ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم، لعلموا أن هذه الطائفة ــ وهي طائفة أصحاب الحديث ــ كان ذلك المانع غالبًا فيهم.
وقد احتجّ بعضُهم بما في "الأغاني" في أخبار عُمر بن أبي ربيعة من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت (وهو عبد العزيز بن عمران) عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل، عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث، وفكَّر في أحوالهم وفي حال القصة، لعَلِم بطلان القصة حتمًا.
ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي. وأولئك الكُتَّاب يعرفون شطر (^١) هذا المانع، وهو الضرر المادي؛ فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنَّبون الخيانةَ والكذبَ في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم، فيعدلوا إلى معاملة غيرهم. بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبًا، وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق، بل لعلها تتعطل الأسواق؛ فليتدبر القارئ ذلك.
فأما الشطر المعنويّ فإن أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره. فأقول: كان العرب يحبون الشرف، ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل. وفي أوائل "صحيح البخاري" (^٢) في قصة أبي سفيان بن حرب أن هرقل لما جاءه كتاب النبيّ ﵌ دعا بمن كان بالشام من تجّار قريش،
_________________
(١) (ط): "شرط" تحريف.
(٢) (٧).
[ ١٠ / ٤٥ ]
فأُتي بأبي سفيان ورهطٍ معه. قال: "ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبًا. قال أدنُوه مني، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذَبني فكذِّبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثُروا عليَّ كذبًا لكذبتُ عليه". قال ابن حجر في "فتح الباري" (^١): "وفي قوله: "يأثروا" دون قوله "يكذبوا" دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كَذَب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﵌؛ لكنه ترك ذلك استحياءً وأنَفَةً من أن يتحدّثوا بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابًا. وفي رواية ابن إسحاق التصريحُ بذلك".
أقول: وهذا هو الذي أراده هرقل. ثم جاء [١/ ٢٩] الإسلام، فشدَّد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥]. ورُوي عن النبي ﵌ أن رجلًا كذب عليه، فبعث عليًّا والزبير، وقال: "اذهبا، فإن أدركتماه فاقتلاه" (^٢).
_________________
(١) (١/ ٣٥).
(٢) بهذا اللفظ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف": (٥/ ٣٠٨) عن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير مرسلًا، وفي إسناده رجل لم يسمّه. وأخرجه بنحوه الطبراني في "طرق حديث من كذب عليّ" (١٧٨) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٤٤) عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث. وروي بألفاظ وطرق أخرى كلها ضعيفة. قال الذهبي: "لم يصح بوجه". وأخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٥٥٠)، وابن عدي في "الكامل": (٤/ ٥٣ - ٥٤) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٤١، ٤٢) من طريقهما من حديث بريدة مرفوعًا في سياق أطول. وفي سنده صالح بن حيان وهو ضعيف.
[ ١٠ / ٤٦ ]
وتوهَّم رجل من صغار الصحابة أمرًا، فأخبر بما توهّمه وما يقتضيه، ففضحه الله ﷿ إلى يوم القيامة، إذ أنزل فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^١) [الحجرات: ٦].
ثم كان الصحابيُّ يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس، ويعلم أنه إن بان لهم منه أنه كذب كذبة سقط من عيونهم، ومقتوه، واتهموه بأنه لم يكن مؤمنًا، وإنما كان منافقًا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال، ودام ذلك زمانًا، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه رمى مخالفه بالكذب في الحديث. وكان التابعون إذا سمعوا حديثًا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة، ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذَّب صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطِّئه.
وكان المهلَّب بن أبي صُفرة في محاربته الأزارقة يعمل بما رُخِّص فيه للمحارب من التورية الموهمة، فعاب الناس عليه ذلك حتى قيل فيه:
أنت الفتى كلُّ الفتى لو كنتَ تصدق ما تقولُ (^٢)
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشَّح لطلب الحديث وهو طفل،
_________________
(١) وهي قصة الوليد بن عقبة لما أرسله رسول الله - ﷺ - إلى الحارث الخزاعي لأخذ الزكاة، أخرجه أحمد (١٨٤٥٩)، والطبراني في "الكبير" (٣٣٩٥) وغيرهما، وفي سنده كلام، وله شواهد يعتضد بها. وانظر حاشية المسند (٣٠/ ٤٠٥).
(٢) انظر "الكامل" (١٢٤٩). والبيت لزياد الأعجم. انظر "الشعر والشعراء" (٤٤٣).
[ ١٠ / ٤٧ ]
ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة، كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة؛ وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث، ويسمعوا منه، ويرووا عنه.
وفي "تهذيب التهذيب" (ج ١١ ص ١٨٣): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: [١/ ٣٠] "كنت قاضيًا وأميرًا ووزيرًا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (^١): مَنْ ذَكَرت؟ رضي الله عنك".
وفيه (ج ٦ ص ٣١٤): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلّقت بالكعبة وقلت: يا ربِّ مالي؟ أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاؤوني".
وقد عَلِم طالب الحديث في أيام طلبه تشدُّدَ علماء الحديث وتعنُّتهم، وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه، فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت، يحاول إمساكها، وبيده مخلاة يُريها البغلةَ، ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها. فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فتركوا الشيخ وذهبوا، وقالوا: إنه كذاب. كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرًا، والواقع أنه ليس فيها شيء (^٢).
_________________
(١) كان إذا كثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيِّت يسمع إملاء الشيخ الحديث، ويستفهمه فيما يخفى، ثم يعيد ذلك بصوت عال ليسمعه الحاضرون. فهذا الرجل يقال له "المستملي". [المؤلف].
(٢) ذكرها المؤلف أيضًا في "الأنوار الكاشفة" (ص ١١٢) بنحوها.
[ ١٠ / ٤٨ ]