أن الناس تنازعوا في جواز التقليد في مسائل أصول الدين، لمن يجوز تقليده في الدين من أئمة المسلمين المتبعين فيما يقولونه لما ثبت عن المرسلين، كما يقلد مثل هؤلاء في فروع الدين.
فأما التقليد في الأمور التي يقولون: إنها عقليات وإنها معلومة بالعقل يحتاج فيها إلى تأويل السمع، وإنها من أصول الدين، فما نعلم أحدًا جوز التقليد في مثل ذلك، بل الناس فيها قسمان: منهم من ينكرها على أصحابها ويبين أنها جهليات لا عقليات، ومنهم من يقول بل
_________________
(١) = انظر: "روضة الناظر، وجنة المناظر" لابن قدامة ص: ٢٠٥ - ٢٠٦. و"الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي ٤/ ٢٢١.
(٢) التقليد الباطل المذموم الذي حرمه الله ورسوله واتفق المسلمون على تحريمه أشار إليه الشيخ -﵀- في مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٦٠ - ٢٦٢، ٢٠/ ١٥ - ١٨.
(٣) في الأصل، س: "الناس" والمثبت من ط، وهو ما يستقيم به الكلام.
[ ١ / ١٩٥ ]
[من] (١) نظر في أدلتها العقلية علم صحتها.
فأما أن يقول قائل: إن هذه الأمور التي تنازعت فيها الأمة، وادعى كل فريق أن الحق معهم، إني أقلد من يدعي أن قوله معلوم بالعقل قبل أن أعلم صحة ما يقوله بالعقل، فهذا لا يقوله عاقل، فإن العقل لا يرجح في موارد النزاع قولًا على قول، وقائلًا على قائل إلّا بموجب.
أما مجرد التقليد لأحد القائلين بغير حجة، فلا يسوغ في عقل ولا دين، وإذا كان كذلك لم يكن لهم أن يسوغوا لأحد أن يقول هذا القول حتى يعلمه بأدلته العقلية، فكيف وقد أوجبوا اعتقاده إيجابًا مجردًا لم يذكروا عليه دليلًا أصلًا؟ وهل هذا إلّا في غاية المناقضة والتبديل للعقل والدين؟ فإن من أباح المحرمات من الأفعال كان خارجًا عن الشريعة، فكيف بمن أوجبها وعاقب عليها؟ وكيف (٢) إذا كان ذلك من الاعتقادات التي هي أعظم من الأفعال؟