بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
وبعد، فهذا هو الكتاب الثالث من هذه السلسلة، بعد الكتاب الأول:
«العلمانية، المفهوم والمظاهر والأسباب» وهو الذي جعلته طليعة للسلسلة. وقد طبع في الرباط، ونشرته جريدة «السبيل» المغربية في غشت ٢٠١١.
والكتاب الثاني: «العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام». وقد طبع في المكتبة الإسلامية بمصر.
أبحث في هذه الرسالة موضوعين هامين، لهما ارتباط بموضوع العلمانية:
الأول: العلمانية والمذهب المالكي.
والثاني: ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي؟
وهما موضوعان مترابطان متداخلان يكمل أحدهما الآخر، فتطبيق الشريعة الإسلامية يعني رفض العلمانية، والعكس صحيح. ولذلك جمعت بينهما في هذه الرسالة. ولا تخفى أهمية هذين الموضوعين في إطار تعرضنا لموضوع العلمانية وبحث موضوعاتها المختلفة وتناولها من زوايا مختلفة، لعلنا نسلط الضوء على أهم جوانبها وأبرز تجلياتها، متجنبا الاشتباك مع معارضي ومخالفي، مفسحا المجال للعرض الهادئ لنصوص واضحة بينة لا لبس فيه لعلماء المذهب المالكي، الذي طالما تغنى أهل بلدنا بالدفاع عنه والإشادة به.
[ ٥ ]
بينت في الرسالتين أن المذهب المالكي عبادة وشريعة، علاقة بين العبد وربه، وعلاقة بين العبد ومحيطه، وأنه لا حجة عند المغاربة على مر تاريخهم إلا في الشريعة، ولا مرجع إلا هي، وأنه لا يجوز التحاكم عند المالكية إلا إلى القرآن والسنة. وأن السياسة إذا لم تتقيد بالشريعة فهي مرفوضة، وأن المذهب المالكي ظل يحكم المغرب في شتى مجالات الحياة: السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى أن جاء الاستعمار فغيَّر وبدَّل وأوقف العمل بأحكام الشريعة في عدة مجالات.
وبينت كيف أن الحفاظ على الأحكام الشرعية أهم واجب على السلطان عند علماء وسلاطين المغرب.
وتكلمت عن عناية السلاطين العلويين بالزكاة الشرعية وإلغاء المكوس، وإنكار المالكية لتبديل الزكاة بالضريبة، وأنه وَقَفَ خَلْفها دول غربية على رأسها فرنسا وإنجلترا. وأنها أحد أهم أسباب خلع السلطان عبد العزيز من قبل علماء مراكش وفاس.
ثم بينت أن الدول التي حكمت المغرب كانت حريصة على تطبيق الشريعة ومن ضمنها الحدود الشرعية. بل إن بعض الحكام مثل يعقوب المنصور كان يقيم الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين.
وظل هذا دأب الدولة العلوية الحاكمة في المغرب منذ نشأتها إلى ما قبل الحماية ودخول الاستعمار، حتى أنكر السلطان العلوي محمد بن عبد الله تبديل الحدود الشرعية بالقوانين الوضعية وقال: وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، لأنه خرق للشريعة وإبطال لأحكام القرآن.
[ ٦ ]
وظل الخمر ممنوعا طوال تاريخ المغرب، ولم يرخص لغير اليهود والنصارى ببيعه وشربه، ولم يعرف أن الدولة المغربية أعطت ترخيصا لمسلم لبيع الخمر إلا بعد مجيء الاستعمار.
كما تكلمت عن عناية الدولة العلوية بجمع الجزية من اليهود. ومناهضة علماء المالكية للبنوك الربوية. وأن الربا لم يدخل في صورة منظمة ومؤسسة إلا لما سقط المغرب فريسة للتدخلات الأجنبية، في عهد السلطان عبد العزيز. وكان إحداثه للبنك الربوي أحد أهم أسباب خلعه وتعيين السلطان عبد الحفيظ مكانه.
ثم تحدثت عن علمنة القانون في تاريخ المغرب وبينت أن الظهير البربري أهم مظاهر العلمنة في المغرب. وأن المحاكم الإسلامية المعتمدة على المذهب المالكي كانت تشمل جميع المخالفات سواء كانت الأحوال الشخصية أو الجنائية أو غيرها. وأول من فصل بين القضاء الشرعي المعتمد على الشريعة والقضاء الجنائي وغيره هو المقيم العام ليوطي.
وفي ظل الاحتلال والحماية الفرنسية تم إقصاء الشريعة الإسلامية وإحلال القانون العلماني الوضعي محلها.
وبينت كذلك أن أهم أهداف السياسة البربرية هي:
١ - فرنسة البربر.
٢ - إخراجهم من الإسلام والقضاء على القرآن.
٣ - تنصيرهم.
[ ٧ ]
وفي الرسالة الثانية بينت ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي؟ من الناحية السياسية والإعلامية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية. ونقلت نصوص المالكية في ذلك.
هذا، ولا يفتأ العلمانيون في اختراع الشبهات تجاه تطبيق الشريعة الإسلامية، واتخذوا ذرائع شتى لذلك، كان من إبرازها: اتخاذ الأقليات أداة اعتراض على حاكمية الشريعة واستعملوها ورقة ضغط وعقبة في وجهها. مع أن الشريعة ظلت تحكم خلال قرون عديدة، ولم تشكل مسألة الأقليات أية مشكلة أو عائق في وجه الشريعة. ولم تنتقص الشريعة شيئا من تدين هذه الأقليات، لأن شرائع هذه الأقليات ليس فيها فقه معاملات مدنية. فالشريعة الإسلامية ليست بديلا لشريعة مدنية نصرانية، وإنما هي بديل للقانون الوضعي العلماني الذي جاء به الغزاة القاهرون للأغلبيات والأقليات جميعا (١).
فليس للنصارى تشريع قانوني يهدده تطبيق الشريعة. بل العلمانية هنا هي المذهب الند للإسلام والنصرانية معا لا النصرانية. وتطبيق الشريعة يكفل للنصارى حرية تَدَيُّن أكثر مما يكفلها لهم النظام العلماني. وبالتالي فعلى النصارى دعم تطبيق الشريعة الإسلامية بدل التخويف منها.
وطالما روج العلمانيون أن العلمانية هي الحل المثالي لتجاوز التشظي المذهبي، وليست هذه إلا ذريعة لتجاوز الإسلام وقيمه وشرائعه. فهاهو لبنان الجريح مثال صارخ لتلك العلمانية البئيسة المفلسة. ولا توجد دولة تعيش حالة
_________________
(١) الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية (٤٦). وانظر في كون تطبيق الشريعة لا يهدد الوحدة الوطنية: تهافت العلمانية في الصحافة العربية (٢٣٩).
[ ٨ ]
من الاضطراب والفوضى وانعدام الأمن والتناحر السياسي بدون أدنى هدف مثل لبنان، لا يجتمع أهلها يوما إلا تفرقوا في اليوم الموالي أكثر مما كانوا قبل اتفاقهم. ولم تجلب لهم العلمانية إلا الضعف والوهن.
وقد حاول العلمانيون إسكات جميع الأصوات المخالفة لهم، ولهذا أضحت أصواتهم أعلى وأكثر انتشارا على الساحة الإعلامية في مغربنا، لكن عادة الأكثر ضجيجا وغوغائية أن يكون أكثر ظهورا وبروزا والأقل استمرارية وثباتا، ومن سنة الله في خلقه أن السنابل الفارغة تكون دائما أكثر بروزا وأعلى رؤوسا، بينما السنابل الممتلئة -والتي هي أَمَلُ الفلاح البسيط المسكين- تكون منحنية وأقل ظهورا من تلك الشامخة إلى أعلى. ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ومهما استأسدوا علينا وتغطرسوا فإن لنا عزاء في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾ الرعد١٧.
وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ القصص٥.
وقد حاولت في هاتين الرسالتين التركيز أكثر على السلاطين العلويين الحاكمين إلى اليوم في بلدنا لقرب العهد، ولعله يكون عبرة لأهل زماننا، مدللا على أن ما ندعو إليه ليس بدعا من الكلام ولا مذهبا استوردناه من شرق أو غرب، كما يوسوس بذلك كثير من الحريصين على مصالحهم الشخصية التي يُغَلِّفُونها بالحفاظ على الأمن الروحي للمواطنين!
[ ٩ ]
ولهذا فأنا أتحدى مخالفينا أن يذكر لنا شيئا نتبناه أو تتبناه الحركة الإسلامية عموما ولا أصل له في مذهبنا المالكي وتطبيقاته التاريخية، بل ما ندعو له هو الأصل الذي اتفقت عليه أغلب المصادر التاريخية والفقهية المغربية.
وختاما لا يخفى أن التأليف كما ذكر عدد من العلماء داخل في «علم ينتفع به»، بل هو أظهر فيه أكثر من غيره (١).
ولهذا «لم أزل مولعا بالتأليف، راغبا في التصنيف، جعلته هِجِّيراي، وقطعت به دنياي، دون تقرب به لرئيس، ولو سمح فيه بمال نفيس» (٢).
والله الهادي إلى الصراط المستقيم.
_________________
(١) انظر أقوالا كثيرة في ذلك في الصوارم والأسنة (١٦٠ - ١٦١).
(٢) كما قال محمد بن أحمد بن عامر أبو عامر السالمي. الذيل والتكملة (٦/ ٨).
[ ١٠ ]
يولي المالكية عناية كبيرة للشريعة الإسلامية بأبوابها المتعددة، ابتداء من الصلاة وباقي الأركان الخمسة ومرورا بأحكام البيوع والزواج والطلاق وانتهاء بأحكام الجهاد.
فأحكام الشريعة عند المالكية كل لا يتجزأ، ويجب الإذعان لها والامتثال لأحكامها.
ومن شرط الإمام عندهم كما في تفسير القرطبي (١/ ٢٧٢) إقامة كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -.
وقال أبو عبد الله القرطبي كذلك في تفسيره (٢/ ٩) معلقا على قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾: في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم.
وقد ظلت الشريعة الإسلامية حاكمة في المغرب لقرون طويلة كما قال المؤرخ عبد السلام بن سودة الفاسي في إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث والرابع (٢/ ٤٥٥) قال: وفي ١٧ ذي الحجة موافق سادس عشر ماي سنة ١٩٣٠ صدر الظهير البربري المشؤوم الذي يرمي إلى فصل سكان المغرب المسلمين البربر عن الشريعة الإسلامية التي تطبق عليهم منذ عدة قرون.
[ ١١ ]
وكان دأب السلاطين العلويين وسيرتهم الوقوف عند حدود الشريعة والاقتصار عليها ورد الأمر كله إليها كما قال المشرفي (١).
بينما تهدف العلمانية إلى الحد من حاكمية الشريعة الإسلامية وسجنها مشلولة الحركة داخل المسجد.
والعلمانية كما أسلفت في كتب سابقة لها شق عقائدي إيديولوجي، أعني موقفها من الغيب والميتافيزيقا، واعتبارها كل المفاهيم الغيبية الدينية أساطير خرافية من ثقافة القرون الوسطى.
ولها شق تشريعي يتجاوز كل التشريعات الدينية كما وكيفا وفي شتى المجالات المختلفة.
وكل ما سطرت في كتابي الثاني أعني «العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام» فإنه ينسحب على المذهب المالكي، لأن المذاهب الأربعة هي المذاهب الفقهية الإسلامية المشهورة، فإذا تحدثنا عن الإسلام بأحكامه وشرائعه فإننا نعني جميع المذاهب الأربعة، لأنها لا تختلف إلا في جزئيات وتفاصيل فقهية.
فالعلمانية عندما ترفض مثلا الحدود الشرعية فإنها ترفض المذاهب الأربعة وتعتبرها متجاوزة لأنها اتفقت على وجوب تطبيق الحدود الشرعية والحفاظ على الشريعة، بل اعتبروها أحد الأسس التي تقوم عليها الإمارة والحكم الإسلامي.
_________________
(١) الحلل البهية (٢/ ١٧٨). وكان السلطان المولى يوسف يعامل فرنسا بشدة في الأمور التي تخالف الشريعة الإسلامية، كما في إتحاف المطالع (٢/ ٤٤٦).
[ ١٢ ]
وتمثل كتب النوازل والفتاوى الفقهية أهم مصدر تنعكس فيه هموم المجتمع وتطلعاته وإشكالاته. والمتأمل في كتب النوازل المغربية كنوازل العلمي والوزاني والونشريسي والبرزلي، وكلها مطبوعة، يرى بوضوح تام لا لبس فيه أن المذهب المالكي هو المصدر الوحيد المعتمد داخل التراب الوطني في حل إشكالات البيع والشراء والرهن والشركات والإيجارات والأكرية وغيرها.
بل يظهر من خلالها أن المغاربة لا يعرفون أي مصدر ثان بعد المذهب المالكي في كل ما يتصل بحياتهم اليومية. فقد سجلوا عشرات التساؤلات والاستفسارات في قضايا البيع والشراء والمعاملات اليومية التي كانوا يتعاطونها. أما اليوم فقد هجر المذهب نهائيا وأقصي من الميدان تماما. بل حلت محله تشريعات وضعية لا تمت إليه بصلة. فكثير من تشريعات العقود والالتزامات مثلا مخالفة له، كما سنبين في رسالة قادمة إن شاء الله.
وفي المسائل السياسية أو ما يسمى بالسياسة الشرعية أو الخلافة أو الإمارة ترى أن معتمدهم الوحيد هو المذهب المالكي. نرى هذا واضحا في كتب مثل كتاب عبد القادر الفاسي في ذلك (١)، وأحمد بن محمد الرهوني في «نصح المؤمنين بشرح قول ابن أبي زيد"والطاعة لأئمة المسلمين"» (٢) وغيرهم.
وتتابعت نصوص علماء المالكية في أن الشريعة الإسلامية حاكمة على كل أحد:
_________________
(١) وعندي منه نسخة مصورة عن نسخة الخزانة العامة، وقد طبع حديثا.
(٢) وعندي منه نسخة مصورة عن نسخة الخزانة العامة. وهو أحسن ما للمالكية في بابه.
[ ١٣ ]
قال ابن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٣٦٣): والواجب على الحاكم أو العالم إذا كان من أهل الاجتهاد أن يلتمس حكم الحادثة في الكتاب أو السنة.
فنص على أن المرجع الوحيد للحاكم هو الكتاب والسنة.
وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله تعالى ويؤدي الأمانة فإذا فعل حق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا (١).
وقال الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٨٥٣): فاعلموا أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم، مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم، لم يختص بالحجة بها أحدا دون أحد، وكذلك سائر الشرائع إنما وضعت لتكون حجة على جميع الأمم التي تنزل فيهم تلك الشريعة، حتى إن حملة شريعة المرسلين بها صلوات الله عليهم داخلون تحت أحكامها.
فلا حجة إلا في الشريعة كما قرر هذا الإمام المالكي.
وقال (٢/ ٨٥٥): وإذا كان كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم ومنارا يهتدون بها إلى الحق. وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقادا وعملا، لا بحسب عقولهم فقط ولا بحسب شرفهم في قومهم فقط. لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لقوله تعالى: ِ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فمن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى بالشرف والكرم،
_________________
(١) رسالة في أسباب خلع المولى عبد العزيز وتعيين المولى عبد الحفيظ مكانه لمحمد بن إبراهيم السباعي المراكشي ت١٣٣٢/ ١٩١٤. الخزانة العامة ٣٩٣٧د.
[ ١٤ ]
ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في اتباعها. فالشرف إذا إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة.
وقال المشرفي عن المولى محمد بن عبد الرحمن: بانيا أمره على الشريعة لا يحيد عنها طرفة عين (١).
وقد حافظ المغرب طيلة عهوده الإسلامية على إقليمية القضاء وإقليمية التشريع، فكانت المحكمة الشرعية هي القضاء الوحيد الذي يرجع إليه المتقاضون من أي جنس كانوا وأي دين كانوا. كما يقول علال الفاسي في «دفاع عن الشريعة الإسلامية» (١٢).
وقال (١٥٧ - ١٥٨): إن المغرب قبل الحماية كان يملك جهازا قضائيا كامل النظام والصلاحية وإن لم يكن متمتعا ببعض مظاهر التنظيمات العصرية، وكانت الشريعة الإسلامية هي المرجع الذي تؤول إليه كل القضايا. والقاضي الشرعي هو الذي يتولى الحكم في المسائل المدنية والجنائية وفي نظام الأسرة كذلك. ولكن الحماية الفرنسية بمجرد انتصابها حدت من اختصاصات المحاكم الشرعية، وحولت قسما منها إلى ما سمته بالمحاكم الفرنسية المغربية (٢)
وجاء في بيان المؤتمر الثاني لجمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية المنعقد بمراكش أيام ١٤ - ١٥ - ١٦ جمادى الأولى ١٣٩٦ هـ موافق ١٤ - ١٥ - ١٦ ماي ١٩٧٦ م التأكيد على ما يلي (٣):
_________________
(١) الحلل البهية (٢/ ٩٢).
(٢) وانظر (ص ١٧) منه.
(٣) ميثاق الرابطة عدد ١٠٣٦ الجمعة ٦ شعبان ١٤٢٤هـ الموافق ٣ أكتوبر ٢٠٠٣م.
[ ١٥ ]
- جعل التشريع المغربي تشريعا إسلاميا مستمدا من أطر الإسلام وقواعده والأعراف المغربية الأصيلة.
- مراقبة الإعلام المغربي مراقبة صارمة وخاصة الأفلام الخليعة التي تتنافى مع حشمة المسلم وتجرح كرامته ووقاره.
- الأخذ بمشورة العلماء ورأيهم في القضايا الوطنية وتمثيلهم الكامل في كل المؤسسات والمجالس التمثيلية باعتبارهم أهل الحل والعقد في الأمة.
- إصلاح هياكل التعليم من القاعدة إلى القمة في قالب الأصالة الإسلامية وتطهير الكتاب المدرسي من الجراثيم التي تفتك بناشئتنا والاهتمام باختيار المدرس والأستاذ.
- اعتماد شرائع الله أساسا لحالتنا ودستورا لأخلاقنا حكما وسلوكا وإدارة، ورد كل أمورنا إليها.
- تنظيم الاقتصاد وفق أسس إسلامية وتحرير موارده وجعله سلاحا في ساحة الجهاد المقدس لتخليص المسلمين من التبعية والوقوع في المعاملات الربوية.
فهذه توصيات هامة من علماء مغاربة تتوافق مع ما نؤكد عليه من أفكار في هذه السلسلة.
ومن تعظيم المالكية لأحكام الشريعة وأصولها إجماعهم على تكفير من أنكر الفرائض الشرعية مستحلا لذلك:
[ ١٦ ]
قال القرطبي المالكي في تفسيره (٨/ ٧٤): وقال ابن العربي: ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلا كفر، ومن ترك السنن متهاونا فسق واختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جحد لها ولا استحلال، فروى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول قال مالك: من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل.
وقال ابن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري (٨/ ٥٧٧ - ٥٧٨): وأجمع العلماء أن من نصب الحرب في منع فريضة، أو منع حقا يجب عليه لآدمي أنه يجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر. قال ابن القصار: وأما الصلاة فإن مذهب الجماعة أن من تركها عامدا جاحدا لها فحكمه حكم المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك جحد سائر الفرائض، وإنما اختلفوا فيمن تركها لغير عذر غير جاحد لها.
فهذه نصوص مالكية واضحة في أن من أنكر واجبا من الواجبات الظاهرة كافر ومن تركها تهاونا فاسق (١).
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم شرح صحيح مسلم (١/ ٢٣٨): ولا خلاف في جاحد فرض من هذه الفرائض أنه كافر. يقصد: الزكاة والصيّام والحج والوضوء والغسل.
وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٦/ ٣٩٤): أما من جحد فرض الوضوء والصلاة والزكاة أو الصيام أو الحج أو استحل شرب الخمر أو الزنا أو غصب الأموال أو جحد سورة أو آية من القرآن أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف
_________________
(١) وانظر حضارة الموحدين للمنوني (١٢٦).
[ ١٧ ]
في أنه كافر، وإن قال إنه مؤمن. فيعلم أنه في ذلك كاذب، للإجماع المنعقد على أن ذلك لا يكون إلا من كافر، وإن لم يكن شيء من ذلك في نفسه كفرًا على الحقيقة، وأما من أقر بفرض الصلاة والصيام والوضوء وأبى من فعل ذلك وهو قادر عليه فقول مالك في هذه الرواية: إنه يستتاب في ذلك كله، فإن أبى في شيء منه أن يفعله قتل يدل على أنه يقتل على الكفر، فيكون ماله لجماعة المسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته لأنه وإن لم يكن نفس الترك لشيء من ذلك كله كفرًا على الحقيقة فإنه يدل على الكفر، ولا يصدق من قال في شيء من ذلك كله إنه مؤمن بوجوبه عليه إذا أبى أن يفعله، فحكمه حكم الزنديق الذي يقتل على الكفر. انتهى.
ولا يفوتني هنا التنبيه على أن التكفير أمره خطير، وله شروط، وتمنع منه موانع. ولا يجوز أن يتكلم فيه إلا أهل العلم العالمين بالشريعة.