من ذمه، وكذلك يقابل كلمات التنفير بكلمات (^١) الترغيب. وكذلك تجد الإنسان إلى تعديل من يميل إليه ويُحسِن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره. واحتمالُ التسَمُّح في الثناء أقرب من احتماله في الذمّ، فإن العالم يمنعه من التسمُّح في الذمّ الخوفُ على دينه لئلّا يكون غيبة، والخوفُ على عرضه، فإن مَن ذمَّ الناس فقد دعاهم إلى ذمِّه.
ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه ذمُّوه بالحقّ وبالباطل (^٢)
ومع هذا كله، فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح. ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارح كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدِّل كان صديقًا له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوَّة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا. فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبةُ مَن صَدَر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمّد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله مِنْ مثله، فهذا يحتاج إلى بيِّنة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًّا.
وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ١٦) (^٣):
"وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قبول قوله في الجرح: مَن كان بينه وبين مَن
_________________
(١) الأصل: "كلمات" [ن].
(٢) من أبيات في "الأغاني": (١٤/ ١٥٧)، وهو في "رسائل الجاحظ": (١/ ٣٥٥)، و"الحماسة البصرية" (٨٥٤) ونُسِب لغير واحد.
(٣) (١/ ٢١٢).
[ ١٠ / ٩٥ ]
جرحه عداوة، سببُها الاختلاف في الاعتقاد. فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدّة انحرافه في النّصْب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح مَن ذَكَره منهم بلسان ذَلْق (^١) وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يليِّن مثلَ الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، [١/ ٥٨] فوثَّق رجلًا ضعَّفه قُبِلَ التوثيق.
ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش المحدّث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة بل نُسِب إلى الرفض، فيُتأنَّى في جرحه لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد. ويلتحق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين [لهذا] (^٢) وغيره. فكلُّ هذا ينبغي أن يُتأنَّى فيه ويُتأمَّل".
أقول: قول ابن حجر: "ينبغي أن يتوقف" مقصوده ــ كما لا يخفى ــ التوقّف على وجه التأنّي والتروِّي والتأمل. وقوله: "فهذا إذا عارضه مثله قبل التوثيق" محلّه ما هو الغالب من أن لا يلزم من اطراح الجرح نسبةُ الجارح إلى افتراء الكذب، أو تعمّدِ الحكم بالباطل، أو الغلطِ الفاحش الذي يندر وقوعُه. فأما إذا لزم شيء من هذا، فلا محيص عن قبول الجرح، إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة.
وقد تتبّعتُ كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيِّعين، فلم أجده
_________________
(١) (ط): "ذلقة". والمثبت من "اللسان".
(٢) من "اللسان"، وهو ساقط من الطبعة القديمة التي ينقل منها المؤلف.
[ ١٠ / ٩٦ ]
متجاوزًا الحدَّ. وإنما الرجل ــ لما فيه من النَّصْب ــ يرى التشيُّع مذهبًا سيئًا، وبدعةَ ضلالةٍ، وزيغًا عن الحقّ وخذلانًا؛ فيطلق على المتشيِّعين ما يقتضيه اعتقاده، كقوله: "زائغ عن القصد ــ سيِّئ المذهب"، ونحو ذلك.
وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح، بل هو توثيق، وإنما فيه ذمّ بالتشيع والتدليس. وهذا أمر متفق عليه: أن الأعمش كان يتشيَّع ويدلّس، وربما دلس عن الضعفاء، وربما كان في ذلك ما يُنْكَر. وهكذا كلامه في أبي نعيم. فأما عُبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره بأشدّ من كلام الجوزجاني.
وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضَمْرة. وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره، واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني. راجع "سنن البيهقي" (ج ٣ ص ٥١). غاية الأمر أن الجوزجاني هوَّل، وعلى كلِّ حال فلم يخرج من كلام أهل العلم. وكأنّ ابن حجر توهّم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم (^١) يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء (^٢). وهذا تخيّل لا يُلتفت إليه.
وقال الجوزجاني في يونس بن خباب: "كذاب مفتر" (^٣). ويونس وإن وثقه ابن معين، فقد قال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي مع ما
_________________
(١) انظر كلام الجوزجاني في "الشجرة" (ص ٣٤ - ٤٢) وتعقب الحافظ في "التهذيب": (٥/ ٤٥).
(٢) "يُسِرُّ حسوًا في ارتغاء" مثلٌ يضرب لمن يُظهِر أمرًا وهو يريد خلافه. انظر "مجمع الأمثال": (٣/ ٥٢٥) و"فصل المقال" (ص ٧٦). يريد أن الحافظ توهّم أن الجوزجاني أراد اتهام عاصم بالكذب وإن لم يفصح في كلامه بذلك.
(٣) (ص ٥٠).
[ ١٠ / ٩٧ ]
عرف عنه: "ليس بثقة". واتفقوا على غلوّ يونس، ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي ﵌؛ وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة. قيل له: ما هي؟ قال: إنه ليسأل في قبره: مَن وليّك؟ فإن [١/ ٥٩] قال: عليٌّ، نجا! فكيف لا يُعذر الجوزجاني مع نَصْبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟
وأشدُّ ما رأيته للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: "ومنهم زائغ عن الحق " (^١). وقد تقبل ابن حجر ذلك، على ما فهمه من معناه، وعظَّمه، كما مرَّ، وذكر نحو ذلك في "لسان الميزان" نفسه (ج ١ ص ١١) (^٢). وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر ﵀ يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك، ويعظمه، مع ما فيه من الشدة والشذوذ ــ كما تقدم ــ ويشنِّع عليه ههنا ويهوِّل فيما هو أخفُّ من ذلك بكثير عندما يتدبر! والله المستعان.
* * * *
_________________
(١) (ص ٧٦).
(٢) (١/ ٢٠٤).
[ ١٠ / ٩٨ ]