قال الكاتب في (ص ٢): «يجب على الجميع ترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد أو غيرها ولو أخطأ؛ فالتشكيك في النقد والاستعداء عليه من الأمور التي يجب أن نترفع عنها في هذا العصر بالذات؛ حتى تكون الكلمة مجتمعة والصف متحدًا …».
_________________
(١) رسائل ابن رجب (٢/ ٤١٠ - ٤١١).
(٢) المصدر نفسه (٢/ ٤١٠).
(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٢١).
[ ٢٨ ]
وجوابه من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن سوء الظن إنما يحرم في حق أهل الصلاح والاستقامة الذين لا يظهر منهم إلا الخير؛ فإساءة الظن بهم محرمة، وأما أهل الفساد والزيغ فلم نؤمر بحسن الظن بهم، بل يحكم عليهم بما ظهر منهم.
قال الزجاج في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]: «هو أن يُظن بأهل الخير سوءًا؛ فأما أهل السوء والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم» (^١).
وقال القاضي أبو يعلى: «هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن» (^٢).
وقال القرطبِي: «وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بِمَنْ ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بِمَنْ ظاهره القبح. قاله المهدوي» (^٣).
فهل المالكي مِمن أظهر الخير والصلاح، أم الشر والزيغ والضلال؟
لعل في النقول السابقة عنه إجابة شافية عن هذا.
الوجه الثاني: أن الكاتب هنا مع مطالبته بترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد …، قد أساء الظن بتحذيره من سوء الظن به، والتشكيك في نقده والاستعداء عليه قبل وقوعه؛ فإنه لا يَعلم قبل خروج كتابه هل يقبل نقده أم يرد؟ فهو في الوقت الذي يحذر من سوء الظن به يسيء الظن بالناس.
_________________
(١) تفسير ابن الجوزي (٧/ ٤٦٩).
(٢) المصدر نفسه (٧/ ٤٦٩).
(٣) تفسير القرطبِي (١٦/ ٣١٦).
[ ٢٩ ]
كما أن هذا الضال الزائغ مع مطالبته بحسن الظن به مع ما أظهره من عداء لأهل السنة، وطعن في عقيدتهم، وثناء على أهل البدع وتمجيدهم، هو في المقابل يسيء الظن في أصحاب النبِي ﷺ مع ثناء الله ورسوله عليهم بكل خيرٍ وفضلٍ!
بل ذكر في بعض كتبه أنه مع اعترافه بعدم ثبوت ما يُطعن به على الصحابة من التعصب لقبائلهم وعدم إرادة مصلحة الإسلام؛ فإنه يقوله: «إلا أنه ليس هناك دليل شرعي ولا عقلي يمنع من هذا …
إلى أن قال: ورغم عدم قناعتي بهذا كله، إلا أنني أعقل حدوث مثل هذا» (^١).
ويقول عن وصية أبي بكر لعمر بالخلافة بعد ادعائه أنها قوبلت بالمعارضة لغلظة عمر: «ولم يذكر لنا التاريخ شيئًا آخر غير الغلظة، لكن في ظني أن اعتراض مَنْ اعترض كان عنده توجس من مسألة الوصية نفسها …» (^٢).
هكذا يعامل المالكي أصحاب النبِي ﷺ، فيسيء بهم الظن ويصدق فيهم الطعن، مع عدم ثبوت الدليل على ذلك، وأما هو فمهما أظهر من شر وفتنة فيحرم على الناس أن يظنوا به إلا الخير!! ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤، والقلم: ٣٦].
الوجه الثالث: أن هذا الضال قد أظهر العداء والطعن على أهل السنة؛ فمؤاخذته بذلك ليس من قبيل الظن، وإنما هو من قبيل العلم القطعي؛ لأنه ظاهر عليه مشاهد منه.
يقول عمر بن الخطاب ﵁: «إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ،
_________________
(١) قراءة في كتب العقائد (ص ٤٣، ٤٤).
(٢) قراءة في كتب العقائد (ص ٥٠، ٥١).
[ ٣٠ ]
وإن الوحي قد انقطع، وإنما آخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم؛ فمَن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومَن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة» (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به» (^٢).
والكاتب بما يظهر لنا منه ومن كتبه التِي شحنها بالطعن على السنة وأهلها، والانتصار للبدع وأهلها، هو من أشبه الناس بِمَنْ قال الله فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].