ومن الرؤساء الزائغين المرتدين عن الإِسلام من ذهب إلى اطراح السنة بالكلية زاعمًا أن الكذب قد دخل في الأحاديث واختلط الصحيح بالمكذوب بحيث لا يمكن التمييز بينهما فوجب اطراح الجميع. وهذا قول خبيث لا يصدر من رجل مسلم وإنما يصدر من كافر فاجر لا يمت إلى الإِسلام بصلة. وقد وضع هذا المرتد كتابا أملاه عليه شيطانه وجعله شريعة لأتباعه يتمسكون به ويتبعون ما فيه. وقد قال الله تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإِنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) وقال تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون).
وهذا المرتد الذي أشرنا إليه والمؤلف الجاهل وأشباههم من أعداء الأحاديث الصحيحة ينطبق عليهم ما أخبر به رسول الله ﷺ في حديث حذيفة بن اليمان ﵄ أنه يكون في آخر الزمان دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قال حذيفة ﵁ فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال «نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» وفي رواية عن حذيفة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار فلأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم». رواه ابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. وفي رواية «تكون فتنة عمياء صماء دعاة الضلالة أو قال دعاة النار فلأن تعض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وأبو داود السجستاني وغيرهم.
وأما قوله وفضل بنته على أهل الجنة ورفع زوجته عائشة على نساء العالمين.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ظاهر كلام المؤلف أن النبي ﷺ فضل بنته على أهل الجنة على وجه العموم فيدخل في ذلك الرجال والنساء
[ ٧٨ ]
وهذا خطأ ظاهر لأن النبي ﷺ إنما أخبر أن فاطمة ﵂ سيدة نساء أهل الجنة خاصة دون الرجال.
الوجه الثاني أن يقال قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «يا فاطمة أما ترضين أنت تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة» وفي رواية «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة».
وفي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ورجال هذه الأحاديث كلهم ثقات أثبات من لدن الصحابة إلى الأئمة المخرجين لهذه الأحاديث فأي طريق للإِسرائيليين إلى الدس في هذه الأحاديث الصحيحة لو كان المؤلف الجاهل يعقل، ولا ينكر ما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة إلا من هو مكابر معاند.
الوجه الثالث أن يقال إن المؤلف المفتون هو الذي أراد الدس في هذه الأحاديث الصحيحة وتشكيك المسلمين فيما ثبت عن نبيهم ﷺ فهو في الحقيقة شر من اليهود وأعظم منهم ضررًا على الإِسلام والمسلمين.
الوجه الرابع أن النبي ﷺ إنما كان مبلغا عن الله كما قال تعالى (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى). وإخباره صلى الله علي وسلم بما أكرم الله به بنته فاطمة من السيادة لنساء أهل الجنة وما أكرم الله به زوجته عائشة من التفضيل على النساء ليس من التعصب نحو بنته وزوجته كما زعم ذلك عدو الله وليس في ذلك ما يدعو إلى اتهامه ﷺ كما زعم ذلك أيضا.
وقد روى الترمذي وحسنه عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال «هذا ملك نزل من السماء لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» فهذا يدل على
[ ٧٩ ]