الخلاف في بعض البدع
قد يوجد خلاف معتبر في أمر ما هل هو من البدع أم لا؟ إما باعتبار الخلاف في فهم الأدلة مثل إهداء ثواب قراءة القرآن للأموات، أو باعتبار الخلاف في صحة الدليل أو ضعفه مثل استخدام الخطوط في المسجد لتسوية الصفوف ومثل الخلاف في السُّبْحة (المسبحة) أي الخرزات المنظومة لعد الأذكار.
* مثال: مسألة التسبيح بالمسبحة:
أولًا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عد التسبيح بالأصابع سنة» (١).
* عن حميضة بنت ياسر عن جدتها يسيرة وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله - ﵌ -: «عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فَتَنْسَيْنَ الرحمة» (٢).
* التسبيح باليد أفضل، ولم يثبت عن النبي - ﵌ - أنه اتخذ مسبحة يسبح الله بها
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٦٥٣).
(٢) رواه الإمام الترمذي (٣٨٣٥) وحسنه الشيخ الألباني. (قَالَ لَنَا) أَيْ مَعْشَرِ النِّسَاءِ «عَلَيْكُنَّ» اِسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اِلْزَمْنَ وَأُمْسِكْنَ «بِالتَّسْبِيحِ» أَيْ بِقَوْلِ سُبْحَانَ الله ِ «وَالتَّهْلِيلِ» أَيْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله «وَالتَّقْدِيسِ» أَيْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ أَوْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. «وَاعْقِدْنَ» بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ اُعْدُدْنَ عَدَدَ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْه ِ «بِالْأَنَامِلِ» أَيْ بِعِقْدِهَا أَوْ بِرُءُوسِهَا يُقَالُ عَقَدَ الشَّيْءَ بِالْأَنَامِلِ عَدَّهُ. وَالْأَنَامِلُ جَمْعُ أُنْمُلَةٍ: الَّتِي فِيهَا الظُّفْرُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَصَابِعُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ عَكْسُ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لِلْمُبَالَغَةِ «فَإِنَّهُنَّ» أَيْ الْأَنَامِلَ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ «مَسْئُولَاتٌ» أَيْ يُسْأَلْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا اِكْتَسَبْنَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ اُسْتُعْمِلْنَ «مُسْتَنْطَقَاتٌ» بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ مُتَكَلِّمَاتٌ بِخَلْقِ النُّطْقِ فِيهَا فَيَشْهَدْنَ لِصَاحِبِهِنَّ أَوْ عَلَيْهِ بِمَا اِكْتَسَبَهُ. «وَلَا تَغْفُلْنَ» بِضَمِّ الْفَاءِ. وَالْفَتْحُ لَحْنٌ، أَيْ عَنْ الذِّكْرِ يَعْنِي لَا تَتْرُكْنَ الذِّكْرَ «فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ» بِفَتْحِ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنْ النِّسْيَانِ أَيْ فَتَتْرُكْنَ الرَّحْمَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ التَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ الْإِنْسَاءِ قَالَ الْقَارِي: وَالْمُرَادُ بِنِسْيَانِ الرَّحْمَةِ نِسْيَانُ أَسْبَابِهَا أَيْ لَا تَتْرُكْنَ الذِّكْرَ فَإِنَّكُنَّ لَوْ تَرَكْتُنَّ الذِّكْرَ لَحُرِمْتُنَّ ثَوَابَهُ فَكَأَنَّكُنَّ تَرَكْتُنَّ الرَّحْمَةَ. اهـ من (تحفة الأحوذي بتصرف)
[ ٧١ ]
فيما نعلم والخير كل الخير في اتباعه (١).
ثانيًا: من ذهب من العلماء إلى جواز التسبيح بالمسبحة قال إن التسبيح باليد أفضل.
ثالثًا: من قال من العلماء بجواز العد بالنوى والحصى استدل بفعل الصحابة وإقرار الرسول على ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي - ﵌ - للنساء: «واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات» وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك، فحسن وكان من الصحابة - ﵃ - من يفعل ذلك، وقد رأي النبي - ﵌ - أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك وروى أن أبا هريرة كان يسبح به (٢).
وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز، فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أُحسِنت فيه النية فهو حسن غير مكروه، وأما اتخاذه من غير حاجة، أو إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك - فهذا إما رياء الناس، أو مظنة الرياء ومشابهة المرائين من غير حاجة.
الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة؛ فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب» (٣).
رابعًا: ذهب بعض العلماء إلى أن السُّبْحة بدعة مضافة في التعبد بالأذكار والأوراد لم تكن في عهد النبي - ﵌ - وضعفوا الأحاديث والآثار التي استدل بها المجوّزون، واستدلوا بما رواه ابن وضاح القرطبي في البدع عن ابن مسعود أنه مر بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجْله ثم قال: «لقد سبقتم! ركبتم البدعة ظلما! ولقد غلبتم أصحاب محمد - ﵌ - علمًا».
وقالوا بأن التسبيح بالمسبحة مخالف لهديه - ﵌ - حيث كان يعقد التسبيح بيمينه (٤)، وقالوا بأن استعمال المسبحة يقضي على سنة العد بالأصابع (٥).
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة (٧/ ١١١).
(٢) رواه الإمام الترمذي (٣٨٠٧) وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمعروف. وقال الشيخ الألباني: منكر.
(٣) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٣).
(٤) رواه الإمام أبو داود (١٥٠٢) وصححه الشيخ الألباني.
(٥) انظر: السُّبْحة، تاريخها وحكمها للشيخ بكر أبو زيد، السلسلة الضعيفة للشيخ الألباني (١/ ١٨٥ - ١٩٣)، السلسلة الصحيحة له أيضًا (١/ ٤٨)، ضعيف الترمذي (٧١١، ٧١٧)، ضعيف أبي داود (٣٢٣).
[ ٧٢ ]