وذكر البخاري (١) في كتاب "خلق الأفعال" (٢) عن يحيى بن أيوب (٣)، قال: كنا يومًا (٤) عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية، فلم يحدثه به، قال (٥): إن لم تحدثني به فأنت جهمي. فقال مروان: أتقول لي: جهمي، وجهم مكث أربعين ليلة (٦) لا يعرف ربه؟! قال البخاري: وقال ضمرة (٧)، [عن] (٨) ابن شوذب:
_________________
(١) في خلق أفعال العباد ص: ٣٨ للبخاري قال: حدثني أبو جعفر، قال: سمعت يحيى بن أيوب قال:. . .
(٢) هو كتاب "خلق أفعال العباد والرد على الجهمية - للبخاري". ويعتبر من أنفس الكتب التي كتبها السلف -﵏- في الرد على المعطلة من الجهمية وغيرهم. وقد طبع الكتاب في دلهي عام ١٣٠٦ هـ بتحقيق شمس الحق عبد العظيم أبادي، وطبع بعد ذلك عدة طبعات. راجع بتصرف: تاريخ التراث العربي -لفؤاد سزكين- المجلد الأول -الجزء الأول- علوم القرآن والحديث ص: ٢٥٩، والمقدمة التي كتبها د. عبد الرحمن عميرة -محقق الكتاب- ص: ٢٤ - ٢٦.
(٣) هو: أبو زكريا يحيى بن أيوب المعروف بالمقابري البغدادي، أحد أئمة الحديث والسنة، وثقه غير واحد، ولد سنة ١٥٧ هـ، وتوفي سنة ٢٣٣ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ١٤/ ١٨٨ - ١٨٩. وطبقات الحنابلة -لابن أبي يعلى- ١/ ٤٠٠ - ٤٠١. وشذرات الذهب -لابن العماد- ٢/ ٧٩.
(٤) في خلق أفعال العباد: ". . ذات يوم. . ".
(٥) في خلق أفعال العباد: ". . فقال له. . ".
(٦) في خلق أفعال العباد: "يومًا".
(٧) هو: أبو عبد الله ضمرة بن ربيعة الرملي من أهل دمشق، الإِمام الحافظ القدوة، محدث فلسطين، قال عنه الإِمام أحمد: ذلك الثقة المأمون رجل صالح مليح الحديث. توفي سنة ٢٠٢ هـ. راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد- ٧/ ٤٧١. وتهذيب ابن عساكر - ٧/ ٣٩ - ٤٠. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٩/ ٣٢٥ - ٣٢٧.
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط من جميع النسخ. والمثبت من: "خلق أفعال العباد ص: ٣١ " وهو سهو من الناسخ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
ترك جهم الصلاة أربعين يومًا (١) على وجه الشك، فخاصمه بعض السمنية، فشك فأقام أربعين يومًا لا يصلي، قال ضمرة: وقد رآه ابن شوذب.
قال البخاري (٢): وقال عبد العزيز بن أبي سلمة (٣): كلام جهم صفة (٤) بلا معنى، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم.
وروى (٥) أبو داود [و] (٦) الخلال عن إبراهيم بن طهمان (٧)، قال: "ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه، ما أعظم ما أورث (٨) أهل القبلة من منطقه هذا العظيم" يعني جهمًا.
_________________
(١) "يومًا" ساقطة من: س.
(٢) خلق أفعال العباد ص: ٣٢. وقد ذكره الذهبي في: سير أعلام النبلاء ٧/ ٣١٢.
(٣) في س: "مسلمة" وهو تصحيف. هو: أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التميمي مولاهم المدني الفقيه، كان إماما مفتيًا، قال عنه ابن سعد: "كان ثقة" توفي سنة ١٦٤. راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- ٧/ ٣٢٣. والجرح والتعديل -لابن أبي حاتم- ٢/ ٢ / ٣٨٦. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٧/ ٣٠٩ - ٣١٢.
(٤) في خلق أفعال العباد: "صنعة". والمثبت من: سير أعلام النبلاء ٧/ ٣١٢.
(٥) أخرجه أبو داود السجستاني في مسائل الإِمام أحمد ص: ٢٦٩، قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله قال: حدثني أبي قال: قال إبراهيم بن طهمان. . . ما ذكرت. . .
(٦) ما بين المعقوفتين زيادة من: س، ط.
(٧) هو: أبو سعيد إبراهيم بن طهمان الهروي ثم النيسابوري، عالم خراسان، كان ثقة شديدًا على الجهمية جاور بمكة في آخر عمره، وتوفي سنة ١٦٣ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ٦/ ١٠٥ - ١١١. والجمع بين رجال الصحيحين للقيسراني- ١/ ١٦. وتذكرة الحفاظ -للذهبي- ١/ ٢١٣.
(٨) في س: "ورث".
[ ١ / ٢٤٤ ]
وعن (١) يحيى بن شبل (٢) قال: "كنت جالسًا مع مقاتل بن سليمان (٣)، وعباد بن كثير (٤)، إذ جاء شاب فقال: ما تقولون (٥) في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ (٦) فقال مقاتل: هذا جهمي، ثم قال: ويحك إن جهمًا -والله- ما حج هذا البيت قط (٧)، ولا جالس العلماء، إنما كان رجلًا أعطي لسانًا هذاء (٨).
وقد ذكر البخاري (٩) قال: "وقال ابن مقاتل (١٠): سمعت ابن
_________________
(١) أخرجه بهذا السند أبو داود في مسائل الإِمام أحمد. ص: ٢٦٩.
(٢) يحيى بن شبل البلخي، روى عن عباد بن كثير، ومقاتل بن سليمان. قال عنه الذهبي: لا يعرف، روى عنه مكي بن إبراهيم. انظر: ميزان الاعتدال -للذهبي- ٤/ ٣٨٥. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ١١/ ٢٢٩.
(٣) هو: أبو الحسن مقاتل بن سليمان البلخي، صاحب التفسير. قال عنه ابن سعد: أصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه. ويقول الذهبي: أجمعوا على تركه، توفي سنة نيف وخمسين ومائة. راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- ٧/ ٣٧٣. وتهذيب الأسماء واللغات -للنووي- ٢/ ١١١. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٤) في جميع النسخ: "عبد الله بن كثير" والمثبت من مسائل الإِمام أحمد، ولعله الصواب، فهو الذي يروي عنه يحيى بن شبل، وهو ضعيف الحديث. انظر: لسان الميزان -لابن حجر- ٢/ ٢٧٠ - ٢٧٥.
(٥) في مسائل الإِمام أحمد: "تقول".
(٦) سورة القصص، الآية: ٨٨.
(٧) "قط" ساقطة من: مسائل الإِمام أحمد.
(٨) "هذاء" ساقطة من: مسائل الإِمام أحمد.
(٩) انظر: خلق أفعال العباد. ص: ٣١. وقد أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ص: ١٢ - من طرق أخرى.
(١٠) لعله: محمَّد بن مقاتل المروزي أبو الحسن (ت ٢٢٦ هـ). أو: محمَّد بن مقاتل أبو جعفر العباداني (٢٣٦ هـ). وكلاهما ثقة، روى عن عبد الله بن المبارك. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦. وتهذيب التهذيب -لابن =
[ ١ / ٢٤٥ ]
المبارك يقول: من قال: "إني أنا الله لا إله إلّا أنا" مخلوق فهو كافر، ولا (١) ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك، قال: وقال أيضًا:
ولا (٢) أقول بقول الجهم إن له قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا
ولا أقول تخلى من بريته ربّ العباد وولي الأمر شيطانًا
ما قال فرعون هذا في تجبره فرعون موسى ولا فرعون هامانا
قال البخاري: وقال ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض ها هنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: فوق سماواته على عرشه، وقال لرجل (٣) منهم: أبطنك خال منه (٤)؟ فبهت الآخر، وقال: من قال لا إله إلَّا هو، مخلوق، فهو (٥) كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية.
قال البخاري (٦): وقال سعيد بن عامر (٧): الجهمية
_________________
(١) = حجر - ٩/ ٤٦٨ - ٤٧١.
(٢) في خلق أفعال العباد: ". . . لا ينبغي. . ".
(٣) في خلق أفعال العباد: "فلا".
(٤) في س، ط: "الرجل".
(٥) في خلق أفعال العباد: "أتظنك خاليًا منه".
(٦) في ط: "فهر".
(٧) وأخرجه الذهبي في "العلو" عن طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبي قال: حدثت عن سعيد بن عامر الضبيعي أنه ذكر الجهمية فقال: هم شر. . انظر: مختصر العلوم للذهبي -اختصار وتحقيق محمَّد ناصر الدين الألباني ص: ١٦٨.
(٨) هو: أبو محمَّد سعيد بن عامر الضبيعي البصري، كان ثقة صالحًا. قال ابن معين: ثقة مأمون. أخذ عنه الإِمام أحمد وإسحاق بن راهوية وغيرهما. ولد سنة ١٢٢ هـ، وتوفي بالبصرة سنة ٢٠٨ هـ. راجع: الطبقات الكبرى -لابن سعد- ٧/ ٢٩٦. وتذكرة الحفاظ -للذهبي- ١/ ٣٥١. والوافي بالوفيات -للصفدي- ١٥/ ٢٣١.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أشر (١) قولًا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت (٢) اليهود والنصارى وأهل الأديان (على) (٣) أن الله تعالى على العرش، وقالوا: هم ليس على العرش (٤).
وروى البخاري (٥) عن وكيع بن الجراح، أنه قال: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، إنما يذهبون إلى التعطيل.
فهذا الذي ذكره الإِمام أحمد من مبدأ حال جهم إمام هؤلاء المتكلمين النفاة يبين ما ذكرته، فإنه لما ناظر (٦) من ناظره من المشركين السمنية من الهند، وجحدوا الإله، لكون الجهم لم يدركه شيء من حواسه، لا ببصره، ولا بسمعه، ولا بشمه، ولا بذوقه، ولا بحسه، كان مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس، فإنه ينكره ولا (٧) يقربه، فأجابهم الجهم: أنه قد يكون في الموجود ما لا يمكن إحساسه (٨) بشيء من هذه الحواس وهي الروح التي في العبد، وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة، وهذا الذي قاله هو قول الصابئية (٩) الفلاسفة المشائين (١٠).
_________________
(١) في جميع النسخ: "شر". والمثبت من: خلق أفعال العباد.
(٢) في س: "أجمعت".
(٣) "على" ساقطة من: الأصل، س. والمثبت من: ط.
(٤) في خلق أفعال العباد: ". . العرش من شيء".
(٥) في خلق أفعال العباد - ص: ٣٧ - عن أبي جعفر محمَّد بن عبد الله، حدثني محمَّد بن قدامة السلال الأنصاري قال: سمعت وكيعًا يقول. . .
(٦) في الأصل: "ناظره" والمثبت من: س، ط.
(٧) في الأصل: "أولًا". والمثبت من: س، ط.
(٨) في الأصل، س: "الإحساس". والمثبت من: ط. ولعله المناسب.
(٩) في ط: "الصابئة". وتقدم التعريف بها ص: ٢٢٢.
(١٠) المشائي: هو الأرسطي، سمي مشائيًّا؛ لأن أرسطو كان يعلم تلاميذه. =
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقد قال البخاري (١): قال قتيبة، يعني ابن سعيد (٢)، بلغني أن جهمًا كان يأخذ هذا (٣) الكلام من الجعد بن درهم (٤).
وقال البخاري (٥): ثنا قتيبة، حدثني القاسم بن محمَّد (٦)، حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حبيب (٧) بن أبي حبيب، عن أبيه عن جده (٨)
_________________
(١) = ماشيًا والمشاؤون: هم أتباع أرسطو صاحب التعاليم، وبينه وبين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه. راجع: المعجم الفلسفي - لجميل صليبا ٢/ ٣٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ١٥٧.
(٢) خلق أفعال العباد- ص: ٣٠.
(٣) هو: أبو رجاء قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم البغلاني -نسبة إلى بغلان قرية من قرى بلخ- محدث ثقة، روى عنه البخاري ومسلم في صحيحهما، وروى عنه غيرهما. ولد سنة ١٥٠ وتوفي سنة ٢٤٠ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ١٢/ ٤٦٤ - ٤٧٠. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ١١/ ١٣ - ٢٤. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ٨/ ٣٥٨ - ٣٦١.
(٤) "هذا" ساقطة من: خلق أفعال العباد.
(٥) هو: الجعد بن درهم مبتدع ضال يقول بخلق القرآن، ويزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولا كلم موسى تكليمًا، وهو مؤدب مروان الحمار، وشيخ الجهم بن صفوان، قتله خالد بن عبد الله القسري. راجع: ميزان الاعتدال -للذهبي- ١/ ٣٩٩. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٥/ ٤٣٢. والبداية والنهاية لابن كثير- ٩/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ١٠/ ٢٣.
(٦) خلق أفعال العباد - ص: ٢٩ - ٣٠. وأورده بهذا السند الذي ذكره البخاري الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٣٢.
(٧) هو: أبو محمَّد القاسم بن أبي سفيان محمَّد بن حميد المعمري البغدادي -روى عنه قتيبة بن سعيد ووثقه، توفي سنة ٢٢٨ هـ. راجع: تاريخ بغداد -للبغدادي- ١٢/ ٤٢٥. وميزان الاعتدال -للذهبي - ٣/ ٣٧٨. وخلاصة تهذيب الكمال -لصفي الدين الأنصاري- ص: ٣١٣.
(٨) في خلق أفعال العباد: "حبيبة".
(٩) هو: عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب الجرمي -بفتح الميم- صاحب الأنماط، عن أبيه عن جده قال الذهبي: لا يعرف هؤلاء.
[ ١ / ٢٤٨ ]
قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري (١). . . . بواسط (٢) يوم أضحى، وقال (٣): ارجعوا فضحوا تقبل الله (٤) منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم (٥) خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه.
وهذا الجعد قد ذكروا (٦) أنه من (٧) أهل. . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = راجع: ميزان الاعتدال -للذهبي- ٢/ ٥٨٥. وتهذيب التهذيب -لابن حجر- ٦/ ٢٦٥. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٥/ ٤٣٢ هامش رقم (١).
(٢) هو: أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز البجلي أمير العراقيين لهشام، وولي قبل ذلك مكة للوليد بن عبد الملك ثم لسليمان، كان جوادًا وخطيبًا مفوهًا. قال عنه الذهبي: صدوق لكنه ناصبي بغيض ظلوم، وقال ابن معين: رجل سوء يقع في علي، قتل الجعد بن درهم وهذه من حسناته مات مقتولًا عام ١٢٦. راجع: وفيات الأعيان -لابن خلكان- ٢/ ٢٢٦ - ٢٣٢. وميزان الاعتدال -للذهبي- ١/ ٦٣٣. وسير أعلام النبلاء -للذهبي- ٥/ ٤٢٥ - ٤٣٢. في الأصل: القشيري" وهو خطأ.
(٣) "بواسط" ساقطة من: سير أعلام النبلاء. "وواسط" مدينة بدأ الحجاج بناءها عام ٨٤ هـ وفرغ منها عام ٨٦ هـ وسميت بذلك لتوسطها بين البصرة والكوفة، وهي بلدة عظيمة ذات بساتين ونخيل. راجع معجم البلدان ٤/ ٣٤٧ - ٣٥٠.
(٤) في ط: "قال". وفي سير أعلام النبلاء: "يقول ضحوا. . ".
(٥) سقط لفظ الجلالة من: ط.
(٦) في الأصل: ". . من إبراهيم". والمثبت من: س، ط، وسير أعلام النبلاء.
(٧) أشار ابن كثير في البداية والنهاية ١٠/ ٢٣ - أن الجعد بن درهم من أهل الشام، وهو مؤدب مروان الحمار، ولهذا يقال له: مروان الجعدي، فنسب إليه. ونقل الشيخ -﵀- في درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١٣ - عن الإِمام أحمد أنه قال: "كان يقال: إنه من أهل حران وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات، وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة. . .
(٨) في س، ط: "كان من. . . ".
[ ١ / ٢٤٩ ]
حران (١) وهو معلم مروان بن محمَّد (٢)، ولهذا يقال له: الجعدي (٣)، وكانت حران إذ ذاك دار الصابئية (٤) الفلاسفة الباقين على ملة سلفهم أعداء إبراهيم الخليل، فإن إبراهيم (٥) كان منهم ودعاهم إلى الحنيفية، وكان من قصته ما ذكره الله في كتابه، والحجة التي ذكرها مشركوا الهند الباطلة، والجواب الذي أجاب به مبتدعة الصابئين، ومن اتبعهم من مبتدعة هذه الأمة باطل، وذلك أن قول القائل: ما لا يحس به (٦) العبد لا يُقِرُّ به أو ينكره.
إما أن يريد (٧) به أن كل أحد من العباد لا يقر إلّا بما أحسه هو بشيء من حواسه الخمس.
أو يريد به أنه لا يقر العبد إلا بما أحس به العباد في الجملة أو بما يمكن الإحساس به في الجملة.
_________________
(١) حران: مدينة عظيمة مشهورة على طريق الموصل والشام والروم، كانت منازل الصابئة، وهم الحرانيون الذين يذكرهم أصحاب كتب الملل والنحل، فتحت أيام عمر بن الخطاب - ﵁ - على يد عياض بن غنم، وينسب إليها جماعة من أهل العلم. راجع: معجم البلدان -لياقوت الحموي- ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٦.
(٢) هو: أبو عبد الملك مروان بن محمَّد بن مروان بن الحكم الأموي، آخر خلفاء بني أمية، يعرف بمروان الحمار لجرأته في الحروب واشتهر بمروان الجعدي، نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم، ولد سنة ٧٢ هـ، ومات مقتولًا سنة ١٣٢ هـ. راجع: سير أعلام النبلاء -للذهبي ٦/ ٧٤ - ٧٧. والبداية والنهاية لابن كثير - ١٠/ ٥٤ - ٥٦. والأعلام -للزركلي- ٨/ ٩٦ - ٩٧.
(٣) في س: "الجعد".
(٤) في ط: "الصابئة".
(٥) في س، ط: "إبراهيم الخليل".
(٦) في س: "له".
(٧) في الأصل: "إما أن يراد". وفي ط: أو أن يريد". والمثبت من: س.
[ ١ / ٢٥٠ ]