في خمسة أحاديث» فذكرها. قال ابن حجر في «التعجيل» (^١): «وهذا عندي أَعْدَل الأقوال فيه».
أقول: قد ظهرت عدالةُ الرجل أولًا، ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها، فمنهم مَن عَذَره، ومنهم من رماه بسرقتها. فالذي ينبغي: التوقفُ عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي، وقبولُ ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعًا، ولم ينكروا منها شيئًا. وأحسب أن رواية الإمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي. وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري، فقد احتجَّ (ص ٩٩): «حدثنا قال حدثني إبراهيم ابن أبي الليث قال حدثني الأشجعي ». فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي، لكنها حكاية لا يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم.
٨ - إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري.
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٦]): « سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد. قال إبليس: يا رب، وقال أبو بكر الصديق: يا رب ».
قال الأستاذ (ص ٤٠): «الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه، من جهة أنه كان أفتى أخاه على موازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور، فقتل في الحرب وحكمُ شهادة العدو في مذهب الشافعي معروف ويقول ابن سعد
_________________
(١) (١/ ٢٧٥).
[ ١٠ / ١٦١ ]
في «الطبقات الكبرى»: [١/ ٩٢] كان كثير الغلط في حديثه. ويقول ابن قتيبة في «المعارف»: إنه كان كثير الغلط في حديثه. ومثله في «فهرست محمد بن إسحاق النديم». لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته ».
وقال الأستاذ (ص ٧١): «سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فَقَد اتزانه من فَقْد أخيه، فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل، حتى في مجلس الرشيد، كما تجد ذلك في «تقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه».
وقال الأستاذ (ص ٧٣): «إنما شأنه في السير والمغازي، ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الإمام الكبير في السير والمغازي ».
وقال (ص ٧٧): «قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلًا صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه».
أقول: مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين:
الأول: قوله: إنه كان يعادي أبا حنيفة لإفتائه أخاه بالخروج، فخرج، فقتل.
الثاني: كثرة الخطأ.
فأما العداوة فيحاول الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى، مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في روايةٍ ذُكِرت في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٧]) في سندها يزيد بن يوسف الشامي، فتكلم الأستاذ فيها (ص ٧٠):
[ ١٠ / ١٦٢ ]
قال: «يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة. ويقول النسائي: متروك».
والكلام فيه أكثر من ذلك، حتى قال ابن شاهين في «الضعفاء» (^١): «قال ابن معين: كان كذابًا». وقال ابن حبان: «كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، يرفع المراسيل [ولا يعلم]، ويسند الموقوف ولا يفهم. فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده» (^٢).
فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٨]) فيها عن أبي إسحاق: «قُتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة، فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي: من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المَصِّيصة وأردت أخًا [١/ ٩٣] لي قُتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قُتِلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه ».
وهناك رواية ثالثة في «تقدمة الجرح والتعديل» (^٣) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان. وفي إسنادها نظر، ولا ذِكْر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدلّ على عدم الفتوى.
فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتلُ أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور، فقَدِم فلقي أبا حنيفة، فسأله
_________________
(١) (ص ١٩٨).
(٢) «المجروحين»: (٣/ ١٠٦). وما بين المعكوفين منه.
(٣) (١/ ٢٨٤).
[ ١٠ / ١٦٣ ]