أن هذا القول لو فرض أنه حق معلوم بالعقل لم يجب اعتقاده بمجرد ذلك، إذ وجوب اعتقاد شيء معين لا يثبت إلّا بالشرع بلا نزاع.
وأما (١) المنازعون فهم يسلمون أن الوجوب كله لا يثبت إلا بالشرع، وأن العقل لا يوجب شيئًا، وإن عرفه.
وأما من يقول: إن الوجوب قد (٢) يعلم بالعقل، فهو يقول ذلك فيما يعلم وجوبه بضرورة العقل أو نظره، واعتقاد كلام معين من تفاصيل مسائل الصفات لا يعلم وجوبه (٣) بضرورة العقل ولا بنظره، ولهذا اتفق عامة أئمة الإِسلام على أن من مات مؤمنًا بما جاء به الرسول، [و] (٤) لم يخطر على قلبه (٥) هذا النفي المعين، لم يكن مستحق للعذاب، ولو كان واجبًا لكان تركه سببًا لاستحقاق العذاب، وإن فرض أن بعض غالية الجهمية من المعتزلة ونحوهم، يزعم أن معرفة هذا النفي من الواجبات أو من أجلها، وأن من لم يعتقده من الخاصة والعامة كان مستحقًا للعذاب، أو فرض أن بعض الناس يقول: إن هذا الاعتقاد يجب على الخاصة دون العامة، فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإِسلام فساد القول بإيجاب هذا؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن النبي - ﷺ -، والصحابة والتابعين، وسائر
_________________
(١) = ٧/ ٣٥٨.
(٢) في س، ط: "أما".
(٣) في الأصل: "إذا". وأثبت ما رأيته مناسبًا للكلام من: س، ط.
(٤) في الأصل: "بوجوبه" ولعل ما أثبت من: س، ط، هو المناسب للسياق.
(٥) ما بين المعقوفتين زيادة أثبتها لتوضح المعنى.
(٦) في س، ط: "بقلبه".
[ ١ / ٢٠٥ ]
أئمة المسلمين، لم يوجبوا اعتقاد هذا النفي لا على الخاصة، ولا على العامة، وليس وجوب هذا من الحوادث التي تجددت، فإن وجوب هذا الاعتقاد على الأولين والآخرين سواء [لوجوب] (١) اعتقاد أنه (٢) لا إله إلّا الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور (٣).
وإذا كان معلومًا (٤) بالاضطرار عدم إيجاب الشارع لهذا الاعتقاد، كان دعوى وجوبه بالعقل مردودًا، فإن الشارع أقر الواجبات العقلية، وأوجبها، كما أوجب الصدق والعدل، وحرم الكذب والظلم، وإذا كان وجوب هذا القول منتفيًا، لم يكن لأحد أن يوجبه على الناس، فضلًا عن أن يعاقب تاركه، ويجعل (٥) محنة، من وافقه عليه والاه، و[من] (٦) خالفه فيه عاداه (٧)، وهذا المسلك هو أحد ما سلكه العلماء (٨) في الرد
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٢) "أنه" ساقطة من: س.
(٣) بعد كلمة "القبور" بياض في: س، ط، بقدر كلمة، ولعله نهاية كلام وبداية آخر.
(٤) في الأصل، س: "معلوم". وأثبت ما رأيته الصواب من: ط.
(٥) في س، ط: "يجعله".
(٦) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٧) في الأصل: "وعاداه"، وأثبت ما رأيته الصواب من: س، ط.
(٨) مثل الإِمام أحمد بن حنبل -﵀- عندما امتحن بالقول بخلق القرآن في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وما أصابه من الحبس الطويل، والضرب الشديد، والتهديد بالقتل وسوء العذاب وأليم العقاب، بإيعاز من جلساء السوء كابن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم نائب بغداد وغيرهما، وقد صبر -﵀- على ذلك وأصر على القول "بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق" المستمد من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، كما أوضحت ذلك مفصلًا أثناء الدراسة لهذه المسألة عند الكلام على فتنة القول بخلق القرآن. وكالإمام أحمد بن نصر الخزاعي، والذي امتحن بالقول بخلق القرآن في خلافة الواثق، وأصر على القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فقتله =
[ ١ / ٢٠٦ ]
على الجهمية الممتحنين للناس، كابن أبي دؤاد (١) وأمثاله، لما (٢) ناظرهم من ناظرهم قدام الخلفاء، كالمعتصم (٣)، والواثق (٤)، فإنهم بينوا لهم أن القول الذي أوجبوه على الناس، وعاقبوا تاركه، وهو القول بخلق القرآن لم يقله النبي - ﷺ - ولا أحد من خلفائه، وأصحابه، ولا أئمة المسلمين وعامتهم، ولا أمروا به، ولا عاقبوا عليه، ولو كان من الدين الذي يجب دعاء الخلق إليه وعقوبة تاركيه، لم يجز إهمالهم لذلك، وإن القائل (٥) لهذا القول، لو فرض أنه مصيب، لم يكن له أن يوجب على
_________________
(١) = ضربًا بالسيف -﵀- بعد تحريض من القاضي أحمد بن دؤاد الجهمي سنة ٢٣١ هـ، وعبد الرحمن بن إسحاق، ولقد ذكره الإِمام أحمد -﵀- يومًا فقال: "ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له". راجع: تاريخ الطبري ٨/ ٦٣٧، ٦٣٩، ٦٤٤ و٩/ ١٣٥ - ١٣٩. ومناقب الإِمام أحمد -لابن الجوزي ص: ٣٨٥ فما بعدها. والبداية والنهاية -لابن كثير ١٠/ ٣٤٤ - ٣٤٦، ٣٧٤ - ٣٨١. وتاريخ بغداد -للخطيب البغدادي ٥/ ١٧٦ - ١٨٠.
(٢) في جميع النسخ: "ابن أبي داود". وما أثبت هو الصواب، وقد تقدمت ترجمته ص: ١٨١.
(٣) في الأصل: "بما" وأثبت من: س، ط، المناسب لفهم المعنى.
(٤) المعتصم: تقدمت ترجمته ص: ١٨١.
(٥) هو: أبو جعفر الخليفة هارون الواثق بن محمَّد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي، هلك بعلة الاستسقاء سنة ٢٣٢ هـ وكان ممن أساء إلى أهل السنة -هو وأبوه المعتصم وعمه المأمون- وقرب أهل البدعة والضلال من المعتزلة وغيرهم، وامتحن الناس في خلق القرآن وكانت ولادته ببغداد سنة ١٩٦ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للخطيب البغدادي- ١٤/ ١٥ - ٢١. والكامل لابن الأثير ٧/ ٢٩ - ٣١. والبداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٤٧، ٢٤٩. وشذرات الذهب -لابن العماد ٢/ ٧٥ - ٧٧.
(٦) في الأصل: "القول" وقد أثبت ما يستقيم به المعنى من: س، ط.
[ ١ / ٢٠٧ ]
الناس ويعاقبهم على ترك كل قول يعتقد أنه صواب، وهذا ما اتفق عليه المسلمون، وذلك يتضح بـ: