قال: «كذلك فقد ابتدأ الصحابة -﵃- عددًا من المحدثات بعد وفاته -ﷺ-، مما يدل على أنهم لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله -ﷺ- حرام، بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، ولم يكونوا يقبلون - في الوقت نفسه - كل محدثة في الدين، بل كانوا ينكرون من المحدثات ما يعتقدون أنه من البدع السيئة التي تتصادم مع أصول الدين ونصوصه، فكانت طريقتهم البحث والقياس وإلحاق النظير بالنظير» (^١). ففي هذا زعمه أن الصحابة لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن الآثار التي ذكرها الكاتب لا تخرج عن أحوال:
الحال الأولى: عبادات فعلها الصحابي مما قد يكون أخذها من رسول الله -ﷺ- أو أخذها ممن أخذها من رسول الله -ﷺ-، وهذا خارج مورد النزاع؛ لأنها راجعة للشرع.
وذلك مثل رفع الصوت بالتكبير في العيد وعشر ذي الحجة (^٢) وألفاظ قنوت عمر في النوازل (^٣).
_________________
(١) (ص ١٣٩).
(٢) (ص ١٤٠).
(٣) (ص ١٤١).
[ ١٤٠ ]
الحال الثانية: أعمال راجعة إلى المصالح المرسلة، أي ما يجوز إحداثه من الوسائل بضابطه كما تقدم تقريره، وذلك مثل جمع أبي بكر وعمر القرآن (^١) وقد تقدم الكلام عليها.
الحال الثالثة: آثار أسانيدها ضعيفة، ومثل هذا لا يحتج به، وذلك مثل إجابة عثمان مقيم الصلاة (^٢) عند قوله: «وقد قامت الصلاة» بقول: مرحبًا بالقائلين عدلًا ..
وهذا إسناده ضعيف (^٣)، ولو صح لكانت من الحال الأولى.
الحال الرابعة: عبادات فعلها رسول الله -ﷺ- فتركها لمانع ثم زال المانع، وذلك مثل جمع عمر الناس على إمام واحد في قيام رمضان (١) وقد تقدم الكلام عليه.
الحال الخامسة: ما لا علاقة له بالبدعة لأنه لا علاقة له بالعبادة، وذلك مثل تخصيص عبد الله بن مسعود يوم الخميس للوعظ فهو يحتمل أنه لمزية في الخميس، ويحتمل أنه لسبب آخر كتفرغ أو غير ذلك، قال ابن حجر: «واحتمل عمل بن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي -ﷺ- حتى في اليوم الذي عينه، واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول والثاني أظهر» (^٤).
_________________
(١) (ص ١٤٠).
(٢) (ص ١٤٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٦) من طريق قتادة عن عثمان ولم يسمع منه كما في جامع التحصيل (ص ٢٥٥).
(٤) فتح الباري (١/ ١٦٣).
[ ١٤١ ]
وعلى الاحتمال الأول يكون هذا المثال للحال الأولى، وعلى الاحتمال الثاني يكون لهذه الحال، وهذا ظاهر صنيع البخاري لأنه وضعه تحت باب (من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة).
الحال السادسة: عبادات جاء بها الشرع بألفاظ عامة ومجملة، وذلك مثل فعل أبي ذر (^١)، فقد أكثر الصلاة لأن الشريعة جاءت بكثرة الصلاة والسجود بأدلة عامة ومجملة، وهو فعلها على وجه العموم، ولم يخصصها.
رد إلزامه بأن الترك يقتضي التحريم