وهكذا كلمة: "ثقة"، معناها المعروف: التوثيق التام، [١/ ٧١] فلا تُصرف عنه إلا بدليل، إما قرينة لفظية كقول يعقوب: "ضعيف الحديث وهو ثقة صدوق" وبقية الأمثلة السابقة. وإما حالية منقولة، أو مستدَلّ عليها بكلمة أخرى عن قائلها، كما مرَّ في الأمر السابع عن "لسان الميزان"، أو عن غيره، ولاسيّما إذا كانوا هم الأكثر.
فتدبَّرْ ما تقدَّم، وقابِلْه بما قاله الكوثري في "الترحيب" (ص ١٥) قال: "وكم من راو يوثّق ولا يحتج به، كما في كلام يعقوب الفسوي. بل كم ممن يوصف بأنه صدوق، ولا يُعَدُّ ثقة، كما قال ابن مهدي: أبو خَلْدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة".
وعلى الأستاذ مؤاخذات:
الأولى: أنه ذكر هذا في معرض الاعتذار، وأنا لم أناقشه فيما قام الدليل فيه.
الثانية: أن كلمة يعقوب التي أشار إليها هي قوله: "كتبتُ عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات، ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة، إلا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل بالعراق" (^١). أوردتها في "الطليعة" (ص ٢١) إلى قوله: "ثقات". ذكرت ذلك من جملة الشواهد على أن شيخ يعقوب في ذاك السند هو أحمد بن الخليل الموثَّق، لا أحمد بن الخليل المجروح، فزعم الأستاذ في "الترحيب" أنني اقتصرت على أول العبارة، لأوهم أن شيخ يعقوب في ذاك السند ثقة يحتج به! وهذا كما ترى:
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ": (٣/ ٣٦١).
[ ١٠ / ١٢٢ ]
أولًا: لأن سياق كلامي هناك واضح في أني إنما أردت تعيين شيخ يعقوب، فأما الاحتجاج وعدمه فلا ذِكْر له هناك.
ثانيًا: لأن بقية عبارة يعقوب لا تعطي أن شيوخه كلهم غير الأحمدين لا يحتج بأحد منهم في الرواية. كيف وفيهم أئمة أجلة قد احتج براويتهم الأحمدان أنفسهما، بل قام الإجماع على ذلك؟ وإنما أراد يعقوب بالحجة عند الله مَن يؤخذ بروايته ورأيه وقوله وسيرته.
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي لا توافق مقصود الأستاذ، فإنها تعطي بظاهرها أن كلمة "ثقة" إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان. ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير، فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من [١/ ٧٢] كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلًا ضابطًا تقوم الحجة بروايته فلا يقال له: "ثقة"، بل يقال: "صدوق" ونحوها. وأين هذا من مقصود الأستاذ؟
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط، وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن أبا خَلْدة قد قال فيه يزيد بن زُرَيع والنسائي وابن سعد والعجلي والدارقطني: "ثقة". وقال ابن عبد البر: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ".
وأصل القصة: أن ابن مهدي كان يحدِّث فقال: "حدثنا أبو خلدة". فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي: أن السائل فخَّم
[ ١٠ / ١٢٣ ]