سبق أن بينا في مواضع عديدة من هذا البحث كيف استخدم الجاهليون الأوائل والمعاصرون أساليب الذم والشتم وإلصاق الألقاب الكاذبة والأوصاف الخاطئة بالإسلام وأهله، وكيف أنهم من خلال أسلوب ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (^٢)، أغلقوا عقولهم وقلوبهم واستغشوا ثياب أوهامهم للمضادة والمعاندة، وهي طريقة تواصى بها الأقدمون من أعداء هذا الدين القويم، ويتواصى بها خلفهم من المحدثين المعاصرين، تواصيًا يعتمد على إيجاب إغلاق العقول والآذان والبصائر عن سماع القرآن؛ لأنه -كما يزعمون- مجرد خرافة وأساطير، وذلك لعجزهم عن مغالبة حقائقه وتأثيره في أنفسهم وفي نفوس الجماهير ادعوا -كاذبين مفترين- أن القرآن رمز للتخلف والتحجر والرجعية والأسطورية، وأن القضايا التي أتى بها الوحي المعصوم لا تصلح لهذا الزمان أو أنه يجب تفسيرها وفق أهواء العصر وأخلاطه هذا عند المعتدلين منهم، أمَّا الذين غلوا في الكفر والإلحاد فإنهم يسعون لإقصائه بالكلية وإبادته من الوجود، وكلا الموقفين من الجاهليين المعاصرين من باب ﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
_________________
(١) موسوعة الفلكلور والأساطير العربية لشوقي عبد الحكيم: ص ١٠ - ١١.
(٢) الآية ٢٦ من سورة فصلت.
[ ٢ / ١٤٩٣ ]
إنها حيلة العاجز الضعيف، نراها مطبقة اليوم في أساليب أهل الحداثة والعلمنة، مهاترات كلامية هابطة، ودعاوى علمانية كاذبة، وافتراءات حداثية عاجزة، يلغون بالقصص والروايات، ويلغون بالشعر الحديث وغير الحديث، ويلغون بالنقد التبجيلي ويلغون بالمؤتمرات والندوات والملاحق والأمسيات والدوريات والمجلات، والأندية الأدبية والثقافية، ويلغون بالبهرج الإعلامي، والإغراءات المادية والمعنوية لذوي النفوس الضعيفة والعقول البسيطة، ويلغون بالصياح والنعيق ضد كل مسلم يتصدى لباطلهم، ويلغون باستعداء ذوي القوة والسلطان، ولكن هذا كله "لغو" زائل، وزبد يذهب جفاء ورماد تطير به الريح، والغلبة للقرآن الذي تواصوا أن يلغوا فيه؛ لأن القرآن العظيم يحمل سر الغلب، إنه الحق، والحق غالب مهما جهد المبطلون، وإنه اليقين، واليقين غالب مهما تكاثرت الشكوك والظنون، وإنه الهدى، والهدى منتصر مهما ادلهمت ظلمات الضياع.
ولست أقول هذا القول لمجرد أنه عقيدة أوقن بها، بل ولأنه مع ذلك هو الواقع الذي شهده المسلمون الأوائل عندما واجههم الكفار الأوائل بجنس ما يعمله المتأخرون المعاصرون.
وقد انتصر القرآن على لغوهم وباطلهم ومكائدهم المتنوعة وانتشر هداه في أرجاء الدنيا، وسينتصر القرآن اليوم على اللغو الحداثي والمكائد العلمانية والأباطيل الإلحادية، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (^١).
والآن نستعرض أمثلة للغو الحداثي في هذا الركن من أركان الإيمان، وبه نستبين مقدار عداوتهم لدين الإسلام جملة وتفصيلًا.
يقول الباطني الوثني الملحد أدونيس:
(من أنا. . أي عُصافَه
تخذت شكل خرافه
_________________
(١) الآية ٨ من سورة الصف.
[ ٢ / ١٤٩٤ ]
وسخ السديم
والموت والعبث الصميم
والمستحيل
كتل من القدر المجلد في شراييني تسيل
صوت: (مختلطًا بالصدى)
ذاك، ذاك الوسخُ
في جبين الناس في كل غدير تسخُ) (^١).
ويقول في موضع آخر:
(ماذا؟ أليس عن القدر
نسخ البشر
سفر الوقائع والمصير
وتفكروا وتبصروا
فهنا الحقيقة كالنفاضة لوثت طرف الحصير
وهنا الضحى يتحلزن
فوضى: صباح لا يرى وألوهة تتوثن) (^٢).
ففي المقطع الأول جعل القدر وسخًا يرسخ في جبين الناس، وفي الثاني جعل القدر مجرد نسخ بشرية، ونفاضة ملوثة وصباح لا يأتي لا يرى. وهي عبارات مهاترة تدل على ما هناك من حقد دفين وضلال مكين.
أمَّا محمود المسعدي، الحداثي التونسي فإنه يجعل الإيمان بالقدر ضيقًا وتحجرًا، وذلك حسب النظرية الحداثية الأفاكة، يتحدث واصفًا تتلمذه
_________________
(١) الأعمال الشعرية لأدونيس ١/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٩٢.
[ ٢ / ١٤٩٥ ]
على يد الفرنسيين في اعتزاز مهين، ثم يقارن ذلك بثقافته التي نشأ عليها في بلاد المسلمين في انتقاد موجع، فيقول: (انطبعنا على تحديد للإنسان، ضيق متحجر، فنحن من خلق اللَّه وما جاد به الخالق يسيره القدر، أي اللَّه) (^١).
وقد سبق نقل كلام جابر عصفور، الذي نعت القدر الذي يؤمن به أهل الإسلام بأنه (جبر ميتافيزيقي يجعل الزمن الدائري هابطًا أبدًا. . .) (^٢).
ثم يواصل جاعلًا الإيمان بالقدر مهانة وتخلفًا وانحدارًا، فيقول: (وإذا كان الإنسان مخلوقًا واهيًا لا يفارق تكوينه قدرية مساره، ولا يفارق مساره جبرية انقياده، فلا سبيل أمامه سوى أن يسلّم زمامه إلى غيره متبعًا، مقلدًا، فقدره المقدورد في زمانه المحتوم لا يعني سوى الوصاية الدائمة على فعله، والتحديد المسبق لمسار قدرته، والتوجيه القبلي لحركة عقله، على نحو يغدو معه هذا الإنسان سجينًا متعدد السجون حركته اتباع لما ليس اختياره، وإبداعه تقليد لما ليس من صنعه) (^٣).
ولو أردنا أن نسأل جابر عصفور الذي أطلق هذه العبارات المليئة بالاعتراض والذم للإسلام عامة ولعقيدة القضاء والقدر خاصة؛ أن نسأله عن نفسه باعتباره أحد أتباع الفكر الغربي المادي، إلى أي مدى انساق في مساره الفكري نحو الغرب؟ وإلى أي حد وصل عمق الوصاية الفكرية الغربية المادية على عقله؟ وإلى أي نهاية وصلت به الاتجاهات العقلية المستأسرة للغرب؟.
أليست هذه هي السجون الحقيقية التي وضع نفسه فيها؟
أمَّا آفاق الإيمان والتوحيد والحق والخير والفضيلة فإنه لا يبصرها؛ لأن الطرف الأعمى لا يبصر الشمس، والعقل الضعيف لا يدرك إلّا بعض المحسوسات، فلا سبيل أمامه إزاء هذه المقولات المادية التي يتشدق
_________________
(١) رأيهم في الإسلام: ص ١٥٥.
(٢) و(^٣) الإسلام والحداثة: ص ١٨٢.
[ ٢ / ١٤٩٦ ]
بها، ويجعلها ميزانًا يزن بها أمور العقل والمنطق والحق والبرهان، إلّا أن يكون في انحدار بهيمي دائم، وانزلاق مادي متواصل يقوده هو وأشباهه نحو الحضيض فكرًا وعقيدة وسلوكًا؛ لأن الأساس الذي أقاموا عليه عقيدتهم وفكرتهم هو كما أخبر اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^١)، وإزاء ذلك وضعهم اللَّه تعالى موضعهم المناسب فقال ﷾: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ (^٢).
ترى ما القيمة التي يُمكن أن ينطوي عليها إنسان يعيش بهذه التصورات الأرضية والطموحات المادية؟، لا ريب أنه يتحول إلى مخلوق مهين، وإن ادعى أنه متفوق وعقلاني ومتقدم وعصري!!.
فهذا كله من باب ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ فهم وإن تطاولوا وادعوا وتعالموا وتعقلنوا ليسوا إلّا في حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع، في دوامة من الأمل والمطامع يتلهون بها، ويغرون ذواتهم ويخادعون غيرهم، وخاصة حين يظهرون أنفسهم أنهم مفكرون وعقلانيون ومجددون وتقدميون!!.
وفي دوامة هذه الآمال الملهية تمضي أعمارهم وأعمالهم وهم يحاربون الحق بالباطل والحقيقة بالكذب والفضيلة بالرذيلة!.
والأمل الشيطاني البراق يلوح لهم ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ (^٣)، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (^٤).
وإذا تأملت الآمال الحداثية والعلمانية التي غرق في دوامتها هؤلاء
_________________
(١) الآية ٢٤ من سورة الجاثية.
(٢) الآية ٣ من سورة الحجر.
(٣) الآية ١٨ من سورة المجادلة.
(٤) الآية ٣٠ من سورة الأعراف.
[ ٢ / ١٤٩٧ ]
الإمّعات، وجدت عجبًا من أسواق جاهلية تتسمى باسم الثقافة والفن في هيئة ندوات وأندية ومجلات ومؤتمرات ومناهج ومذاهب وأنظمة، ليس فيها ومعها إلّا الأمل القاتل، يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع الكاذبة، ويملي لهم فيحسبون أنهم قد رسخوا في الأرض إلى الأعماق، وأنهم اجتثوا شجرة الإسلام العريقة، وأنهم محصلون ما يطمعون إليه لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم عنه مانع، ولذلك قال اللَّه تعالى عنهم: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ويكتشفون وهم في غاية الحسرة والذل أن آمالهم الرمادية تلاشت وطموحاتهم السرابية تبددت، ولكنهم لا يعلمون ذلك إلّا بعد فوات الأوان.
ويصل خطاب الحداثة إلى تخوم الوثنية الجاهلية حين يصور أنه بمستطاع الحداثي الجاهلي المعاصر أن يتجاوز حقائق الكون الكبرى، ويتخطى نواميس الحياة التي وضعها خالق الحياة، فهم بمثابة الصغير الذي يخيل له أنه بتحريك يديه كهيئة الطير يستطيع أن يبلغ الآفاق، وما لهم من مغزى إلّا محاربة الدين القويم بأي شكل من الأشكال ولو أظهر ذلك في عته فكري أو تخلف عقلي.
(وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟ واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟. وتخاطر له بسفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب، فما كان إلّا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه ثم لا يزال النور ينبسط على غطائه) (^١).
وأمثل نص يصور هذه الحقيقة ما قاله جابر عصفور: (ومن اللافت للانتباه أن الخطاب المعادي للحداثة لا يصل إلى ذروته وأقصى عنفه إلّا إزاء النص الشعري، الذي يعبث بتصوراته النقلية عن الإنسان، أعني النص الشعري الذي يحرك الرعب الاجتماعي من الحداثة، وينطق رفض المقولة
_________________
(١) تاريخ آداب العرب للرافعي ٢/ ٢٩.
[ ٢ / ١٤٩٨ ]
المضمنة عن الإنسان المجبور، فيفجر صورة الإنسان الخانع، الراضي بما قسم له ويستبدل بها صورة إنسان آخر، مختار، مريد، قلق، متوهج برغبته في التجاوز، متهلب بحلمه في الصعود إلى ما ينفي به جبرية سجنه في طقس القدر، وتقليدية معرفته في طقس الوطن. . .) (^١).
ومن أمثلة ذم القدر والاعتراض عليه قول نازك الملائكة:
(تفجري يا مياه
تفجري فوق قبور البشر
تفجري في الصخر
وسجلي مأساة هذي الحياة
فوق جبين القدر) (^٢).
أمَّا البياتي فيجعل الثورة على القضاء مطلبًا للحياة، وذلك في قوله:
(فعد لنيسابور
لوجهها الآخر، يا مخمور
وثر على الطغاة والآلهة العمياء
والموت بالمجان والقضاء) (^٣).
ولنزار قباني مقطوعة بعنوان "خبز وحشيش وقمر" ملأها بالسباب والتهكم بجملة من مقومات حياة المسلمين، الاعتقادية والعملية والثقافية والسلوكية، ومن هذه المقطوعة قوله:
_________________
(١) الإسلام والحداثة: ص ١٩٣ ثم يستشهد على كلامه هذا بمقطوعة لعبد اللَّه الصيخان بعنوان "كيف صعد ابن الصحراء إلى الشمس" من ديوانه هواجس في طقس الوطن: ص ١٠ حيث اعتبرها جابر عصفور مثالًا للتمرد والثورة على الإسلام والقدر. انظر: الإسلام والحداثة: ص ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) ديوان نازك الملائكة ٢/ ١٥٩.
(٣) ديوان البياتي ٢/ ٨٠.
[ ٢ / ١٤٩٩ ]
(ما الذي يفعله قرص ضياء؟
ببلادي، ببلاد الأنبياء، وبلاد البسطاء
ماضغي التبغ وتجار الخدر
ما الذي يفعله فينا القمر؟
فتضيع الكبرياء
ونعيش لستجدي السماء
ما الذي عند السماء؟
لكسالى ضعفاء
يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر
ويهزون قبور الأولياء
علها ترزقهم رزًا وأطفالًا قبور الأولياء (^١)
ويمدون السجاجيد الأنيقات الطرر
يتسلون بأفيون نسميه قدر
وقضاء
في بلادي في بلاد البسطاء) (^٢).
وتذكر هذه الشتائم بقاموس الشتائم الماركسية والناصرية ضد الإسلام أيام طغيان موجة الاشتراكية في البلاد العربية، وقد زالت الماركسية والناصرية، واجتثت من فوق الأرض بأيدي أبنائها، وسوف تلقى شجرة الحداثة والعلمانية والليبرالية المصير نفسه ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (^٣)، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
_________________
(١) قبور الأولياء أو الأنبياء لا ترزق ولا يملك أصحابها لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، وإقحامه هذه الظاهرة المنافية للإسلام في هذا السياق يدل على جهل بالإسلام الصحيح، أو يدل على خلط متعمد لغرض التشويه والتدنيس.
(٢) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦ و٣/ ١٩.
(٣) الآية ١٨ من سورة الأنفال.
[ ٢ / ١٥٠٠ ]
الْأَرْضِ﴾ (^١)، أمَّا السخرية والشتائم فإنها لا تغير من الحقيقة شيئًا بل تدل على إفلاس الشاتم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (^٢).
ويقول نزار قباني ذامًّا القدر ومعلنًا ثورته عليه وعلى المؤمنين به:
(جميع أقاربي موتى
بلا قبر ولا كفن
أبوح لمن؟ ولا أحد
من الأموات يفهمني
أثور أنا على قدري
على صدأي على عفنى) (^٣).
ويجعل الإيمان بالقضاء والقدر، والقناعة بما كتبه اللَّه سببًا للتخلف والمهانة والهزيمة، وذلك في معرض تباكيه على هزيمة حزيران التي ما كانت إلّا بسبب التخلي عن الدين ومعاداته ومحاربة علمائه ودعائه، يقول نزار:
(حرب حزيران انتهت
كأن شيئًا لم يكن
لم تختلف أمامنا الوجوه والعيون
محاكم التفتيش عادت والمفتشون. . .
. . . ونحن قانعون
بالحرب قانعون والسلم قانعون
_________________
(١) الآية ١٧ من سورة الرعد.
(٢) الآية ٩٥ من سورة الحجر.
(٣) الأعمال الشعرية لنزار قباني ١/ ٥٨٨.
[ ٢ / ١٥٠١ ]
بالحر قانعون والبرد قانعون
بالعقم قانعون والنسل قانعون
بكل ما في لوحنا المحفوظ في السماء
قانعون
وكل ما نملك أن تقول:
إنا إلى اللَّه لراجعون) (^١).
وإضافة إلى سخريته بالقضاء والقدر وجعل الإيمان به سببًا للهزيمة إضافة إلى ذلك أضاف اللوح المحفوظ إلى الخلق إمعانًا في التهكم، واللوح المحفوظ لا تصح إضافته على هذه الشاكلة.
وفي سياق شعوبيته المترعة بكراهية العرب والمسلمين يقول بعد أن سبّ اللغة العربية ومعاجمها:
(حاولت أن أقلعكم
من دبق التاريخ
من رزمانة القدر
ومن قفا نبك
ومن عبادة الأحجار
حاولت أن أفك عن طراودة حصارها
حاصرني الحصار) (^٢).
أمَّا الحداثي اليماني عبد العزيز المقالح فإنه يعد القدر سجنًا، وذلك في قوله:
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١١٩.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٣٠٦.
[ ٢ / ١٥٠٢ ]
(تقدمتُ في موكب الشمس
أطلقته من سجون القدر) (^١).
وبنظرة اشتراكية يناقش المقالح -باعتراض صارخ- تفاوت الناس في أرزاقهم، ويسأل -في تذمر- لماذا تتفاوت أقدار الناس، فيقول:
(قال خطيب الجمعة:
الناس لآدم. . . آدم مجبول من طين
كان على مقربة منه ثري يتباهى
وبقربي إنسان محني الظهر حزين
عار يتلوى جوعًا
إن كان الناس لآدم فلماذا
تتفاوت أقدار الأبناء؟
ابن محظوظ! محظوظ!
والآخر مسكين! مسكين!) (^٢).
أمَّا محمد الماغوط فله أسلوبه الخاص في ذم القدر والاعتراض عليه، وذلك في قوله:
(أين الشفاه التي قبلتها؟
والنهود التي داعبتها؟
كان القدر يصوب مسدسًا إلى ظهري
ويسلبني كل شيء في وضح النهار) (^٣).
_________________
(١) ديوان المقالح: ص ٣٥٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٩٣.
(٣) الآثار الكاملة للماغوط: ص ٢٤٦.
[ ٢ / ١٥٠٣ ]
وفي قوله:
(لا تصفعني أيها القدر
على وجهي امتار من الصفعات
ها أنا
والريح تعصف في الشوارع
أخرج من الكتب والحانات والقواميس
خروج الأسرى من الخنادق) (^١).
وفي قوله:
(والنسيمات الصغيرة تدفعه
من صخرة إلى صخرة
ومن سهل إلى آخر
وهو مشيح عنها، مستسلم لها
كبغيٍّ في معسكر
إنه يحن إلى معركة أخيرة
مع القدر
مع العاصفة
مع ذبابة) (^٢).
أمَّا محمد الفيتوري فإنه في معرض "زنجيته" يتحدث عن أرض أفريقيا الباكية -حسب تعبيره- لكونها تحت رحمة البشر وتحت إرادة السماء والقدر، وهي صيغة اعتراض صريحة على القضاء والقدر وتهكم واضح بالدين، وذلك في قوله:
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٣٢٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٣٠.
[ ٢ / ١٥٠٤ ]
(ذات يوم أبصرت أرضي حقول الأنبوس الجارية
وهي تبكي في سكون وضجر
تحت رحمة البشر
وإرادة السماء والقدر) (^١).
ولكنه في موضع آخر يصرح بسبه للأقدار قائلًا:
(المأساة الأقدار
كيف أراها. . تلك الأقدار تعذبني
تلك الأشباح القدسية) (^٢).
أمَّا الوجودي الداعر محمد شكري الذي اعترف في كتبه بألوان من العهر والتفسخ ما لا يضاهيه فيه إلّا رشيد بوجدره ونزار قباني، يقول محمد شكري في روايته "الشطار" في سياق محتشد بالضلال والإلحاد والفساد، ونأخذ منه ما يخص هذا المقام يقول: (لست أدري لماذا يقسو القدر على الطيبين ويحالف الأشرار؟) (^٣).
هذه النصوص غيض من فيض العفونات الحداثية المترعة بجحد القدر وذمه والاعتراض عليه وجعل الإيمان به تحجرًا وسذاجة وانهزامًا.