وذلك لضعف الإيمان والغيرة فيهم، فترى كثيرًا من النساء لا يبالين بالسفور عند الرجال الأجانب والخلوة معهم في البيوت والمنتزهات والركوب معهم في السيارات بدون محرم والتحدث معهم في مواضع الخلوة والسفر إلى البلاد البعيدة بدون محرم، وأولياؤهن لا يبالون بشيء من ذلك بمخالفتهن لأمر الشارع وارتكابهن لنهيه، وكثير من الناس يجعلون عندهم سائقين للسيارات من المسلمين وغير المسلمين ويفوضون إليهم الذهاب والمجيء بنسائهم بدون محرم يرافقهن حتى كأن السائقين الأجانب من محارمهن فيخلون بهن في البيوت والسيارات ويتحدثون معهن وينظرون إليهن ويذهبون بهن إلى الأسواق وإلى ما شئن من البيوت وغيرها ويذهبون بالمعلمات منهن والطالبات إلى المدارس، وربما ذهبوا بهن أو ببعضهن إلى المنتزهات ومواضع الخلوة، وكثير من الناس يجعلون عند أزواجهم ومحارمهم رجالا من المسلمين وغير المسلمين يخدمونهن في بيوتهن ويخلون بهن ويتحدثون معهن وينظرون إليهن وينظرن إليهم.
وهذا من نتائج عدم الغيرة فيهم وإضاعتهم لما استرعاهم الله تعالى من أمور نسائهم وسيسألون يوم القيامة عما أضاعوه كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن
[ ٢٥٥ ]
رعيته» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن إلا ابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروى الإمام أحمد أيضًا عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا يسترعي الله ﵎ عبدًا رعية قلت أو كثرت إلا سأله الله ﵎ عنها يوم القيامة أقام فيهم أمر الله ﵎ أم أضاعه حتى يسأله عن أهل بيته خاصة» وروى أبو نعيم في الحلية عن أنس، ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ ذلك أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته».
وكثير من الناس يستجلبون الخادمات من البلدان البعيدة من المسلمات وغير المسلمات ويجعلونهن في بيوتهم مثل بعض نسائهم فيخلون بهن وينظرون إليهن ويحدثون معهم وهذا من أعظم أبواب الفتنة وأقرب الطرق إلى وقوع الفاحشة ولا سيما إذا كانت الخادمة شابة وإن كانت مع ذلك جميلة فهو أعظم للافتتان بها، فلا ينبغي للعاقل الذي يهمه دينه أن يستجلب الخادمات إلى بيته ولو كن مسنات فيعرض نفسه أو بعض من فيه بيته من إخوة وبنين إلى الفتنة بهن فإن النفس أمارة بالسوء كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز والشيطان طلاّع رصّاد وقد قال النبي - ﷺ -: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث صفية بنت حيي ﵂ ورواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود أيضًا من حديث أنس بن مالك ﵁، وقد تقدمت الأحاديث في النهي عن الخلوة بالمرأة الأجنبية وفيها أنه ما خلا رجل بامرأة لا تخجل له إلا كان ثالثهما
[ ٢٥٦ ]
الشيطان، وفي رواية ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما، وفي رواية «إياكم ومحادثة النساء فإنه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا هم بها» وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عمر ﵄ قال: «إن إبليس قال لموسى ﵊ إياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها» وروى أيضًا عن عبد الرحمن بن زياد قال: «إن إبليس قال لموسى ﵊ لا تخلون بامرأة لا تحل لك فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها».
والقصص التي تروى عن حمل الخادمات في البيوت أكثر من أن تحصر ولعل اللاتي لا يحملن أكثر وأكثر، وينبغي للعاقل أيضًا أن لا يأمن الخادمين في بيته والسائقين لسياراته على نسائه وأبنائه الصغار فإنهم غير مأمونين عليهم، وكم من قصة تروى عن حمل بعض النساء من بعض السائقين والخادمين، ولعل من لا يحملن أكثر وأكثر، والعاقل يعتبر بما جري على غيره، والسعيد من وعظ بغيره، ومن لا غيرة له على محارمه وأولاده فلا خير فيه.
فصل