في بيان من ينطلق عليه هذه النسبة.
وهي تطلقُ باعتبارَيْن:
أحدُهما، العرفُ، في لسانِ أهلِ الطريقةِ الأقدَمِينَ،
الثاني، في العرفِ الخَاصُ في زمانِنا وما يقرُبُ منْهُ فأمّا الأقدَمُون، فاختلَفتْ عباراتُهم في ذلك، والمعنى واحدٌ أو متقارِبٌ.
سُئلَ النُّوري عن الصُّوفي، فقالَ: من سمعَ السَّماعَ وآثَرَ تَرْكَ الأسبابِ.
وسُئل ابنُ الجلَّاءِ (^١) عنهُ، فقالَ: لا نعرِفُهُ في شرطِ العِلْمِ، ولكنَّهُ فَقِيرٌ مجرَّدٌ من الأَسبابِ، وكانَ مع اللَّه بِلَا مَكان" (^٢).
_________________
(١) = في الجاهلية ويفيضون بالحجاج من مزدلفة إلى منى، فلا يجوز أحد حتى يجوزوا، وكان أجيزي صوفة، ثم انقرضوا، أنظر، ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ١٦١. القلقشندي: نهاية الأرب، ٣١٧، ابن منظور، لسان العرب، ١١/ ١٠٣، ابن خلدون: العبر، ٢/ ٣١٩، النويري: نهاية الأرب، ٢/ ٣٤٤.
(٢) ابن الجلاء (أحمد بن يحيى الجلاء، أبو عبد اللَّه) ت ٣٠٦ هـ، بغدادي الأصل، أقام بالرملة ودمشق، من أئمة التصوف الثلاثة بالإضافة إلى الجنيد في بغداد، وأبي عثمان في نيسابور، ولقب بالجلاء لأنه "إذا تكلم جلا القلوب، وإذا وعظ أتى بالمطلوب"، انظر، أبو نعيم: حلية الأولياء، ١٠/ ٣١٤، ابن الجوزي: المنتظم، ٦/ ١٤٨، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ٥/ ٢١٣، السلمي: طبقات، ١٧٦، الشعراني: طبقات، ١/ ٨٧، المناوي: الكواكب الدرية، ٢/ ١٥ القشيري: الرسالة، ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٣) وردت العبارة في الرسالة القشيرية ٢/ ٥٥٦. وفيه "سمعت أبا حاتم السجستاني، سمعت أبا نصر السراج يقول، سئل ابن الجلاء، ما معنى قولهم صوفي؟ =
[ ٤٢ ]
وقال شيخُ دهرِه وفريدُ عصره، أبو الحسن ابنُ الصَّبّاغِ القُوصيّ؛ الصُّوفي (^١)؛ الذي يُقيِلُ العثْرةَ، ويستُرُ الزلَّةَ ويسُدُّ الخلَّة (^٢).
وذكر أبو محمد، عبدُ اللَّطيف، بنُ أبي طاهر الترسي البغدادي المعروف بالمُطَجِّن (^٣) في كتابه "الدليل في الطريق"؛ أنَّه سألَ جَماعةً منْ أهلِ العِلْم والتصوُّف عنِ الصُّوفي، فذَكَرَ كلٌّ منْهُم مقالًا.
قالَ الشيخُ أحمدُ الرِّفَاعي (^٤) -وكانَ فَقِيهًا شافِعيَّ المذْهبِ-: مَنْ وفَّى جميعَ المَطْلُوباتِ وَصَفِيَ مِنْ جميعِ الكَدَراتِ.
_________________
(١) = فقال: ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف أن من كان فقيرًا مجردًا من الأسباب، وكان مع اللَّه تعالى بلا مكان ولا يمنعه الحق سبحانه عن علم كل مكان يسمى صوفيًا.
(٢) هو علي بن حميد بن إسماعيل بن يوسف، الشيخ أبو الحسن بن الصباغ القوصي ت ٦١٢ هـ، أو ٦١٣ هـ، شيخ الدهر في التصوف، باتفاق جميع المراجع التي ترجمت له، نوبي على الأغلب، صحب الشيخ عبد الرحيم بن أحمد بن حجون المغربي، شهر أمره في صعيد مصر، نشأ في بيته وسط المحال، تصدى للتدريس والإملاء، برع في الفقه، وانتهت إليه رئاسة المتصوفة، توفي بقنا من صعيد مصر الأعلى ودفن برباطه بها، أنظر، الأُدفوي: الطالع السعيد، ٣٨٣، الشطنوفي: بهجة الأسرار ومعدن الأنوار، ٢٢١، ط: مصر سنة ١٣٠٤ هـ، السيوطي: حصن المحاضرة، ١/ ٢٢٠، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ٥/ ٥٢، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، ٦/ ٢١٥، اليافعي: مرآة الجنان، ٤/ ٢٤ على صافي حسين: الأدب الصوفي في مصر، ابن الصباغ القوصي، ط. دار لمعارفة بمصر سنة ١٩٧١ م المنذري: التكملة لوفيات النقلة، تحقيق د. بشار عواد ط. مؤسسة الرسالة، ٢/ ٣٤٠.
(٣) وردت العبارة في الطالع السعيد، ٣٨٣.
(٤) هو أبو محمد، عبد اللطيف بن أبي طاهر أحمد بن محمد بن هبة اللَّه الهاشمي البغدادي (ت بإشبيلية بعد سنة ٦١٥ هـ) انظر، إسماعيل البغدادي: إيضاح المكنون، ٣/ ٤٧٩ هـ.
(٥) هو أحمد بن علي بن يحيى الرفاعي الحسيني، أبو العباس (ت ٥٧٨ هـ)، ولد في قرية حسن من أعمال واسط بالعراق، وتفقه بها وتصوف، كان يسكن قرية أم عبيدة =
[ ٤٣ ]
وقالَ الشَّيخُ ابنُ الخطيبِ: الصُّوفي؛ هوَ من قلبُهُ بالمحَبَّةِ مملوءٌ ولسانُهُ بالمعْرِفَةِ يَتْلُو.
وقالَ الشيخُ محمدُ بنُ الباقلاني (^١): هو منْ يبذُلُ الطَّعامَ، ويكونُ عذبَ الطَّعامِ، ويَصُومُ النَّهارَ ويتهجَّدُ باللَّيلِ والناسٌ نِيَام.
وقالَ الشيخُ عليُّ بنُ البُوقيّ: هوَ منْ يقِفُ مع الشَّرعِ، ويَوْهَدُ في الطَّبع.
وقالَ الشيخُ رمضانُ الكُرديّ: هوَ منْ صَفَا سِرُّه مع الحَقِّ، وحَسُنَتْ علانِيَتُه معَ الخَلْقِ.
وقالَ الشيخُ أحمدُ البَقْلِيُّ: هوَ منْ قلبُه خالٍ منَ الإراداتِ، وجوارِحُهُ مُشتغلَةٌ بالعِباداتِ، فانٍ في اللَّهِ عنْ جميعِ الموجوداتِ، سليمٌ من الهَفَواتِ.
_________________
(١) = بأرض البطائح (بين واسط والبصرة)، وأسس الطريقة الرفاعيَّة، له رحيق الكوثر (رسالة في أقواله) انظر، ابن خلكان، وفيات: ١/ ٥٥، الشعراني: الطبقات ١/ ١٤، الزركلي: الأعلام، ١/ ١٧٤، ابن كثير: البداية والنهاية ١٢/ ٣١٢، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ٤/ ٢٥٩.
(٢) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني، أبو جعفر ت ٤٠٣ هـ ولد في البصرة وتوفي في بغداد، من علماء الكلام، انتهت إليه رئاسة الأشاعرة، كانت له مناظرات في القسطنطينية مع علماء النصرانية حين وجهه عضد الدولة سفيرًا إلى ملك الروم، من كتبه "إعجاز القرآن والإنصاف ومناقب الأئمة" وغيرها، حول ترجمته انظر، ابن خلكان: وفيات الأعيان، ١/ ٤٨١، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ٥/ ٣٧٩، الزركلي: الأعلام، ٦/ ١٧٧. الباقلاني: كتاب البيان عن الفرق، تحقيق رتشرد مكارثي، ط. المكتبة الشرقية، ١٩٥٨ (المقدمة).
[ ٤٤ ]
وقالَ الشيخُ حسنُ الفارِسي (^١): هوَ من يلاحِظُ أسرارَ القُرآنِ، ويُعادي الشيطانَ، ويكفُّ لسانَهُ عن الكَلامِ، ويرجعُ على نفْسِهِ بالمَلَاِم، ويتهجَّدُ باللَّيلِ، والناسُ نِيام.
وقالَ صاحبُ الكَراماتِ عبدُ الملكِ العطَّار: هوَ منْ طَلَبَ الحَلالَ، وصحِبَ الرِّجالَ، وكفَّ لسانَهُ عنِ المقالِ، فتخبِر عنهُ الحَالُ.
وقالَ أبو الفضلِ، ابنُ أبي سعيد: هوَ منْ يجودُ بالموجوداتِ ولا يَخطُر بِبَالِه شيءٌ مفقودٌ، ولا يكونُ في حق الإخوان بالحَقُودِ، وهوَلَهُم خدومٌ وَدودٌ، وإذا تركَ الدُّنيَا فإليْهَا لَا يَعود.
وقالَ الحافِظُ، أَبو الفرجِ عبدُ الرحمن بنُ الجوزيّ الفقيهِ (^٢): هو مَن زهدَ في الإراداتِ، وتركَ الشَّهواتِ، واستدركَ من عُمرِه ما فاتَ، وأَحيا منهُ ما ماتَ، وصانَ خاطِرَهٌ من الشَّتاتِ، واتَّقى ربَّهُ إلى المَمَاتِ.
_________________
(١) هو الحسن بن الخطير بن أبي الحسين النعماني الفارسي (ت ٥٨٩ هـ)، ينسب إلى النعمانية، قرية بين بغداد وواسط، وإلى جده النعمان بن المنذر، ويقال له الفارسي؛ لأنه تفقه بشيراز على مذهب أبي حنيفة، كان مبرزًا في النحو والعروض والقوافي والشعر والأخبار، عالمًا بتفسير القرآن والفقه وعلم الكلام والحساب والمنطق والهيئة والطب، انظر، السيوطي: بغية الوعاة، ١/ ٥٠٢.
(٢) ابن الجوزي: (عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت ٥٧٩ هـ)، حنبلي، محدّث، حافظ، مفسر، فقيه، مؤرخ، معروف، أديب، انظر، ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة، ١/ ٣٩٩، الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٦٥، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، ٦/ ١٧٤، السيوطي طبقات المفسرين، ١٧، ابن الأثير: الكامل، ١٢/ ٧١، ابن خلكان: وفيات، ٣/ ١٤٠، ابن خلدون: العبر، ٤/ ٢٩٧.
[ ٤٥ ]
وقالَ الشريفُ أبو الفُتوحِ الصُّوفي (^١): من لَازَم في سائر أوقاتِهِ التَّقَوى وصبرَ على البَلْوى، واستوى وقتُه معَ اللَّهِ في السّرِّ والنَّجوى.
وقالَ الشيخُ الموفَّقُ البغْدادي الحافِظُ: هو مَنْ يكونُ في حركاتِهِ السّهلُ السَّفُّوح، وعنْ زلّاتِ إخوانِهِ الصّفوحُ، وعلى دينه يبكي ويَنُوحُ.
وقالَ الشيخُ مهذَّبُ الدّين أبو المظفَّر الدُّوري (^٢): هو مَنْ بالشَّرع تأدَّب، وبالطَّريقةِ تهذَّب، ونفسَهُ بالمُجاهَدَةِ عذَّبَ، واشتغلَ بِذكرِ الحَقّ عن الأُمّ والأَب.
فهذِه أَقوالُ أهل الطَّريقِ وأصحاب العلم والتَّحقيقِ، ومدارُها كلُّها على أن الصّوفيَّ هوَ مَنْ اتَّصفَ بالصِّفاتِ المحمُودةِ في الشَّرعِ، وتخلّقَ بالأَخلاق الممدوحةِ، وإنْ بَعُدَ مِنها الطَّبعُ، مُعرِضٌ عنِ الدُّنيا، مَقبِلٌ على الأُخرى، سالكٌ الطّريقَ التي هي أولى بالمَرِء وأحرى.
وأما: العرف الخاصُّ، فهو ما رسمتُهُ في كتاب "الإسعاف" وأكثرُ
_________________
(١) أبو الفتوح الصوفي: هو السيد أبو الفتوح المرتضى بن الحسن بن خليفة الحسن الصوفي، من أهالي الري، خادم رباط باختيار الصوفي وختنه، سمع بأصبهان أبا علي الحسن بن أحمد الحداد، سمع منه عبد الكريم السمعاني انظر، السمعاني: التحبير في المعجم الكبير، ٢/ ٢٩٣، معجم الشيوخ، ورقة ٢٥٩ أ، نسخة أحمد الثالث - إستانبول رقم ٢٩٥٣، منه ميكروفلم في معهد إحياء المخطوطات بالقاهرة رقم ١٦٤.
(٢) هو محمد بن علي بن نصر البّل الدوري (ت ٥٩٨ هـ)، أبو المظفر، واعظ، ولد بالدور (أي دور الوزير إبن هبيرة) بدُجيل سنة ٥١٦ هـ، أو ٥١٧ هـ، ونشأ بها، قدم بغداد في شبيبته: اشتهر بالوعظ حتى صار يضاهي أبا الفرج بن الجوزي ويزاحمه، وكان يعظ عند تربة أم الخليفة الناصر سنة ٥٨٩ هـ، انظر البغدادي (عبد الرحمن بن أحمد)، ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، ٤/ ٧٤ - ٧٦.
[ ٤٦ ]
ما يطلقُ على منْ يَلبَسُ لِبْسةً مخْصوصةً منْ دَلِقٍ (^١) أو فُرْجِيَّة (^٢) أو (جلنك) (^٣)، ولَهُ عِمامَةً لَطيفَةٌ يُرخي مِنْهَا عَذْبَةً (^٤) قصيرَةً منْ قُدّامِهِ، ويحضُرُ في الخَانقَاه بَعدَ العصْرِ ليحضُرَ القِراءَة والذِّكرَ، غيرُ متعاطٍ للحِرَفٍ الدَّنِيئَةِ منَ الحِياكَةِ والحِجَامةِ وشِبْهِهَا، غَيرُ موصوفٍ بالثَّروةِ.