قال (ص١٢): «الأمور التي تتصل بالأحكام الشرعية من ناحية الحل والحرمة وما يجب فعله وما يجب تركه، فكل ما سكت عنه الرسول - ﵌ - مندرج في الأصول العامة التي تدرك بالتأمل والنظر في الشريعة ككل مترابط لا اختلاف فيه، وسواء في ذلك ما حدث في عصره - ﵌ - وما حدث بعد عصره، حيث اجتهد الصحابة وسعهم في مثل هذه الأمور ثم عرضوا اجتهادهم عليه فأخذه أو صححه، ولم يعنفهم أو ينهاهم علا (٣) مثل هذا الاجتهاد »، وذكر أمثلة لذلك:
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٢٦٩٧)، الإمام مسلم (١٧١٨/ ١٧).
(٢) رواه الإمام أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الشيخ الألباني، وراجع القاعدة الرابعة: تقسيم السنة إلى فعلية وتركية.
(٣) هكذا بالأصل، ولعله خطأ طباعي، والصحيح (ينههم عن).
[ ٧٤ ]
١ - أخذ خالد بن الوليد - ﵁ - الراية يوم مؤتة من غير انتظار أمر، لأنه رأي المصلحة في ذلك.
٢ - تيمم عمرو بن العاص - ﵁ - في يوم برد وخشيته أن يغتسل بالماء البارد.
٣ - صلاة بلال - ﵁ - ركعتين بعد الأذان وبعد الوضوء الخ.
٤ - قول أحد الصحابة في مجلس النبي - ﵌ -: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه
الرد:
١ - قوله: «كل ما سكت عنه الرسول - ﵌ - مندرج في الأصول العامة التي تُدْرَك بالتأمل والنظر في الشريعة ككل مترابط لا اختلاف فيه»، هذا في أمور العادات أما العبادات فالأصل أن ما سكت عنه الرسول - ﵌ - المنع (١).
٢ - أما اجتهادات الصحابة فقد أقرها الرسول - ﵌ -، وهذا من قبيل السنة التقريرية وليست دليلًا على جواز الابتداع، لأن الدليل فيها ليس اجتهادهم، بل إقرار الرسول - ﵌ - بدليل أن بعض الصحابة اجتهدوا ولم يقر الرسول - ﵌ - اجتهادهم.
قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث جابر - ﵁ -: «كنا نعزل والقرآن ينزل» (٢): «فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حرامًا لم نُقَرّ عليه» ا. هـ. وفي أثر جابر - ﵁ - دلالة واضحة على عصمة عصر التشريع من الإقرار على الخطأ، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وليست هذه الميزة لأحد بعد وفاة النبي - ﵌ - وانقطاع الوحي، وفي مقابل إقرار الرسول - ﵌ - للصحابة على العزل فقد أنكر - ﵌ - على الثلاثة الذين قال أحدهم: «أما أنا فأنا أصلى الليل أبدًا»، وقال آخر: «أنا أصوم الدهر ولا أفطر»، وقال آخر: «أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا» فجاء إليهم رسول الله - ﵌ - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكنى
_________________
(١) راجع القاعدة الرابعة: تقسيم السنة إلى فعلية وتركية.
(٢) البخاري: ٤٨٠٨.
[ ٧٥ ]
أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) رغم أن اجتهادهم كان في طاعة الله، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر.
٣ - أخْذ خالد - ﵁ - الراية يوم مؤتة ليس من باب العبادات أصلًا بل الأصل فيه تحقيق المصلحة فإن الرسول - ﵌ - قال: «الحرب خدعة» (٢).
٤ - تيمم عمرو بن العاص - ﵁ - في يوم برد وخشيته أن يغتسل بالماء البارد ليس استنادًا إلى سكوت الرسول - ﵌ - بل استنباطًا من الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
٥ - قول أحد الصحابة - ﵃ - في مجلس النبي - ﵌ -: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه » لا يعدو أن يكون ثناءً عامًا على الله - ﷿ - وليس في ذلك حدّ يُنتَهى إليه لا يجوز تعديه بل الأصل فيه السعة بخلاف ما إذا كان هناك أثر عن النبي - ﵌ - بصيغة مخصوصة في حال مخصوص كما روى الشيخان عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال النبي - ﵌ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: «اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت»، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فرددتهُا على النبي - ﵌ - فلما بلغتُ «آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلتُ: «ورسولك»! قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (٣)، قال الحافظ ابن حجر: «ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٥٠٦٣).
(٢) رواه الإمام البخاري (٣٠٣٠)، والإمام مسلم (١٧٣٩).
(٣) رواه الإمام البخاري (٢٤٧)، والإمام مسلم (٢٧١٠).
[ ٧٦ ]
الثواب» (١).
* سؤال: لو أن أحد العلماء استحب صلاة ركعتين أو أربع ركعات بعد كل أكل مثلًا شكرًا لله على نعمة الأكل هل يجوز هذا على اعتبار أن هذا مسكوت عنه (حيث لم يرد في الشرع ما يبيح أو يمنع) وقياسًا على فعل بلال - ﵁ - في صلاة ركعتين بعد كل أذان ووضوء؟ الإجابة: هو بدعة، لأنه أحدث في الشرع ما لم يفعله الرسول - ﵌ -، ولا يقاس على فعل بلال - ﵁ -، لأن فعل بلال - ﵁ - أقره النبي - ﵌ - فهو سنة.