ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" (^١) عن بعض أهل عصره: أنه شَرَط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يُحكم لما يرويه عنه بالاتصال. وذكروا أن الذي شَرَط ذلك هو البخاري وشيخه عليُّ بن المديني (^٢). وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سَلَفًا وخَلَفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفَه أن لا يَحكم بالاتصال فيما لم يصرِّح فيه الراوي بالسماع، وإن ثبت اللقاء في الجملة، ولم يكن الراوي مدلسًا.
وتوضيح هذا الإلزام: أنه كما أن الراوي الذي [لم] (^٣) يُعرَف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرَفْ ويشتهِرْ بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فإن كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن الحكم بالاتصال في الأول، فلْيوجِبْه في الثاني. وإن لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول.
أجاب النووي (^٤) بما إيضاحه: أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن
_________________
(١) (١/ ٢٨ - ٣٥).
(٢) انظر "الإكمال": (١/ ١٦٤) للقاضي عياض. وعنه نقله غالب من بَعْده.
(٣) سقطت من (ط).
(٤) في "شرح مسلم": (١/ ١٢٨).
[ ١٠ / ١٣٤ ]
قد لقيه وسمع منه، الظاهر منها السماع، والاستقراء يدلّ أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا المدلِّس.
أقول: فمُسْلِم يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره. والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومَن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
هذا، وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص ٣٥٧).
وذَكَر مسلم (^١) أمثلةً فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تُعَدَّ تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين. ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع. وقد كنتُ بسطتُ ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن [١/ ٧٩] الشافعي أن التدليس يثبت بمرة (^٢)، لأنا نقول: هذا مسلَّم، ولكن محلّه حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام. والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
_________________
(١) في مقدمة "صحيحه": (١/ ٣٣ - ٣٥).
(٢) انظر "الرسالة" (ص ٣٧٩) للشافعي.
[ ١٠ / ١٣٥ ]
وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" (^١) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور. وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرة زعم أنه لم يُصرَّح فيها بالسماع ولا عَلِمَ اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح البخاري" كما ذكره النووي أيضًا.
هذا، ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلّا بأن نفيَ مسلمٍ العلمَ باللقاء لا يستلزم عدم علم غيره. وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله: إنها عند أهل العلم صحاح. وقد دفعه بعض علماء العصر (^٢) بأنه لا يكفي في الردّ على مسلم، مع العلم بسعة اطلاعه.
أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري". وكنتُ أظنهم قد بحثوا، فلم يظفروا بما هو صريح في ردّ دعوى مسلم، فاضطروا إلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي. ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح مسلم" نفسه التصريح بالسماع في حديث منها (^٣). وسبحان من لا يضل ولا
_________________
(١) (١/ ١٤).
(٢) لعله يقصد الشيخ شبّير العثماني في كتابه "فتح الملهم بشرح صحيح مسلم": (١/ ١٠٩ و٤٠٢). فإنه أشار إلى مثل ذلك.
(٣) للمؤلف بحث في الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء، وهو ضمن هذه الموسوعة ــ الرسائل الحديثية. وللمؤلف أيضًا بحث في مسألة اشتراط العلم باللقاء عَقَده على صورة مناظرة بين فريقين. انظره في آخر رسالة "عمارة القبور في الإسلام ــ المسوّدة" (ص ٩٤ - ١٠٨). واختصره في "المبيّضة" (ص ٩٣ - ٩٩).
[ ١٠ / ١٣٦ ]