سُرَيج سنة ثَلَاث وثلاثمائة فَقَامَ إِلَيْهِ شيخ من أهل الْعلم فَقَالَ أبشر أَيهَا الْقَاضِي فَإِن اللَّه يبْعَث على رَأس كل مائَة يَعْنِي سنة من يجدد لَهَا يَعْنِي للْأمة أَمر دينهَا وَأَنه تَعَالَى بعث على رَأس الْمِائَة عمر بن عَبْدِ الْعَزِيزِ وَتُوفِّي سنة يَعْنِي إِحْدَى وَمِائَة وَبعث على رَأس المأتين أَبَا عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَتُوفِّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وبعثك على رَأس الثلاثماية ثمَّ أنشأ يَقُول اثنَان قد مضيا فبورك فيهمَا عمر الْخَلِيفَة ثمَّ حلف السؤدد
الشَّافِعِي الألمعي مُحَمَّد إرثُ النُّبُوَّة وابْن عَم مُحَمَّد
أبشر أَبَا الْعَبَّاس إِنَّك ثَالِث من بعدهمْ سقيا لتربة أَحْمد
قَالَ فصاح أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَاضِي وَبكى فَقَالَ قد نعى إِلَيّ نَفسِي قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْوَلِيد فَمَاتَ الْقَاضِي أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تِلْكَ السّنة قَالَ الْحَاكِم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رويت هَذِهِ الْحِكَايَة كتبوها وَكَانَ مِمَّن كتبهَا شيخ أديب فَقِيه فَلَمَّا كَانَ فِي الْمجْلس الثَّانِي قَالَ لي بعض الْحَاضِرين إِن هَذَا الشَّيْخ قد زَاد فِي تِلْكَ الأبيات ذكر الشَّيْخ أَبِي الطّيب سهل بن مُحَمَّد وَجعله على رَأس الأربعمائة فَسَأَلت ذَلِك الْفَقِيه عَنهُ فأنشدني قَوْله فِي قصيدة مدحه بهَا وَالرَّابِع الْمَشْهُور سهل مُحَمَّد أضحى إِمَامًا عِنْد كل موحد
يأوي إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ بأسرهم فِي الْعلم إِن جَاءُوا بخطب مربد
لَا زَالَ فِيمَا بيننَا شيخ الورى للْمَذْهَب الْمُخْتَار خير مُجَدد
[ ٢١٣ ]
قَالَ الْحَاكِم فَسكت وَلم أنطق وغمني ذَلِك إِلَى أَن قدر اللَّه وَفَاته ﵀ فِي تِلْكَ السّنة أنشدنَا الشَّيْخ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الطوسي ثمَّ النوقاني الْفَقِيه الْمَعْرُوف بالفاضلي البخْترِي بِنُوقان قَالَ أنشدنَا الشَّيْخ الرئيس أَبُو إِبْرَاهِيم أسعد بن مَسْعُود الْعُتْبِي إملاءً بِنَيسابور قَالَ أَنْشدني جدي الشَّيْخ أَبُو النَّضر يَعْنِي الْعُتْبِي النَّيْسَابُورِي لنَفسِهِ فِيمَا كتب إِلَى الإِمَام الصعلوكي أَلا أَيهَا الشَّيْخ الإِمَام وَمَنْ بِهِ تبلجٍ فجر الدَّهْر عَن فلق الْبشر
لَئِن كنت فِي الدُّنْيَا وَأَنت وشاحها عيانَا فَإِن الدّرّ فِي صدف الْبَحْر
وَلم تحوك الدُّنْيَا لِأَنَّك دونهَا وَلَكِن لب الشَّيْء يحرز بالقشر
وَقد صين نصل السَّيْف تَحت قرَابه كَمَا صين نور الْعين فِي الجفن وَالشعر
سَمِعت أَبَا المظفر بن أبي الْقسم الْقشيرِي يَقُول سَمِعت أَبِي يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الشحام يَقُول رَأَيْت الشَّيْخ الإِمَام أباالطيب سهل الصعلوكي فِي المنَام فَقلت أَيهَا الشَّيْخ فَقَالَ دع الشَّيْخ فَقلت وَتلك الْأَحْوَال الَّتِي شاهدتها فَقَالَ لم تغن عنَّا فَقلت مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ غفر لي بمسائل كَانَت تسل عَنهُ الْعَجز
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ بن دَاوُد الْمقري الدَّارَانِي الدِّمَشْقِي ﵀
أَخْبَرَنَا ألامين أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَكْفَانِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ التَّمِيمِي الصُّوفِي الكتاني
[ ٢١٤ ]
قَالَ سَمِعت جمَاعَة من شيوخنَا يَقُولُونَ توفّي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن دَاوُد الْمقري الدَّارَانِي يَوْم الْأَرْبَعَاء بعد الْعَصْر لست خلون من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ عبد الْعَزِيزِ قَرَأَ عَليّ ابْن الأخرم يَعْنِي أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن النَّضر بن مر بن الْحر وانتهت الرياسة إِلَيْهِ فِي قراءَة الشاميين حدث عَن حسن بن حبيب وخيثمة بن سُلَيْمَان وَغَيرهمَا لم أسمع مِنْهُ وَحَضَرت جنَازته وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا مضى على سداد وَأمر جميل وَكَانَ يذهب إِلَى مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ وَكَانَ يُصَلِّي بالنَّاس فِي جَامع دمشق فَسمِعت الشَّيْخ الْأمين أَبَا مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ يَحْكِي من حفظه عَن بعض مشايخه الَّذين أدركوا ذَلِك أَن أَبَا الْحسن بن دَاوُد كَانَ يؤم أهل داريا فَمَاتَ إِمَام جَامع دمشق فَخرج أهل دمشق إِلَى داريا ليأتوا بِهِ للصَّلَاة للنَّاس فِي جَامع دمشق وَكَانَ فِيمَن خرج مَعَهم الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النصيبي الْحُسَيْنِي وَجلة شُيُوخ الْبَلَد كَأبي مُحَمَّد بن أَبِي نصر وَغَيره فَلبس أهل داريا السِّلَاح وقَالُوا لَا نمكنكم من أَخذ إمامنَا فَتقدم إِلَيْهِم أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي نصر وَقَالَ ياأهل داريا أما ترْضونَ أَن يسمع فِي الْبِلَاد أَن أهل دمشق احتاجوا إِلَى إِمَام أهل داريا يُصَلِّي بهم فقَالُوا بلَى قد رضينَا وألقوا السِّلَاح فَقدمت لَهُ بغلة الْقَاضِي ليرْكبَهَا فَلم يفعل وَركب حمارة كَانَت لَهُ فَلَمَّا ركب الْتفت إِلَى ابْن النصيبي فَقَالَ أَيهَا الْقَاضِي الشريف مثلي يصلح أَن يكون إِمَام الْجَامِع وأنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُد كَانَ أَبِي نَصْرَانِيّا فَأسلم وَلَيْسَ لي جد فِي الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي قد رَضِي بك الْمُسلمُونَ فَدخل مَعَهم وَسكن فِي أحد بيُوت المنَارة الشرقية
[ ٢١٥ ]
وَكَانَ يُصَلِّي بالنَّاس ويقرئهم فِي شَرْقي الرواق الْأَوْسَط من الْجَامِع وَلَا يَأْخُذ على صلَاته أجرا وَلَا يقبل مِمَّن يقْرَأ عَلَيْهِ برا ويقتات من غلَّة أَرض لَهُ بداريا وَيحمل من الْحِنْطَة مَا يَكْفِيهِ من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة وَيخرج بِنَفسِهِ إِلَى طاحونة كسمكين خَارج بَاب السَّلامَة فيطحنه ويعجنه ويخبزه ويقتاته طول الْأُسْبُوع أَو كَمَا قَالَ وَسمعت غير أَبِي مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ يذكر أَنه كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ رجل مبخل لَهُ أَوْلَاد كَانُوا يشتهون عَلَيْهِ القطائف مُدَّة وَهُوَ يمطلهم فألقي فِي روع أَبِي الْحسن بن دَاوُد ﵀ أَمرهم فَسَأَلَهُ أَن يتَّخذ لَهُ قطايف فبادر الرجل إِلَى ذَلِك لِأَن أَبَا الْحسن لم تكن لَهُ عَادَة بِطَلَب شَيْء مِمَّن يقْرَأ عَلَيْهِ وَلَا بقبوله وَاشْترى سكرا ولوزا وَأَخذهَا فِي إنَاء وَاسع ثمَّ أكل مِنْهَا فَوجدَ لوزها مرا فَمَنعه من عمل غَيرهَا وَحملهَا إِلَى ابْن دَاوُد متغافلا فَأكل مِنْهَا وَاحِدَة ثمَّ قَالَ لَهُ احملها إِلَى صبيانك فجَاء بهَا إِلَى بَيته فَوَجَدَهَا حلوة فأطعمها أَوْلَاده أَو كَمَا قَالَ وَسمعت الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام أَبَا الْحسن عَليّ بْنَ الْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْح السّلمِيّ يَحْكِي عَن بعض شُيُوخه أَن أَبَا الْحسن بن دَاوُد لما كَانَ يُصَلِّي فِي جَامع دمشق تكلم فِيهِ بعض الحشوية فَكتب إِلَى الْقَاضِي أَبِي بكر مُحَمَّد بن الطّيب بن الباقلاني إِلَى بَغْدَاد يعرفهُ ذَلِك ويسأله أَن يُرْسل إِلَى دمشق من أَصْحَابه من يُوضح لَهُم الْحق بِالْحجَّةِ فَبعث الْقَاضِي تِلْمِيذه أَبَا عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بن حَاتِم الْأَزْدِيّ فعقد مجْلِس التَّذْكِير فِي جَامع دمشق فِي حَلقَة أَبِي الْحسن بن دَاوُد وَذكر التَّوْحِيد ونزه المعبود وَنفى عَنهُ التَّشْبِيه والتحديد فَخرج أهل دمشق من مَجْلِسه
[ ٢١٦ ]
وهم يَقُولُونَ أحد أحد هَذَا معنى مَا ذكره لي ﵀ وَأقَام أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأندي بِدِمَشْقَ مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى الْمغرب فنشر الْعلم بِتِلْكَ النَّاحية واستوطن القيروان إِلَى أَن مَاتَ بهَا ﵀
وَمِنْهُم الْقَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب بن الباقلاني الْبَصْرِيّ ﵀
أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِي والشيوخ أَبُو تُرَاب حيدرة بن أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأنْصَارِيّ الْمقري وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُور الغساني الْفَقِيه وأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بن خيرون قَالُوا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب
مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد أَبُو بكر الْقَاضِي الْمَعْرُوف بابْن الباقلاني الْمُتَكَلّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ من أهل الْبَصْرَة سكن بَغْدَاد وَسمع بهَا الحَدِيث من أَبِي بكر بن مَالك وَأبي مُحَمَّد بن ماسي وَأبي أَحْمد الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي خرج لَهُ مُحَمَّد بن أَبِي الفوارس يَعْنِي الْحَنْبَلِيّ وحَدَّثَنَا عَنهُ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمَدَ السمنَاني وَكَانَ ثِقَة فَأَما علم الْكَلَام فَكَانَ أعرف النَّاس بِهِ وَأَحْسَنهمْ خاطرا وأجودهم لِسَانا وأوضحهم بَيَانا وأصحهم عبارَة وَله التصانيف الْكَثِيرَة المنتشرة فِي الرَّد على الْمُخَالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وَغَيرهم وَحدثت أَن ابْن الْمعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجَالِس النّظر مَعَ أَصْحَاب لَهُ إِذا أقبل الْقَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ فَالْتَفت ابْن الْمعلم إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ لَهُم قد جَاءَكُم الشَّيْطَان فَسمع الْقَاضِي كَلَامه وَكَانَ بَعيدا من الْقَوْم فَلَمَّا جلس أقبل على ابْن
[ ٢١٧ ]
الْمعلم وَأَصْحَابه وَقَالَ لَهُم قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ على الْكَافرين تؤزهم أزا﴾ أَي إِن كنت شَيْطَانا فَأنْتم كفار وَقد أرْسلت عَلَيْكُم أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم الْخَطِيب وأَبُو الْحَسَنِ بن قبيس الْفَقِيه وَأَبُو تُرَاب الْمقري قَالُوا ثَنَا وَأَبُو مَنْصُور الْمقري قَالَ أَنا أَبُو بكر الْحَافِظ قَالَ ثَنَا أَبُو الْقسم عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الدقاق وَغَيره أَن الْملك الملقب بعضد الدولة كَانَ قد بعث الْقَاضِي أَبَا بكر بن الباقلاني فِي رِسَالَة إِلَى ملك الرّوم فَلَمَّا ورد مدينته عرف الْملك خَبره وَبَين لَهُ مَحَله من الْعلم وموضعه فأفكر الْملك فِي أمره وَعلمه أَنه لَا يكفر لَهُ إِذَا دخل عَلَيْهِ كَمَا جرى رسم الرّعية أَن تقبل الأَرْض بَين يَدي الْملك ثمَّ نتجت لَهُ الفكرة أَن يضع سَرِيره الَّذِي يجلس عَلَيْهِ وَرَاء بَاب لطيف لَا يُمكن أحد أَن يدْخل مِنْهُ إِلَّا رَاكِعا ليدْخل الْقَاضِي مِنْهُ على تِلْكَ الْحَال فَيكون عوضا من تكفيره بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا وضع سَرِيره فِي ذَلِك الْموضع أَمر بِإِدْخَال الْقَاضِي من الْبَاب فَسَار حَتَّى وصل إِلَى الْمَكَان فَلَمَّا رَآهُ تفكر فِيهِ ثمَّ فطن بالقصة فأدار ظَهره وحنى رَأسه رَاكِعا وَدخل من الْبَاب وَهُوَ يمشي إِلَى خَلفه وَقد اسْتقْبل الْملك بدبره حَتَّى صَار بَين يَدَيْهِ ثمَّ رفع رَأسه وَنصب ظَهره وأدار وَجهه حِينَئِذٍ إِلَى الْملك فَعجب من فطنته وَوَقعت لَهُ الهيبة فِي نَفسه وأَخْبَرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر بن عَلِيِّ فِي كِتَابه إليَّ عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي عزيزي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ وَقيل إِنَّه دخل إِلَيْهِ يَوْمًا فَرَأى عِنْده بعض مطارنته ورهبانيته فَقَالَ لَهُ مستهزئا بِهِ كَيفَ أَنْت وَكَيف الْأَهْل وَالْأَوْلَاد فتعجب الرُّومِي مِنْهُ وَقَالَ لَهُ ذكر من أرسلك
[ ٢١٨ ]
فِي كتاب الرسَالَة إِنَّك لِسَان الْأمة ومتقدم على عُلَمَاء الْملَّة أما علمت أنَا ننزه هَؤُلَاءِ عَن الْأَهْل وَالْأَوْلَاد فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بكر أَنْتُم لَا تنزهون اللَّه ﷾ عَن الْأَهْل وَالْأَوْلَاد وتنزهزنهم فَكَانَ هَؤُلَاءِ عنْدكُمْ أقدس وَأجل وَأَعْلَى من اللَّه ﷾ فَوَقَعت هيبته فِي نفس الرُّومِي وَبَلغنِي أَن طاغية الرّوم قَالَ لَهُ وَقصد توبيخه أَخْبَرنِي عَن قصَّة عَائِشَة زوج نَبِيكُم وَمَا قيل فِيهَا فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي أَبُو بكر هما اثْنَتَانِ قيل فيهمَا مَا قيل زوج نبينَا وَمَرْيَم بنت عمرَان فَأَما زوج نبينَا فَلم تَلد وَأما مَرْيَم فَجَاءَت بِولد تحمله على كتفها وكل قد برأها اللَّه مِمَّا رميت بِهِ فَانْقَطع الطاغية وَلم يحر جَوَابا وأنبأني أَبُو الْقسم الْوَاعِظ عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي أَيْضا قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْقسم بن برهَان النَّحْوِيّ يَقُول من سمع منَاظرة الْقَاضِي أَبِي بكر لم يستلذ بعْدهَا بِسَمَاع كَلَام أحد من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء والخطباء والمترسلين وَلَا الأغاني أَيْضا من طيب كَلَامه وفصاحته وَحسن نظامه وإشارته لَهُ التصانيف الْكَثِيرَة وَالرَّدّ على الْمُخَالفين من الْمُعْتَزلَة والرافضة والخوارج والمرجية والمشبهة والحشوي
أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ والشيخان أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ وأَبُو تُرَاب حيدرة بن أَحْمَدَ قَالُوا سمعنَا أَبَا بكر أَحْمد بن عَليّ الْخَطِيب يَقُول وَأخْبرنَا الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُور بن خيرون قَالَ أَنا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ سَمِعت أَبَا الْفرج مُحَمَّد بن عُمَرَان أَن الْخلال يَقُول كَانَ ورد الْقَاضِي أَبِي بكر مُحَمَّد بن الطّيب فِي كل لَيْلَة عشْرين ترويحة مَا تَركهَا فِي حضر وَلَا سفر قَالَ وَكَانَ كل لَيْلَة إِذَا صلى الْعشَاء وَقضى
[ ٢١٩ ]
ورده وضع الدواة بَين يَدَيْهِ وَكتب خمْسا وَثَلَاثِينَ ورقة تصنيفا عَن حفظه وَكَانَ يذكر أَن كتبه بالمداد أسهل عَلَيْهِ من الكتبة بالحبر وَإِذا صلى الْفجْر دفع بعض أَصْحَابه مَا صنفه فِي ليلته وَأمره بقرَاءَته عَلَيْهِ وأملى عَلَيْهِ الزِّيَادَات فِيهِ قَالَ أَبُو الْفرج وَسمعت أَبَا بكر الْخَوَارِزْمِيّ يَقُول كل مُصَنف بِبَغْدَادَ إِنَّمَا ينْقل من كتب النَّاس إِلَى تصانيفه سوى الْقَاضِي أَبِي بكر فَإِن صَدره يحوي علمه وَعلم النَّاس وَقَالُوا ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيب قَالَ ثَنَا عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَرْبِيّ الْمَالِكِي قَالَ كَانَ الْقَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ يهم بِأَن يختصر مَا يصنفه فَلَا يقدر على ذَلِك لسعة علمه وَكَثْرَة حفظه قَالَ وَمَا صنف أحد خلافًا إِلَّا احْتَاجَ أَن يطالع كتب الْمُخَالفين عِنْد الْقَاضِي أَبِي بكر فَإِن جَمِيع مَا كَانَ يذكر خلاف النَّاس فِيهِ صنفه من حفظه قَالَ أَبُو بكر وحَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو حَامِد أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عمر الاستوائي قَالَ كَانَ أَبُو مُحَمَّد اليافي يَقُول لَو أوصى رجل بِثلث مَاله أَن يدْفع إِلَى أفْصح النَّاس لوَجَبَ أَن يدْفع إِلَيّ أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ أَخْبَرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر فِي كِتَابه إليَّ عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ ذكر الشَّيْخ الإِمَام أَبُو حَاتِم مَحْمُود بن الْحُسَيْنِ الْقزْوِينِي أَن مَا كَانَ يضمره الْقَاضِي الإِمَام أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ ﵁ من الْوَرع والديانة والزهد والصيانة أَضْعَاف مَا كَانَ يظهره فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا أظهر مَا أظهره غيظا للْيَهُود وَالنَّصَارَى والمعتزلة والرافضة والمخالفين لِئَلَّا يستحقروا عُلَمَاء الْحق وَالدّين فأضمر مَا أضمره فَإِنِّي رَأَيْت آدم مَعَ جلالته
[ ٢٢٠ ]
نُودي عَلَيْهِ بذوقة وَدَاوُد بنظرة ويوسف بهمة ومُحَمَّد بخطرة ﵈ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي وروى الإِمَام أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الدَّامغَانِي قَالَ لما قدم الْقَاضِي الإِمَام أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ بَغْدَاد دَعَاهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ رحمهمَا اللَّه إِمَام عصره فِي مذْهبه وَشَيخ مصره فِي رهطه وَحضر الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِد وَالشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سمعون وأَبُو الْحسن الْفَقِيه فجرت مسئلة الِاجْتِهَاد بَين الْقَاضِي أَبِي بكر وَبَين أَبِي عَبْد اللَّهِ بن مُجَاهِد وَتعلق الْكَلَام بَينهمَا إِلَى أَن انفجر عَمُود الصُّبْح وَظهر كَلَام الْقَاضِي عَلَيْهِ رحمهمَا اللَّه وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ يَقُول لأَصْحَابه تمسكوا بِهَذَا الرجل فَلَيْسَ للسّنة عَنهُ غنى أبدا قَالَ وَسمعت الشَّيْخ أَبَا الْفضل التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ ﵀ وَهُوَ عبد الْوَاحِد بن أَبِي الْحسن بن عبد الْعَزِيز بن الْحَرْث يَقُول اجْتمع رَأْسِي وَرَأس الْقَاضِي أَبِي بكر مُحَمَّد بن الطّيب على مخدة وَاحِدَة سبع سِنِين قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَحضر الشَّيْخ أَبُو الْفضل التَّمِيمِي يَوْم وَفَاته العزاء حافيا مَعَ إخْوَته وَأَصْحَابه وَأمر أَن ينَادى بَين يَدي جنَازته هَذَا نَاصر السّنة وَالدّين هَذَا إِمَام الْمُسلمين هَذَا الَّذِي كَانَ يذب عَن الشَّرِيعَة أَلْسِنَة الْمُخَالفين هَذَا الَّذِي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الْمُلْحِدِينَ وَقعد للعزاء مَعَ أَصْحَابه ثَلَاثَة أَيَّام فَلم يبرح وَكَانَ يزور تربته كل يَوْم جُمُعَة فِي الدَّار
أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم بْنُ أَبِي الْحُسَيْن والشيخان أَبُو الْحَسَنِ بن قبيس وأَبُو تُرَاب الْمقري قَالُوا ثَنَا وَالشَّيْخ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك قَالَ أَنا
[ ٢٢١ ]
أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفضل عبيد الله بن أَحْمد ابْن عَليّ الْمقري قَالَ مضيت أنَا وأَبُو عَليّ بن شَاذان وَأَبُو الْقسم عبيد الله ابْن أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِي إِلَى قبر الْقَاضِي أَبِي بكر الْأَشْعَرِيّ لنترحم عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعد مَوته بِشَهْر فَرفعت مُصحفا كَانَ مَوْضُوعا على قَبره وَقلت اللَّهم بَين لي فِي هَذَا الْمُصحف حَال الْقَاضِي أَبِي بكر وَمَا الَّذِي آل إِلَيْهِ أمره ثمَّ فتحت الْمُصحف فَوجدت مَكْتُوبًا فِيهِ ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُم لَهَا كَارِهُون﴾ وَقَالَ أَبُو بكر الْحَافِظ حَدَّثَنِي عبد الصَّمد ابْن سَلام الْمقري عَن الْقَاضِي أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الْبَيْضَاوِيّ قَالَ رَأَيْت فِي المنَام كَأَنِّي دخلت مَسْجِدي الَّذِي أدرس فِيهِ فَرَأَيْت رجلا جَالِسا فِي الْمِحْرَاب وَآخر يقْرَأ عَلَيْهِ وَيَتْلُو تِلَاوَة لَا شَيْء أحسن مِنْهَا فَقلت من هَذَا القارىء وَمن الَّذِي يقْرَأ عَلَيْهِ فَقيل أما الْجَالِس فِي الْمِحْرَاب فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأما القارىء عَلَيْهِ فَهُوَ أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ يدرس عَلَيْهِ الشَّرِيعَة
أنبأنَا أَبُو الْقسم العكبري عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي عبد الْملك قَالَ وَسمعت الْقَاضِي أَبَا الْفرج قَالَ سَمِعت الطَّائِي يَقُول كنت أشتهي أَن أرى القَاضِي الإِمَام أَبَا بكر فِي النّوم فَلم يتَّفق لي فَقُمْت لَيْلَة وَصليت على النَّبِي صلوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه وَسَأَلت اللَّه تَعَالَى ذَلِك ونمت فَلَمَّا كَانَ سحرًا رَأَيْت فِي النّوم جمَاعَة حَسَنَة ثِيَابهمْ بَيْضَاء وُجُوههم طيبَة روائحهم ضاحكة أسنَانهم فَقلت لَهُم من أَيْن جئْتُمْ فقَالُوا من الْجنَّة فَقلت مَا فَعلْتُمْ قَالُوا زرنَا الْقَاضِي الإِمَام أَبَا بكر
[ ٢٢٢ ]
الْأَشْعَرِيّ فَقلت وَمَا فعل اللَّه بِهِ فَقَالُوا غفر لَهُ وَرفع لَهُ فِي الدَّرَجَات قَالَ ففارقتهم ومشيت وَكَأَنِّي رَأَيْت الْقَاضِي أَبَا بكر وَعَلِيهِ ثِيَاب حَسَنَة وَهُوَ جَالس فِي رياض خضرَة نَضرة قَالَ فهممت أَن أسأله عَن حَاله فَسَمعته يقْرَأ بِصَوْت عَال ﴿هاؤم اقرؤوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جنَّة عالية﴾ فهالني ذَلِك فَرحا وانتبهت
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي وَذكر أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ مَاتَ الْقَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وأربعماية وَدفن فِي دَاره بنهر طابق قَالَ أَبُو الْمَعَالِي عَن غير الْخَطِيب ثمَّ نقل إِلَى بَاب حَرْب وَدفن فِي تربة بِقرب قبر الإِمَام أَبِي عَبْد اللَّهِ أَحْمد ابْن حَنْبَلٍ ﵁ وأرضاه ومنقوش على علم عِنْد رَأس تربته مَا هَذِهِ نسخته هَذَا قبر الْقَاضِي الإِمَام السعيد فَخر الْأمة ولسان الْملَّة وَسيف السّنة عماد الدّين نَاصر الْإِسْلَام أَبِي بكر مُحَمَّد بن الطّيب الْبَصْرِيّ قدس اللَّه روحه وألحقه بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صلوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه ويزار ويستسقى ويتبرك بِهِ
أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم بْنُ أَبِي الْحُسَيْن والشيوخ أَبُو الْحَسَنِ بن أَبِي الْعَبَّاس وأَبُو تُرَاب بن أَحْمَدَ وأَبُو مَنْصُور بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالُوا أنشدنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيّ قَالَ أَنْشدني أَبُو نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْفَقِيه لبَعْضهِم يرثي الْقَاضِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن الطّيب انْظُر إِلَى جبل تمشي الرِّجَال بِهِ وَانْظُر إِلَى الْقَبْر مَا يحوي من الصلف
[ ٢٢٣ ]
وَانْظُر إِلَى صارم الْإِسْلَام منغمدا وَانْظُر إِلَى درة الْإِسْلَام فِي الصدف
وَأخْبرنَا الشريف أَبُو الْقسم والشيخان أَبُو الْحَسَنِ الغساني وأَبُو تُرَاب الْأنْصَارِيّ وأَبُو مَنْصُور بن خيرون قَالُوا أنشدنَا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ أَنْشدني أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دلان قَالَ أَنْشدني أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى السكرِي لنَفسِهِ يمدح الْقَاضِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن الطّيب من قصيدة أَولهَا ياعتب هَل لتعتبي من معتب أم هَل لديك لراغب من مرغب