سمعا وبصرًا مختصين بالمسموع والمبصر تَشْبِيها بخلقه سوى عَمه لِأَن الله تَعَالَى لم ينص على ذَلِك فلزمنا أَن نقُوله وَلَا يجوز أَن يخبر عَن الله بِغَيْر مَا أخبر عَن نَفسه لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فصح أَنه تَعَالَى سميع لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير فصح أَنه تَعَالَى سميع لَيْسَ كمثله من السامعين بَصِير فصح أَنه تَعَالَى سميع لَيْسَ كمثله من السامعين بَصِير لَا كمثله شَيْء من البصراء فَإِن قَالَ قَائِل أتقولون أَن الله ﷿ لم يزل يسمع وَيرى ويدر قُلْنَا نعم لِأَن الله ﷿ قَالَ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يسمع تحاوركما﴾ وَصَحَّ الْإِجْمَاع بقول سمع الله لمن حَمده وَصَحَّ النَّص فَمَا أذن الله لشَيْء اذنه لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ فَنَقُول إِن يسمع وَيرى وأسمع وَأرى وَيدْرك كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ معنى يعلم وَلَا فرق وَأما الاذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت فَهِيَ من الاذن بِمَعْنى الْقبُول كَمَا يَأْذَن الْحَاجِب لمأذون لَهُ فِي الدُّخُول وَلَيْسَ من الْأذن الَّتِي هِيَ الْجَارِحَة وَلَو كَانَ كَمَا تظنون لَكَانَ يبصره للمبصرات وسَمعه للمسموعات مُحدثا ولكان غير سميع حَتَّى سمع وَغير بَصِير حَتَّى أبْصر وَلم يدْرك وحاشا لَهُ تَعَالَى من هَذَا فَكل هَذَا بِمَعْنى الْعلم وَلَا مزِيد فَإِن قيل فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار﴾ قُلْنَا نعم وَخلق الله تَعَالَى فعل لَهُ مُحدث واختياره تَعَالَى هُوَ خلقه لَا غَيره وَلَيْسَ هَذَا من يسمع ويبصر وَيرى وَيدْرك فِي شَيْء لِأَن معنى كل هَذَا وَمعنى الْعلم سَوَاء وَلَا يجوز أَن يكون معنى يخلق ويختار معنى الْعلم وَأما الْعَفو والغفور والرحيم والحليم وَالْملك فَلَا يَقْتَضِي شَيْء من هَذَا وجود مَرْحُوم مَعَه وَلَا مَعْفُو عَنهُ مغْفُور لَهُ مَعَه وَلَا مَمْلُوك محلوم عَنهُ مَعَه بل هُوَ تَعَالَى رَحِيم بِذَاتِهِ عَفْو بِذَاتِهِ غَفُور بِذَاتِهِ ملك بِذَاتِهِ مَعَ النَّص الْوَارِد بِأَنَّهُ تَعَالَى كَانَ كَذَلِك وَهِي أَسمَاء أَعْلَام لَهُ ﷿ فَإِن ذكرُوا الحَدِيث الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ مَا بَينهم وَبَين أَن يروه الاداء الْكِبْرِيَاء على وَجهه لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره فَفِي هَذَا الْخَبَر إبِْطَال لقَولهم لِأَن فِيهِ أَن الْبَصَر مِنْهُ ذُو نِهَايَة وكل ذِي نِهَايَة مَحْدُود مُحدث وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا لَكِن مَعْنَاهُ أَن الْبَصَر قد يسْتَعْمل فِي اللُّغَة بِمَعْنى الْحِفْظ قَالَ النَّابِغَة رَأَيْتُك ترعاني بِعَين بَصِيرَة
وتبعث حراسًا عَليّ وناظرا
فَمَعْنَى هَذَا الْخَبَر لَو كشف تَعَالَى السّتْر الَّذِي جعل دون سطوته لأحرقت عَظمته مَا انْتهى إِلَيْهِ حفظه ورعايته من خلقه وَكَذَلِكَ قَول عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ الْحَمد لله الَّذِي وسع سَمعه الْأَصْوَات إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى أَن علمه وسع كل ذَلِك يعلم السِّرّ وأخفى ثمَّ نزيد بَيَانا بعون الله تَعَالَى فَنَقُول إِن قَوْلكُم لَا يعقل سميع إِلَّا بسمع وَلَا بَصِير إِلَّا ببصر فَإِن كل هَذَا صَحِيحا يُوجب أَن يُقَال إِن لله سمعا وبصرًا فَإِنَّهُ لَا يعقل من لَهُ مكر إِلَّا وَهُوَ ماكر وَلَا من كَانَ
[ ٢ / ١١٢ ]
من الماكرين إِلَّا وَهُوَ ماكر وَلَا يعقل أحد مِمَّن يستهزئ إِلَّا وَهُوَ مستهزئ وَلَا يعقل أحد مِمَّن يكيد إِلَّا وَهُوَ كياد وَلَا يعقل من لَهُ كيد ومكر إِلَّا وَهُوَ كياد ومكار وَلَا يكون خَادع إِلَّا يُسمى الخادع الخداع وَذُو خدائع وَلَا يعقل من نسي إِلَّا وَهُوَ ناسٍ وَذُو نِسْيَان هَذَا هُوَ الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى أَن يُوجد فِي الْعَالم خِلَافه وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وأكيد كيدًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الله يستهزئ بهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ خادعهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قبلهم فَللَّه الْمَكْر جَمِيعًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ فيلزمهم إِذا سمعُوا رَبهم تَعَالَى ووصفوا من طَرِيق استدلالهم قياسهم وَمَا شاهدوه فِي الْحَاضِر عِنْدهم أَن يسموه مَاكِرًا فيقولوا يَا ماكر ارحمنا ويسموا بَينهم عبد الماكر وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الكياد والمستهزئ وَالْخداع وَالنَّاسِي والساخر وَإِلَّا فقد تناقضوا وتلاعبوا بِصِفَات رَبهم تَعَالَى وبدينهم فَإِن قَالُوا إِن هَذِه الصِّفَات ذمٌ وعيب وَإِنَّمَا نصفه تَعَالَى بِصِفَات الْمَدْح لَزِمَهُم مصيبتان عظيمتان أَحدهمَا إِطْلَاقهم أَن الله ﷿ أخبر عَن نَفسه فِي هَذِه الْآيَات بِصِفَات الذَّم وَالْعَيْب وَهَذَا كفر وَالثَّانيَِة أَن يصفوا رَبهم بِكُل صفة مدح وَحمد فِيمَا بَينهم وَإِن لم يَأْتِ بهَا نَص وَإِلَّا فقد تناقضوا وَقصرُوا فيصفوه بِأَنَّهُ عَاقل وَأَنه شُجَاع جلد سخي حسن الْأَخْلَاق نزيه النَّفس تَامّ الْمُرُوءَة كَامِل الْفَضَائِل ذُو هَيْئَة نبيل نعم الْمَرْء ويقولوا أَنه تياه قِيَاسا على أَنه تَعَالَى جَبَّار متكبر ويقولوا أَنه مستكبر فَهُوَ والمتكبر فِي اللُّغَة سَوَاء وَذُو تيه وَعجب وَذي هُوَ وَلَا فرق بَين هَذَا وَبَين الْمَكْر والكبرياء فِيمَا بَيْننَا فَإِن فعلوا هَذَا خَرجُوا عَن الْإِسْلَام بِالْإِجْمَاع إِلَّا أَن يعذروا بِشدَّة الْجَهْل وظلمته وعماه وَأَن يَفروا عَن ذَلِك تركُوا مَا قد دانوا بِهِ من تَسْمِيَة الله تَعَالَى وَوَصفه بِأَن لَهُ سمعا وبصرًا وَسَائِر مَا وصفوه تَعَالَى بِهِ بآرائهم الْفَاسِدَة مِمَّا لم يَأْتِ بِهِ نصٌ كَقَوْلِهِم قديم ومتكلم ومريد وَأَن لَهُ إِرَادَة لم تزل وَسَائِر مَا اجترؤا عَلَيْهِ بِغَيْر برهَان من الله ﷿ وَأَيْضًا فَإِن هَذِه الصِّفَات الَّتِي منعُوا مِنْهَا لِأَنَّهَا بزعمهم صِفَات ذمّ فَإِن السّمع وَالْبَصَر والحياة أَيْضا صِفَات نقص لِأَنَّهَا أَعْرَاض دَالَّة على الْحُدُوث فِيمَن هِيَ فِيهِ فَإِن قَالُوا لَيست لله تَعَالَى كَذَلِك قيل لَهُم وَلَا تِلْكَ الصِّفَات أَيْضا إِذا أطلقتموها عَلَيْهِ أَيْضا صِفَات ذمّ وَلَا فرق وَلَقَد قَالَ لي بَعضهم إِنَّمَا قُلْنَا أَن الله تَعَالَى يكيد ويستهزئ ويمكر وينسى وَهُوَ خادعهم على معنى أَنه تَعَالَى يقارضهم على هَذِه الْأَفْعَال مِنْهُم بجزاء يُسمى بأسمائها فَقلت لَهُم نعم هَكَذَا نقُول وَلم ننازعك فِي هَذَا فتستريح إِلَيْهِ بل قُلْنَا لكم سموهُ تَعَالَى مستهزئًا وكيادًا وخداعًا وماكرًا وناسيًا وساخرًا على معنى أَنه مقارض لَهُم على هَذِه الْأَفْعَال مِنْهُم بجزاء يُسمى بأسمائها كَمَا قُلْتُمْ فِي يكيد ويستهزئ وينسى وَهُوَ خادعهم سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق وَقد قُلْتُمْ إِن الْأَفْعَال توجب لفاعلها أَسمَاء فعلهَا فَسكت خاسئًا وَهَذَا مَا لَا انفكاك مِنْهُ وَبِهَذَا وَبِمَا ذكرنَا يُعَارض كل من قَالَ إننا سمينا الله تَعَالَى عَالما لنفي الْجَهْل وقادرًا لنفي الْعَجز ومتكلمًا لنفي الخرس وَحيا
[ ٢ / ١١٣ ]
لنفي الْمَوْت فَإِنَّهُم لَا ينفكون من هَذَا الْبَتَّةَ وَأما نَحن فلولا النَّص الْوَارِد بعليم وقدير وعالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة وقادر على أَن يخلق مثلهم والحي لما جَازَ أَن يُسمى الله تَعَالَى بِشَيْء من هَذَا أصلا وَلَا يجوز أَن يُقَال حَيّ بحياة الْبَتَّةَ فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون حَيّ بِلَا حَيَاة قُلْنَا لَهُم وَكَيف يكون حَيّ غير حساس وَلَا متحرك بِإِرَادَة وَلَا سَاكن بِإِرَادَة هَذَا مَالا يعقل الْبَتَّةَ وَلَا يعرف وَلَا يتَوَهَّم وهم يجرونَ عَلَيْهِ تَعَالَى الْحس وَلَا الْحَرَكَة وَلَا السّكُون فَإِن قَالُوا إِن تسميتنا إِيَّاه حكيمًا يُغني عَن عَاقل وكريمًا يُغني عَن سخي وجبارًا متكبرًا يُغني عَن متجبر ومستكبر وتياه وزاه وقويًا يُغني عَن شُجَاع وَجلد قُلْنَا هَذَا ترك مِنْكُم لما أصلتموه من إِطْلَاق السّمع وَالْبَصَر والحياة والإرادة وَأَنه مُتَكَلم واحتجاجكم بِأَن من كَانَ سميعا فَلَا بُد لَهُ من سمع وَمن كَانَ بَصيرًا فَلَا بُد لَهُ من بصر وَمن كَانَ حَيا فَلَا بُد لَهُ من حَيَاة وَمن كَانَ مرِيدا فَلَا بُد لَهُ من إِرَادَة وَمن كَانَ لَهُ كَلَام فَهُوَ مُتَكَلم فأطلقتم كل هَذَا على الله ﷿ بِلَا برهَان فَإِن نَاب عنْدكُمْ مَا ورد بِهِ النَّص من حَكِيم وَقَوي وكريم ومتكبر وجبار عَن عَاقل وشجاع وسخي ومتجبر ومستكبر وتياه وزاه فَلم تجيزوا أَن تسموا الْبَارِي ﷿ بشيءٍ من هَذَا فَكَذَلِك فَقولُوا كَمَا قُلْنَا نَحن أَن سمعيا وبصيرًا وَحيا وَله كَلَام وَيُرِيد يُغني عَن تَجْوِيز ذكر السّمع وَالْبَصَر والإرادة ومتكلم وَلَا فرق هَذَا على أَن قَوْلكُم إِن قَوِيا يُغني عَن شُجَاع خطأ فَرب قويٌّ غير شُجَاع وشجاع غير قوي وَكَذَلِكَ أَيْضا كَانَ الرَّحْمَن يُغني عَن رَحِيم والخالق يُغني عَن الْبَارِي وَعَن المصور فَإِن قَالُوا لَا يجوز الِاقْتِصَار على بعض مَا أُتِي بِهِ النَّص وَلَا يجوز التَّعَدِّي إِلَى مَا لم يَأْتِ بِهِ النَّص قُلْنَا لَهُم قد اهْتَدَيْتُمْ ووفقتم لرشدكم ولقيتم ربكُم تَعَالَى بِحجَّة ظَاهِرَة فِي أَنكُمْ لم تتعدوا حُدُوده وَلَا ألحدتم فِي أَسْمَائِهِ وَلَا حالفتم مَا أَمركُم بِهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَعَ أَن الَّذِي ألزمناهم هُوَ ألزم لَهُم مِمَّا التزموه لِأَن بِالضَّرُورَةِ نعلم نَحن وهم أَن الْفِعْل لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا بُد لَهُ ضَرُورَة من أَن يُضَاف إِلَى فَاعله فَلَا بُد أَيْضا من إِضَافَة الْفَاعِل إِلَيْهِ على معنى وَصفَة بِأَن فعله هَذَا مَا لَا يقوم فِي الْعقل وجود شئ فِي الْعَالم بِخِلَاف هَذِه الرُّتْبَة وَقد وجدنَا فِي الْعَالم أَشْيَاء كَثِيرَة لَا تحْتَاج إِلَى وصفهَا بِصفة لتنفي عَنْهَا ضد تِلْكَ الصّفة كالسماء وَالْأَرْض لَا يجوز أَن يُوصف مِنْهَا شئ بالبصر لنفي الْعمي وَلَا بالعمي لنفي الْبَصَر فَإِذا لم نضطر إِلَى ذَلِك فِي وصف الْأَشْيَاء فِيمَا بَيْننَا بَطل قياسهم الْبَارِي تَعَالَى على بعض مَا فِي الْعَالم وَكَانَ إِطْلَاق شئ من جَمِيع الصِّفَات على خَالق الصِّفَات والموصوفين أبعد وَأَشد امتناعًا إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه فَنقرَ بذلك وندري أَنه حق وَلَا نتعداه إِلَى مَا سواهُ فَلَا يستحي من الْتزم إِذا وجد أَشْيَاء من الْعَالم تُوصَف بِالْحَيَاةِ لنفي الْمَوْت وبالبصر لنفي الْعمي وَلم يجر على قِيَاسه هَذَا الْفَاسِد من أَن يَأْتِي بتسميته مستهزئًا وكيادًا وَقد قَالَ تَعَالَى أَنه يستهزئ ويكيد فَهَلا إِذْ وَفقه الله تَعَالَى للإمساك عَن تصريف الْفِعْل هَاهُنَا جري على ذَلِك التَّوْفِيق فَلم يزدْ على نَص الله تَعَالَى من سميع وبصير وَحي شَيْئا أصلا وَلَكِن التَّنَاقُض سهل من لم يعتصم
[ ٢ / ١١٤ ]
بِكِتَاب الله ﷿ وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَاسْتعْمل رَأْيه وَقِيَاسه فِي دينه وَفِيمَا يجريه على الله تَعَالَى نَعُوذ بِاللَّه من الضلال والخذلان وَبِهَذَا يبطل إِلْزَام من أَرَادَ من الْمُعْتَزلَة إلزامنا أَن نسمي الله تَعَالَى مسياه لخلقه السَّيِّئَات وشرير الشرور لخلقه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد شغب بَعضهم فِيمَا ادعوهُ من أَن كل صفة أضافوها إِلَى الله تَعَالَى فَهُوَ غير سَائِر صِفَاته بِأَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بِأَنَّهُ يعلم نَفسه وَلَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على نَفسه قَالُوا فَلَو كَانَ الْعلم وَالْقُدْرَة وَاحِدًا لجريا فِي الأطلاق وَاحِدًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد بَينا بطلَان هَذَا فِي كلامنا قبل بعون الله ﷿ ونزيد بعون الله ﷿ بَيَانا فَنَقُول وَبِه نتأيد التغاير إِنَّمَا يَقع فِي المعلومات والمقدورات لَا فِي الْقَادِر وَلَا فِي الْعَالم وَلَا شكّ عندنَا وَعِنْدهم فِي أَن الْعلم والقدير وَاحِد وَهُوَ تَعَالَى عليم بِنَفسِهِ وَلَا يُقَال عِنْدهم قدير على نَفسه فَإِذا لم يُوجب هَذَا الحكم أَن يكون الْقَدِير غير الْعَلِيم فَهُوَ غير مُوجب أَن يكون الْعلم غير الْقُدْرَة بِلَا شكّ ثمَّ نقُول لَهُم أخبرونا عَن علم الله تَعَالَى بحياة زيد قبل مَوته وبإيمانه قبل كفره هَل هُوَ الْعلم بِكُفْرِهِ وَمَوته أَو هُوَ غير الْعلم بذلك فَإِن قَالُوا إِن الْعلم بِمَوْت زيد هُوَ غير الْعلم بحياته وَعلمه بإيمانه هُوَ غير علمه بِكُفْرِهِ لَزِمَهُم تغاير الْعلم وَالْقَوْل بحدوثه وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا وَإِن قَالُوا علمه تَعَالَى بِإِيمَان زيد هُوَ علمه بِكُفْرِهِ وَعلمه بحياة زيد هُوَ علمه بِمَوْتِهِ قيل فَإِذا تغاير الْمَعْلُوم تَحت الْعلم لَا يُوجب تغاير الْعلم فِي ذَاته عنْدكُمْ فَمن أَيْن أوحيتم أَن تغاير الْمَعْلُوم والمقدور مُوجب لتغاير الْعلم وَالْقُدْرَة والحقيقة من كل ذَلِك أَنه لَا حَقِيقَة أصلا إِلَّا الْخَالِق تَعَالَى وخلقه وَأَن كل مَا لم ينص الله تَعَالَى عَلَيْهِ من وَصفه لنَفسِهِ وَمن أَسْمَائِهِ فَلَا يحل لأحد أَن يخبر عَنهُ تَعَالَى وَإِن كل مَا نَص الله ﷿ عَلَيْهِ من أَسْمَائِهِ وَمَا أخبر بِهِ تَعَالَى عَن نَفسه فَهُوَ حق ندين الله تَعَالَى بِالْإِقْرَارِ بِهِ ونعلم أَن المُرَاد بِكُل ذَلِك هُوَ الله لَا شريك لَهُ وَأَنَّهَا كلهَا أَسمَاء يعبر بهَا عَنهُ تَعَالَى وَلَا يرجع مِنْهَا شئ إِلَى غير الله تَعَالَى الْبَتَّةَ تَعَالَى الله أَن يكون مَعَه شئ آخر غَيره وَأقر بَعضهم بحضرتي أَن مَعَ الله تَعَالَى سَبْعَة عشر شَيْئا مُتَغَايِرَة كلهَا قديم لم تزل وَكلهَا غير الله تَعَالَى وَرَأَيْت فِي كتاب لبَعْضهِم أَنَّهَا خَمْسَة عشر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَذكروا أَن تِلْكَ الْأَشْيَاء هِيَ السّمع وَالْبَصَر وَالْعين وَالْيَد وَالْوَجْه وَالْكَلَام وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والعزة وَالرَّحْمَة وَالْأَمر وَالْعدْل والحياة والصدق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لقد قصروا من طَرِيق النَّص وَمن طَرِيق الْعقل أَيْضا عَن أصولهم فَأَيْنَ هم عَن النَّفس والجلال وَالْإِكْرَام والجبروت والكبرياء وَالْيَدَيْنِ والأعين وَالْأَيْدِي والقدم وَالْحَمْد وَالْقُوَّة فَهَذِهِ كلهَا مَنْصُوص عَلَيْهَا كَالْعلمِ والقدوة وَأَيْنَ هم عَن الْحلم من حَلِيم وَالْكَرم من كريم وَالْعَظَمَة من عَظِيم وَالتَّوْبَة من تواب وَالْهِبَة من وهاب والقرب من قريب
[ ٢ / ١١٥ ]
واللطف من لطيف وَالسعَة من وَاسع وَالشُّكْر من شَاكر وَالْمجد من مجيد والود من ودود وَالْقِيَام من قيوم وَهَذَا كثير جدا ويتجاوز أَضْعَاف الْأَعْدَاد الَّتِي اقتصروا عَلَيْهَا بتحكيمهم بالضلال والإلحاد فِي أَسْمَائِهِ ﷿ وَقد زَاد بَعضهم فِيمَا ادعوهُ من صِفَات الذَّات الأستوى والتكليم والقدم والبقاء وَرَأَيْت للأشعري فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالموجز أَن الله تَعَالَى إِذْ قَالَ إِنَّك بأعيننا إِنَّمَا أَرَادَ عينين وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من لم يخف الله ﷿ فِيمَا يَقُول وَلم يستحي من الْبَاطِل لم يبال بِمَا يَقُول وَقد قُلْنَا أَنه لم يَأْتِ نَص بِلَفْظ الصّفة قطّ بِوَجْه من الْوُجُوه لَكِن الله تَعَالَى أخبرنَا بِأَن لَهُ علما وَقُوَّة وكلامًا وقدرة فَقُلْنَا هَذَا كُله حق لَا يرجع مِنْهُ شَيْء إِلَى غير الله تَعَالَى أصلا وَبِه تَعَالَى نتأيد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال لمن قَالَ إِنَّمَا سمي الله تَعَالَى عليمًا لِأَنَّهُ لَهُ علما وحكيمًا لِأَن لَهُ حِكْمَة وَهَكَذَا فِي سَائِر أَسْمَائِهِ وَادّعى أَن الضَّرُورَة توجب أَنه لَا يُسمى عَالما إِلَّا من لَهُ علم وَهَكَذَا فِي سَائِر الصِّفَات إِذا قسم الْغَائِب بزعمكم تُرِيدُونَ الله ﷿ على الْحَاضِر مِنْكُم فبالضرورة نَدْرِي أَنه لَا علم عندنَا إِلَّا مَا كَانَ فِي ضمير ذِي خواطر وفكر تعرف بِهِ الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِن وصفتم ربكُم تَعَالَى بذلك الْحَد تمّ وَلَا خلاف فِي هَذَا من أحد وتركتم أقوالكم وَإِن منعتم من ذَلِك تركْتُم أصلكم فِي اشتقاق أَسْمَائِهِ تَعَالَى من صِفَات فِيهِ وَأَيْضًا فَإِن عليمًا وحكيمًا ورحيمًا وقديرًا وَسَائِر مَا جرى هَذَا المجرى لَا يُسمى فِي اللُّغَة إِلَّا نعوتًا وأوصافًا وَلَا تسمى أَسمَاء الْبَتَّةَ وَأما إِذا سمي الْإِنْسَان حَلِيمًا أَو حكيمًا أَو رحِيما أَو حَيا وَكَانَ ذَلِك اسْما لَهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَسمَاء أَعْلَام غير مُشْتَقَّة بِلَا خلاف من أحد وكل هَذِه فَإِنَّمَا هِيَ لله ﷿ أَسمَاء بِنَصّ الْقُرْآن وَنَصّ السّنة وَالْإِجْمَاع من جَمِيع أهل الْإِسْلَام قَالَ الله تَعَالَى وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ سيجزون مَا كَانُوا يعْملُونَ وَقَالَ ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيًا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة إِلَّا وَاحِدًا من أحصاها دخل الْجنَّة إِنَّه وتر يحب الْوتر وَلم يخْتَلف أحد من أهل الْإِسْلَام فِي أَنَّهَا أَسمَاء لله تَعَالَى وَلَا فِي أَنَّهَا لَا يُقَال أَنَّهَا نعوت لَهُ ﷿ وَلَا أَوْصَاف الله وَلَو وجد فِي الْمُتَأَخِّرين من يَقُول ذَلِك لَكَانَ قولا بَاطِلا وَمُخَالفَة لقَوْل الله تَعَالَى وَلَا حجَّة لأحد فِي الدّين دون رَسُول الله ﷺ فَإِذا لَا شكّ فِيمَا قُلْنَا فَلَيْسَتْ مُشْتَقَّة من صفة أصلا وَيُقَال لَهُم إِذا قُلْتُمْ إِنَّهَا مُشْتَقَّة فَقولُوا لنا من اشتقها فَإِن قَالُوا أَن الله تَعَالَى اشتقها لنَفسِهِ قُلْنَا لَهُم هَذَا هُوَ القَوْل على الله تَعَالَى بِالْكَذِبِ الَّذِي لم يخبر بِهِ عَن نَفسه وقفوتم فِي ذَلِك مَا لم يأتكم بِهِ علم وَإِن قَالُوا أَن رَسُول الله ﷺ اشتقها قُلْنَا كَذبْتُمْ على رَسُول الله ﷺ
[ ٢ / ١١٦ ]
وَلَقَد سمى الله بهَا نَفسه قبل أَن يخلق رَسُوله ﷺ أُوحِي بهَا إِلَيْهِ فَقَط فصح يَقِينا أَن القَوْل بِأَنَّهَا مُشْتَقَّة فِرْيَة على الله تَعَالَى وَكذب عَلَيْهِ ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك وَصَحَّ بِهَذَا الْبُرْهَان الْوَاضِح أَنه لَا يدل حِينَئِذٍ عليم على علم وَلَا قدير على قدرَة وَلَا حَيّ على حَيَاة وَهَكَذَا فِي سَائِر ذَلِك وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة والعزة بنصوص أخر يجب الطَّاعَة لَهَا وَالْقَوْل بهَا وَوجدنَا الْمُتَأَخِّرين من الأشعرية كالباقلاني وَابْن فورك وَغَيرهمَا قَالُوا إِن هَذِه الْأَسْمَاء لَيست لله تَعَالَى وَلكنهَا تسميات لَهُ وَأَنه لَيْسَ لله إِلَّا اسْم وَاحِد لكنه قَول إلحاد ومعارضة لله ﷿ بالتكذيب بِالْآيَاتِ الَّتِي تلونا وَمُخَالفَة لرَسُول الله ﷺ فِيمَا نَص عَلَيْهِ من عدد الْأَسْمَاء وهتك لإِجْمَاع أهل الْإِسْلَام عَامهمْ وخاصهم قبل أَن تحدث هَذِه الْفرْقَة وَمِمَّا حَدثهُ أهل الْإِسْلَام فِي أَسمَاء الله ﷿ الْقَدِيم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا لَا يجوز الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ لم يَصح بِهِ نَص الْبَتَّةَ وَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه وَقد قَالَ تَعَالَى وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم فصح أَن الْقَدِيم من صِفَات المخلوقين فَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى بذلك وَإِنَّمَا يعرف الْقَدِيم فِي اللُّغَة من القدمية الزمانية أَي إِن هَذَا الشَّيْء أقدم من هَذَا بِمدَّة محصورة وَهَذَا منفي عَن الله ﷿ وَقد أغْنى الله ﷿ عَن هَذِه التَّسْمِيَة بِلَفْظَة أول فَهَذَا هُوَ الِاسْم الَّذِي لَا يُشَارِكهُ تَعَالَى فِيهِ غَيره وَهُوَ معنى أَنه لم يزل وَقد قُلْنَا بالبرهان أَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُسمى بالاستدلال وَلَا فرق بَين من قَالَ أَنه يُسَمِّي ربه جسمًا إِثْبَاتًا للوجود ونفيًا للعدم وَبَين من سَمَّاهُ قَدِيما إِثْبَاتًا لِأَنَّهُ لم يزل ونفيًا للحدوث لِأَن كلا اللفظتين لم يَأْتِ بِهِ نَص فَإِن قَالَ من سَمَّاهُ جسمًا ألحد لِأَنَّهُ جعله كالأجسام قيل لَهُ وَمن سَمَّاهُ قَدِيما قد ألحد فِي أَسْمَائِهِ لِأَنَّهُ جعله كالقدماء فَإِن قَالَ لَيْسَ فِي الْعَالم قدماء أكذبه الْقُرْآن بِمَا ذكرنَا وأكذبته اللُّغَة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن إِذْ يَقُول كل قَائِل فِي اللُّغَة هَذَا الشَّيْء أقدم من هَذَا وَهَذَا أَمر قديم وزمان قديم وَشَيخ قديم وَبِنَاء قديم وَهَكَذَا فِي كل شَيْء وَأما نفي خلق الْإِيمَان فَهَذَا أعجب مَا أَتَوا بِهِ وَهل الْإِيمَان إِلَّا فعل الْمُؤمن الظَّاهِر مِنْهُ يزِيد وَينْقص وَيذْهب الْبَتَّةَ وَهُوَ خلق الله تَعَالَى وَهَذِه صِفَات الْحُدُوث نَفسهَا فَإِن قَالُوا إِن الله هُوَ الْمُؤمن قُلْنَا لَهُم نعم هُوَ الْمُؤمن الْمُهَيْمِن المصور فأسماؤه بذلك أَعْلَام لَا مُشْتَقَّة من صِفَات مَحْمُولَة فِيهِ ﷿ تَعَالَى الله عَن ذَلِك إِلَّا مَا كَانَ مُسَمّى لَهُ ﷿ لفعل فعله فَهَذَا ظَاهر كالخالق والمصور فَإِن قُلْتُمْ فِي هَذَا أَيْضا أَنَّهَا صِفَات لم تزل لزمكم أَنه تَعَالَى المصور بتصوير لم يزل وَهَذَا قَول أهل الدَّهْر الْمُجَرّد وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ بَعضهم إِن قَوْلنَا سميع بَصِير يسمع بَصِير ببصر حَيّ بحياة لَا يُوجب تشابهًا وَلَا
[ ٢ / ١١٧ ]
يكون الشئ شبها للشيئ إِلَّا إِذا نَاب منا بِهِ وسد مسده
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة السخافة لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان لَا من شَرِيعَة وَلَا من طبيعة وَمَا اخْتلفت قطّ اللُّغَات والطبائع والأمم فِي أَن النِّسْبَة بَين المشبهات إِنَّمَا هُوَ بصفاتها فِي الْأَجْسَام وبذوابها فِي الْإِعْرَاض وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم﴾ فليت شعري هَل قَالَ ذُو مسكة من عقل أَن الْحمير وَالْكلاب والخنافس تنوب منابنا أَو تسدنا وَقَالَ تَعَالَى حاكيًا عَن الْأَنْبِيَاء ﵈ أَنهم قَالُوا إِن نَحن إِلَّا بشر مثلكُمْ فَهَل قَالَ قطّ مُسلم أَن الْكفَّار ينوبنا عَن الْأَنْبِيَاء ويسدون مسدهم وَقَالَ تَعَالَى كأنهن الْيَاقُوت والمرجان فَهَل قَالَ ذُو مسكة من عقل إِن الْيَاقُوت يَنُوب مناب الْحور الْعين ويسد مسدهن وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير جدا وَفِي كَلَام كل أمة وَالْعجب أَنهم بعد أَن أَتَوا بِهَذِهِ الْعَظِيمَة نسوا نفسهم فَجعلُوا التشابه فِي بعض الْأَحْوَال يُوجب شرع الشَّرَائِع قِيَاسا وَهَذَا دين لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى فهم أبدا فِي الشَّيْء وضده وَالْبناء وَالْهدم ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَحَقِيقَة التَّمَاثُل والتشابه هُوَ أَن كل جسمين اشتبها فَإِنَّمَا يشتبهان بِصفة مَحْمُولَة فيهمَا وكل عرضين فَإِنَّمَا يشتبهان بوقوعهما تَحت نوع وَاحِد كالحمرة والحمرة أَو الْحمرَة والخضرة وَهَذَا أَمر يدْرك بالعيان وَأول الْحس وَالْعقل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْكَلَام فِي الْحَيَاة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالُوا أَن الدَّلِيل أوجب أَن الْبَارِي تَعَالَى حَيّ لِأَن أَفعَال الْحِكْمَة لَا تقع إِلَّا من الْحَيّ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل إِلَّا حَيّ أَو ميت قُلْنَا إِمْكَان وُقُوع الْفِعْل من الْمَيِّت صَحَّ وُقُوعه من الْحَيّ وَلَا بُد ثمَّ انقسم هَؤُلَاءِ قسمَيْنِ فطائفة قَالَت هُوَ تَعَالَى حَيّ لَا بحياة وَطَائِفَة قَالَت بل هُوَ تَعَالَى حَيّ بحياة واحتجت أَنه لَا يعقل أحد حَيا إِلَّا بحياة وَلم يكن الْحَيّ حَيا إِلَّا لِأَن لَهُ حَيَاة وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن حَيا قَالُوا وَلَو جَازَ أَن يكون حَيّ لَا بحياة لجَاز أَن يكون حَيَاة لَا بحي وَقَالَت الطَّائِفَة الأولى لم يكن الْحَيّ حَيا لِأَن لَهُ حَيَاة لَكِن لِأَنَّهُ فَاعل فَقَط عَالم قَادر وَلَا يكون الْعَالم الْقَادِر الْفَاعِل إِلَّا حَيا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكلا الْقَوْلَيْنِ فِي غَايَة الْفساد لِاتِّفَاق الطَّائِفَتَيْنِ على أَن سموا رَبهم تَعَالَى حَيا من طَرِيق الِاسْتِدْلَال إِمَّا لنفي الْمَوْت والجمادية عَنهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ فَاعل قَادر عَالم وَلَا يكون الْفَاعِل الْقَادِر الْعَالم إِلَّا حَيا يلْزمهُم أَن يطردوا استدلالهم هَذَا وَإِلَّا فهم متناقضون وَإِذا طردوا استدلالهم هَذَا لَزِمَهُم وَلَا بُد أَن يَقُولُوا أَنه تَعَالَى جسم لأَنهم لم يعقلوا قطّ فَاعِلا وَلَا حكيمًا وَلَا عَالما وَلَا قَادِرًا إِلَّا جسمًا فَإِذا لم يكن هَذَا دَلِيلا على أَنه جسم فَلَيْسَ دَلِيلا على أَنه حَيّ وَأَيْضًا فَإِن اتِّفَاقهم على مَا ذكرنَا مُوجب على الطَّائِفَة الأولى أَن يطردوا أَيْضا استدلالهم وَإِلَّا فَهُوَ فَاسد فَنَقُول أَنه لَا يكون الْقَادِر الْعَالم
[ ٢ / ١١٨ ]
فِيمَا بَيْننَا إِلَّا ذَا حَيَاة وَلَا يكون حَيا إِلَّا بحياة لَا يعقل غير هَذَا أصلا وَيُقَال لَهُم مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من عكس قَوْلكُم فَقَالَ إِذا كَانَ الْحَيّ لَا يجب أَن يُقَال إِن لَهُ حَيَاة من أجل أَنه حَيّ وَلَا أَنه إِذا كَانَ حَيا وَجب أَن يكون لَهُ حَيَاة وَلَا أَنه سمى الْحَيّ حَيا لِأَن لَهُ حَيَاة فَكَذَلِك لم يجب أَن يكون الْفَاعِل فَاعِلا لِأَنَّهُ حَيّ لَكِن لِأَن لَهُ فعلا فَقَط وَلَا وَجب أَن يكون الْفِعْل فَاعِلا لِأَنَّهُ عَالم قَادر لَكِن لِأَن لَهُ فعلا وَكَذَلِكَ الْمُؤلف لم يسم مؤلفًا لِأَن فِيهِ تأليفًا وَلَا سمي الْحَكِيم حكيما لإحكامه الْفِعْل وَلَا وَجب الْمُؤلف أَن يكون مُحدثا للتأليف الَّذِي فِيهِ على أَن من قَالَ بعض هَذِه القضايا فَهُوَ أصح قولا مِمَّن قَالَ أَن يكون الْحَيّ حَيا لَا يَقْتَضِي بذلك الِاسْتِدْلَال أَن يكون لَهُ حَيَاة لأننا لم نجد قطّ حَيا إِلَّا بحياة وَلَا توهمنا ذَلِك إِلَّا بِالْعقلِ وَلَا يتشكل فِي الْعقل الْبَتَّةَ وَلَا يدْخل فِي الْمُمكن بِدَلِيل وَقد وجدنَا العنكبوت والنحل والخطاف تحكم أفعالها وبنائها بالطين وبالشمع مسدسًا على رُتْبَة وَاحِدَة وبالنسج ثمَّ لَا يجوز أَن يُسمى شئ مِنْهَا حكيمًا فَإِن قَالَ إِنَّمَا أَقُول أَنه حَيّ اسْتِدْلَالا بِأَنَّهُ لَا يَمُوت فَقَط كَانَ قد أَتَى بأسخف قَول وَذَلِكَ يلْزمه أَن يَقُول أننا لسنا أَحيَاء لأننا نموت وَأَنه لَا حَيّ فِي الْعَالم لِأَن من قَول هَذَا الْقَائِل أَن الْمَلَائِكَة تَمُوت فَلَيْسَ فِي الْعَالم حَيّ على قَوْله وَقد أَتَى بَعضهم بهذيان ظريف فَقَالَ قد وجدنَا شَيْئا فِيهِ حَيَاة وَلَيْسَ حَيا هُوَ يَد الْإِنْسَان وَرجله
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي لمن هَذَا مِقْدَاره من الْجَهْل أَن يتَعَلَّم قبل أَن يتَكَلَّم أما علم لجَاهِل أَن الْحَيَاة إِنَّمَا هِيَ للنَّفس لَا للجسد وَأَن الْحَيّ إِنَّمَا هِيَ النَّفس لَا الْجَسَد أما سمع قَول الله ﷿ ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ وليت شعري لَو عكس عَلَيْهِ هَذَا السخف فَقيل لَهُ بل يَد الْإِنْسَان حَيَّة وَلَا حَيَاة فِيهَا بِمَاذَا كَانَ ينْفَصل من هَذَا الْجُنُون المطابق لجنونه ثمَّ إِذْ قد بَطل قَول هَؤُلَاءِ فَنَقُول بحول الله تَعَالَى وقوته للطائفة الْأُخْرَى الَّتِي قَالَت أَنه تَعَالَى حَيّ بحياة اسْتِدْلَالا بِالشَّاهِدِ مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ هُوَ تَعَالَى جسم لِأَن الْأَفْعَال لَا تقع إِلَّا من جسم وَعرض فَلَمَّا بَطل إِمْكَان الْفِعْل من الْعرض صَحَّ وُقُوعه من الْجِسْم فَقَط وَلَا بُد وَلما صَحَّ أَن الْعَالم لَا يكون إِلَّا جسمًا ذَا ضمير صَحَّ أَنه تَعَالَى جسم ذُو ضمير وَلما صَحَّ أَنه قَادر والقادر لَا يكون إِلَّا جسمًا صَحَّ أَنه جسم فَبِأَي شَيْء راموا الِانْفِصَال بِهِ عكس عَلَيْهِم مثله سَوَاء بِسَوَاء فِي استدلالهم وَمَا التزموه لَزِمَهُم فَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى أخبر أَنه حَيّ وَلم يخبر أَنه جسم قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَإِن الله تَعَالَى لم يخبر بِأَن لَهُ حَيَاة فَإِن قَالُوا إِن الْحَيّ يَقْتَضِي أَن لَهُ حَيَاة قُلْنَا لَهُم والحي يَقْتَضِي أَنه جسم وَهَكَذَا أبدا فَإِن قَالُوا أَنه تَعَالَى قَالَ ﴿وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت﴾ فَوَجَبَ أَن يكون حَيا بحياة قيل لَهُم وَإِن وَجب هَذَا فَقَالَ تَعَالَى لَا نَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم فَقولُوا أَنه تَعَالَى يقظان فَإِن قَالُوا لم ينص تَعَالَى على أَنه يقظان قيل لَهُم وَلَا نَص تَعَالَى على
[ ٢ / ١١٩ ]
أَن لَهُ حَيَاة فَإِن قَالُوا الْحَيّ يَقْتَضِي حَيَاة قيل لَهُم وَمن لَيْسَ نَائِما وَلَا وَسنَان فَهُوَ يقظان وَلَا فرق وَيُقَال لَهُم أخبرونا مَاذَا نفيتم عَنهُ تَعَالَى بِإِيجَاب الْحَيَاة لَهُ أنفيتم عَنهُ بذلك الْمَوْت الْمَعْهُود والمواتية الْمَعْهُودَة أم موتا غير مَعْهُود ومواتية غير معهودة وَلَا سَبِيل إِلَى قسم ثَالِث فَإِن قَالُوا نَفينَا عَنهُ الْمَوْت الْمَعْهُود والمواتية الْمَعْهُودَة قُلْنَا لَهُم إِن الْمَوْت الْمَعْهُود والمواتية الْمَعْهُودَة لَا ينتفيان الْبَتَّةَ إِلَّا لحياة الْمَعْهُودَة الَّتِي هِيَ الْحس وَالْحَرَكَة والسكون الإراديان وَهَذَا خلاف قَوْلكُم وَلَو قلتموه لأبطلنا قَوْلكُم بِمَا أبطلنا بِهِ قَول المجسمة وَإِن قَالُوا مَا نَفينَا عَنهُ تَعَالَى إِلَّا موتا غير مَعْهُود ومواتية غير معهودة قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا لَا يعقل وَلَا يتَوَهَّم وَلَا قَامَ بِهِ دَلِيل وَلَا يجوز أَن يَنْتَفِي مَا ذكرْتُمْ بحياة يقتضيها اسْم الْحَيّ الْمَعْقُول وَهَكَذَا نقُول فِي قَوْلهم سميناه تَعَالَى سميعًا لنفي الصمم وبصيرًا لنفي الْعَمى ومتكلمًا لنفي الخرس فنسألهم هَل نفيتم بذلك كُله الخرس الْمَعْهُود والصمم الْمَعْهُود والعمى الْمَعْهُود أم صممًا لَا يعْهَد وعمى غير الْمَعْهُود وخرسًا غير الْمَعْهُود فَإِن قَالُوا نَفينَا الْمَعْهُود من كل ذَلِك قُلْنَا إِن الصمم الْمَعْهُود لَا يَنْفِي إِلَّا بِالسَّمْعِ الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ بِإِذن سَالِمَة والعمى الْمَعْهُود لَا يَنْتَفِي إِلَّا بالبصر الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ حدقة سَالِمَة والخرس الْمَعْهُود لَا يَنْتَفِي إِلَّا بالْكلَام الْمَعْهُود الَّذِي هُوَ صَوت من لِسَان وحنك وشفتين فَإِن قَالُوا بل نَفينَا من كل ذَلِك غير الْمَعْهُود قُلْنَا هَذَا لَا يعقل وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يَصح بِهِ دَلِيل وَلَا يَنْتَفِي بِمَا أردتم نَفْيه بِهِ وَأَيْضًا فَإِن الْبَارِي تَعَالَى لَو كَانَ حَيا بحياة لم يزل وَهِي غَيره لوَجَبَ ضَرُورَة أَن يكون تَعَالَى مؤلفًا مركبا من ذَاته وحياته وَسَائِر صِفَاته ولكان كثير إِلَّا وَاحِدًا وَهَذَا إبِْطَال الْإِسْلَام ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما قَوْلهم إِنَّمَا خاطبنا الله بِمَا نعقل ودعواهم أَن فِي بديهة الْعُقُول أَن الْفَاعِل لَا يكون إِلَّا عَالما بِعلم هُوَ غَيره حَيا بحياة هِيَ غَيره قَادِرًا بقدرة هِيَ غَيره متكلمًا بِكَلَام هُوَ غَيره سميعًا بسمع هُوَ غَيره بَصيرًا ببصر هُوَ غَيره فَإنَّا نقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتايدان هَذِه الْقَضِيَّة كَمَا ذكرُوا مَا لم برهَان على خلاف ذَلِك ثمَّ نسألهم هَل عقلتم قسط أَو توهمتم نَارا محرقة تنْبت فِي الشّجر المثمر وَهَذِه صفة جَهَنَّم الَّتِي إِن أنكرتموها كَفرْتُمْ وَهل عقلتم قطّ طيرًا حَيا يُؤْكَل دون أَن يَمُوت أَو يعاني بِنَار وَهَذِه صفة الْجنَّة الَّتِي إِن أنكرتموها كَفرْتُمْ وَمثل هَذَا كثير وَإِنَّمَا الْحق أَن لَا نخرج عَمَّا عهدناه وَمَا عَقَلْنَاهُ إِلَّا أَن يَأْتِي برهَان فَإِن قنعوا بِهَذَا الْقدر من الدَّعْوَى فليقنعوا بِمثل هَذَا من المجسمة إِذْ قَالُوا إِنَّمَا خاطبنا الله تَعَالَى بِمَا نفهم ونعقل لَا بِمَا لَا يعقل وَقد أخبرنَا الله تَعَالَى أَن لَهُ عينا ويدًا ووجهًا وَأَنه ينزل وَيَجِيء فِي ظلل من الْغَمَام قَالُوا فَكل هَذَا مَحْمُول على مَا عقلنا من أَنَّهَا جوارح وحركات وَأَنَّهَا جسم وأقنعوا بِهِ مِنْهُم أَيْضا إِذْ قَالُوا ببديهة الْعقل وأوله عرفنَا وَوَجَب أَنه لَا يكون الْفَاعِل إِلَّا جسمًا فِي مَكَان وبضرورة الْعقل علمنَا أَنه لَا شَيْء إِلَّا بجسم أَو عرض وَمَا لم يكن كَذَلِك فَهُوَ عدم وَإِن مَا لم يكن
[ ٢ / ١٢٠ ]
عرضا فَهُوَ جسم والباري تَعَالَى لَيْسَ عرضا فَهُوَ جسم وَلَا بُد وأقنعوا بِمثل هَذَا من الْمُعْتَزلَة إِذْ قَالُوا فِي إبِْطَال الرُّؤْيَة بضرورة الْعقل عرفنَا أَنه لَا يرى إِلَّا جسم ملون وَمَا كَانَ فِي حيّز وَإِذ قَالُوا بضرورته وبديهته علمنَا أَن كل من فعل شَيْئا فَإِنَّمَا يُوصف بِهِ وينسب إِلَيْهِ فَلَو أَنه تَعَالَى خلق الشَّرّ وَالظُّلم المنسب إِلَيْهِ وَوصف بهما واقنعوا بِهَذَا من الدهرية إِذْ قَالُوا بضرورة الْعقل علمنَا أَنه لَا يكون شَيْئا إِلَّا من شَيْء أَو فِي شَيْء
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَكل طَائِفَة من هَذِه الطوائف تَدعِي الْبَاطِل على الْعُقُول والحقيقة فِي هَذَا هُوَ أَن كل من ادّعى فِي شَيْء مَا أَنه يعرف ببديهة الْعقل وضرورته وأوله أَن ينظر فِي تِلْكَ الدَّعْوَى فَإِن كَانَت مِمَّا ترجع إِلَى الْحَواس الْمُشَاهدَة فَهِيَ دَعْوَى كَاذِبَة فَاسِدَة لِأَن الْعُقُول توجب أَشْيَاء لَا تشكل فِي الْحَواس كالألوان الَّتِي لَا يتوهمها الْأَعْمَى وَلَا يتشكلها بحاسة وَهُوَ موقن بهَا بضرورة عقله لصِحَّة الْخَبَر وتواتره عَلَيْهِ بوجودها وكالصوت الَّذِي لَا يتوهمه الْبَتَّةَ وَلَا يشكله من ولد أَصمّ أصلع وَهُوَ موقن بعقله بِصِحَّة الْأَصْوَات لتواتر الْخَبَر عَلَيْهِ بِصِحَّتِهَا وَإِن كَانَت تِلْكَ الدَّعْوَى ترجع إِلَى مُجَرّد الْعقل دون توَسط لحواس فَهِيَ دَعْوَى صَادِقَة وَهَذِه الدعاوي الَّتِي ذكرنَا عَن الأشعرية والمجسمة والمعتزلة والدهرية فَإِنَّمَا غلطوا فِيهَا لأَنهم نسبوا إِلَى أول الْعقل مَا أدركوه بحواسهم وَقد قُلْنَا أَن الْعقل يُوجب وَلَا بُد معرفَة أَشْيَاء لَا تدْرك بالحواس وَلَا سِيمَا دَعْوَى الدهرية فَإِنَّهَا تعَارض ممثلها من أَن بضرورة الْعقل وأوله علمنَا أَنه لَا يُمكن وجود جسم وَعرض فِي زمَان لَا أول لَهُ وَهَذَا هُوَ الْحق لَا دَعوَاهُم الَّتِي عولوا فِيهَا على مَا شاهدوا بحواسهم فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَيُقَال لَهُم إِذا سميتموه حَيا لنفي الْمَوْت والمواتية عَنهُ تَعَالَى وقادرًا لنفي الْعَجز وعالمًا لنفي الْجَهْل فيلزمكم وَلَا بُد أَن تسموه حساسًا لنفي الخدر عَنهُ وسمامًا لنفي الْجِسْم عَنهُ ومتحركًا لنفي السّكُون والجمادية عَنهُ وعاقلًا لنفي ضد الْعقل عَنهُ وشجاعًا لنفي الْجُبْن عَنهُ فَإِن امْتَنعُوا من ذَلِك كَانُوا قد ناقضوا فِي استدلالهم فِي تسميتهم إِيَّاه حَيا عَالما قَادِرًا جوادًا فَإِن قَالُوا أَنه لَا يجوز أَن يُسَمِّي بشئ مِمَّا ذكرنَا لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِهِ نَص قيل لَهُم وَكَذَلِكَ لم يَأْتِ نَص بِأَن لَهُ تَعَالَى حِين وَلَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا سمي حَيا عَالما قَادِرًا لنفي أضداد هَذِه الصِّفَات عَنهُ لَكِن لما جَاءَ النَّص بِأَنَّهُ تَعَالَى يُسَمِّي الْحَيّ الْعَالم الْقَدِير سميناه بذلك وَلَوْلَا النَّص مَا جَازَ لأحد أَن يُسمى الله تَعَالَى بشئ من ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يكون مشبهًا لَهُ بخلقه لَا سِيمَا وَلَفْظَة الْحَيّ تقع فِي اللُّغَة على الْعَالم الْمُمَيز بالحقائق قَالَ تَعَالَى ﴿لينذر من كَانَ حَيا ويحق القَوْل على الْكَافرين﴾ فَأَرَادَ بالحي هَاهُنَا الْعلم الْمُمَيز بِالْإِيمَان الْمقر بِهِ وَأَيْضًا مِنْهُم يدعونَ أَنهم يُنكرُونَ التَّشْبِيه ثمَّ يركبونه أتم ركُوب فَيَقُولُونَ لما لم يكن الفعال عندنَا إِلَّا حَيا عَالما قَادِرًا وَجب أَن يكون الْبَارِي الْفَاعِل للأشياء حَيا عَالما وَهَذَا نَص قياسهم لَهُ على الْمَخْلُوقَات وتشبيهه تَعَالَى بهم وَلَا يجوز عِنْد الْقَائِلين
[ ٢ / ١٢١ ]
بِالْقِيَاسِ أَن يُقَاس الشَّيْء إِلَّا على نَظِيره وَأما أَن يُقَاس الشَّيْء على خِلَافه من كل جِهَة وعَلى مَا لَا يُشبههُ فِي شَيْء الْبَتَّةَ فَهَذَا مَا لَا يجوز أصلا عِنْد أحد فَكيف وَالْقِيَاس كُله بَاطِل لَا يجوز وَأَيْضًا فَإِن الْحَيَاة الَّتِي لَا يعرف أحد بِالْعقلِ حَيَاة غَيرهَا إِنَّمَا هِيَ الْحس وَالْبركَة الإرادية وَلَا يعرف أحد الْحَيّ إِلَّا بالإحساس المتحرك بِإِرَادَة وَهَذَا أَمر يعرف بِالضَّرُورَةِ فَمن أنكر ذَلِك فقد أنكر الْحس والمشاهدة والضرورة وَخرج عَن أَن يكلم فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم إِن الْموَات قد يَتَحَرَّك فَلم يزدْ على أَن أبان عَن قُوَّة جَهله لِأَنَّهُ إِنَّمَا قُلْنَا الْحَرَكَة الإرادية فَإِذا لم يفرق هَذَا الْجَاهِل بَين الْحَرَكَة الإرادية والاضطرارية فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يتَعَلَّم قبل أَن يتَكَلَّم وكل حَرَكَة ظَهرت من غير حَيّ فَلَيْسَتْ حَرَكَة إرادية لَهُ لَكِنَّهَا تَحْرِيك المحرك لَهُ إِمَّا الْبَارِي تَعَالَى وَإِمَّا من دونه وَمِمَّا يبطل قَوْلهم ضَرُورَة أَنه إِنَّمَا سمي تَعَالَى حَيا لِأَنَّهُ عَالم فَأَرَادَ وجودنا أَحيَاء كَثِيرَة لَيْسُوا عُلَمَاء وَلَا قَادِرين كالأطفال حِين ولادتهم وكالنائم المستقل وكالمخدور من المجانين وكضعاف الدُّود والصوداب وَمَا لَا ينْتَقل عَن مَحَله كالوصل وَغَيره وكالمريض من سَائِر الْحَيَوَان فَهَذِهِ كلهَا أَحيَاء لَيْسَ شَيْء مِنْهَا عَالما وَلَا قَادِرًا فصح ضَرُورَة أَنه لَا معنى للحياة يرتبط بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة لمن الْحق فِي ذَلِك أَن بعض الْأَحْيَاء عَالم قَادر وَلَيْسَ كل حَيّ عَالما قَادِرًا وَلَا سَبِيل إِلَى وجود حَيّ غير حساس وَلَا متحرك بِإِرَادَة فَإِن ذكرُوا الْمَعْنى عَلَيْهِ فَذَلِك عَائِد عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَيْسَ عَالما وَلَا قَادِرًا وَأما الْحس فَفِيهِ بِالضَّرُورَةِ وَلَو جش جشًا قَوِيا لتألم ولأخبر بذلك عِنْد انتباهه وَكَذَلِكَ الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية باقيان لَا بُد فِي بعض أَعْضَاء المخدور والمغمى عَلَيْهِ وَلَا بُد وَقد بَينا الْوَاجِب فِي هَذَا وَهُوَ أَنه لَا يُسمى الله ﷿ وَلَا نخبر عَنهُ من طَرِيق الِاسْتِدْلَال باسم يُشَارِكهُ فِيهِ شَيْء من خلقه وَلَا بِخَبَر يُشَارِكهُ فِيهِ شَيْء من خلقه وَلَكنَّا نقُول أَنه تَعَالَى لَا يجهل شَيْئا أصلا وَهَذِه صفة لَا يَسْتَحِقهَا أحد دونه تَعَالَى ونقول لَا يغْفل الْبَتَّةَ وَلَا يضل وَلَا يسهو وَلَا ينَام وَلَا يتحير وَلَا ينْحل وَلَا يخفى عَلَيْهِ متوهم وَلَا يعجز عَن مسئول عَنهُ وَلَا ينسى وكل هَذَا فَلَا يسْتَحقّهُ مَخْلُوق دونه تَعَالَى أصلا ثمَّ نفر بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالسّنَن كَمَا جَاءَ لَا نزيد وَلَا ننقص مِنْهُ وَلَا نحيله فنؤمن بِأَنَّهُ بِخِلَاف الْمَعْهُود فِيمَا يَقع عَلَيْهِ ذَلِك اللَّفْظ من خلقه وَأما لفظ الصّفة فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَفِي جَمِيع اللُّغَات فَإِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن معنى مَحْمُول فِي الْمَوْصُوف بهَا لَا معنى للصفة غير هَذَا الْبَتَّةَ وَهَذَا أَمر لَا يجوز إِضَافَته إِلَى الله تَعَالَى الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِشَيْء أخبر الله تَعَالَى بِهِ عَن نَفسه فَيُؤمن بِهِ وندري حِينَئِذٍ أَنه اسْم علم لَا مُشْتَقّ من صفة أصلا وَأَنه خبر عَنهُ تَعَالَى لَا يُرَاد بِهِ غَيره ﷿ وَلَا يرجع مِنْهُ إِلَى سواهُ الْبَتَّةَ وَالْعجب كل الْعجب لَهُم يسمون الله حَيا لأَنهم لم يَجدوا الْفِعْل يَقع إِلَّا من حَيّ ثمَّ يَقُولُونَ أَنه لَا كالأحياء فعادوا إِلَى دليلهم فأفسدوه لأَنهم إِذا أوجبوا وُقُوع الْفِعْل من حَيّ لَيْسَ كالأحياء الَّذين لَا تقع الْأَفْعَال إِلَّا مِنْهُم فقد أبطلوا أَن يكون ظُهُور الْأَفْعَال دَلِيلا على أَنَّهَا من حَيّ كَمَا عهدوه
[ ٢ / ١٢٢ ]
وَقد علمنَا يَقِينا أَن الْقُدْرَة من كل قَادر فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هِيَ عرض فِيهِ وَأَن الْحَيَاة فِي الْحَيّ الْمَعْهُود بضرورة الْعقل عرض فِيهِ أَيْضا وَإِن الْعلم فِي كل عَالم فِي الْعَالم كَذَلِك وَقد وافقونا على أَن الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك فَإذْ قد بَطل أَن يكون هَذَا مَوْصُوفا بِصفة الْقَادِر فِيمَا بَيْننَا والعالم منا الَّتِي لولاها لم يكن الْعَالم عَالما والقادر قَادِرًا فَإِن الْفِعْل فِيمَا بَيْننَا لَا يَقع إِلَّا من أهل تِلْكَ الصّفة فقد بَطل ضَرُورَة أَن يُسمى الْبَارِي تَعَالَى بإسم قَادِرًا وعالم أَو حَيّ اسْتِدْلَالا بِأَن الْفِعْل فِيمَا بَيْننَا لَا يَقع إِلَّا من عَالم قَادر وَإِذ قد جوزوا وجود علم لَيْسَ عرضا وحياة لَيست عرضا وَهَذَا أَمر غير مَعْقُول أصلا فَلَا ينكروا وجود حَيّ لَا بحياة وَسميع لَا بسمع وبصير لَا ببصر وكل هَذَا خُرُوج عَن الْمَعْهُود وَلَا فرق وَإِنَّمَا يستجاز الْخُرُوج عَن الْمَعْهُود إِذا جَاءَ بِهِ نَص من الْخَالِق ﷿ أَو قَامَ بِهِ برهَان ضَرُورِيّ وَإِلَّا فَلَا وَلم يَأْتِ نَص قطّ بِلَفْظ الْحَيَاة وَلَا الْإِرَادَة وَلَا السّمع وَلَا الْبَصَر وَاحْتج بَعضهم فِي مُعَارضَة من قَالَ إِن الْحَيّ لَا يكون إِلَّا حساسًا متحركًا بِإِرَادَة لأننا لم نشاهد قطّ حَيا إِلَّا حساسًا متحركًا بِإِرَادَة فَقَالَ هَذَا الْمُعْتَرض إِن من اتّفق لَهُ أَن لَا يرى نباتًا إِلَّا أَخْضَر وَلَا أَخْضَر إِلَّا نباتًا فَقطع بِأَن كل أَخْضَر فَهُوَ نَبَات فقد أَخطَأ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأول مَا يُقَال لَهُ قل هَذَا لنَفسك فِي استدلالك بأنك لم تَرَ قطّ فعالًا إِلَّا حَيا عَالما قَادِرًا وَلَا فرق ثمَّ نعود بعون الله تَعَالَى إِلَى بَيَان مَا شغبوا بِهِ مِمَّا لَا يعْرفُونَ الْفرق بَينه وَبَين مَا يَقع عَلَيْهِ فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْأَعْرَاض تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا ذاتي لَا يتَوَهَّم بُطْلَانه بِبُطْلَان حامله كالحس وَالْحَرَكَة الإرادية للحي وَكَذَلِكَ احْتِمَال الْمَوْت للْإنْسَان مَعَ امكانية التَّمْيِيز للعلوم وَالتَّصَرُّف فِي الصناعات وَمَا أشبه هَذَا وَمن هَذِه الْأَعْرَاض تقوم فُصُول الْأَشْيَاء وحدودها الَّتِي تفرق بَينهَا وَبَين غَيرهَا من الْأَنْوَاع الَّتِي تقع مَعهَا تَحت جنس وَاحِد فَهَذَا الْقسم مَقْطُوع على وجوده فِي كل مَا وَقع اسْم حامله عَلَيْهِ وَالْقسم الثَّانِي غَيْرِي وَهُوَ مَا يتَوَهَّم بُطْلَانه وَلَا يبطل بذلك مَا هُوَ فِيهِ كاجترار الْبَعِير وحلاوة الْعَسَل وَسَوَاد الْغُرَاب فَإِن وجد عسل مر وَقد وَجَدْنَاهُ لم يبطل بذلك أَن يكون عسلًا وَكَذَلِكَ لَو وجد غراب أَبيض وَقد وجد لم يبطل بذلك أَن يكون غرابًا فَمثل هَذَا الْقسم لَا يقطع على أَنه مَوْجُود وَلَا بُد أبدا فَهَذَا الْفرق بَين مَا شغب بِهِ من النَّبَات لِأَنَّهُ إِن توهم النَّبَات أَحْمَر أَو أصفر لم يبطل أَن يُسمى نباتًا وَلكنه إِن توهم أَن يكون النَّبَات غير نَام من الأَرْض وَلَا متغذ برطوباتها منجذبًا بَحر الْهَوَاء ورطوبته فَإِنَّهُ لَا يكون نباتًا أصلا وَأَيْضًا فقد قَالَ بَعضهم أَنه قد يعرفهُ الْبَارِي حَيا من لَا يعرفهُ حساسًا متحركًا بِإِرَادَة قيل لَهُ وَقد يعرفهُ حَيا من لَا يعرف أَن لَهُ حَيَاة وَقد يعرفهُ جسمًا من لَا يعرفهُ مؤلفًا وَلَا مُحدثا وَلَيْسَ توهم الْجُهَّال لما توهموه من الحماقات حجَّة على أهل الْعُقُول والعلوم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن كل صفة فِي الْعَالم فَهِيَ ضَرُورَة وَلَا بُد عرض
[ ٢ / ١٢٣ ]
بَين الطَّرفَيْنِ أَو أحد أذينك الطَّرفَيْنِ وَإِمَّا ذَات ضد فحاملها بِالضَّرُورَةِ قَابل للأضداد فَلَا عَالم فِي الْعَالم إِلَّا وَالْجهل مِنْهُ متوهم وَلَا قَادر فِي الْعَالم إِلَّا وَالْعجز مِنْهُ متوهم وَلَا حَيّ فِي الْعَالم إِلَّا والسكون وَالْحَرَكَة والحس والحذر متوهمات كلهَا مِنْهُ وَقد علمنَا أَن الله تَعَالَى أرْحم الرَّاحِمِينَ حَقًا لَا مجَاز من أنكر هَذَا فَهُوَ كَافِر حَلَال دَمه وَمَاله وَهُوَ تَعَالَى يَبْتَلِي الْأَطْفَال بالجدري واواكل وَالْجِنّ والذبحة والأوجاع حَتَّى يموتوا وبالجوع حَتَّى يموتوا كَذَلِك ويفجع الْآبَاء بالأبناء وَكَذَلِكَ الْأُمَّهَات والأحباء بَعضهم بِبَعْض حَتَّى يهْلكُوا ثكلًا ووجدًا وَكَذَلِكَ الطير بألاودها وَلَيْسَت هَذِه صفة الرَّحْمَة بَيْننَا فصح يَقِينا أَنَّهَا أَسمَاء الله تَعَالَى سمى الله تَعَالَى بهَا نَفسه غير مُشْتَقَّة من صفة مَحْمُولَة فِيهِ تَعَالَى حاشا لَهُ من ذَلِك فَإِن قَالُوا إِن الْعَالم الْقَادِر الْحَيّ الأول الرَّحِيم بِخِلَاف هَذَا قيل لَهُم صَدقْتُمْ وَهَذَا إبِْطَال مِنْكُم لاستدلالكم بِالشَّاهِدِ بَيْنكُم على تَسْمِيَة الْبَارِي وَصِفَاته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما وَصفنَا الْبَارِي تَعَالَى بِأَنَّهُ الْوَاحِد الأول الْحق الْخَالِق من طَرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُ لَا يلْزمنَا فِي ذَلِك شَيْء مِمَّا ألزمناه خصومنا لِأَنَّهُ قد قَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ خَالق مَا سواهُ وَلَيْسَ فِي الْعَالم خَالق الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَقد قَامَ الْبُرْهَان على أَنه تَعَالَى وَاحِد لَا وَاحِد فِي الْعَالم غَيره الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وكل مَا فِي الْعَالم فمتكثر بِاحْتِمَال الْقِسْمَة والتحري وَقد قَامَ الْبُرْهَان على أَنه تَعَالَى الأول وَالْأول فِي الْعَالم الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه كل مَا فِي الْعَالم يُنَافِي الأمل وَقَامَ الْبُرْهَان بِأَنَّهُ تَعَالَى الْحق بِذَاتِهِ وَإِن كل مَا فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هُوَ مُحَقّق لَهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَ حَقًا بالباري جلّ وَعز لولاه لم يكن حَقًا فَهَذَا هُوَ الْبُرْهَان الصَّحِيح الثَّابِت الَّذِي لَا يُعَارض ببرهان الْبَتَّةَ وَهَذَا هُوَ نفي التَّشْبِيه ثمَّ إننا ننفي عَن الْبَارِي تَعَالَى جَمِيع صِفَات الْعَالم فَنَقُول أَنه تَعَالَى لَا يجهل أصلا وَلَا يغْفل الْبَتَّةَ وَلَا يسهو وَلَا ينَام وَلَا يحس وَلَا يخفى عَلَيْهِ متوهم وَلَا يعجز عَن مسئول عَنهُ لأننا قد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا هَذَا إِن الله تَعَالَى بِخِلَاف خلقه من كل وَجه فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَوَاجِب نفي كل مَا يُوصف بِهِ شَيْء مِمَّا فِي الْعَالم عَنهُ تَعَالَى على الْعُمُوم وَأما إِثْبَات الْوَصْف أَو التَّسْمِيَة لَهُ تَعَالَى فَلَا يجوز إِلَّا بِنَصّ ونخبر عَنهُ تَعَالَى بأفعاله ﷿ فَنَقُول أَنه تَعَالَى مُحي الْمَوْتَى ومميت الْأَحْيَاء إِلَّا أَن لَا يثبت إِجْمَاع فِي إِبَاحَة شَيْء من ذَلِك وَلَوْلَا الْإِجْمَاع على إِبَاحَة إِطْلَاق بعض ذَلِك هَا هُنَا لما أجزناه ونقول أَنه تَعَالَى بِكُل شَيْء عليم لم يزل كَذَلِك وَالْمعْنَى فِي هَذَا أَنه لم يزل يعلم أَنه سيخلق الْأَشْيَاء على حسب هَيْئَة كل مَخْلُوق مِنْهَا لَا على أَن الْأَشْيَاء لم تزل مَوْجُودَة فِي علمه معَاذ الله من هَذَا وَلَكِن نقُول لم يزل تَعَالَى يعلم أَنه سيحدث كل مَا يكون شَيْئا إِذا أحدثه على مَا يكون عَلَيْهِ إِذا كَانَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ونجمع إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَا هُنَا بَيَان الرَّد على من أقدم أَن يُسمى الله تَعَالَى
[ ٢ / ١٢٤ ]
بِغَيْر نَص لَكِن بِمَا دله عَلَيْهِ عقله وظنه أَنه حسن ومدح أَو اسْتِدْلَالا بِمَا سمى بِهِ تَعَالَى نَفسه أَو تصريفًا من ذَلِك أَو قِيَاسا على مَا شَاهد من خلقه فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الله تَعَالَى سمى نَفسه الرَّحْمَن الرَّحِيم فسمه أَنْت الرَّقِيق من رقة النَّفس الَّتِي هِيَ الرَّحْمَة فَإِن قَالَ الرَّحِيم يُغني عَن ذَلِك قيل لَهُ نقصت أصلك لِأَن الْحَيّ يُغني عَن هَذَا عَن أَن يُقَال لَهُ حَيَاة وَأَيْضًا فَإِن الرَّحْمَن يُغني عَن الرَّحِيم فَإِن قَالَ قد ورد النَّص بِهِ قيل لَهُ صدقت وَلَا تتعد مَا جَاءَ بِهِ النَّص وامنع مَا سواهُ وسمى نَفسه الْعَلِيم فسمه الدَّارِيّ الحبر الْفَهم الذكي الْعَارِف النَّبِيل فَكل هَذَا مدح وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة بِمَعْنى عليم وَلَا فرق وسمى نَفسه الْكَرِيم فسمه السخي والجواد وسمى نَفسه الْحَكِيم فسمه النَّاقِد الْعَاقِل وسمى نَفسه الْعَظِيم فسمه الفخم الضخم وسمى نَفسه الْحَلِيم فسمه الْمُحْتَمل الصابر الصبور الصبار وَأخْبر أَنه قريب فسمه الداني المجاور الْمُبَاشر وسمى نَفسه الْوَاسِع فسمه الرحب العريض وسمى نَفسه الْعَزِيز فسمه الرئيس وَأخْبر أَنه شَاكر وشكور فسمه الحامد الحماد وسمى نَفسه القهار فسمه الظافر وسمى نَفسه الآخر فسمه الثَّانِي والتالي والخاتم وسمى نَفسه الظَّاهِر فسمه الْعَارِف والداري وسمى نَفسه الْكَبِير فسمه الرئيس والمتقدم وسمى نَفسه الْقَدِير فسمه المطيق والمستطيع وسمى نَفسه الْعلي فسمه العالي والرفيع والسامي وسمى نَفسه الْبَصِير فسمه المعاين وسمى نَفسه الْجَبَّار فسمه المتجبر الزاهي التياه وسمى نَفسه المتكبر فسمه المستكبر المتعاظم المتنحي وسمى نَفسه الْبر الزاكي المتواصل وسمى نَفسه المتعالي فسمه المتعظم المترفع وسمى نَفسه الْغَنِيّ فسمه الْمُوسر الملي المكثر الوافر وسمى نَفسه الْوَلِيّ فسمه الصّديق المصادق الْوَالِي الحبيب وسمى نَفسه الْقوي فسمه الْجلد النجد الشجاع الجليد الشَّديد الباطش وسمى نَفسه الْحَيّ وَأخْبر أَن لَهُ نفسا فسمه المتحرك الحساس واقطع لَهُ روحًا بِمَعْنى النَّفس وسمى نَفسه السَّمِيع الْبَصِير فسمه الشمام الذواق وسمى نَفسه الْمجِيد فسمه الشريف الْمَاجِد وسمى نَفسه الحميد فسمه المحمد الْمَحْمُود والممدوح وسمى نَفسه الْوَدُود فسمه الواد الْمُحب الحبيب الوديد وسمى نَفسه الصَّمد فسمه المصمت وسمى نَفسه الْحق فسمه الصَّحِيح الثَّابِت وسمى نَفسه اللَّطِيف فسمه الْخَفِيف وَذكر تَعَالَى أَن لَهُ مكرًا وكيدًا فَقل إِن لَهُ دهاء ونكرًا وحسًا تحليلا وخدائع فَهَذَا كُله فِي اللُّغَة وَفِيمَا بَيْننَا سَوَاء وسمى نَفسه الْمُبين فسمه الْوَاضِح الْبَين اللائح البادي وسمى نَفسه الْمُؤمن فسمه الْمُسلم الْمُصدق وسمى نَفسه الْبَاطِن فسمه الْخَفي الْغَائِب المتغيب وسمى نَفسه الْملك والمليك فسمه السُّلْطَان وَصَحَّ بِالسنةِ أَنه يُسمى جميلًا فسمه الصبيح الْحسن
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن أَبى من كل هَذَا نقص أَصله وَكَذَلِكَ إِن قَالَ إِن بعض ذَلِك يُغني عَن بعض لزمَه إِسْقَاط الْحَيَاة لِأَن الْحَيّ يُغني عَن ذكر الْحَيَاة على هَذَا الأَصْل وَلَزِمَه أَن لَا يَقُول أَنه
[ ٢ / ١٢٥ ]
مُتَكَلم لِأَن الْكَلَام مغن عَن ذَلِك وَلَزِمَه أَيْضا إِسْقَاط السّمع وَالْبَصَر لِأَنَّهُ اسْتغنى بالسميع والبصير وَلَزِمَه أَيْضا إِسْقَاط مَا جَاءَ بِهِ النَّص إِذا كَانَ بعضه يُغني عَن بعض وَالْملك يُغني عَن مليك أَو أحد يُغني عَن وَاحِد وجبار يُغني عَن متكبر وخالق يُغني عَن الْبَارِي وَهَكَذَا يُسمى الله ﷿ الْقَدِيم وَلَا الحنان وَلَا المنان وَلَا الْفَرد وَلَا الدايم وَلَا الْبَاقِي وَلَا الخالد الْعَالم وَلَا الداني وَلَا الرَّائِي وَلَا السَّامع وَلَا المعتلي وَلَا العالي وَلَا المتبارك وَلَا الطَّالِب وَلَا الْغَالِب وَلَا الضار وَلَا النافع وَلَا الْمدْرك وَلَا المبدىء وَلَا المعيد وَلَا النَّاطِق وَلَا الْقَادِر وَلَا الْوَارِث وَلَا الْبَاعِث وَلَا القاهر وَلَا الْجَلِيل وَلَا الْمُعْطِي وَلَا الْمُنعم وَلَا المحسن وَلَا الحكم وَلَا الْحَاكِم وَلَا الْوَاهِب وَلَا الْغفار وَلَا المضل وَلَا الْهَادِي وَلَا الْعدْل وَلَا الرضي وَلَا الصَّادِق وَلَا المتطول وَلَا المتفضل وَلَا المنان وَلَا الْخَبِير وَلَا الْحَافِظ وَلَا البديع وَلَا إِلَّا لَهُ وَلَا الْمُجْمل وَلَا المحي وَلَا المميت وَلَا الْمنصف وَلَا بِشَيْء لم يسم بِهِ نَفسه أصلا وَإِن كَانَ فِي غَايَة الْمَدْح عندنَا أَو كَانَ متصرفًا من أَفعاله تَعَالَى إِلَى أَن نخبر عَنهُ بِكُل هَذَا الَّذِي ذكرنَا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا نذْكر مَعَ الْوَصْف حِينَئِذٍ والإخبار عَن فعله تَعَالَى فَهَذَا جَائِز حِينَئِذٍ فَيجوز أَن يُقَال عَالم الخفيات عَالم بِكُل شَيْء عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة غَالب على امْرَهْ غَالب على كل من طَغى وَنَحْو هَذَا الْقَادِر على مَا يَشَاء القاهر للملوك وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا الْمُعْطِي لكل مَا بِأَيْدِينَا الْوَاهِب لنا كل مَا عندنَا الْمُنعم على خلقه المحسن إِلَى أوليائه الْحَاكِم بِالْحَقِّ المبدي لخلقه المعيد لَهُ المضل لأعدائه الْهَادِي لأوليائه الْعدْل فِي حكمه الصَّادِق فِي قَوْله الراضي عَمَّن أطاعه الغضبان على من عَصَاهُ الساخط على أعدائه الكاره لما نهى عَنهُ بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَه الْخلق مُحي الْأَحْيَاء والموتى مميت الْأَحْيَاء والموتى الْمنصف مِمَّن ظلم باني الدُّنْيَا وداحيها ومسويها وَنَحْو هَذَا لِأَن كل هَذَا إِخْبَار عَن فعله تَعَالَى وَهَذَا مُبَاح لنا بِالْإِجْمَاع وَهُوَ من تَعْظِيمه تَعَالَى وَمن دُعَائِهِ ﷿ وَلَيْسَ لنا أَن نُسَمِّيه إِلَّا بِنَصّ وَكَذَلِكَ نقُول إِن لله تَعَالَى كيدًا ومكرًا وكبرياء وَلَيْسَ هَذَا من الْمَدْح فِيمَا بَيْننَا بل هُوَ فِيمَا بَيْننَا ذمّ وَلَا يحل أَن نقُول إِن لله تَعَالَى عقلا وشجاعا وعفة ودهاء وفهمًا وذكاء وَهَذَا غَايَة الْمَدْح فِيمَا بَيْننَا فَبَطل أَن يُرَاعِي فِيمَا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى مَا هُوَ مدح عندنَا أَو مَا هُوَ ذمّ عندنَا بل النَّص فَقَط وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَمن الْبُرْهَان على هَذَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِدَة من أحصاها دخل الْجنَّة فَلَو كَانَت هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي منعنَا مِنْهَا جَائِزا أَن تطلق لكَانَتْ أَسمَاء الله تَعَالَى أَكثر من مائَة ونيف وَهَذَا بَاطِل لِأَن قَول رَسُول الله ﷺ مائَة غير وَاحِد مَانع من أَن يكون لَهُ أَكثر من ذَلِك وَلَو
[ ٢ / ١٢٦ ]
جَازَ ذَلِك لَكَانَ قَوْله ﵇ كذبا وَهَذَا كفر مِمَّن أجَازه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ فأسماؤه بِلَا شكّ كَمَا هِيَ دَاخِلَة فِيمَا علمه آدم ﵇ وَتَخْصِيص كَلَامه ﵇ لَا يحل فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فَمن هُوَ الَّذِي اشتقها من الصِّفَات فَإِن قَالُوا هُوَ اشتقها كذبُوا على الله تَعَالَى جهارًا إِذْ أخبروا عَنهُ بِمَا لم يخبر بِهِ تَعَالَى عَن نَفسه وَهَذَا عَظِيم نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَهَذِه كلهَا براهين كَافِيَة لمن عقل وَبِاللَّهِ تعال التَّوْفِيق وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين