دأب الكثير من الكُتاب على اتهام بولس بوضع التثليث في النصرانية من غير أن يقدموا على ذلك دليلًا من أقوال بولس، مكتفين بما عرف عن دور بولس في صياغة سائر المعتقدات النصرانية، وهذا الاتهام لا أراه محقًا، إذ خلت رسائل بولس من تأليه الروح القدس، كما خلت من ذكر عناصر التثليث مجتمعة إلا في نص واحد، لا يفهم منه خالي الذهن ما يعتقده النصارى من التثليث، وقد جاء ذلك في قوله: "نعمة ربنا يسوع ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (كورنثوس (٢) ١٣/ ١٤)، فليس في النص ما يفيد ألوهية الروح القدس، ولا أن الثلاثة المذكوين هم واحد.
ومما يؤكد غفلة بولس عن التثليث التأمل في ترتيب عناصر التثليث المذكورين في
_________________
(١) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (٢٠٤ - ٢٠٦).
[ ٢٠٤ ]
النص، إذ يقدم المسيح على الأب، وهو ما تعتبره الفرق النصرانية هرطقة.
ويضاف إلى ذلك أنه سمى الأقنوم الأول: الله. فيما تسميه صيغة التثليث: الآب، كما سمى الأقنوم الثاني: المسيح، فيما هو عندهم: الابن أو الكلمة.
والصحيح أن التثليث لا علاقة له ببولس، فقد كان ظهوره في مرحلة متأخرة جدًا عن بولس، وأول من ذكره هو ترتليان (٢٢٥م)، وأصبح عقيدة رسمية عام (٣٨١م) في مجمع القسطنطينية، ولم يرد له ذكر حتى في قرارات مجمع نيقية (٣٢٥م).
[ ٢٠٥ ]