وإذا خلت الأناجيل- سوى ما قد يقال عن إنجيل يوحنا - من تقرير عقيدة ألوهية المسيح فإن رسائل بولس تمتلئ بالغلو في المسيح، والنصوص التي تعتبر المسيح كائنًا فريدًا عن البشر.
فماذا في أقوال بولس عن المسيح؟ وهل يعتبره رسولًا أم إلهًا متجسدًا أم
عند التأمل في رسائل بولس نجد إجابة متناقضة بين رسالة وأخرى، إذ ثمة نصوص تصرح ببشرية المسيح، وثمة أخرى تقول بألوهيته، فهل هذا التناقض يرجع إلى تلون بولس حسب حالة مدعويه أم أنه متوافق مع تطوير بولس لمعتقده في المسيح؟ أم أن التناقض يرجع إلى ما تعرضت له الرسائل من تغير وتبديل هذا كله يبقى محتملًا من غير ترجيح.
فمن النصوص التي تحدثت عن المسيح كعبد من البشر يتميز عنهم بمحبة الله له واصطفائه قول بولس: "يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (١) ٢/ ٥).
ومثله يقول معترفًا بوحدانية رب الأرباب "أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيبينه في أوقاته، المبارك، العزيز، الوحيد، ملك الملوك، ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت .. " (تيموثاوس (١) ٦/ ١٤ - ١٦)، فالمسيح رب، لكن الله وحده رب الأرباب.
[ ١٩٩ ]
والمسيح بشر متميز بتقديم الله له يقول عنه بولس: "مدعو من الله رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق" (عبرانيين ٥/ ١٠)، وهو أي المسيح "الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات، وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧).
ويقارن بولس بين منزلته ومنزلة مخلوقات مثله يفضلها عليه تارة، ويفضله عليها أخرى فيقول: "لكن الذي وضع قليلًا عن الملائكة: يسوع، نراه مكللًا بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت" (عبرانيين ٢/ ٩).
وفي مواضع آخر يقارن بينه وبين موسى - ﵇ - فيقول: "لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع حال كونه أمينًا للذي أقامه كما كان موسى .. موسى كان في كل بيته كخادم وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء .. " (عبرانيين ٣/ ١ - ٦).
فهذه النصوص وغيرها تحدث بها بولس عن المسيح كبشر متميز بمحبة الله له واختياره ليكون وسيلة في إبلاغ وحيه.
لكن لبولس نصوص أخرى تبالغ في وصف المسيح حتى تكاد تجعله ابنًا حقيقيًا لله لكثرة ما فيها من الغلو والتأكيد على خصوصية المسيح، مما قد يفهم منه أن البنوة هنا تختلف عن سائر ما ورد في الكتاب المقدس، ويتضح ذلك من مواضع أخرى يعتبره فيها صورة لله، أو الجسد الذي تجسد فيه الإله.
يقول بولس: "فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة" (رومية ٨/ ٣).
ويقول: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله .. " (رومية ٨/ ٣٢).
ويقول: "أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة" (غلاطية ٤/ ٤)، ويفهم من النص
[ ٢٠٠ ]
بنوة حقيقية يراها بولس للمسيح، وإلا فجميع المؤمنين أبناء الله (على المجاز) مولودون من جنس النساء.
ويقول: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرقٍ كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عبرانيين ١/ ١ - ٤). فهو كما يرى بولس نوع مختلف عما سبق من الأنبياء السابقين، والذين هم جميعًا أبناء الله بالمعنى الكتابي المجازي للكلمة.
ويقول بولس عن المسيح - ﵇ -: " هو صورة الله الغير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي ١/ ١٥).
ويقول: "إذ كان في صورة الله لن يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبده، صائرًا في شبه الناس" (فيلبي٢/ ٦ - ٧).
ويقول: "أظهر كلمته في أوقاتها الخاصة بالكرازة التي أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا: الله" (تيطس ١/ ٣).
وتحدث المحققون أيضًا عن البيئة التي جعلت بولس يندفع للقول بألوهية المسيح، وتحدثوا عن المصادر التي استقى منها بولس هذه العقيدة.
أما البيئة التي بشر بها بولس فقد كانت بيئةً مليئة بالخرافات التي تنتشر بين البسطاء والسذج الذين هم غالب أفراد مجتمع ذلك الزمان، يضاف إليه أن تلك المجتمعات وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتجسدها وموتها، ففي رحلة بولس وبرنابا إلى لستر، صنعا بعض الأعاجيب "فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا أصواتهم بلغة ليكاونية قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس، ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا: زفس، وبولس:
[ ٢٠١ ]
هرمس" (أعمال ١٤/ ١١ - ١٢)، وزفس وهرمس كما أوضح محررو قاموس الكتاب المقدس: اسمان لإلهين من آلهة الرومان: أولهما: كبير الآلهة. والثاني: إله الفصاحة.
وهكذا اعتقد هؤلاء البسطاء الوثنيون أن بولس وبرنابا إلهان، بمجرد أن فعلا بعض الأعاجيب، بل ويحكي سفر الأعمال أيضًا أن الكهنة قربوا إليهما الذبائح، وهموا بذبحها، لولا إنكار بولس وبرنابا عليهم. (انظر أعمال ١٤/ ١٣ - ١٨).
فماذا يكون قول هؤلاء في الذي كان يحيي الموتى، وأشيع أنه قام من الموتى، وأتى بالأعاجيب والمعجزات.
وفكرة تجسد الآلهة مقبولة عند الوثنين الذين حددوا مواسم وأعياد معروفة لولادة الآلهة المتجسدة وموتها، وبعثتها، لذلك فإن بولس أنزل الإله للأرض ليراه الرومان، ويكون قريبًا منهم.
ويرى الأستاذ حسني الأطير في كتابه القيم " عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية " أن الذي دفع بولس لإظهار ألوهية المسيح هو الامبرطور الروماني طيباروس قيصر (٣٧م).
ويستدل لذلك بما أورده المؤرخ أوسابيوس القيصري (٣٤٠م)، عن طيباروس حيث بلغته أخبار المسيح، فأراد إضافته إلى الآلهة، ولكن وحسب المتبع لا بد أن يحال الأمر إلى مجلس الأعيان للمصادقة عليه، إذ لا يجوز للامبرطور أن يضيف إلهًا إلا بواسطتهم، لكن المجلس رفض ذلك، وبقي طيباروس متمسكًا برأيه.
ويوافق أوسابيوس بذلك ما جاء عن المؤرخ ترتليانوس (ق٣م) إذ يقول: "وطيباروس نفسه لو أمكن أن يكون قيصرًا ومسيحيًا معًا لكان آمن به".
ويفترض الأطير أن بولس ربما كان أحد أهم أدوات اتخذها الامبرطور لنشر فكرته الجديدة عن المسيح كإله، وبقي هذا الوضع قائمًا بعد طيباروس حتى تولى
[ ٢٠٢ ]
القيصرية نيرون، فكان - كما يقول أوسابيوس - "أول امبرطور أعلن العداء للديانة الإلهية" (١).
وأما استخدام مصطلح "ابن الله" من قبل بولس فيراه شارل جنيبر غير كاف للحكم بأنه أراد الإلهية منه، فقد "بدا تصور بولس له مشوبًا بالكثير من التردد والنقص بحيث لم يقدر له مقاومة الزمن، واتجهت تقوى المؤمنين في قوة - دونما إدراك للعقبات - إلى تنشيط الإيمان بالوحدة بين السيد والله".
وفسر شارل جنيبر ذلك بأن لفظ البنوة معروف في الفكر اليهودي، وقد أطلق على كثيرين أنهم أبناء الله، لكن ظهر للكلمة مفهوم البنوة الحقيقية في مرابع الفكر اليوناني في طرسوس التي كانت مركزًا للثقافات المختلفة، ومنها نقل بولس كثيرًا مما أدخله في النصرانية (٢).
ويحاول النصارى تأصيل فكرة ألوهية المسيح وردها إلى المسيح وتلاميذه، وتبرئة بولس منها، مستدلين بما جاء في (متى ١٦/ ١٦)، والذي يقضي بأن بطرس أول من قال بتأليه المسيح، ولم ينكر عليه المسيح إذ لما سألهم المسيح: " أنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحي. فأجاب يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا " (متى ١٦/ ١٥ - ١٦).
لكن الأطير يعتبر ما جاء في متى محرفًا بدلالة ما جاء في وصف الحدث نفسه عند غيره من الإنجيليين، ففي مرقس "فأجاب بطرس، وقال له: أنت المسيح" (مرقس
_________________
(١) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (٢٢٤ - ٢٢٧)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (١٣٤).
(٢) انظر: اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (٤٢٧)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (١٣٤)، مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (٤٠).
[ ٢٠٣ ]
٨/ ٢٩)، ولم يذكر البنوة، وفي لوقا: "فأجاب بطرس، وقال: مسيح الله" (لوقا ٩/ ٢٠).
وبذلك يكون متى قد خالف مرقس وهو ينقل عنه، كما لا يمكن قبول ما جاء في متى لفقد أصله العبراني، فلا نعلم مدى الدقة التي التزمها المترجم في ترجمة العبارة (١).
وبالعموم فإنا لو افترضنا أن إجابة بطرس هي ما ذكره متى أي " أنت هو المسيح ابن الله الحي"، فإن هذا ليس فيه أي دعوى للألوهية، بل هو مطابق لقول سفر هوشع عن بني إسرائيل: "يكون عدد بني اسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ، ويكون عوضًا عن أن يقال لهم: لستم شعبي؛ يقال لهم: أبناء الله الحي" (هوشع ١/ ١٠)، فكما دعي شعب إسرائيل في التوراة بأنهم أبناء الله الحي؛ فإن بطرس يدعو المسيح ابن الله الحي، سواء بسواء.