أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء. وبالإجماع على تحريم الربا على وجه العموم والإجماع على أنه من الكبائر. وتحليل الربا وتسميته باسم الفائدة ليس من اليسر الذي أراده الله بعباده كما قد زعم ذلك محمد عبده وإنما هو من تحريف الكلم عن مواضعه وتغيير حكم الله ورسوله في الربا وتطبيقه على حكم القانون.
فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من الاغترار بفتوى محمد عبده بتحليل الربا وتسميته باسم الفائدة، وليحذر أيضا من الاغترار بفتاوى رشيد رضا بتحليل ربا الفضل وتسميته باسم الفائدة بناء على ما مهده له شيخه محمد عبده من تحريف الكلم عن مواضعه وتغيير حكم الله ورسوله في الربا وتطبيقه على حكم القانون.
وقد قال الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه المسمى (عمدة التفسير) تعليقا على قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية: "والمتلاعبون بالدين من أهل عصرنا وأولياؤهم من عابدي التشريع الوثني الأجنبي، بل التشريع اليهودي في الربا يلعبون بالقرآن ويزعمون أن هذه الآية تدل على أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة ليجيزوا ما بقي من أنواع الربا على ما ترضى أهواؤهم وأهواء سادتهم ويتركوا الآية الصريحة ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فكانوا في تلاعبهم بتأول هذه الآية الصريحة أسوأ حالا ممن ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". انتهى.
وقال الشيخ محمود شلتوت في كتابه (تفسير القرآن الكريم): "بقي علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير هو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، يحاولون أن يجدوا تخريجا للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها. ويلتمسون السبيل إلى ذلك. فمنهم من يزعم أن القرآن إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ فهذا قيد في التحريم لابد أن يكون له فائدة وإلا كان الإتيان به عبثا، تعالى الله عن ذلك، وما فائدته في زعمهم إلا أن يؤخذ بمفهومه وهو إباحة ما لم يكن أضعافا مضاعفة من الربا. وهذا قول باطل فإن الله -﷾- أتى بقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ توبيخا لهم على
[ ٥٩ ]
ما كانوا يفعلون وإبرازا لفعلهم السيئ وتشهيرًا به. يقول الله لهم لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافا مضاعفة فلا تفعلوا ذلك، وقد جاء النهي في غير هذه المواضع مطلقا صريحا ووعد الله بمحق الربا قلَّ أو كثر ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه كما جاء في الآثار. وآذن من لم يدعه بحرب الله وحرب رسوله. واعتبره من الظلم الممقوت وكل ذلك ذكر فيه الربا على الإطلاق دون تقييد بقليل أو كثير.
ومنهم من يميل إلى اعتباره ضرورة من الضرورات بالنسبة للأمة، ويقول مادام صلاح الأمة في الناحية الاقتصادية متوقفا على أن تتعامل بالربا وإلا اضطربت أحوالها بين الأمم فقد دخلت بذلك في قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وهذا أيضا مغالطة، فقد بينا أن صلاح الأمة لا يتوقف على هذا التعامل وأن الأمر فيه إنما هو وهم من الأوهام وضعف أمام النظم التي يسير عليها الغالبون الأقوياء.
وخلاصة القول أن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرم الله أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير بدافع المجاراة للأوضاع الحديثة أو الغربية، والانخلاع عن الشخصية الإسلامية إنما هي جرأة على الله -تعالى- وقول عليه بغير علم وضعف في الدين وتزلزل في اليقين". انتهى كلامه. ولقد أجاد في رده على المتلاعبين بالدين وهم الذي يغالطون في تحريم الزيادة الربوية ويستحلونها باسم الفوائد، أو بالاستناد إلى مفهومهم الخاطئ في تأويل قول الله -تعالى-: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. أو بما يزعمونه من اعتبار الضرورة التي تبيح المحظور، وهؤلاء المغالطون في تحريم الزيادة الربوية ينطبق عليهم قول الله -تعالى-: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
وفي كلام الشيخ أحمد محمد شاكر والشيخ محمود شلتوت أبلغ رد على الفتان الذي قد اقتفى آثار المتلاعبين بالدين، وبذل جهده في نشر أباطيله في تحليل الربا والدعوة إلى استحلاله.
الوجه الثالث: أن يقال: إن البنوك التي يتعامل أهلها بالربا قد كثرت جدًا
في جميع أنحاء البلاد الإسلامية منذ زمان طويل، ومع هذا فإنه لم يحصل منها قوة
اقتصادية للمسلمين فضلا عن أن يحصل بسببها قوة إسلامية يرهب منها أعداد الإسلام
[ ٦٠ ]