فقد كثر الخوض والجدال فيه من ذوي القلوب المريضة وأدعياء الأدب والثقافة وأكثروا من الدعاوي الباطلة في معارضة القائلين بمنع النساء من السفور وسياقة السيارات وغير ذلك من أسباب الشر والفساد وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
ومن هذا الباب قول يوسف بن هاشم الرفاعي في سياقة النساء للسيارات إنه جائز ومباح، قال وباب سد الذرائع في هذه المسألة تجاوزه الوقت.
كذا قال الرفاعي ولم يأت بدليل على ما ادعاه من الجواز والإباحة وتجاوز الوقت لباب سد الذرائع، وقد قال النبي - ﷺ -: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ وقال الشاعر:
[ ٢٣٦ ]
والدعاوي ما لم يقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء
والجواب عن دعاوي الرفاعي من وجوه:
أحدها: أن يقال إن المرأة عورة بنص رسول الله - ﷺ - كما سيتي في حديث ابن مسعود ﵁ والعورة يجب سترها ولا يجب كشفها إلا لمن يباح لهم النظر إليه، وسياقة المرأة للسيارة يستدعي كشف الوجه واليدين منها عند الرجال الأجانب وذلك غير جائز كما سيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال إن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان كما سيأتي النص على ذلك في حديث ابن مسعود ﵁، ومعناه أن الشيطان يتعرض لها بالفتنة فيفتنها بالرجال ويفتن الرجال بها، وسياقة المرأة للسيارة وذهابها حيث شاءت من البلد وخارج البلد فيه أعظم تعريض للفتنة، وما كان سببًا للفتنة فإنه يجب المنع منه، وقد روى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: «إنما النساء عورة وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس فيستشرفها الشيطان، فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال أين تريدين فتقول أعود مريضًا أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها» قال المنذري: إسناده حسن وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
الوجه الثالث: إن النبي - ﷺ - رغب المرأة في لزوم بيتها فقال فيما رواه عنه ابن مسعود، ﵁: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها أقرب ما تكون إلى الله وهي في
[ ٢٣٧ ]
قعر بيتها» رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطبراني في الكبير والأوسط، وروى الترمذي أوله وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وفي ترغيب النبي - ﷺ - المرأة في لزوم بيتها دليل على أنه ينبغي لها أن تقلل الخروج من بيتها فلا تخرج منه إلا لحاجة لا بد منها وسياقة المرأة للسيارة تستدعي كثرة خروجها من بيتها وهو مخالف لما رغبها فيه رسول الله - ﷺ -.
الوجه الرابع: أن يقال إن سياقة النساء للسيارات تكون في الغالب وسيلة إلى أشياء محرمة، وما كان وسيلة إلى شيء محرم فهو محرم لأن الوسائل لها حكم الغايات والمقاصد، فمن ذلك كشف الوجوه عند الرجال الأجانب وهو من أعظم أسباب الفتنة ولا سيما إذا كانت المرأة شابة وجميلة، وقد قال رسول الله - ﷺ - «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه من حديث أسامة بن زيد ﵄ ورواه مسلم أيضًا والترمذي من حديث أسامة بن زيد وسعيد بن عمرو بن نفيل، ﵄، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وروى الإمام أحمد ومسلم أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» وروى الترمذي بعضه في حديث طويل، ورواه ابن ماجه مختصرًا أيضًا وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية التستر
[ ٢٣٨ ]
للنساء في جميع أبدانهن إذا كن بحضرة الرجال الأجانب، وجاء عن الصحابة ﵃ آثار كثيرة في ذلك وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فأما الأدلة من الكتاب ففي ثلاث آيات منه: إحداهن قول الله تعالى في سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال الجوهري: الجلباب الملحفة وقال ابن حزم الجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله - ﷺ -: هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه، وقال ابن الأثير: الجلباب ما يتغطى به الإنسان كله من ثوب أو إزار، وقال البغوي: هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال ابن كثير في تفسيره: هو الرداء فوق الخمار قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس، ﵄ في هذه الآية قال أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة، وروى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن قول الله ﷿ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى.
وقال الواحدي قال المفسرون: يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا
[ ٢٣٩ ]
عينًا واحدة فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى وبه قال ابن عباس ﵄.
وقال الزمخشري في الكشاف: ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على هجيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فصل بين الحرة والأمة وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرءوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع وذلك قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرض لهن ولا يلقين ما يكرهن انتهى.
وقال أبو حيان في تفسيره: كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار وكان الزناة يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرءوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، وقال السدي تغطى إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة، والظاهر أن قوله ونساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء لأن الفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح و"من" في جلابيبهن للتبعيض
[ ٢٤٠ ]
وعليهن شامل لجميع أجسادهن أو عليهن على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه انتهى.
وقال ابن جزي الكلبي: في تفسيره المسمى "كتاب التسهيل لعلوم التنزيل" كان نساء العرب يكشفن وجوهن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس ﵄ أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها انتهى.
الآية الثانية: قول الله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الآية.
الآية الثالثة: قوله تعالى في سورة النور ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقد ذكرت كلام العلماء على هذه الآية والآية التي قبلها في كتاب "الصارم المشهور على هل التبرج والسفور" فليراجع هناك.