قال أبو عمر الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإِكثار دون تفقه ولا تدبر، والمكثر لا يأمن مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ لروايته عمن يؤمن وعمن لا يؤمن انتهى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٩) و(٢٠) ما نصه
أصحاب النبي كانوا يتركون التحدث عن رسول الله - ص - خوفا من الزيادة أو النقصان في كلامه. أخرج البخاري عن السائب بن يزيد قال صحبت طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فما سمعت أحدًا منهم يحدث عن رسول الله إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد.
وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قال ابن بطال وغيره كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول الله خشية المزيد أو النقصان.
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث. وكان كثير من عظماء الصحابة وأهل الخاصة برسول الله كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس يخافون الرواية وكسعيد بن الزبير أحد العشرة المبشرين بالجنة الذي لم يرو شيئًا أبدا، ولو أنت تصفحت البخاري ومسلم ما وجدت فيهما حديثًا واحدًا لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وليس فيهما كذلك حديث لعقبة بن غزوان وأبي كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم وقال ابن القيم إن الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله - ص - ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقصان ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي مرارًا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله.
والجواب أن يقال أما ما رواه البخاري عن السائب بن يزيد أنه صحب طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف فلم يسمع أحدًا منهم يحدث عن رسول الله ﷺ.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال قد روي عن هؤلاء الأربعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ رواها عنهم غير السائب بن يزيد وهي في
[ ١١٠ ]
الصحاح والسنن والمسانيد. ولولا خشية الإِطالة لذكرت من ذلك كثيرًا. ومن أراد الاطلاع على أكثرها فعليه بمسند الإِمام أحمد ففيه ما يكفي عن الوقوف على غيره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة طلحة بن عبيد الله ﵁. روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر، ثم ذكر سبعة عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي لطلحة عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، وكذا قال الخزرجي في الخلاصة قال النووي واتفقا منها على حديثين. وقال الخزرجي اتفقا على حديث قالا وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة سعد بن أبي وقاص ﵁ روى عن النبي ﷺ وعن خولة بنت حكيم. ثم ذكر خمسة وعشرين من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ مائتان وسبعون حديثًا. وقال الخزرجي في الخلاصة له مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا قالا واتفق البخاري ومسلم على خمسة عشر منها وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة المقداد بن الأسود ﵁ روى عن النبي ﷺ، ثم ذكر ثلاثة عشر من الرواة عنه، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وأربعون حديثا اتفقا على حديث واحد وانفرد مسلم بثلاثة. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة عبد الرحمن بن عوف ﵁. روى عن النبي ﷺ وعن عمر، ثم ذكر ثمانية عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم، قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثًا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة.
الوجه الثاني أن يقال ما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن بطال وغيره أنهم قالوا إن كثيرًا من كبار الصحابة لا يحدثون عن النبي ﷺ خشية المزيد والنقصان ليس على إطلاقه وإنما معناه أنهم يقلون الرواية عن النبي صلى الله عليه
[ ١١١ ]
وسلم ويتورعون عن التحديث بما لم يحفظوه ويضبطوا ألفاظه. والدليل على أنه ليس على إطلاقه أنه ليس أحد من كبار الصحابة إلا وقد روي عنه جملة من الأحاديث التي رواها عن النبي ﷺ فمقل منهم ومكثر. ومن أراد الوقوف على بعض أحاديثهم فعليه بمسند الإِمام أحمد ففيه ما يشفي ويكفي في الرد على المؤلف وعلى غيره من أعداء السنة الذين قد جندهم الشيطان للتمويه على الناس وتضليل المسلمين وتشكيكهم فيما ثبت عن نبيهم ﷺ من الأحاديث والمعجزات وخوارق العادات.
وأما ما نقله المؤلف عن ابن قتيبة فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال إن المؤلف قد حرف كلام ابن قتيبة وغير فيه. وهذا نص كلام ابن قتيبة، قال «وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة» انتهى كلام ابن قتيبة، وقد حرف المؤلف قوله «من جلة الصحابة» بقوله من عظماء الصحابة، وقوله «يقلون الرواية عنه» بقوله يخافون الرواية، وقوله «كسعيد بن زيد» بقوله وكسعيد بن الزبير، وقوله «بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا» بقوله وكسعيد بن الزبير الذي لم يرو شيئًا أبدًا، ثم إن المؤلف زاد على كلام ابن قتيبة كلامًا لأبي رية نقله من ظلماته ولم ينسبه إليه وهو قوله، ولو أنت تصفحت البخاري ومسلم إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره ولم يفصل بين كلام ابن قتيبة وكلام أبي رية، وقد تبع أبارية في ذلك فإِن أبا رية لقلة الأمانة عنده لم يفصل بين كلامه وكلام ابن قتيبة ليوهم أن الجميع من كلام ابن قتيبة وقد قلده المؤلف وسار على إثره كما يسير الأعمى خلف الأعمى وكأنه يظن أن الجميع من كلام ابن قتيبة وهذا من غباوته وكثافة جهله.
الوجه الثاني أن يقال إن أبا بكر والزبير وأبا عبيدة والعباس وسعيد بن زيد ﵃ كلهم قد رووا عن النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁ روى عن النبي ﷺ، ثم ذكر أربعة وعشرين من الرواة عنه وأكثرهم من الصحابة ومنهم عمر وعثمان وعلي ﵃ وأشار إلى جماعة ممن روى عنه سوى الأربعة والعشرين
[ ١١٢ ]
قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي للصديق عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنان وأربعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث، وكذا قال الخزرجي في الخلاصة.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة الزبير ﵁، روى عن النبي ﷺ، ثم ذكر سبعة من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم. وقال الخزرجي في الخلاصة له ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بسبعة.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ﵁ روى عن النبي ﷺ، ثم ذكر اثني عشر من الرواة عنه وبعضهم من الصحابة. وقال الخزرجي في الخلاصة له أربعة عشر حديثًا انفرد له مسلم بحديث.
وذكر الحافظ أيضا في ترجمة العباس بن عبد المطلب ﵁ اثني عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة. وكذا قال الخزرجي في الخلاصة.
وقال الحافظ أيضًا في ترجمة سعيد بن زيد بن عمر وبن نفيل ﵁ روى عن النبي ﷺ، ثم ذكر خمسة عشر من الرواة عنه وأشار إلى غيرهم، وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث. وقال الخزرجي في الخلاصة له ثمانية وثلاثون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر.
وأما قول المؤلف تبعا لأبي رية ولو أنك تصفحت البخاري ومسلم ما وجدت فيه حديثًا واحدًا لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وليس فيها كذلك حديث لعقبة بن غزوان وأبي كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم.
فجوابه أن يقال أما أبو عبيدة ﵁ فقد تقدم قول صاحب الخلاصة أن مسلمًا انفرد له بحديث.
وأما عتبة بن غزوان ﵁ فقد أخطأ المؤلف حيث سماه عقبة وإنما
[ ١١٣ ]