معين" (^١).
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدِّث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى، فقال: "من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدِّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ " وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا، فقام فقال: "هو ذا أنا". فتبسَّم يحيى، وقال: "أما إنك لست بكذاب " (^٢).
وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان: "ضعيف مضطرب الحديث" فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة، فقال: "ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة والغلط فيه من غير إبراهيم" (^٣).
التاسع: ليبحث عن رأي كلِّ إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
فقد عرفنا في الأمر السابق (^٤) رأيَ بعضِ من يوثِّق المجاهيل من
_________________
(١) فائدة عن كتاب الساجي: قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام": (٥/ ٤٠٥): "كان لابن حزم اعتناء بكتاب أبي يحيى الساجي ــ أي الضعفاء ــ حتى اختصره، ورتَّبه على الحروف، وشاع اختصاره المذكور لِنُبْلِهِ، وكان في كتاب الساجي تخليط لم يأْبَه له ابن حزم حين الاختصار، فجرَّ لغيره الخطأ" اهـ.
(٢) انظر "تهذيب التهذيب": (١/ ١٢).
(٣) انظر "تهذيب التهذيب": (١/ ١٣٠).
(٤) (ص ١١٣ وما بعدها).
[ ١٠ / ١١٧ ]
القدماء إذا وَجَد حديثَ الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد. فإن شئتَ فاجعل [١/ ٦٩] هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"، كأن يُراد بها استقامة ما بلغ الموثِّقَ من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة.
وقد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثِّق أحدهم تارة ويضعِّفه أخرى. منهم: إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سوَّار، والجرَّاح بن مليح الرؤاسي، وحَرْب (^١) بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخُشَني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حِبّان الرقي، وسَلْم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله بن (^٢) الحسين أبو حَريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم.
وجاء عنه توثيق جماعة ضعَّفهم الأكثرون. منهم: تمام بن نجيح، ودَرَّاج بن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح، وعبَّاد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزَّنْجي، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزَّمْعي، ومؤمَّل بن إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني. وهذا يشعر بأن ابن
_________________
(١) (ط): "جرير" تصحيف. انظر "تهذيب التهذيب": (٢/ ٢٢٥)، و"تاريخ الدوري" (٢٧٥٠).
(٢) سقطت من (ط). وترجمته في "الجرح والتعديل": (٥/ ٣٤).
[ ١٠ / ١١٨ ]
معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة"، لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمّد الكذب.
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة"، ومرة: "ثقة" أو: "لا بأس به"، أو نحو ذلك. (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي، وزكريا بن منظور، ونوح بن جابر). وربما يقول في الراوي: "ليس بثقة" ويوثقه غيرُه. (راجع تراجم عاصم بن علي، وفُلَيح بن سليمان، وابنه محمد بن فُليح، ومحمد بن كثير العبدي". وهذا قد يشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة "ليس بثقة" على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه: "ثقة" على المعنى المشهور لكلمة "ثقة".
فأما استعمال كلمة "ثقة" على ما هو دون معناها المشهور، فيدل عليه ــ مع ما تقدم ــ أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف. قال أبو زرعة في عمر بن عطاء بن وَرَاز: "ثقة لين" (^١). وقال العجلي (^٢) في القاسم أبي عبد الرحمن الشامي: "ثقة يُكتب حديثه، وليس بالقوي". وقال ابن سعد في جعفر بن سليمان الضُّبَعي: "ثقة وبه ضعف" (^٣). وقال ابن معين في عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم: "ليس به بأس، وهو ضعيف" (^٤). وقد ذكروا
_________________
(١) "الجرح والتعديل": (٦/ ١٢٦) في إحدى النسخ، وعنها نقل الحافظ المزي: (٥/ ٣٧٦)، والحافظ: (٧/ ٤).
(٢) تصحّف في (ط) إلى: "الكعبي"، وانظر عبارة العجلي في "الثقات": (٢/ ٢١٢)، و"التهذيب": (٨/ ٢).
(٣) "الطبقات الكبرى": (٩/ ٢٨٩).
(٤) رواية الدوري (٥٠٧٥) وفيه: "وفيه ضعف".
[ ١٠ / ١١٩ ]
أن ابن معين يطلق كلمة: "ليس به بأس" بمعنى "ثقة" (^١). وقال يعقوب بن شيبة في ابن أنْعُم هذا: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق، [١/ ٧٠] رجل صالح" (^٢). وفي الربيع بن صَبيح: "صالح صدوق ثقة، ضعيف جدًّا" (^٣).
وراجع تراجم إسحاق بن يحيى بن طلحة، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن عمر بن جعفر بن عاصم، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعبد السلام بن حرب، وعليّ بن زيد بن جُدعان، ومحمد بن مسلم بن تَدْرُس، ومؤمَّل بن إسماعيل، ويحيى بن يمان.
وقال يعقوب بن سفيان في أجْلَح: "ثقة، حديثه لين" (^٤). وفي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليِّن الحديث عندهم" (^٥).
وأما كلمة "ليس بثقة" فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعة، منهم صالح مولى التوأمة، وشعبة مولى ابن عباس. وفي ترجمة مالك من "تقدمة الجرح والتعديل" (^٦) لابن أبي حاتم عن يحيى القطان أنه سأل مالكًا عن صالح هذا، فقال: "لم يكن من القُرّاء". وسأله عن شعبة هذا
_________________
(١) انظر "علوم الحديث" (ص ١٢٤) لابن الصلاح.
(٢) "تاريخ بغداد": (١٠/ ٢١٧).
(٣) "تهذيب الكمال": (٢/ ٤٦٣).
(٤) "تهذيب التهذيب": (١/ ١٩٠).
(٥) "المعرفة والتاريخ": (٣/ ٩٤) ليعقوب بن سفيان.
(٦) (ص ٢٣) وفيه كلامه على شعبة، أما كلامه في صالح مولى التوأمة ففي "تهذيب التهذيب": (٤/ ٤٠٥).
[ ١٠ / ١٢٠ ]
فقال: "لم يكن من القراء". فأما صالح فأثنى عليه أحمد وابن معين وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكًا إنما أدركه بعد الاختلاط. وأما شعبة مولى ابن عباس فقال أحمد: "ما أرى به بأسًا". وكذا قال ابن معين. وقال البخاري: "يتكلم فيه مالك ويحتمل منه". قال ابن حجر (^١): "قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله: "ويحتمل منه". يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه. قال: ومالك لم يضعِّفه، وإنما شح عليه بلفظة ثقة. قلت: هذا التأويل غير شائع، بل لفظة: "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد. وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر".
أقول: ابن حِبّان كثيرًا ما يهوِّل مثل هذا التهويل في غير محلِّه، كما يأتي في ترجمته وترجمة محمد بن الفضل من قسم التراجم (^٢). وكلمة: "ليس بثقة" حقيقتها اللغوية نفيُ أن يكون بحيث يقال له: "ثقة". ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، وقد ذكرها الخطيب في"الكفاية" (^٣) في أمثلة الجرح غير المفسر. واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله: "لم يكن من القراء" يُشعر بأنه أراد هذا المعنى. نعم، إذا قيل: "ليس بثقة ولا مأمون" تعيَّن الجرح الشديد. وإن اقتصر على "ليس بثقة" فالمتبادر جرح شديد، ولكن إذا كان هناك ما يُشعر بأنها اسْتُعملت في المعنى الآخر حُمِلت عليه.
_________________
(١) "التهذيب": (٤/ ٣٤٧).
(٢) برقم (٢٠٠ و٢٢٨).
(٣) (ص ١١١ - ١١٢).
[ ١٠ / ١٢١ ]