بهم، ثم التعقيب على ذلك بالدعوة إلى العلمانية والهروب من سلطة الدين ومن العلماء المسلمين وتأثيرهم.
ومن هذا القبيل أيضًا قوله على لسان إحدى شخصيات روايته:
(إذا لم يبك الأطفال من الجوع والألم، فلابد أن تكون عندهم أسبابهم
وبعد قليل وبسخرية:
_________________
(١) مدن الملح ٣ - تقاسيم الليل والنهار: ص ٢٥٦ - ٢٥٧.
[ ٢ / ١٢٩٢ ]
- ربّما يريدون أن يصبحوا ملوكًا أو أنبياء بسرعة. . .) (^١).
وفي رواية "الخبز الحافي" يقول مؤلفها، في وصف حالة دعارة مع إحدى العاهرات: (. . . لم تقبض علي بمقصها، تمددت مثل تونة كبيرة، سمعت أن النبي يونس ابتلعه الحوت) (^٢).
ولا وجه للربط بين هذه الحالة الداعرة التي يصفها وقصة ابتلاع الحوت ليونس ﵇، إلّا إرادته الواضحة في تدنيس اسم هذا النبي الكريم وإلحاق وصفٍ حقير به.
وفي روايته هذه المملوءة بالقذارة والدعارة والكفر والفجور، صورة حقيقية لحياة حداثي علماني يتقلب من السرقات إلى الحشيش إلى بيوت الداعرات، وفي الجزء الثاني من الرواية والتي بعنوان "الشطار" يقول: (فكرت لنفسي: إن الأنبياء لم يكونوا في حاجة إلى من يعلمهم، كل شيء كان ينزل عليهم جاهزًا، أمّا من ليس منهم ينبغي أن يتعلم، مثله مثل القرود) (^٣).
أمّا رواية مسافة في عقل رجل فقد نقلت من أقواله في هذا الصدد كثير فأغنى عن إعادته (^٤)، وكذلك رواية سقوط الإمام (^٥).