القصيدة الْمَنْظُومَة فِي الِاعْتِقَاد الَّتِي مفتتحها بِحَمْد اللَّه افْتتح المقَالا
وَقد جلت أياديه تَعَالَى
من إنشاد الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي الْقسم عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي ثمَّ إِنَّه جرى على لِسَان ولدك مُحَمَّد فِي أثنَاء إنشاده بَين يَدي رَسُول اللَّه ﷺ هَذِهِ القصيدة شَيْء فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ كَيفَ قلت كالمستدرك عَلَيْهِ فَرجع إِلَى أَبْيَات قبلهَا فأنشدها بَين يَدي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَن فرغ من إنشاد تَمام القصيدة ثمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جعلتك نَائبي فِي عقد الْمجْلس ثمَّ فِي الْحَال جَاءَت فَاطِمَة ﵍ وَجَلَست بَين يَدي رَسُول اللَّه ﷺ وَبَين عَائِشَة فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّه ﷺ يغرمها يَعْنِي على مَا فاتها بعد قِيَامهَا من جنبه حَال إنشاد هَذَا الصَّبِي وَرَأَيْت على ولدك فِي تِلْكَ الْحَالة ثيابًا بيضًا ثمَّ ذكر الْأَمِير أَبُو الْحَسَنِ السيمجوري هَذِهِ الرُّؤْيَا بَين يَدي جمَاعَة المتصوفة بِنَيْسَابُورَ فِي خانقاه الشَّيْخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السّلمِيّ فكلهم أعجبوا بهَذِهِ الْبشَارَة توفّي الْأَمِير أَبُو الْحَسَنِ ﵀ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَكتب إِلَى الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ قَالَ ذكر لي الإِمَام مُحَمَّد أَنه لما فرغ من زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ حِين كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَأَرَادَ أَن يخرج من الْمَسْجِد تذكر هَذِهِ الرُّؤْيَا فَوقف وَاسْتَأْذَنَ من الرَّوْضَة فِي عقد الْمجْلس كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الرُّؤْيَا فَوجدَ شبه تَعْرِيف أَنه
[ ٣٢٣ ]
أذن لَهُ فِيهِ واللَّه أعلم قَالَ عبد الغافر وَهَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا يُشَاهد من أَحْوَاله وَسيرَته عيَانًا لَا يحْتَاج إِلَى الاستضاءة فِيهِ بِنَقْل رُؤْيا أَو حِكَايَة وَقَالَ عبد الغافر أَيْضا مُحَمَّد بن الْفَضْلِ بن أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصاعدي الفراوي الإِمَام فَقِيه الْحرم البارع فِي الْفِقْه وَالْأُصُول الْحَافِظ للقواعد نَشأ بَين الصُّوفِيَّة فِي حجورهم وَوصل إِلَيْهِ بَرَكَات أنفاسهم سمع التصانيف وَالْأُصُول من الإِمَام زين الْإِسْلَام ودرس عَلَيْهِ الْأُصُول وَالتَّفْسِير ثمَّ اخْتلف إِلَى مجْلِس إِمَام الْحَرَمَيْنِ ولازم درسه مَا عَاشَ وتفقه عَلَيْهِ وعلق عَنهُ الْأُصُول وَصَارَ من جملَة الْمَذْكُورين من أَصْحَابه وَخرج حَاجا إِلَى مَكَّة وَعقد الْمجْلس بِبَغْدَادَ وَسَائِر الْبِلَاد وَأظْهر الْعلم بالحرمين وَكَانَ مِنْهُ بهما أثر وَذكر وَنشر الْعلم وعادإلى نيسابور وَمَا تعدى قطّ حد الْعلمَاء وَلَا سيرة الصَّالِحين من التَّوَاضُع والتبذل فِي الملابس والمعايش وتستر بكتبة الشُّرُوط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة ليصون بهَا عرضه وَعلمه عَن توقع الإرفاق ويتبلغ بِمَا يكتسبه مِنْهَا فِي أَسبَاب الْمَعيشَة من فنون الأرزاق وَقعد للتدريس فِي الْمدرسَة النَّاصحية بِرَأْس سكَّة عمار وإفادة الطّلبَة فِيهَا وَقَامَ بإمامة مَسْجِد أَبِي بكر الْمُطَرز وَقد سمع المسانيد والصحاح وَأكْثر عَن مَشَايِخ عصره مثل أَبِي الْحُسَيْن عبد الغافر وَأبي سعد الجنزروذي وَأبي سعيد الخشاب الصُّوفِي وطبقتهم وَله مجَالِس الْوَعْظ والتذكير المشحونة بالفوائد وَالْمُبَالغَة فِي النصح وحكايات الْمَشَايِخ وَذكر أَحْوَالهم
وَإِلَى الإِمَام مُحَمَّد الفاروي كَانَت رحلتي الثَّانِيَة لِأَنَّهُ كَانَ الْمَقْصُود بالرحلة فِي تِلْكَ النَّاحية لما اجْتمع فِيهِ من علو الإسنَاد
[ ٣٢٤ ]
ووفور الْعلم وَصِحَّة الِاعْتِقَاد وَحسن الْخلق ولين الْجَانِب والإقبال بكليته على الطَّالِب فأقمت فِي صحبته سنة كَامِلَة وغنمت من مسموعاته فَوَائِد حَسَنَة طائلة وَكَانَ مكرما لموردي عَلَيْهِ عَارِفًا بِحَق قصدي إِلَيْهِ وَمرض مرضة فِي مُدَّة مقَامي عِنْده نَهَاهُ الطَّبِيب عَن التَّمْكِين من الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِيهَا وعرفه أَن ذَلِك رُبمَا كَانَ سَببا لزِيَادَة تألمه فَقَالَ لَا أستجيز أَن أمنعهم من الْقِرَاءَة وَرُبمَا أكون قد حبست فِي الدُّنْيَا لأجلهم فَكنت أَقرَأ عَلَيْهِ فِي حَالَة مَرضه وَهُوَ ملقي على فرَاشه ثمَّ عوفي من تِلْكَ المرضة وفارقته مُتَوَجها إِلَى هراة فَقَالَ لي حِين ودعته بعد أَن أظهر الْجزع لفراقي رُبمَا لَا تَلقانِي بعد هَذَا فَكَانَ كَمَا قَالَ فجاءنَا نعيه إِلَى هراة وَكَانَ مَوته فِي الْعشْر من شَوَّال سنة ثَلَاثِينَ وخمسماية وَدفن فِي تربة أَبِي بكر ابْن خُزَيْمَة
وَمِنْهُم شيخنَا الإِمَام أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن أَبِي صَالح أَحْمد بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمد النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوف بالكرماني
سُئِلَ عَن مولده وأنَا أسمع فَقَالَ فِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة تفقه على الْأُسْتَاذ أبي الْقسم الْقشيرِي وَالْإِمَام أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَكَانَ إِمَامًا فِي الْأُصُول وَالْفِقْه حسن النّظر مقدما فِي
[ ٣٢٥ ]
التَّذْكِير سمع الحَدِيث الْكثير بإفادة وَالِده أَبِي صَالح الْحَافِظ الْمَعْرُوف بالمؤذن وَخرج لَهُ وَالِده الْفَوَائِد وَسكن كرمان إِلَى أَن مَاتَ بهَا وَكَانَ وجيها عِنْد سلطانها مُعظما فِي أَهلهَا مُحْتَرما بَين الْعلمَاء فِي سَائِر الْبِلَاد لَقيته بِبَغْدَاد سنة إِحْدَى وَعشْرين وخمسماية وَسمعت مِنْهُ وَسَأَلَهُ بعض البغداديين هَل قَرَأت كتاب الْإِرْشَاد على الإِمَام أبي الْمَعَالِي فَقَالَ نعم فاستأذنته فِي قِرَاءَته فَأذن لَهُ فشرع فِي قِرَاءَته على عَادَة أَصْحَاب الحَدِيث فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهُ نَحْو صفحة قَالَ لَهُ إِن هَذَا الْعلم لَا يقْرَأ كَمَا يقْرَأ الحَدِيث للرواية وَإِنَّمَا يقْرَأ شَيْئا شَيْئا للدراية فَإِن أردْت أَن تَقْرَأهُ كَمَا قرأنَاه وَإِلَّا فَاتْرُكْهُ مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وخمسماية بكرمان وَبَلغنِي وَفَاته وأنَا بأصبهان
وَمِنْهُم شيخنَا الإِمَام أَبُو الْحَسَنِ السّلمِيّ الدِّمَشْقِي ﵀
وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ بن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْح بن عَليّ السّلمِيّ ابْن أَبِيه أَبِي بكر مُحَمَّد بن عقيل الشهرزوري ولد سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة أَو سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وتفقه أَولا بالْقَاضِي أَبِي المظفر عبد الْجَلِيل بن عبد الْجَبَّار المرزوي نزيل دمشق وَغَيره وعني بِنَفسِهِ بِكَثْرَة المطالعة والتكرار وَلما قدم الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِي لَازمه وَكَانَ معيدا لدرسه وَلزِمَ الإِمَام أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ مُدَّة مقَامه بِدِمَشْقَ وَهُوَ الَّذِي أمره بالتصدر بعد موت الْفَقِيه نصر وَكَانَ يثني على علمه ويصف حسن فهمه وانْتهى إِلَيْهِ أَمر التدريس والفتيا والتذكير
[ ٣٢٦ ]
بِدِمَشْقَ فَكَانَ أجْرى أهل زَمَانه قَلما بالفتوى وأغزرهم علما مَعَ التَّوَاضُع وَقلة الدَّعْوَى عَالما بالتفسير وَالْأُصُول وَالْفِقْه والتذكير والفرائض والحساب والمنَاسخات وتعبير المنَامات مَعَ مارزق من لين الْجَانِب وسلامة الصَّدْر وَقَضَاء حُقُوق النَّاس والتوفر على نشر الْعلم والإرشاد إِلَى الْحق وتحري الصدْق إِلَى أَن قَبضه اللَّه إِلَى رَحمته سَاجِدا فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من صَلَاة الصُّبْح يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث عشر من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم شيخنَا الإِمَام أَبُو مَنْصُور مَحْمُود بن أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُنعم ابْن ماشاذه
الْأَصْبَهَانِيّ الفيه الْوَاعِظ الْمُفَسّر ﵀ من أَعْيَان الْعلمَاء ومشاهير الْفُضَلَاء الفهماء قدم بَغْدَاد حَاجا سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة حِين كنت بهَا فَلم يبْق بهَا من الْمَذْكُورين أحد إِلَّا تَلقاهُ إِلَى ظَاهرهَا وسروا بقدومه السرُور التَّام وَأظْهر أَمِير الْمُؤمنِينَ المسترشد بِاللَّهِ الْإِكْرَام لَهُ والاحترام وَعقد الْمجْلس فِي جَامع الْقصر وسر بِكَلَامِهِ أَئِمَّة الْعَصْر وَحَضَرت مَجْلِسه مرَارًا ثمَّ لَقيته بأصبهان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَحَضَرت مجْلِس إمْلَائِهِ وتذكيره وشاهدت جمَاعَة انتفعوا بإرشاده وتبصيره وعاينت علو مرتبته فِي بَلَده وحشمته فِي نَفسه وَولده وَتُوفِّي فِي الْحَادِي عشر من شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَجْأَة بأصبهان كتب إليَّ بوفاته ثِقَة
[ ٣٢٧ ]
وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو الْفتُوح مُحَمَّد بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُعْتَمد الإسفرايني ﵀
أجْرى من رَأَيْته لِسَانا وجنابا وَأَكْثَرهم فِيمَا يُورد إعرابا وإحسانًا واسرعهم عِنْد السُّؤَال جَوَابا وأسلسهم عِنْد الْإِيرَاد خطابا مَعَ مارزق بعد صِحَة العقيدة من السجايا الْكَرِيمَة والخصال الحميدة من قلَّة المراعاة لأبْنَاء الدُّنْيَا وَعدم المبالاة بذوي الرُّتْبَة الْعليا والإقبال على إرشاد الْخلق وبذل النَّفس فِي نصْرَة الْحق والصلابة فِي الدّين وَإِظْهَار صِحَة الْيَقِين وَمَا ينضاف إِلَى هَذِهِ الشيم من سَعَة النَّفس وَشدَّة الْكَرم والتحلي بالتصوف والزهادة والتخلي لوظائف الْعِبَادَة والاستحقاق لوصف السِّيَادَة فِي آخر عمره بِالشَّهَادَةِ بَلغنِي أَنه لما وَقعت لَهُ تِلْكَ الْوَاقِعَة بَغْدَاد اجْتمع إِلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَابه وَشَكوا إِلَيْهِ مَا يتوقعونه من وَحْشَة فِرَاقه فَقَالَ لَعَلَّ فِي ذَلِك خيرة وَحكى أَن بعض الْمَشَايِخ جرى لَهُ مثل واقعته وَقيل لَهُ كَمَا قيل لَهُ فَقَالَ لَعَلَّ فِي ذَلِك خيرة فَقيل لَهُ وَأي خيرة فِي ذَلِك فَقَالَ لعَلي أَمُوت فأقبر إِلَى جنب رجل صَالح فَكَانَ كَمَا وَقع لَهُ خرج من بَغْدَاد مُتَوَجها إِلَى خُرَاسَان فَأَصَابَهُ مرض الْبَطن فَمَاتَ غَرِيبا مبطونَا شَهِيدا وَدفن ببسطام إِلَى جنب قبر أَبِي يزِيد البسطامي فِي شهور سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة
وَحكى جمَاعَة من أهل بسطَام أَن قَيِّم مَسْجِد أَبِي يزِيد البسطامي رَآهُ فِي المنَام وَهُوَ يَقُول غَدا يَجِيء أخي وَيكون فِي ضيافتي فَقدم الشَّيْخ أَبُو الْفتُوح وَعمل لَهُ وَقت وَأقَام ثَلَاثَة أَيَّام ببسطام ثمَّ مَاتَ
[ ٣٢٨ ]
وَبَلغنِي من وَجه آخر أَن قيم الْمَسْجِد أبي يُرِيد رأى أَبَا يزِيد فِي النّوم فِي اللَّيْلَة الَّتِي فِي صبيحتها دفن الإِمَام أَبُو الْفتُوح وَهُوَ يَقُول لَهُ غَدا يقبر إِلَى جَنْبي رجل صَالح فاحفر لَهُ قبرا فَأصْبح الْقيم وحفر لَهُ الْقَبْر وتلقى الصُّحْبَة الَّتِي قدم بِهِ فِيهَا فَوَجَدَهُ قد مَاتَ فدفنه إِلَى جنبه
وَقد كنت لازمت حُضُور مجالسه بِبَغْدَادَ وداومت الِاسْتِمَاع لكَلَامه والاستلذاذ فَمَا رَأَيْت مثله واعظا وَلَا مذاكرا وَلَا شاهدت نَظِيره مرشدا مبصرا سَمِعت الشريف أَبَا الْعَبَّاس الْجَوْهَرِي يَقُول حكى لي خَادِم رِبَاط أَبِي يزِيد ببسطام أَنه رأى أَبَا يزِيد البسطامي فِي المنَام يكنس الرِّبَاط ويملأ الْآنِية الَّتِي فِيهِ مَاء فَقلت أنَا أكفيك فَقَالَ إِنَّه يقدم فِي غَد ضيف أحب أَن أتولى خدمته أَو كَمَا قَالَ فَاسْتَيْقَظت وَوجدت الْآنِية ملأى وَقدم علينَا الشَّيْخ أَبُو الْفتُوح ﵀
وَسمعت أَبَا يَعْقُوب يُوسُف بن أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن مُحَمَّد الشِّيرَازِيّ وَكتب لي بِخَطِّهِ يَقُول سَمِعت عِيسَى بن أَبِي مُوسَى خَادِم الصُّوفِيَّة ببسطام يَقُول رَأَيْت الشَّيْخ أَبَا يزِيد فِي المنَام فَقَالَ لي قد وصل إلينَا ضيف فأكرموه فَقدم بعد هَذِهِ الرُّؤْيَا بأيام الشَّيْخ أَبُو الْفتُوح الإسفرايني وَمَات عَن قريب فآثرته بِموضع كنت ادخرته لنَفْسي لأقبر فِيهِ بِالْقربِ من تربة الشَّيْخ أَبِي يزِيد رَحْمَة الله عَلَيْهِ إِذْ كَانَ أَوْصَانِي الشَّيْخ بإكرامه فِي النّوم
وَسمعت خطيب بسطَام يَقُول نزلت فِي حُفْرَة الشَّيْخ أَبِي الْفتُوح فَكَانَ بَين حافتي الْقَبْر وصدري أَربع أَصَابِع فتنَاولته وتحيرت من الضيقة فَإِذا أنَا بعد ذَلِك بسعة كَثِيرَة فِي الْقَبْر وَكَأَنَّهُ أَخذ من يَدي فأخذني الغشي وأصعدت من الْقَبْر وأنَا لَا أَعقل
[ ٣٢٩ ]
وَمِنْهُم شيخنَا الإِمَام أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقوي المصِّيصِي
الْأَشْعَرِيّ نسبا ومذهبا ﵀ خَاتم الْجَمَاعَة موتا وذكرا وأحدهم خاطرا فِي الْأُصُول وَالْفِقْه وفكرا قَرَأَ علم الْكَلَام على أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد ابْن عَتيق بن مُحَمَّد القيرواني الْمُتَكَلّم بصور عِنْد اجتيازه إِلَى الْعرَاق وَصَحب الْفَقِيه أَبَا الْفَتْح نصر بن إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِي مُدَّة مقَامه بصور ودمشق وَخَلفه بعد وَفَاته فِي حلقته مقتديا بأفعاله فِي نشر الْعلم بِقدر طاقته مُحْتَرما عِنْد الْوُلَاة والرعية متحليا بالأوصاف المرضية إِلَى أَن مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّانِي من شهر ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ مولده سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد سمع الحَدِيث من الإِمَام أَبِي بكر الْخَطِيب وَغَيره
فَهَذَا آخر مَا يسر الله عزوجل لي ذكره مِمَّن اشْتهر من الْعلمَاء من أَصْحَابه وشرحت أمره وَمن لم أذكر مِنْهُم أَكثر مِمَّن ذكرت وَالْمَقْصُود مِنْهُ إِظْهَار فَضله بِفضل أَصْحَابه كَمَا أَشرت وَلَوْلَا خوفي من الإملال للإسهاب وإيثاري الِاخْتِصَار لهَذَا الْكتاب لتتبعت ذكر جَمِيع الْأَصْحَاب وأطنبت فِي مدحهم غَايَة الإطنَاب وَكنت أكون بعد بذل الْجهد فِيهِ مقصرا وَمن تقصيري بالإخلال بِذكر كثير مِنْهُم معتذرا فَكَمَا لَا يمكنني إحصاء نُجُوم السَّمَاء كَذَلِك لَا أتمكن من استقصاء
[ ٣٣٠ ]
ذكر جَمِيع الْعلمَاء مَعَ تقادم الْأَزْمَان والعصار وَكَثْرَة المشتهرين فِي الْبلدَانِ والأمصار وانتشارهم فِي الأقطار والآفاق من الْمغرب وَالشَّام وخراسان وَالْعراق فاقنعوا من ذكر حزبه بِمن سمي وَوصف واعرفوا فضل من لم يسم لكم بِمن سمي وَعرف وَلَا تسأموا أَن مدح الْأَعْيَان وقرض الْأَئِمَّة فَعِنْدَ ذكر الصَّالِحين تنزل الرَّحْمَة
فَإِن قيل إِن الجم الْغَفِير فِي سَائِر الْأَزْمَان وَأكْثر الْعَامَّة فِي جَمِيع الْبلدَانِ لَا يقتدون بالأشعري وَلَا يقلدونه وَلَا يرَوْنَ مذْهبه وَلَا يعتقدونه وهم السوَاد الْأَعْظَم وسبيلهم السَّبِيل الأقوم قيل لَا عِبْرَة بِكَثْرَة الْعَوام وَلَا الْتِفَات إِلَى الْجُهَّال الغتام وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بأرباب الْعلم والاقتداء بأصحاب البصيرة والفهم وَأُولَئِكَ فِي أَصْحَابه أَكثر مِمَّن سواهُم وَلَهُم الْفضل والتقدم على من عداهم على ان الله عزوجل قَالَ ﴿وَمن آمن وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ وَقَالَ عز مِن قَائِل ﴿وَقَلِيلٌ من عبَادي الشكُور﴾ وَقد قَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقسم زَاهِرُ بْنُ طَاهِر فِيمَا قرأته عَلَيْهِ عَنْ أَبِي بكر أَحْمد بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا اسحق الْمُزَكي يَقُول حَدثنِي أَبُو الْقسم عبد الرحمن بن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْوَاعِظ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَمْزَة المرزوي عَن أَحْمد بن أَيُّوب المطوعي قَالَ قَالَ الْحسن بن زِيَاد كلمة سَمعتهَا من الفضيل بن عِيَاض قَالَ الفضيل لَا تستوحش طرق الْهدى لقلَّة أَهلهَا وَلَا تغترن بِكَثْرَة الهالكين فَمن ذمّ بعد وُقُوفه على كتابي هَذَا حزب الْأَشْعَرِيّ فَهُوَ مفتر كَذَّاب عَلَيْهِ مَا على المفتري
[ ٣٣١ ]
وَقد وجدت فِي جُزْء يخط بعض الثِّقَات سؤالا يعتقبه مَا أذكرهُ بعد من الجوابات نقلته على نَصه ونسخته ليقف عَلَيْهِ من ينْتَفع بمعرفته وَهُوَ بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم مَا قَول السَّادة الجلة الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء اجسن اللَّه توفيقهم وَرَضي عَنْهُم فِي قوم اجْتَمعُوا على لعن فرقة الْأَشْعَرِيّ وتكفيرهم مَا الَّذِي يجب عَلَيْهِم فِي هَذَا القَوْل يفتونَا فِي ذَلِك منعمين مثابين إِن شَاءَ اللَّه
الْجَواب وبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن كل من أقدم على لعن فرقة من الْمُسلمين وتكفيرهم فقد ابتدع وارتكب مَالا يجوز الا اقدام عَلَيْهِ وعَلى النَّاظر فِي الْأُمُور أعز اللَّه أنصاره الْإِنْكَار عَلَيْهِ وتأديبه بِمَا يرتدع هُوَ وَأَمْثَاله عَن إرتكاب مثله
وَكتب مُحَمَّد بن عَليّ الدَّامغَانِي
وَبعده الْجَواب وبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن الأشعرية أَعْيَان السّنة ونصار الشَّرِيعَة انتصبوا للرَّدّ على المبتدعة من الْقَدَرِيَّة والرافضة وَغَيرهم فَمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السّنة وَإِذا رفع أَمر من يفعل ذَلِك إِلَى النَّاظر فِي أَمر الْمُسلمين وَجب عَلَيْهِ تأديبه بِمَا يرتدع بِهِ كل أحد
وَكتب ابراهيم بن عَليّ الفيروزباذي
وَبعده جوابي مثله
وَكتب مُحَمَّد بن أَحْمَدَ الشَّاشِي
فهَذِهِ أجوبة هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الَّذين كَانُوا فِي عصرهم عُلَمَاء الْأمة فَأَما قَاضِي الْقُضَاة أَبُو حنيفَة أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحنيفي الدَّامغَانِي فَكَانَ يُقال لَهُ فِي عصره أَبُو حنيفَة الثَّانِي وَأما الشَّيْخ الامام أَبُو اسحق فقد طبق ذكر فَضله الْآفَاق وَأما الشَّيْخ اللإمام أَبُو بكر الشَّاشِي فَلَا يخفى مَحَله على منته فِي الْعلم وَلَا نَاشي فَمن وَفقه اللَّه للسداد وَعَصَمَهُ من الشقاق والعنَاد
[ ٣٣٢ ]
انْتهى الى ماذكروا واكتفي مِمَّا عَنهُ أخبروا واللَّه يعصمنا من قَول الزُّور والبهتان وَيغْفر لنَا ولإخواننَا الَّذين سبقونَا بِالْإِيمَان ويجعلنَا من التَّابِعين لَهُم باحسان ويحشرنا مَعَهم فِي غرف الجنَان
فَإِن قيل غَايَة مَا تمدحون بِهِ أَبَا الْحسن أَن تثبتوا أَنه مُتَكَلم وتدلونَا على أَنه بالمعرفة برسوم الجدل متوسم وَلَا فَخر فِي ذَلِك عِنْد الْعلمَاء من ذَوي التسنن والاتباع لأَنهم يرَوْنَ أَن من تشاغل بذلك من أهل الابتداع وَقد حفظ عَن غير وَاحِد من عُلَمَاء الْإِسْلَام عيب الْمُتَكَلِّمين وذم الْكَلَام وَلَو لم يذمهم غير الشَّافِعِي ﵀ لكفى فَإِنَّهُ قد بَالغ فِي ذمهم وأوضح حَالهم وشفى وَأَنْتُم تنتسبون إِلَى مذْهبه فَهَلا اقْتَدَيْتُمْ فِي ذَلِك بِهِ
فَمَا جَاءَ فِي ذَلِك مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بن عبد الْملك ابْن الْحُسَيْنِ الْخلال بأصبهان قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بن أَحْمَدَ الثَّقَفِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْمقري قَالَ ثَنَا مفضل بن مُحَمَّد الجندي قَالَ حَدثنَا اسحق بن ابراهيم الطيري قَالَ ثَنَا أَبُو يُوسُف الْقَاضِي عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ من طلب الدّين بالْكلَام ترندق وَمن طلب المَال بالكيمياء أفلس وَمن حدث بِغَرَائِب الحَدِيث كذب
هَكَذَا رَوَاهَا هَذَا الطَّبَرِيّ عَنْ أبي يُوسُف وَرَوَاهَا غيرره عَنْ أَبِي يُوسُف من قَوْله وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ أخبرنَاها الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بن عَليّ الْبَيْهَقِيّ قَالَ انا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ
[ ٣٣٣ ]
الْمَالِينِي ح وأخبرناها الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن السمر قندي قَالَ أخبرنَا أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ مسْعدَة الْجِرْجَانِيّ قَالَ لنا أَبُو الْقسم حَمْزَة بن يُوسُفَ السَّهْمِي قَالا أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمد بن عدي قَالَ ثَنَا جَعْفَر أبن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ المستفاض الغريابي قَالَ حَدَّثَنِي بشر بن الْوَلِيد قَالَ سَمِعت أَبَا يُوسُف يَقُول من طلب الدّين بالْكلَام ترندق وَقَالَ السَّهْمِي وَمن طلب غَرِيب الحَدِيث كذب وَمن طلب المَال بالكيمياء أفلس قَالَ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن مَالك بن أنس قَالَ وَإِنَّمَا يريدوالله أعلم بالْكلَام كَلَام أهل الْبدع فَإِن فِي عصرهما إِنَّمَا كَانَ يعرف بالْكلَام أهل الْبدع فَأَما أهل السّنة فقلما كَانُوا يَخُوضُونَ فِي الْكَلَام حَتَّى اضطروا إِلَيْهِ بعد فَهَذَا وَجه من الْجَواب عَن هَذِهِ الْحِكَايَة ونَاهيك بقائله أَبِي بكر الْبَيْهَقِيّ فقد كَانَ من أهل الرِّوَايَة والدراية وتحتمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون المُرَاد بهَا أَن يقْتَصر على علم الْكَلَام وَيتْرك تعلم الْفِقْه الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام ويرفض الْعَمَل بِمَا أَمر بِفِعْلِهِ من شرائع الْإِسْلَام وَلَا يلْتَزم فعل مَا أَمر بِهِ الشَّارِع وَترك مَا نهى عَنهُ من الْأَحْكَام وَقد بَلغنِي عَن حَاتِم بن عنوان الاصم وَكَانَ من أفاضل الزهاد وَأهل الْعلم أَنه قَالَ الْكَلَام أصل الدّين وَالْفِقْه فَرعه وَالْعَمَل ثمره فَمن اكْتفي بالْكلَام دون الْفِقْه وَالْعَمَل تزندق وَمن اكْتفي بِالْعَمَلِ دون الْكَلَام وَالْفِقْه ابتدع وَمن اكْتفي بالفقه دون الْكَلَام وَالْعَمَل تفسق وَمن تفنن فِي الأَبواب كلهَا تخلص
وَقد رُوِيَ مثل قَول حَاتِم الْأَصَم عَن بعض أهل الْعلم أخبرناه الشَّيْخ أَبُو الْقسم زَاهِرُ بْنُ طَاهِر الْمعدل
[ ٣٣٤ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت السّلمِيّ يَعْنِي أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت غيلَان السمرقدي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوراق يَقُول من اكْتفي بالْكلَام من الْعَمَل دون الزّهْد وَالْفِقْه ترندق وَمن اكْتفي بالزهد دون الْفِقْه وَالْكَلَام ابتدع وَمن اكْتفي بالفقه دون الزّهْد والورع تفسق وَمن تفنن فِي الْأُمُور كلهَا تخلص
واما قَول الشَّافِعِي فِيهِ أخبرنَا أَبُو الأَعَزِّ قَرَاتَكِينُ بْنُ الأَسْعَدِ الأَزَجِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِي قَالَ انا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز بن مردك قَالَ انا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَن بن ابي حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ ثَنَا يُونُس يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْمِصْرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ سِوَى الشِّرْكِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْكَلامِ وَلَقَدِ اطَّلَعْتُ من اهل الْكَلَام على شئ ماظننت أَنَّ مُسْلِمًا يَقُولُ ذَلِكَ
وَأَخْبَرَنَا قراتكين بن الاسعد قَالَ انا الْحسن بن عَليّ قَالَ انا احْمَد بن صرم الْمُزنِيّ وَمن وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ مَا تَرَدَّى أَحَدٌ فِي الْكَلامِ فَأَفْلَحَ وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ المصِّيصِي بِدِمَشْق قَالَ انا ابو البركات احْمَد ابْن عَبْد اللَّهِ بن عَلِيِّ بْنِ طَاوس الْمقري الْبَغْدَادِيُّ بِدِمَشْقَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقسم عبيد اللَّه بن أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ لَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْكَانَ الْفَقِيهُ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْهَرَوِيُّ
[ ٣٣٥ ]
بِدِمَشْقَ قَالَ رَأَيْتُ فِي كِتَابٍ عَنْ أَبِي بكر مُحَمَّد بن الْجُنَيْدِ صَاحِبِ أَبِي ثَوْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ثَوْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْكَلامِ لَمْ يُفْلِحْ
وَأَخْبَرَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْح قَالَ أَنا أَبُو البركات الْبَغْدَادِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْقسم الْأَزْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَمْكَانَ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن يَحْيَى بن آدَمَ الْحَرَشِيُّ بِمِصْرَ قَالَ ثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْكَلَام فِي الْهَوَاء لفروا مِنْهُ كَمَا يُفَرُّ مِنَ الأَسَدِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الأَعَزِّ الأَزَجِيُّ قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَرْدَكٍ قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيّ قَالَ ثَنَا الرّبيع ابْن سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ وَهُوَ نَازِلٌ فِي الدَّرَجَةِ وَقَوْمٌ فِي الْمجَالِس يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلامِ فَصَاحَ فَقَالَ إِمَّا أَنْ تُجَاوِرُونَا بِخَيْرٍ وَإِمَّا أَنْ تَقُومُوا عَنَّا فَإِنَّمَا عَنَى الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ كَلامَ الْبِدْعِيِّ الْمُخَالِفِ عِنْدَ اعْتِبَارِهِ لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ بَيَّنَ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَنِ الرَّبِيعِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْكَلامِ قَوْمًا تَكَلَّمُوا فِي الْقَدَرِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ بِالتَّبْدِيعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الْفضل الفراوي قَالَ أَنا أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن الصَّابُونِي قَالَ أَنا خَالِي أَبُو الْفَضْلِ عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيم الزَّاهِد قَالَ أَنا أَبُو الْعَبَّاس عبد الله ابْن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفرٍ الْبُوشَنْجِيُّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن اسحق بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى يَقُولُ جِئْتُ الشَّافِعِيَّ بَعْدَمَا كَلَّمَ حَفْصَ الْفَرْدِ فَقَالَ غِبْتَ عَنَّا يَا أَبَا مُوسَى لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ عَلَى شَيْءٍ وَاللَّهِ مَا
[ ٣٣٦ ]
تَوَهَّمْتُهُ قَطُّ وَلأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مَا خَلا الشِّرْكَ بِاللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلامِ فالشافعي ﵀ إِنَّمَا عني بمقاله كَلَام حَفْص الْفَرد القدري وَأَمْثَاله وَيدل عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا قراتكين بن الأسعد قَالَ ثَنَا الْحسن بن عَليّ قَالَ أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنا عبد الرَّحْمَن ابْن أبي حَاتِم قَالَ ثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ يَعْلَمُ اللَّهُ يَا أَبَا مُوسَى لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلامِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ أَظُنُّهُ يَكُونُ وَلأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ ذَنْبٍ نَهَى اللَّهُ عزوجل عَنْهُ مَا عَدَا الشِّرْكَ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْكَلامِ قَالَ يُونُسُ يَعْنِي فِي الأَهْوَاءِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيه أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ قَالَ أَنا أَبُو نصر الْحُسَيْن بن مُحَمَّدِ ابْن أَحْمَدَ بن طلاب الْخَطِيب بِدِمَشْقَ قَالَ أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بن عُثْمَانَ بن أَبِي الْحَدِيد السّلمِيّ قَالَ أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن بشر الزَّنْبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْعُكْرِيِّ بِمِصْرَ قَالَ سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لأَنْ يَلْقَى الله عزوجل الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ خَلا الشِّرْكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَهْوَاءِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بن مُحَمَّد المصِّيصِي قَالَ أَنا أَبُو الْبَرَكَاتِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمقري قَالَ أَنا أَبُو الْقسم عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الأَزْهَرِيُّ قَالَ انا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَقِيهُ قَالَ ثَنَا الزبير بن عبد الْوَاحِد الْأسد أباذي قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَدَايِنِيُّ بِمِصْرَ قَالَ ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَةُ اللَّهُ يَقُولُ لأَنْ يَلْقَى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلا الشِّرْكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَهْوَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا
[ ٣٣٧ ]
يَتَجَادَلُونَ فِي الْقَدَرِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمَشِيئَةُ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَالْمَشِيئَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأعْلم عزوجل أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ وَكَانَ يُثْبِتُ الْقَدَرَ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْأَعَز بن الأسعد قَالَ أَنا الْحَسَنُ بْنُ عَليّ أَبُو مُحَمَّد قَالَ أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنا عَبْدُ الرَّحْمَن بن أَبِي حَاتِم قَالَ ثَنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ حضرت الشَّافِعِي وَكَلمه رجل فِي الْمَسْجِد الْجَامِع فِي مسئلة فطال منَاظرته إِيَّاه فَخرج الرجل إِلَى شَيْء من الْكَلَام فَقَالَ لَهُ دع هَذَا فَإِن هَذَا من الْكَلَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي حَاتِم قَالَ الْحسن بن عَبْدِ الْعَزِيزِ الجروي كَانَ الشَّافِعِي ينْهَى النَّهْي الشَّديد عَن الْكَلَام فِي الْأَهْوَاء وَيَقُول أحدهم إِذا خَالفه صَاحبه قَالَ كفرت وَالْعلم إِنَّمَا يُقَال فِيهِ أَخْطَأت وَلَعَلَّ الشَّافِعِي ﵀ أَرَادَ أَن صَاحب الْكَلَام لَا يفلح فِي غَالب مظنونه إِذَا لم يتَعَلَّم من علم الْفِقْه مَا يصلح بِهِ أَمر دينه كَمَا أَرَادَ الزنْجِي بقوله لَهُ حِين رَآهُ ينظر فِي جُزْء مَعَه يشْتَمل على حَدِيث وجده فِيهِ أَو سَمعه وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفرج سعيد بن أبي الرجا بن أَبِي مَنْصُور الصَّيْرَفِي بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو الْفَتْحِ مَنْصُور بن الْحُسَيْنِ بن عَليّ بن الْقسم الْكَاتِب وأَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُود بن أَحْمَدَ الأديب قَالا أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْمقري قَالَ ثَنَا حُسَيْن بن مُحَمَّدِ بْنِ غوث الدِّمَشْقِي قَالَ سَمِعت الْمُزنِيّ يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول مر بِي مُسلم بن خَالِد وأنَا أنظر فِي كتاب فَقَالَ مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ قلت حَدِيث قَالَ لَيْسَ تفلح أبدا
وَإِنَّمَا أَرَادَ مُسلم الزنْجِي أَن صَاحب الحَدِيث إِذَا كَانَ يسمعهُ أَو يرويهِ وَهُوَ لَا يعرف
[ ٣٣٨ ]
ناسخه من منسخوه وَلَا يقف على مَعَانِيه لعدم مَعْرفَته بِأَمْر دينه وَالْفِقْه فِيهِ فَهُوَ بعيد من الْفَلاح فِيمَا يذره مِنْهُ أَو يَأْتِيهِ وَالْكَلَام المذموم كَلَام أَصْحَاب الأهوية وَمَا يزخرفه أَرْبَاب الْبدع المردية فَأَما الْكَلَام الْمُوَافق للْكتاب وَالسّنة الموضح لحقائق الْأُصُول عِنْد ظُهُور الْفِتْنَة فَهُوَ مَحْمُود عِنْد الْعلمَاء وَمن يُعلمهُ وَقد كَانَ الشَّافِعِي يُحسنهُ ويفهمه وَقد تكلم مَعَ غير وَاحِد مِمَّن ابتدع وَأقَام الْحجَّة عَلَيْهِ حَتَّى انْقَطع
وَقد أَخْبَرَنَا الشَّيْخَان الْفَقِيه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ عبيد اللَّه بن مُحَمَّدِ بن أَحْمد الْبَيْهَقِيّ قَالَا أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَاد يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن اسحق بن خُزَيْمَة يَقُول سَمِعت الرّبيع يَقُول لما كلم الشَّافِعِي حَفْص الْفَرد فَقَالَ حَفْص الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي ﵀ كفرت بِاللَّهِ الْعَظِيم
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الأَعَزِّ قَرَاتَكِينُ بْنُ الأَسْعَدِ قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مردك قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَن بن أَبِي حَاتِم قَالَ فِي كتابي عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ حضرت الشَّافِعِي وحَدَّثَنِي أَبُو سعيد إِلَّا أَنِّي أعلم أَنه حضر عبد الله بن عبد الْحَكِيم ويوسف بن عَمْرو بن يزِيد وَحَفْص الْفَرد وَكَانَ الشَّافِعِي يُسَمِّيه الْمُنْفَرد فَسَأَلَ حَفْص عَبْد اللَّهِ بن عَبْدِ الحكم فَقَالَ مَا تَقول فِي الْقُرْآن فَأبى أَن يجِيبه فَسَأَلَ يُوسُف بن عَمْرو بن يزِيد فَلم يجبهُ فكلاهما أَشَارَ إِلَى أَن الشَّافِعِي فَسَأَلَ الشَّافِعِي فاحتج عَلَيْهِ الشَّافِعِي فطالت فِيهِ المنَاظرة فَقَامَ الشَّافِعِي بِالْحجَّةِ عَلَيْهِ بِأَن الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير
[ ٣٣٩ ]
مَخْلُوق وَكفر حَفْص الْفَرد قَالَ الرّبيع فَلَقِيت حفصا فِي الْمَسْجِد بعدُ فَقَالَ أَرَادَ الشَّافِعِي قَتْلِي
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نصر اللَّه بن مُحَمَّد الشَّافِعِي قَالَ أَنا أَبُو الْبَرَكَاتِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله الْمقري قَالَ انا أَبُو الْقسم عبيد اللَّه بن أَحْمَدَ الصَّيْرَفِي قَالَ أَنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَمْكَانَ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن اسحق الْخفاف قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الْحسن بن عَبْدِ الْعَزِيزِ الجروي يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول ماناظرت أحدا أَحْبَبْت أَن يخطىء إِلَّا صَاحب بِدعَة فَإِنِّي أحب أَن ينْكَشف أمره للنَّاس
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمد بن قبيس قَالَ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب قَالَ حَدَّثَنِي عبيد اللَّه بن أَبِي الْفَتْح قَالَ أَنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الهمذاني الْفَقِيه قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عِيسَى يُوسُف بن يَعْقُوبَ بن مهْرَان الْأنمَاطِي بِبَغْدَاد قَالَ ثَنَا أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ حَدثنِي الْحَرْث بن سُرَيج النقال قَالَ دخلت على الشَّافِعِي يَوْمًا وَعِنْده أَحْمد بن حَنْبَل وَالْحُسَيْن الفلاس وَكَانَ الْحُسَيْن أحد تلاميذ الشَّافِعِي المقدمين فِي حفظ الحَدِيث وَعِنْده جمَاعَة من أهل الحَدِيث وَالْبَيْت غاص بالنَّاس وَبَين يَدَيْهِ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيلَ بن علية وَهُوَ يكلمهُ فِي خبر الْوَاحِد فَقلت يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ عنْدك وُجُوه النَّاس وَقد أَقبلت على هَذَا المبتدع تكَلمه فَقَالَ لي وَهُوَ يبتسم كَلَامي لهَذَا بحضرتهم أَنْفَع لَهُم من كَلَامي لَهُم قَالَ فقَالُوا صدق قَالَ فَأقبل عَلَيْهِ الشَّافِعِي فَقَالَ أَلَسْت تزْعم أَن الْحجَّة هِيَ الْإِجْمَاع
[ ٣٤٠ ]
قَالَ فَقَالَ نعم فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي خبرني عَن خبر الْوَاحِد الْعدْل أَبَا جماع دَفعته أم بِغَيْر إِجْمَاع قَالَ فَانْقَطع إِبْرَاهِيم وَلم يجب وسر الْقَوْم بذلك
كَتَبَ إِلَيَّ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ فُطَيْمَةَ الْبَيْهَقِيُّ قَاضِي خسروجرد قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ إِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِهَذَا كَلامَ حَفْصٍ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَهَكَذَا مُرَادُهُ بِكُلِّ مَا حُكِيَ عَنْهُ فِي ذَمِّ الْكَلامِ وَذَمِّ أَهْلِهِ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَهُ وَبَعْضَهُمْ قَيَّدَهُ وَفِي تَقْيِيد من قَيده دَلِيل على مُرَاده قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّان قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا الْوَلِيد بن الْجَارُود يَقُول دخل حَفْص الْفَرد على الشَّافِعِي فَقَالَ لنَا لِأَن يلقِي اللَّه العَبْد بذنوب مثل جبال تهَامَة خير لَهُ نم أَن يلقاه باعتقاد حرف مِمَّا عَلَيْهِ هَذَا الرجل وَأَصْحَابه وَكَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن
فهَذِهِ الرِّوَايَات تدل على مُرَاده بِمَا أطلق عَنهُ فِيمَا تقدم وَفِيمَا لم يذكر ههنَا وَكَيف يكون كَلَام أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مذموما عِنْده وَقد تكلم فِيهِ ونَاظر من نَاظره وكشف عَن تمويه من ألْقى إِلَى سمع بعض أَصْحَابه من أهل الْهَوَاء شَيْئا مِمَّا هم فِيهِ وَقد ذكرنَا قبل هَذَا منَاظرته مَعَ حَفْص فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه وَذكر الْحميدِي أحسن مَا يحْتَج بِهِ على أهل الأرجاء وَذكر لابْن هرم مَا يحْتَج بِهِ على من أنكر الرُّؤْيَة وقرأت فِي كتاب أَبِي نُعَيْمِ الأَصْبَهَانِيِّ حِكَايَةً عَنِ الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ ذَكَر فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ عَن اسحق أَنَّه قَالَ قَالَ أَبِي كَلَّمَ الشَّافِعِيُّ يَوْمًا بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فَدَقَّقَ عَلَيْهِ وَحَقَّقَ وَطَالَبَ
[ ٣٤١ ]
وَضَيَّقَ فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا لأَهْلِ الْكَلامِ لَا لأَهْلِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ فَقَالَ أَحْكَمْنَا ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْضَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد قَالَ انا أَبُو الْبَرَكَاتِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ أَنا ابو الْقسم عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْكَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَطَّارُ الْجَرْبَاذَقَانِيُّ بِجَرْبَاذَقَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبَانَ الطَّبَرِيّ القَاضِي قَالَ ثَنَا أَبُو يحيى السَّاجِي قَالَ ثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ لَمَّا وَافَى الشَّافِعِيُّ مِصْرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُخْرِجُ مَا فِي ضَمِيرِي وَتَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرِي مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ فَلَمَّا جَثَوْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ لَهُ إِنَّه قد هجز فِي ضميري مسئلة فِي التَّوْحِيدِ فَعَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ عِلْمَكَ فَمَا الَّذِي عِنْدَكَ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ لِي أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ جَالِسٌ قُلْتُ نَعَمْ أَنَا جَالِسٌ بِفُسَطَاطِ مِصْرَ فِي مَسْجِدِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِيِّ قَالَ هَيْهَاتَ إِنَّكَ بِثَارَانَ وَجَنْبَلانُ يَضْرِبُكَ تَيَّارُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ هَلْ تَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ لِي تَدْرِي كَمْ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ فَقُلْتُ لَا قَالَ فَكَوْكَبٌ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ الَّذِي تَرَاهُ تَعْرِفُ جِنْسَيَّتَهُ طُلُوعَهُ وَأُفُولَهُ مِمَّا خَلَقَ قُلْتُ لَا قَالَ فَشَيْءٌ تَرَاهُ بِعَيْنِكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَسْتَ تَعْرِفُهُ تَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ خَالِقِهِ ثُمَّ سَأَلَنِي عَن مسئلة فِي الْوُضُوءِ فَأَخْطَأْتُ فِيهَا فَفَرَّعَهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَلَمْ أُصِبْ فِي شَيْءٍ مِنْهِ ثُمَّ قَالَ لِي شَيْءٌ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا خَمْسَةً تَدَعُ تَعَلُّمَهُ
[ ٣٤٢ ]
وَتَتَكَلَّفُ عِلْمَ الْخَالِقِ إِذَا هَجَسَ فِي ضميرك فَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى قَوْله عزوجل ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة فاستدل بالمخلوق على الْخَالِق وَلَا تتكلف علم مَالا يَبْلُغُهُ عَقْلُكَ فَقُلْتُ فَقَدْ تُبْتُ إِنْ عُدْتُ فِي ذَلِكَ وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهَا وَلأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ مَضَارِّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلامِ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ثاران فِي بَحر القلزم يُقَال فِيهَا غرق فِرْعَوْن وَقَومه فَشبه الشَّافِعِي الْمُزنِيّ فِيمَا أورد عَلَيْهِ بعض أهل الْإِلْحَاد وَلم يكن عِنْده جَوَاب بِمن ركب الْبَحْر فِي الْموضع الَّذِي أغرق فِيهِ فِرْعَوْن وَقَومه وأشرف على الْهَلَاك ثمَّ علمه جَوَاب مَا أورد عَلَيْهِ حَتَّى زَالَت عَنهُ تِلْكَ الشُّبْهَة وَفِي ذَلِك دلَالَة على حسن مَعْرفَته بذلك وَأَنه يجب الْكَشْف عَن تمويهات أهل الْإِلْحَاد عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ وَأَرَادَ بالْكلَام مَا وَقع فِيهِ أهل الْإِلْحَاد من الْإِلْحَاد وَأهل الْبدع من الْبدع واللَّه أعلم
فَأَما اسْتِحْبَابه ترك الْحَوْض فِيهِ والإعراض عَن المنَاظرة فِيهِ مَعَ مَعْرفَته بِهِ فأخبرنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْفضل الْحسن ابْن يَعْقُوب الْعدْل سَمِعت أَبَا أَحْمد مُحَمَّد بن روح يَقُول كنَّا على بَاب الشَّافِعِي نتنَاظر فِي الْكَلَام فَخرج إلينَا الشَّافِعِي فَسمع بعض مَا كنَّا فِيهِ فَرجع عنَّا فَمَا خرج إلينَا إِلَّا بعد سَبْعَة أَيَّام ثمَّ خرج فَقَالَ مَا مَنَعَنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم عِلّة عرضت وَلَكِن لما سمعتكم تتنَاظرون فِيهِ أتظنون أَنِّي لَا أحْسنه لقد دخلت فِيهِ حَتَّى بلغت مِنْهُ مبلغا وَمَا تعاطيت شَيْئا إِلَّا وَبَلغت فِيهِ مبلغا حَتَّى الرَّمْي كنت أرمي
[ ٣٤٣ ]
بَين الغرضين فأصيب من عشرَة تِسْعَة وَلَكِن الْكَلَام لَا غَايَة لَهُ تنَاظروا فِي شَيْء إِن أخطأتم فِيهِ يُقَال لكم أخطأتم لَا تنَاظروا فِي شَيْء إِن أخطأتم فِيهِ يُقَال لكم كَفرْتُمْ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَفِي حِكَايَة الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي دلَالَة على أَنه كَانَ قد تعلم الْكَلَام وَبَالغ فِيهِ ثمَّ اسْتحبَّ ترك المنَاظرة فِيهِ عِنْد الاستغنَاء عَنْهَا وَإِنَّمَا ذمّ مَذْهَب الْقَدَرِيَّة أَلا ترَاهُ قَالَ
بِشَيْء من هَذِهِ الْأَهْوَاء وَاسْتحبَّ ترك الْجِدَال فِيهِ وَكَأَنَّهُ تبع مَا روينَاه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلا تُفَاتِحُوهُمْ الحَدِيث أَو غير ذَلِك من الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي معنَاه وعَلى مثل ذَلِك جرى أئمتنَا فِي قديم الدَّهْر عِنْد الاستغنَاء عَن الْكَلَام فِيهِ فَإِذا احتاجواإليه أجابوا بِمَا فِي كتاب اللَّه عزوجل ثمَّ فِي سنة رَسُول اللَّه ﷺ مَنْ الدّلَالَة على إِثْبَات الْقدر لِلَّه عزوجل وَأَنه لَا يجْرِي فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض شَيْء إِلَّا بِحكم اللَّه وَتَقْدِيره وإرادته وَكَذَلِكَ فِي سَائِر مسَائِل الْكَلَام اكتفوا بِمَا فيهمَا من الدّلَالَة على صِحَة قَوْلهم حَتَّى حدثت طَائِفَة سموا مَا فِي كتاب اللَّه من الْحجَّة عَلَيْهِم متشابها وقَالُوا نَتْرُك القَوْل بالأخبار أصلا وَزَعَمُوا أَن الْأَخْبَار الَّتِي حملت عَلَيْهِم لَا تصح فِي عُقُولهمْ فَقَامَ جمَاعَة من أئمتنَا ﵏ بِهَذَا الْعلم وبينوا لمن وفْق للصَّوَاب ورزق الْفَهم أَن جَمِيع مَا ورد فِي تِلْكَ الْأَخْبَار صَحِيح فِي الْعُقُول وَمَا ادعوهُ فِي الْكتاب من التشابه بَاطِل فِي الْعُقُول وَحين أظهرُوا بدعهم وَذكروا مَا اغْترَّ بِهِ أهل الضعْف من شبههم أجابوهم فكشفوا عَنْهَا
[ ٣٤٤ ]
بِمَا هُوَ حجَّة عِنْدهم كَمَا فعل الشَّافِعِي فِيمَا حكينَا عَنهُ لوُجُوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَمَا فِي ترك إِنْكَار الْمُنكر وَالسُّكُوت عَلَيْهِ من الْفساد والتعدي وَكَانُوا فِي الْقَدِيم إِنَّمَا يعْرفُونَ بالْكلَام أهل الْأَهْوَاء فَأَما أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فمعولهم فِيمَا يَعْتَقِدُونَ الْكتاب وَالسّنة فَكَانُوا لَا يسمون بتسميتهم وَإِنَّمَا يَعْنِي واللَّه أعلم بقوله يَعْنِي من ارتدى بالْكلَام لم يفلح كَلَام أهل الْهَوَاء الَّذين تركُوا الْكتاب وَالسّنة وَجعلُوا معولهم عُقُولهمْ وَأخذُوا فِي تَسْوِيَة الْكتاب عَلَيْهَا وَحين حملت عَلَيْهِم السّنة بِزِيَادَة بَيَان لنقض أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عَنْهَا فَأَما أهل السّنة فمذهبهم فِي الْأُصُول مَبْنِيّ على الْكتاب وَالسّنة وَإِنَّمَا أَخذ من أَخذ مِنْهُم فِي الْعقل إبطالا لمَذْهَب من زعم أَنه غير مُسْتَقِيم على الْعقل وبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ الْبَيْهَقِيّ ولاستحباب الشَّافِعِي وَمن كَانَ فِي عصره من أئمتنَا ترك الْخَوْض فِي الْكَلَام وَترك الاشتهار بِهِ عِنْد الاستغنَاء عَنهُ معني آخر وَهُوَ أَن الشَّافِعِي حِين قدم الْعرَاق فِي خلَافَة الرشيد كَانَ قد دخل على الْمَأْمُون باستدعائه دُخُوله عَلَيْهِ وَرَأى تقريبه بشرا المريسي وَأَمْثَاله من أهل الْبدع وَحين عَاد إِلَى الْعرَاق فِي
[ ٣٤٥ ]
خلَافَة الْمَأْمُون شَاهد غَلَبَة أهل الْأَهْوَاء على مَجْلِسه وأحس بِبَعْض مَا رأى أهل السّنة من غَلَبَة أهل الْأَهْوَاء فِي عصره ثمَّ بِمَا أَصَابَهُم من المحنة فِي أَيَّام المعتصم والواثق فحين شَاهد الشَّافِعِي أَمْثَال ذَلِك وأحس بِبَعْض مَا كَانَ وَرَاء ذَلِك مَعَ كراهيته وكراهية أَمْثَاله من أهل الْوَرع
[ ٣٤٦ ]
الدُّخُول على السلاطين والاختلاط بهم اسْتحبَّ لأَصْحَابه ترك الْخَوْض فِيهِ لِئَلَّا يدعوا إِلَى مجالستهم للمنَاظرة فِيهِ وَلِئَلَّا يكون ذَلِك سَببا لمحنتهم وَلِهَذَا قَالَ لأبي يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ ﵀ يَعْنِي مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيه أَبُو الْحَسَنِ عَليّ بن الْمُسلم قَالَ أَنا أَبُو نصر الْحُسَيْن بن مُحَمَّدِ الْخَطِيب قَالَ أَنا
[ ٣٤٧ ]
مُحَمَّد بن أَحْمد السّلمِيّ قَالَ انا مُحَمَّدُ بْنُ بشر العكري قَالَ سَمِعت الرّبيع يَقُول كنت عِنْد الشَّافِعِي أنَا والمزني وأَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ فَنظر إلينَا فَقَالَ لي أَنْت تَمُوت فِي الحَدِيث وَقَالَ للمزني هَذَا لَو نَاظره الشَّيْطَان قطعه أَو جدله وَقَالَ للبويطي أَنْت تَمُوت فِي الْحَدِيد
قَالَ الرّبيع فَدخلت على الْبُوَيْطِيّ أَيَّام المحنة فرأيته مُقَيّدا إِلَى أَنْصَاف سَاقيه مغلولة يَعْنِي يَده إِلَى عُنُقه
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَكَانَ كَمَا تفرس وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدا على أهل الْبدع ذابا بالْكلَام على أهل السّنة فدعي فِي أَيَّام الواثق إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَامْتنعَ مِنْهُ فَحمل مُقَيّدا من مصر إِلَى الْعرَاق حَتَّى مَاتَ فِي أقياده مَحْبُوسًا ثَابتا على دينه صَابِرًا على مَا أَصَابَهُ من الْأَذَى رَحْمَة اللَّه
[ ٣٤٨ ]
ورضوانه عَلَيْهِ ومشهور عِنْد أهل الْعلم مَا أصَاب أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ فِي أَيَّام المعتصم من الْحَبْس وَالضَّرْب وَمَا أصَاب أَحْمد بن نصر الْخُزَاعِيّ فِي أَيَّام الواثق من الْقَتْل والصلب وَمَا أصَاب غَيرهمَا من المحنة الْعَظِيمَة حَتَّى أجَاب بَعضهم إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ خوفًا على نَفسه أعاذنَا اللَّه من أَمْثَالهَا وَالَّذِي يبين هَذَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْتُ
[ ٣٤٩ ]
عَبْد اللَّهِ بن مُحَمَّد الخواري يَقُول سَمِعت أَبَا نعيم يَعْنِي عبد الْملك بن مُحَمَّد الاستراباذي يَقُول سَمِعت ابا الْقسم الْأنمَاطِي يَعْنِي عُثْمَان ين سعيد بن بشار أستاذ ابْن سُرَيج يَقُول جالست الْمُزنِيّ عشر سِنِين فَلَمَّا كَانَ بآخرة اجتمعنَا فِي جنَازة بعض أَصْحَابه فقلنَا يتحدثون بِمذهب الْمُزنِيّ وينسبونه إِلَى إِنَّه يتَكَلَّم فِي الْقُرْآن وَيَقُول بالمخلوق فَلَو سألنَاه قَالَ فتقدمنَا إِلَيْهِ فقلنَا يَا أَبَا إِبْرَاهِيم أَنَّا لنسمع مِنْك هَذَا الْعلم ونحب أَن يُؤْخَذ عنَّا مَا نسْمع مِنْك وَالنَّاس يذكرونك أَنَّك سَاكِت عَن القَوْل بِمَا يَقُول أهل الحَدِيث فِي الْقُرْآن وَنحن نعلم أَنَّك تَقول بِالسنةِ وعَلى مَذْهَب أهل الحَدِيث فَلَو أظهرت لنَا مَا تعتقده فأجابنَا فَقَالَ أنَا لم أعتقد قطّ إِلَّا إِن الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق وَلَكِنِّي كرهت الْخَوْض فِي هَذَا مَخَافَة أَن يكثر عليَّ وأطالب بِالنّظرِ فِي هَذَا وأشتغل عَن الْفِقْه فَلَمَّا كَانَ من الْغَد
[ ٣٥٠ ]
بعث إِلَيْهِ رَئِيس رُؤَسَاء الْجَهْمِية يُقَال لَهُ ابْن الْأَصْبَغ رَسُولا فَقَالَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيم بَعَثَنِي إِلَيْك فلَان وَهُوَ يَقُول لم تزل تمسك عَن الْخَوْض فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام فِيهِ فَمَا الَّذِي بدا لَك الْآن وَقد بَلغنِي أَنَّك أجبْت بِكَذَا وَكَذَا فَمَا حجتك فِيمَا أجبْت أَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق فَنظر إلينَا وَقَالَ ألم أقل لكم أَنِّي كنت أمتنع من أجل أَنِّي أطالب بِمثل هَذَا قَالَ أَبُو الْقسم فَقلت أنَا أتولى عَنْك جَوَابه قَالَ شَأْنك فمضيت إِلَيْهِ فَقلت لَهُ إِن رَسُولك جَاءَ إِلَى أَبِي إِبْرَاهِيم بِكَذَا وَكَذَا فَجئْت لأتولى عَنهُ الْجَواب وأنَا أحد من تحمل عَنهُ الْعلم فَقَالَ مَا حجتك فَقلت لَهُ أَقُول الْقُرْآن غير مَخْلُوق وأدل عَلَيْهِ بِكِتَاب اللَّه وَسنة رَسُول اللَّه ﷺ وَإِجْمَاع أمته وَمن حجج الْعُقُول الَّتِي ركبهَا اللَّه فِي عباده قَالَ فأوردت عَلَيْهِ ذَلِك فَبَقيَ متحيرا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فالمزني ﵀ كَانَ رجلا ورعا زاهدا يتَجَنَّب السلاطين فَامْتنعَ من الْكَلَام مَخَافَة أَن يبتلى بِالدُّخُولِ عَلَيْهِم مَعَ مَا شَاهد من محنة الْبُوَيْطِيّ وَأَمْثَاله من أهل السّنة فِي أَيَّام المعتصم والواثق وَفِي كل ذَلِك دلَالَة على أَن اسْتِحْبَاب من اسْتحبَّ من أئمتنَا ترك الْخَوْض فِي الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ للمعني الَّذِي أشرنَا إِلَيْهِ وَأَن الْكَلَام المذموم إِنَّمَا هُوَ كَلَام أهل الْبدع الَّذِي يُخَالف الْكتاب وَالسّنة فَأَما الْكَلَام الَّذِي يُوَافق الْكتاب وَالسّنة وَيبين بِالْعقلِ وَالْعبْرَة فَإِنَّهُ مَحْمُود مَرْغُوب فِيهِ عِنْد الْحَاجة تكلم فِيهِ الشَّافِعِي وَغَيره من أئمتنَا ﵃ عِنْد الْحَاجة كَمَا سبق ذكرنَا لَهُ وَقد كَانَ عَبْد اللَّهِ بن يزِيد بن هُرْمُز الْمدنِي شيخ مَالك بن أنس أستاذ الشَّافِعِي ﵏ بَصيرًا بالْكلَام وَالرَّدّ على
[ ٣٥١ ]
أهل الْأَهْوَاء كَمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمرقَنْدِي قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ هِبَة اللَّهِ الطَّبَرِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن بن الْفضل الْقطَّان قَالَ انا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَر النَّحْوِيّ قَالَ ثَنَا أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَارِسِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُكَيْرٍ قَالَ انا ابْن وهب قَالَ قَالَ مَالك كَانَ ابْن هُرْمُز رجلا كنت أحب أَن أقتدي بِهِ وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام قَلِيل الْفتيا شَدِيد التحفظ وَكَانَ كثيرا مَا يُفْتِي الرجل ثمَّ يبْعَث فِي أَثَره فَيردهُ إِلَيْهِ حَتَّى يُخبرهُ بِغَيْر مَا أفتاه قَالَ وَكَانَ بَصيرًا بالْكلَام وَكَانَ يرد على أهل الْأَهْوَاء قَالَ وَكَانَ من أعلم النَّاس بِمَا اخْتلف النَّاس فِيهِ من هَذَا الاهوا
قَالَ وَحدثنَا يَعْقُوب قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمد بن أَبِي الْحوَاري قَالَ سَمِعت مَرْوَان يَعْنِي ابْن مُحَمَّد عَن مَالك قَالَ جَلَست إِلَى ابْن هُرْمُز ثَلَاث عشرَة سنة قَالَ وَكنت فِي الشتَاء قد اتَّخذت سَرَاوِيل محشوا كنَا نجلس مَعَه فِي الصحن فِي الشتَاء قَالَ فاستحلفني أَن لَا أذكر اسْمه فِي الحَدِيث وَقد اشْتهر غير وَاحِد من عُلَمَاء الْإِسْلَام وَمن أهل السّنة قَدِيما بِعلم الْكَلَام
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن إجَازَة قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ابْن عَليّ الْحَافِظ قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْحَفِيد من أصل كِتَابه يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن بن الْفَضْلِ البَجلِيّ ﵀ يَقُول دخلت على زُهَيْر بن حَرْب بعد مَا قدم من عِنْد الْمَأْمُون وَقد امتحنه فَأجَاب إِلَى مَا سَأَلَهُ فَكَانَ أول مَا قَالَ لي يَا أَبَا عَليّ تكْتب عَن الْمُرْتَدين فَقلت معَاذ اللَّه مَا أَنْت بمرتد وَقد قَالَ اللَّه
[ ٣٥٢ ]
﵎ ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ فَوضع اللَّه عَن الْمُكْره مَا يسمعهُ فِي الْقُرْآن ثمَّ سَأَلته عَن أَشْيَاء يطول ذكرهَا فَقَالَ أَشدّهَا علينَا أَن قَالَ لنَا مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى ﷺ قُلْنَا من عِيسَى ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ ابْن مَرْيَم قلنَا رَسُول اللَّه قَالَ وكلمته قلنَا نعم قَالَ فَمَا تَقولُونَ فِيمَن قَالَ لَيْسَ عِيسَى كلمة اللَّه قُلْنَا كَافِر ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَقَالَ لنا أَلَيْسَ عِيسَى كلمة اللَّه قلنَا بلَى قَالَ فمخلوق أم غير مَخْلُوق قلنَا مَخْلُوق قَالَ فَمن زعم أَنه غير مَخْلُوق قلنَا كَافِر ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَا تَقولُونَ فِي الْقُرْآن قُلْنَا كَلَام الله عزوجل قَالَ مَخْلُوق أم غير مَخْلُوق قلنَا غير مَخْلُوق قَالَ فَمن زعم أَن عِيسَى غير مَخْلُوق وَهُوَ كلمة اللَّه قلنَا كَافِر قَالَ يَا سُبْحَانَ الله عِيسَى كلمة الله ومنفى الْخلق عَنهُ كَافِر وَالْقُرْآن كلمة اللَّه وَمن يثبت الْخلق عَلَيْهِ كَافِر قَالَ الْحُسَيْن فأعلمته مَا يجب من القَوْل وَقلت لَهُ قد كَانَ الْمَكِّيّ يخْتَلف إِلَيْكُم وَيَقُول لكم إِنِّي أعلم من هَذَا الْبَاب مَا لاتعلمون فتعلموا ذَلِك مني فتحملكم الرياسة على ترك ذَلِك وَيَقُول لكم يكون لكم مَا تعلمتوه مني عدَّة تعتدونها لأعدائكم فَإِن هجموا يَوْمًا لم تحتاجوا إِلَى طلب الْعدة فَإِن احْتَجُّوا بعد ذَلِك عَلَيْكُم وَلم يحضركم الْأَعْدَاء لم يضركم الإعداد للعدة فتأبون ذَلِك وَالْحجّة فِي هَذَا الْبَاب كَيْت وَكَيْت فَقَالَ واللَّه لَوَدِدْت أَنِّي كنت أعلم هَذَا كَمَا نعلمهُ يَوْم دخلت على الْمَأْمُون وَأَن ثلث روايتي سَاقِطَة عني ثمَّ نظر إِلَى يَحْيَى بن معِين وَهُوَ مَعَه فَقَالَ لَهُ وأنَا أَقُول كَمَا تَقول فَقَالَ لي زُهَيْر فعلّم ابْني فَإِنَّهُ حدث فخلوت بِهِ فِي الْمَسْجِد فعلمته
[ ٣٥٣ ]
ذَلِك ثمَّ انصرفت قَالَ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِم الْحُسَيْن بن الْفَضْلِ البَجلِيّ صَاحب عبد الْعَزِيزِ الْمَكِّيّ الْمُقدم فِي معرفَة الْكَلَام
أَخْبرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر الْوَاعِظ فِي كِتَابه عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ من اعْتقد أَن السّلف الصَّالح ﵃ نهوا عَن معرفَة الْأُصُول وتجنبوها أَو تغافلوا عَنْهَا وأهملوها فقد اعْتقد فيهم عَجزا وأساء بهم ظنا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْعقل وَالدّين عِنْد كل من أنصف من نَفسه أَن الْوَاحِد مِنْهُم يتَكَلَّم فِي مسئلة الْعَوْل وقضايا الجَدّ وكمية الْحُدُود وَكَيْفِيَّة الْقصاص بفصول ويباهل عَلَيْهَا ويلاعن ويجاثي فِيهَا ويبالغ وَيذكر فِي إِزَالَة النَّجَاسَات عشْرين دَلِيلا لنَفسِهِ وللمخالف ويشقق الشّعْر فِي النّظر فِيهَا ثمَّ لَا يعرف ربه الْآمِر خلقه بالتحليل وَالتَّحْرِيم والمكلف عباده للترك والتعظيم فهيهات أَن يكون ذَلِك وَإِنَّمَا أهملوا تَحْرِير أدلته وَإِقْرَار أسئلته وأجوبته فَإِن اللَّه ﷾ بعث نبينَا مُحَمَّدا صلوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه فأيده بِالْآيَاتِ الباهرة والمعجزات الْقَاهِرَة حَتَّى أوضح الشَّرِيعَة وَبَينهَا وعلمهم مواقيتها وعينها فَلم يتْرك لَهُم أصلا من الْأُصُول إِلَّا بنَاه وشيده وَلَا حكما من الْأَحْكَام إِلَّا أوضحه ومهده لقَوْله ﷾ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولعلهم يتفكرون﴾ فاطمأنت قُلُوب الصَّحَابَة لما عاينوا من عجائب الرَّسُول وشاهدوا من صدق التَّنْزِيل ببدائة الْعُقُول والشريعة غضة طرية متداولة بَينهم فِي مواسمهم ومجالسهم يعْرفُونَ التَّوْحِيد مُشَاهدَة بِالْوَحْي وَالسَّمَاع ويتكلمون فِي أَدِلَّة الوحدانية بالطباع مستغنين
[ ٣٥٤ ]
عَن تَحْرِير أدلتها وتقويم حجتها وعللها كَمَا أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ تَفْسِير الْقُرْآن ومعاني الشّعْر وَالْبَيَان وترتيب النَّحْو وَالْعرُوض وفتاوى النَّوَافِل والفروض من غير تَحْرِير الْعلَّة وَلَا تَقْوِيم الْأَدِلَّة ثمَّ لما انقرضت أيامهم وتغيرت طباع من بعدهمْ وَكَلَامهم وخالطهم من غير جنسهم وَطَالَ بالسلف الصَّالح وَالْعرب العرباء عَهدهم أشكل عَلَيْهِم تَفْسِير الْقُرْآن ومرن عَلَيْهِم غلط اللِّسَان وَكثر المخالفون فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع واضطروا إِلَى جمع الْعرُوض والنحو وتمييز الْمَرَاسِيل من المسانيد والآحاد عَن التَّوَاتُر وصنفوا التَّفْسِير وَالتَّعْلِيق وبينوا التدقيق وَالتَّحْقِيق وَلم يقل قَائِل إِن هَذِهِ كلهَا بدع ظَهرت أَو أَنَّهَا محالات جمعت ودونت بل هُوَ الشَّرْع الصَّحِيح والرأي الصَّرِيح وَكَذَلِكَ هَذِهِ الطَّائِفَة كثر اللَّه عَددهمْ وَقَوي عَددهمْ بل هَذِهِ الْعُلُوم أولى بجمعها لحُرْمَة معلومها فَإِن مَرَاتِب الْعُلُوم تترتب على حسب معلوماتها والصنَائع تكرم على قدر مصنوعاتها فَهِيَ من فَرَائض الْأَعْيَان وَغَيرهَا إِمَّا من فَرَائض الكفايات أَو كالمندوب وَالْمُسْتَحب فَإِن من جهل صفة من صِفَات معلومه لم يعرف الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ وَمن لم يعرف الْبَارِي سُبْحَانَهُ على مَا هُوَ بِهِ لم يسْتَحق اسْم الْإِيمَان وَلَا الْخُرُوج يَوْم الْقِيَامَة من النيرَان
أَخْبَرَنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم عَبْد الرَّحْمَنِ بن الْحَسَنِ بن أَحْمَدَ الْجِرْجَانِيّ الصُّوفِي الْمَعْرُوف بالشعر بِنَيْسَابُورَ قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمَدَ الْمَدِينِيّ يَقُول سَمِعت الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بن يُوسُفَ الْجُوَيْنِيّ يَقُول رَأَيْت إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي المنَام فَأَهْوَيْت لِأَن أقبل رجلَيْهِ فَمَنَعَنِي من
[ ٣٥٥ ]
ذَلِك تكرما لي فاستدبرت فَقبلت عَقِبَيْهِ فأولت الرّفْعَة وَالْبركَة تبقي فِي عَقبي ثمَّ قلت يَا خَلِيل اللَّه مَا تَقول فِي علم الْكَلَام فَقَالَ يدْفع بِهِ الشّبَه والأباطيل
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإِمَام أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عبد الْكَرِيم ابْن هوَازن إجَازَة قَالَ سُئِلَ أَبِي لأستاذ ابو الْقسم الْقشيرِي ﵀ فَقيل لَهُ أَرْبَاب التَّوْحِيد هَل يتفاوتون فِيهِ فَقَالَ إِن فرقت بَين مصل ومصل وَعلمت أَن هَذَا يُصَلِّي قلبه مشحون بالغفلات وَذَاكَ يُصَلِّي وَقَلبه حَاضر فَفرق بَين عَالم وعالم هَذَا لَو طرأت عَلَيْهِ مشكلة لم يُمكنهُ الْخُرُوج مِنْهَا وَهَذَا يُقَاوم كل عَدو لِلْإِسْلَامِ وَيحل كل معضلة تعز فِي مقَام الْخِصَام وَهَذَا هُوَ الْجِهَاد الْأَكْبَر فَإِن الْجِهَاد فِي الظَّاهِر مَعَ أَقوام مُعينين وَهَذَا جِهَاد مَعَ جَمِيع أَعدَاء الدّين وَهُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعلم وللخراج فِي الْبَلَد قانون مَعْرُوف إِذَا أشكل خراج بقْعَة رَجَعَ النَّاس إِلَى ذَلِك القانون وقانون الْعلم بِاللَّهِ قُلُوب العارفين بِهِ فَرُواة الْأَخْبَار خزان الشَّرْع والقراء من الْخَواص وَالْفُقَهَاء حفظَة الشَّرْع وعلماء الْأُصُول هم الَّذين يعْرفُونَ مَا يجب ويستحيل وَيجوز فِي حق الصَّانِع وهم الأقلون الْيَوْم رمى الدَّهْر بالفتيان حَتَّى كَأَنَّهُمْ
بأكنَاف أَطْرَاف السَّمَاء نُجُوم
وَقد كنَّا نعدهم قَلِيلا
فقد صَارُوا أقل من الْقَلِيل
قَلَّت عنَاية النَّاس بِعلم الْأُصُول إِذْ لَيْسَ فِيهِ وقف ورفق يَأْكُلُونَهُ فميلهم إِلَى مَا يقربهُمْ من الدُّنْيَا ويوليهم الْأَوْقَاف وَالْقَضَاء وَالطَّرِيق أَيْضا
[ ٣٥٦ ]
مُشكل فَهُوَ علم عَزِيز وَالطَّرِيق إِلَى الأعزة عَزِيز وَقد يرى بعض الْجَوَاهِر أثبت لَهُ درة من الْعِزّ فَلَا تُوجد إِلَّا عِنْد الْخَواص فَهُوَ وَإِن كَانَ حجرا غير مبتذل فَمَا الظَّن بجوهر الْمعرفَة
أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعلوِي وأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْغَسَّانِيُّ قَالَا ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بن ثَابت الْخَطِيب قَالَ أَنا أَبُو طَالب عمر بن إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيه الزُّهْرِيّ قَالَ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الشَّافِعِي الهمذاني قَالَ أَنْشدني أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بن مُجَاهِد الْمُتَكَلّم لبَعْضهِم أَيهَا الْمُقْتَدِي ليطلب علما
كل علم عبد لعلم الْكَلَام
تطلب الْفِقْه كي تصحح حكما
ثمَّ أغفلت منزل الْأَحْكَام
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الفراوي قَالَ قَالَ لنَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي أَن الْأَشْعَرِيّ لَا يشرط فِي صِحَة الْإِيمَان مَا قَالُوهُ يَعْنِي من شنع عَلَيْهِ أَن أغمار الْعَوام عِنْده غير مُؤمنين لأَنهم خليون عَن علم الْكَلَام بل هُوَ وَجَمِيع أهل التَّحْصِيل من أهل الْقبْلَة يَقُولُونَ يجب على الْمُكَلف أَن يعرف الصَّانِع المعبود بدلائله الَّتِي نصبها على توحيده واستحقاقه نعوت الربوبية وَلَيْسَ الْمَقْصُود اسْتِعْمَال أَلْفَاظ الْمُتَكَلِّمين من لفظ الْجَوْهَر وَالْعرض وَإِنَّمَا الْمَقْصُود حُصُول النّظر وَالِاسْتِدْلَال الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة اللَّه وَإِنَّمَا اسْتعْمل المتكلمون هَذِهِ الْأَلْفَاظ على سَبِيل التَّقْرِيب والتسهيل على المتعلمين وَالسَّلَف الصَّالح وَإِن لم يستعملوا هَذِهِ الْأَلْفَاظ فَلم يكن فِي معارفهم خلل والخَلَف الَّذين
[ ٣٥٧ ]
استعملوا هَذِهِ الْأَلْفَاظ لم يكن ذَلِك مِنْهُم لطريق الْحق مباينة وَلَا فِي الدّين بِدعَة كَمَا أَن الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء عَن زمَان الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يستعملوا أَلْفَاظ الْفُقَهَاء من لفظ الْعلَّة والمعلول وَالْقِيَاس وَغَيره ثمَّ لم يكن استعمالهم بذلك بِدعَة وَلَا خلو السّلف عَن ذَلِك كَانَ لَهُم نقصا وَكَذَلِكَ شَأْن النَّحْوِيين والتصريفيين ونقلة الْأَخْبَار فِي أَلْفَاظ تخْتَص بهَا كل فرقة مِنْهُم فَإِن قَالُوا إِن الِاشْتِغَال بِعلم الْكَلَام بِدعَة وَمُخَالفَة لطريقة السّلف قيل لَا يخْتَص بِهَذَا السُّؤَال الْأَشْعَرِيّ دون غَيره من متكلمي أهل الْقبْلَة ثمَّ الاسترواح إِلَى مثل هَذَا الْكَلَام صفة الحشوية الَّذين لَا تَحْصِيل لَهُم وَكَيف يظنّ بسلف الْأمة أَنهم لم يسلكوا سَبِيل النّظر وَأَنَّهُمْ اتصفوا بالتقليد حاش لِلَّه أَن يكون ذَلِك وَصفهم وَلَقَد كَانَ السّلف من الصَّحَابَة مستقلين بِمَا عرفُوا من الْحق وسمعوا من الرَّسُول صلوَات اللَّه عَلَيْهِ من أَوْصَاف المعبود وتأملوه من الْأَدِلَّة المنصوبة فِي الْقُرْآن وأخبار الرَّسُول ﵇ فِي مسَائِل التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ التابعون وَأَتْبَاع التَّابِعين لقرب عَهدهم من الرَّسُول ﵇ فَلَمَّا ظهر أهل الْأَهْوَاء وَكثر أهل الْبدع من الْخَوَارِج والجهمية والمعتزلة والقدرية وأوردوا الشّبَه انتدب أَئِمَّة أهل السّنة لمخالفتهم والإيصاء للْمُسلمين بمباينة طريقتهم فَلَمَّا أشفقوا على الْقُلُوب أَن يخامرها شبههم شرعوا فِي الرَّد عَلَيْهِم وكشف شبههم وأجابوهم عَن أسئلتهم وحاموا عَن دين اللَّه بإيضاح الْحجَج وَلما قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ تأدبوا بآدابه سُبْحَانَهُ وَلم يَقُولُوا فِي مسَائِل التَّوْحِيد إِلَّا بِمَا نبههم اللَّه
[ ٣٥٨ ]
سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فِي مُحكم التَّنْزِيل وَالْعجب مِمَّن يَقُول لَيْسَ فِي الْقُرْآن علم الْكَلَام والآيات الَّتِي هِيَ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة نجدها محصورة والآيات المنبهة على علم الْأُصُول نجدها تُوفِي على ذَلِك وتربي بِكَثِير
وَفِي الْجُمْلَة لَا يجْحَد علم الْكَلَام إِلَّا أحد رجلَيْنِ جَاهِل ركن إِلَى التَّقْلِيد وشق عَلَيْهِ سلوك طرق أهل التَّحْصِيل وخلا عَن طرق أهل النّظر والنَّاس أَعدَاء مَا جهلوا فَلَمَّا انْتهى عَن التحقق بِهَذَا الْعلم نهى النَّاس ليضل كَمَا ضل أَو رجل يعْتَقد مَذَاهِب فَاسِدَة فينطوي على بدع خُفْيَة يلبس على النَّاس عوار مذْهبه ويعمي عَلَيْهِم فضائح عقيدته وَيعلم أَن أهل التَّحْصِيل من أهل النّظر هم الَّذين يهتكون السّتْر عَن بدعهم ويظهرون للنَاس قبح مقَالاتهم والقلاب لَا يحب من يُمَيّز النُّقُود والخلل فِيمَا فِي يَده من النُّقُود الْفَاسِدَة كالصراف ذِي التَّمْيِيز والبصيرة وَقد قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾
فَهَذَا مَا حضرني من مدح الْكَلَام والمتكلمين وَذكر بعض من كَانَ نعلمهُ من عُلَمَاء الْمُسلمين
فَإِن قَالَ بعض الْجُهَّال من البتدعة لسنَا نَعْرِف غير الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَمن أَيْن أَتَى هَذَا الْمَذْهَب الْخَامِس الَّذِي اخترعتموه وَلم رَضِيتُمْ لأنفسكم بالانتساب إِلَى الْأَشْعَرِيّ الَّذِي اتبعتموه وهلا اقتنعتم بالانتساب إِلَى الإِمَام الألمعي أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي فَإِنَّهُ أولى بالانتساب إِلَيْهِ مِمَّن سواهُ وأحق بالانتماء إِلَى مذْهبه مِمَّن عداهُ قلنَا هَذَا قَول عري عَن الصدْق وقائله بعيد عَن الْحق فَمن ذَا الَّذِي حصر الْمذَاهب بِالْعدَدِ الَّذِي حصرتم وَمن يصحح لكم من قَوْلكُم ماذكرتم بل الْمذَاهب
[ ٣٥٩ ]
أَكْثَرهَا لَا ينْحَصر بِهَذَا الْعدَد الَّذِي عددتم وَلَو كَانَت منحصرة بِهِ لم يحصل لكم بذلك مَا قصدتم وكأنكم لم تسمعوا بِمذهب اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ وَعُثْمَان بن سُلَيْمَان البتي الْبَصْرِيّ واسحق بن رَاهَوَيْه الْخُرَاسَانِي وَدَاوُد ابْن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيرهم من عُلَمَاء الْإِسْلَام الَّذين اخْتلفُوا فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام لَا فِي أصُول الدّين المبنية على الْقطع وَالْيَقِين وَلَيْسَ انْقِرَاض أَرْبَاب هَذِهِ الْمذَاهب الَّتِي سمينَا يصحح لهَذَا الْجَاهِل هَذِهِ الْمقَالة الَّتِي عَنهُ حكينَا ولسنَا نسلم أَن أَبَا الْحسن اخترع مذهبا خَامِسًا
[ ٣٦٠ ]
وَإِنَّمَا أَقَامَ من مَذَاهِب أهل السّنة مَا صَار عِنْد المبتدعة دارسا وأوضح من أَقْوَال من تقدمه من الْأَرْبَعَة وَغَيرهم مَا غَدَا ملتبسا وجدد من
[ ٣٦١ ]
معالم الشَّرِيعَة مَا أصبح بتكذيب من اعْتدى منطمسا ولسنَا ننتسب بمذهبنَا فِي التَّوْحِيد إِلَيْهِ على معنى أنَا نقلده فِيهِ ونعتمد عَلَيْهِ ولكنَا نوافقه على مَا صَار إِلَيْهِ من التَّوْحِيد لقِيَام الْأَدِلَّة على صِحَّته لَا لمُجَرّد التَّقْلِيد وَإِنَّمَا ينتسب مِنَّا من انتسب إِلَى مذْهبه ليتميز عَن المبتدعة الَّذين لَا يَقُولُونَ بِهِ من أصنَاف الْمُعْتَزلَة والجهمية المعطلة والمجسمة والكرامية والمشبهة السالمية وَغَيرهم من سَائِر طوائف المبتدعة وَأَصْحَاب المقَالات الْفَاسِدَة المخترعة لِأَن الْأَشْعَرِيّ هُوَ الَّذِي انتدب للرَّدّ عَلَيْهِم حَتَّى قمعهم وَأظْهر لمن لم يعرف الْبدع بدعهم ولسنَا نرى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الَّذين عنيتم فِي أصُول الدّين مُخْتَلفين بل نراهم فِي القَوْل بتوحيد اللَّه وتنزيهه فِي ذَاته مؤتلفين وعَلى نفي التَّشْبِيه عَن الْقَدِيم ﷾ مُجْتَمعين والأشعري ﵀ فِي الْأُصُول على منهاجهم أَجْمَعِينَ فَمَا على من انتسب إِلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه جنَاح وَلَا يُرْجَى لمن تَبرأ من عقيدته الصَّحِيحَة فلاح فَإِن عددتهم القَوْل بالتنزيه وَترك التَّشْبِيه تمشعرا فالموحدون بأسرهم أشعرية وَلَا يضر عِصَابَة انتمت إِلَى موحد مُجَرّد التشنيع عَلَيْهَا بِمَا هِيَ مِنْهُ بَريَّة وَهَذَا كَقَوْل إمامنَا الشَّافِعِي المطلبي ابْن عَم الْمُصْطَفى النَّبِي ﷺ فِيمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّه بن عَبْدِ اللَّهِ بن أَحْمد الوَاسِطِيّ بِبَغْدَاد قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بن ثَابت الْخَطِيب قَالَ انا أَبُو سعد إِسْمَاعِيل ابْن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بنْدَار بن الْمُثَنَّى الإستراباذي بِبَيْت الْمُقَدّس قَالَ
[ ٣٦٢ ]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بن حيويه الدَّامغَانِي قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَث ثَنَا الرّبيع هُوَ ابْن سُلَيْمَان قَالَ أنشدنا الشَّافِعِي ﵀ ياراكبا قف بالمحصب من مني
واهتف بقاطن خيفها والنَّاهض
سحرًا إِذَا فاض الحجيج إِلَى مني
فيضا كملتطم الْفُرَات الفائض
إِن كَانَ رفضا حب آل مُحَمَّد
فليشهد الثَّقَلَان أَنِّي رَافِضِي
وأنشدت لبَعْضهِم فِي المعني الْمُتَقَدّم إِن اعْتِقَاد الْأَشْعَرِيّ مُسَدّد
لَا يمتري فِي الْحق إِلَّا ممتري
وَبِه يَقُول العَالِمُون بأسرهم
من بَين ذِي قلم وَصَاحب مِنْبَر
والمدعون عَلَيْهِ غير مقاله
مَا فيهم إِلَّا جهول مفتري
فذر التعامي واعتصم بمقاله
وَاعْلَم يقينَا أَنه القَوْل السّري
وَارْفض ملامة من نهاك بجهله
عَمَّا يرَاهُ لِأَنَّهُ لم يشْعر
وَإِذا لحاك العاذلون فَقل لَهُم
قَول امرىء فِي دينه مستبصر
إِن كَانَ من يَنْفِي النقائص كلهَا
عَن ربه ترمونه بتمشعر
وترونه ذَا بِدعَة فِي عقله
فليشهد الثَّقَلَان أَنِّي أشعري
قَرَأت بِخَط الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْقُرْطُبِيّ سَمِعت بعض الثِّقَات من أهل بلدنَا يَحْكِي عَن الْقَاضِي الإِمَام الْعَالم الرباني مُحَمَّد بن يَحْيَى بن الْفراء قَاضِي المرية بِبِلَاد الأندلس تغمده اللَّه برضوانه قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الزَّاهِد أَبَا عمر بن يمنا لش يَقُول وَقَالَ لَهُ بعض مَا حَضَره إِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك أشعري فَقَالَ يَا لَهَا من نعْمَة لَو صحت
[ ٣٦٣ ]
فَأَما مَا ذكره ذُو المعايب والمخازي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَهْوَازِي
فمما لَا يعرج عَلَيْهِ لَبِيب وَلَا يرعيه سَمعه مُصِيب لِأَنَّهُ رجل قد تبينت عداوته لأهل الْحق وشنآنه وَيَكْفِيك من كِتَابه تَرْجَمته وعنوانه وَلَو كَانَ من ذَوي الديانَات لم يتفرغ لذكر المثالب وَلَو أَنه من أولي المروآت لاستحيا من تتبع المعايب وَلَوْلَا أَنه وجدهَا كَثِيرَة فِي نَفسه لما اختلقها لمن لَيْسَ هُوَ من أبْنَاء جنسه
وَقد أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن الْحصين الشَّيْبَانِيّ بِبَغْدَادَ قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ المحسن بن عَليّ التنوخي قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ السّري من لَفظه قَالَ أَنا أَبُو بكر بن دُرَيْد قَالَ أَنا أَبُو حَاتِم يَعْنِي السجسْتانِي عَن الْعُتْبِي قَالَ سَمِعت أَعْرَابِيًا من تنوخ يَقُول لآخر وسَمعه يعيب قوما قد استدللت على كَثْرَة عيوبك بِكَثْرَة ذكرك النَّاس فَإِن الطَّالِب لَهَا يطْلبهَا بِقدر مَا فِيهِ مِنْهَا ثمَّ أنْشدهُ وأجرأ مَا رَأَيْت بِظهْر غيب
على ذكر الْعُيُوب ذَوُو الْعُيُوب
وروى غَيره على عيب الرِّجَال ذَوُو الْعُيُوب
فَأَما قَوْله قد رَأَيْت الْأَمر فِي الدّين منعكسا بضده والتفريط فِيهِ خَارِجا عَن حَده وَصَارَت الرؤوس أعجازا والإكثار من الْبَاطِل إيجازا وَكثر السُّفَهَاء وَقل الْعلمَاء
فَإِنَّهُ قد أصَاب فِي اللَّفْظ وَإِن كَانَ أَخطَأ فِي
[ ٣٦٤ ]
القصيد وَجَهل قدر نَفسه حِين غمض الْعلمَاء حَتَّى خرج فِي ذَلِك عَن الْحَد وَلَوْلَا أَن الْأَمر صَار منعكسا وَالْحق عِنْد الْجُهَّال عَاد مندرسا لما كَانَ أعجمي من أهل الأهواز لَا يفرق بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَلَا يعرف مَا معنى الإيجاز ينزل الرؤوس بِمَنْزِلَة الأعجاز وَيحمل الْجُهَّال السُّفَهَاء على أَن يذموا الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَلَوْلَا تفريطه فِي طلب الْعلم وَالْحكمَة لترك إفراطه فِي ذمّ الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة وَلما جهل من اشْتهر بِالْعلمِ بَين الْخلق وضلل من عرف بنصرة الْحق وَلَوْلَا كَثْرَة أعوانه السُّفَهَاء كَمَا زعم لكف عَن غلوائه فِي قَوْله وَإِن رغم وَلم يسمع قَول خوزي غبي فِي حق عَالم أحوزي عَرَبِيّ وَلَوْلَا قلَّة الْعلمَاء فِي عصره كَمَا ذكر لما أهمل كشف أمره حَتَّى انْتَشَر وَإِلَّا فَالْفرق بَينه وَبَين شيخنَا أَبِي الْحسن من الْحَال الْوَاضِح وَالْأَمر الْبَين وَفضل أَبِي الْحسن رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ عِنْد أولى النَّهْي كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على السَّهْمِي وَمَتى كَانَ حوز الأهواز يعيبون عرب الْبَصْرَة وَكَيف يتهم أَوْلَاد الْمَجُوس بالإلحاد والزندقة أبْنَاء ذَوي الْهِجْرَة وَلَا شكّ أَن الأهواز من جملَة الْبلدَانِ الَّتِي افتتحها أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ جد هَذَا الإِمَام وَكَذَلِكَ أَصْبَهَان وَغَيرهَا مِمَّا افْتتح على يَدَيْهِ ﵀ من الْفتُوح الْعِظَام وَاخْتلف فِي كَيْفيَّة اسْتِيلَاء أَبِي مُوسَى على الأهواز فتحا فَقيل افتتحها بِالسَّيْفِ عنْوَة وَقيل بل افتتحها صلحا وَالأَصَح قَول من قَالَ إِنَّهَا افتتحت على وَجه العنوة وَذَلِكَ السَّبَب عِنْدِي هُوَ الْمُوجب لهَذِهِ الحفوة والمورث للغلطة على وَلَده وَالْقَسْوَة والمؤثر فِي شدَّة النفور عَن معتقده والنبوة لِأَنَّهُ أَدخل على أسلاف الْأَهْوَازِي من الْمَجُوس بلية
[ ٣٦٥ ]
ومحنة أورثث قلبه لنسله عَدَاوَة وإحنة فَلهَذَا استفرغ جهده فِي الإزراء على أَبِي الْحسن والتشنيع ورماه بِكُل مَا أمكنه ذكره من الْأَمر الشنيع لِأَن البغض يتوارث والود يتوارث فَلذَلِك تجَاوز فِي عداوته الْحَد لِأَنَّهُ لما لم يتجاسر على أَن يطعن فِي أَبِي مُوسَى ويعيب أمره شفى بِمَا ذكره فِي وَلَده أَبِي الْحسن ﵀ صَدره
وَأما قَوْله واندرس الكاشفون للشبه فلولا قلتهم لم يعْتَقد مَا كَانَ عَلَيْهِ من الِاعْتِقَاد المشتبه
وَأما قَوْله وَعز الطالبون للسّنة إِلَّا من أدْركهُ اللَّه بالعصمة وَخَصه بالتوفيق وَقَلِيل مَا هم
فَكيف يَسْتَقِيم لَهُ هَذَا القَوْل وَهُوَ يزْعم أَن الجم الْغَفِير على مثل مذْهبه واليسير من عداهم
وَأما قَوْله أَن الله عزوجل لَا يخلي الأَرْض من قَائِل عليم وعالم حَكِيم يَقُول الْحق وَيدْفَع الْبَاطِل وَلَا يدع لذِي بِدعَة قولا يَعْلُو وَلَا أمرا يسمو
فقد صدق وَلَكِن لَيْسَ هُوَ مِمَّن وَصفه بهَذِهِ الصّفة إِذْ لم يتَحَقَّق كَونه من أهل الْعلم وَلَا من ذَوي الْمعرفَة وَلَكِن هم الْعلمَاء الَّذين بَالغ فِي ذمهم وَأغْرقَ لفرط جَهله وَسُوء عقده فِي شتمهم
وَأما قَوْله لَا مَعْرُوف أفضل من السّنة وَلَا مُنكر أَشد من الْبِدْعَة
فانظروا بِعَين التَّحْقِيق إِلَى مقَالَة هَذَا القَرَعَة لِتَعْلَمُوا أهوَ أَشد تسننَا وَأقوى فِي الْعلم تمكنَا أم من اشتهرت ردوده على جَمِيع المبتدعة من أصنَاف الْخَوَارِج وَطَوَائِف المتشيعة وانتشرت تصانيفه فِي الْإِبْطَال لمذاهب الْمُعْتَزلَة الْقَدَرِيَّة وَالْإِنْكَار على من يَقُول بأقوال المفوضة الجبرية والاصطلام لحجج المعطلة الْجَهْمِية والمحق لتعلقات المشبهة الجسمية من الكرامية والسالمية بالحجج السمعية
[ ٣٦٦ ]
والبراهين الْعَقْلِيَّة فَإِن اعْتقد أَن الرَّد على أَصْحَاب الْبدع بِدعَة فقد تحقق كل ذِي لب تسميتي إِيَّاه قرعَة وَإِن اعْتقد أَن الْبِدْعَة اعْتِقَاد التَّنْزِيه والتوحيد وَالسّنة القَوْل بالتشبيه والميل إِلَى التَّقْلِيد فبئس مَا اعْتقد وويل لَهُ مِمَّا تقلد وَإِن كَانَ يبدع الْأَشْعَرِيّ ﵀ فِي بعض الْمسَائِل إِلَّا قلَّة فليذكر مَا ابتدع فِيهِ حَتَّى نسْمع مَا عِنْده عَلَيْهِ من الْأَدِلَّة
وَأما قَوْله وَقد تفضل اللَّه وَأظْهر لكل طَائِفَة من المبتدعة مَا نفر عَنْهُم قُلُوب الْعَامَّة
فأنعموا النّظر فِي مقاله لِتَعْلَمُوا أَن كَلَامه كَلَام من لَا يخَاف هول يَوْم الطامة فياليت شعري مَاذَا الَّذِي تنفر مِنْهُ الْقُلُوب عَنْهُم أم مَاذَا ينقم أَرْبَاب الْبدع مِنْهُم أغزارة الْعلم أم رجاحة الْفَهم أم اعْتِقَاد التَّوْحِيد والتنزيه أم اجتنَاب القَوْل بالتجسيم والتشبيه أم القَوْل بِإِثْبَات الصِّفَات أم تقديس الرب عَن الْأَعْضَاء والأدوات أم تثبيت الْمَشِيئَة لِلَّه وَالْقدر أم وَصفه عزوجل بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر أم القَوْل بقدم الْعلم وَالْكَلَام أم تنزيههم الْقَدِيم عَن صِفَات الْأَجْسَام
وَأما قَوْله وبعدهم عَن التَّعْلِيم الثَّلَاث الَّذِي هُوَ أصل الشَّرِيعَة وقوام الْملَّة
فانظروا رحمكم اللَّه هَذِهِ الْعبارَة الرَّكِيكَة والألفاظ المختلة لِتَعْلَمُوا أَن هَذَا الْكَلَام لَا يصدر إِلَّا عَن جهل شَدِيد وَفهم عَن إِدْرَاك الصَّوَاب بعيد وفرط لكنة وعي وَتكذب مشوب بغي فَلَو كَانَ كَمَا قَالَ وبعدهم عَن تعلم ثَلَاث هن أصل الشَّرِيعَة أَو عَن الْعُلُوم الثَّلَاثَة اللواتي هن أصل الشَّرِيعَة لَكَانَ قد تخلص عَن هَذِهِ الْعبارَة الرَّديئَة والألفاظ الشنيعة
وَأما دَعْوَاهُ أَن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ كَانَ بهَذِهِ الصّفة وَأَنه لم يكن من أهل الْعلم والمعرفة وَكَذَلِكَ جَمِيع
[ ٣٦٧ ]
نظرائه من الْمُتَكَلِّمين
فَقَوْل مثله من الأوقاح الْكَذَّابين الَّذين لَا يستحيون مِمَّا فعلوا وَلَا يبالون مَا قَالُوا وَلَا مَا تَقولُوا وَلَيْسَ مِثَاله فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ الَّتِي وهت واعتلت إِلَّا كَمَا قيل فِي الْمثل رمتني بدائها وانسلت فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي هَذِهِ صفته وَمن تَأمل حَاله تبينت لَهُ مَعْرفَته وَمن وقف على خطه عرف قلَّة تَحْصِيله وَضَبطه فَقل تصنيف لَهُ صنفه فِي الحَدِيث وأتقنه إِلَّا وجد الْخَطَأ فِيهِ من تَأمله وتبينه فَلَا يَخْلُو كتاب لَهُ من خطأ وَوهم وتحريف فِي متن أَو تَصْحِيف فِي اسْم وَأما علم الْفِقْه فَكَانَ عريا مِنْهُ بَعيدا من كل وَجه عَنهُ خَالِيا عَن علم الْعَرَبيَّة جَاهِلا بالعلوم الأدبية
سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أباالحسن عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قبيس يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ أَنه سَمعه يعْتَرف بِأَنَّهُ لَا يعرف النَّحْو وكل مَا صنفه فِي الحَدِيث يسْتَحق عِنْد أهل الْمعرفَة بِهِ المحو وَإِنَّمَا كَانَ قد سمع قِطْعَة كَبِيرَة من الحَدِيث فَكَانَ يجمع مِنْهُ مَا يكون ظَاهره مقويا لعقده الْخَبيث وَكَانَ فِيمَا يجمعه فِيهِ بَعيدا من التَّوْفِيق قَلِيل التثقيف لما يُورِدهُ مِنْهُ وَالتَّحْقِيق غير أَنه كَانَ عَالما بالقراآت مكثرا فِيهَا للروايات على أَنه قد كذب فِي بعض مَا كَانَ يَدعِيهِ حَتَّى رَجَعَ عَن بعض مَا كَانَ يقريء بِهِ وَيَرْوِيه
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْأمين أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمد الْأَكْفَانِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الكتاني قَالَ اجْتمعت بهِبَة اللَّهِ بن الْحَسَنِ بن مَنْصُور الطَّبَرِيّ الْحَافِظ يَعْنِي اللالكائي بِبَغْدَادَ فَسَأَلَنِي عَمَّن بِدِمَشْقَ من أهل الْعلم فَذكرت لَهُ جمَاعَة مِنْهُم الْحسن بن عَليّ الْأَهْوَازِي الْمقري فَقَالَ لَو سلم من الرِّوَايَات فِي القراآت فَأَما الْمعرفَة
[ ٣٦٨ ]
بِعلم التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير فَمَا يرجع مِنْهَا إِلَى قَلِيل وَلَا كثير
فَأَما أَبُو الْحَسَنِ ﵀ فقد تقدم وصف الْعلمَاء لَهُ بِالْعلمِ وثنَاؤهم عَلَيْهِ وشهادتهم لَهُ بالمعرفة والفهم وَذكر عدد تصانيفه وتفصيل أَسمَاء تواليفه وَلَو لم يصنف كتابا غير التَّفْسِير لكفاه فأغض اللَّه الْأَهْوَازِي بريقه وفض فَاه فَإِنَّهُ كَانَ فِي اعْتِقَاده سالميا مشبها مجسما حشويا وَمن وقف على كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ كتاب الْبَيَان فِي شرح عُقُود أهل الْإِيمَان الَّذِي صنفه فِي أَحَادِيث الصِّفَات واطلع على مَا فِيهِ من الْآفَات وَرَأى مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة وَالرِّوَايَات المستنكرة المدفوعة وَالْأَخْبَار الْوَاهِيَة الضعيفة والمعاني المتنَافية السخيفة كَحَدِيث ركُوب الْجمل وعرق الْخَيل قضى عَلَيْهِ فِي إعتقاده بِالْوَيْلِ وَبَعض هَذَا الْكتاب
[ ٣٦٩ ]
مَوْجُود بِدِمَشْقَ بِخَط يَده فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ فليقف ليتَحَقَّق سوء معتقده وَمَا كَانَ منطويا عَلَيْهِ من سوء الِاعْتِقَاد هُوَ الَّذِي حمله على
[ ٣٧٠ ]
مَا ذكره فِي الْأَشْعَرِيّ للعنَاد فَمن تَأمل مَا ذكره بِعَين الانتقاد تبين لَهُ وَجه الْكَذِب فِيهِ وَالْفساد وإنَّا بِمَشِيئَة اللَّه وَحسن معونته أنقض مَا ذكره وأوضح كذبه فِيهِ لمن تَأمله بِعَين الْإِنْصَاف وتدبره
فَأَما قَوْله إِن انتماء أَبِي الْحسن إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَيْسَ بنَافعه فِي دينه لِأَن الْأَنْبِيَاء وَالصديقين ولدُوا الْكفَّار والمنَافقين
فلعمري إِن مُجَرّد الانتساب لَا ينفع إِذَا عري المنتسب عَن فعل الْخَيْر والاكتساب وَهَذَا مِمَّا لَا يدْفع إِلَّا أَن الأَصْل إِذَا طَابَ وسما زكى الْفَرْع الْمَنْسُوب إِلَيْهِ ونما لَا سِيمَا إِذَا كَانَ الْفَرْع طيبا فِي نَفسه مُمَيّزا بِالصِّفَاتِ الحميدة عَن أبنَاء جنسه مشهودا لَهُ بالزكاء فِي نبته وغرسه مَشْهُورا بِحسن فهمه وَصِحَّة حسه وَقد سبق ذكر مَا عرف من علم أَبِي الْحسن وَدينه وَسلف وَصفه بِقُوَّة إيمَانه وَشدَّة
[ ٣٧١ ]
يقينه وَقد صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْله
النَّاس معادن خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذَا فقهوا وَلَيْسَ يُنكر فضل أبي الْحُسَيْن ﵀ إِلَّا الَّذين تعاموا عَن الْحق وسفهوا أَو لَا شكّ أَن بركَة صَلَاح الْآبَاء مبشرة بفلاح من نسلوه من الأبْنَاء وَلَو لم يعْتَبر ذَلِك إِلَّا بِقصَّة الْعَبْدَيْنِ الكريمين حِين اخْتلفَا فِي إِقَامَة جِدَار الغلامين اليتيمين فَإِن الله عزوجل إِنَّمَا حاطهما ورعاهما لأجل أَنه وصف بالصلاح أباهما وحفظهما إِلَى حِين بُلُوغ أشدهما ليستخرجا كنزهما ببركة جدهما وَقد جَاءَ عَن بعض أهل التَّفْسِير شَائِعا أَن ذَلِك الْجد كَانَ تاسعا أَو سابعا
كتب إِلَى الشَّيْخ الإِمَام أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن الْأُسْتَاذ أبي الْقسم الْقشيرِي رحمهمَا اللَّه قَالَ سَمِعت أَبِي يَقُول وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ كَانَ هَذَا إِشَارَة إِلَى الْجد التَّاسِع أَو السَّابِع وَهُوَ الَّذِي دفن ذَلِك الْكَنْز فأقيم الْخضر لخدمتهما لحُرْمَة ذَلِك وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث
إِن الله عزوجل لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو غَالب أَحْمد بن الْحَسَنِ بن الْبناء قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَبَنُوسِيِّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ انا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَارِسْتَانِيُّ قَالَ ثَنَا الْقسم بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ ثَنَا عبد الْعَزِيز ابْن النُّعْمَانِ الْمَوْصِلِيُّ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَجَارِهِ وَجَارِ جَارِهِ وَتِسْعِ أَدْوُرٍ حَوْلَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ
[ ٣٧٢ ]
بِهِ عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ
قُلْتُ قَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ الْكُوفِيُّ أَيْضًا عَنْ عَطِيَّة
أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقسم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحسن بن الْخلال قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شِهَابٍ الدَّقَّاقُ النَّفْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ ثَنَا شُعَيْب ابْن حَرْب قَالَ ثَنَا الْحسن بن عمَارَة قَالَ انا عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ وَيَحْفَظُ الْمُؤْمِنَ فِي دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَةِ جَارِهِ وَدُوَيْرَةِ جَارِ جَارِهِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا القَاضِي أبوالقسم عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُّوخِيُّ قَالَ ثَنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُلَيْزٍ الدُّورِيُّ قَالَ ثَنَا حَمْزَة بن عبد الْمطلب الْخُزَاعِيّ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْعَبْدي قَالَ ثَنَا مُبَارَكُ أَبُو سُحَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز عَن صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ
إِنَّ اللَّهَ لَيَحْفَظُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ حَوْلَهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنِ التَّنُوخِيِّ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخَان أَبُو الْقسم بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن هبة اللَّه بن عَبْدِ السَّلَام الْكَاتِب قَالَا أَنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنا عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حبابة قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ قَالَ ثَنَا ابْن الْمقري يَعْنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن يزِيد قَالَ ثَنَا سُفْيَانُ
[ ٣٧٣ ]
عَنْ ابْنِ سُوقَةَ عَنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ يصلح الله عزوجل بِصَلاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُمْ فَمَا يَزَالُونَ فِي سِتْرِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ
أخبرنَا أَبُو الْقسم زَاهِر بن طَاهِر قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الأَصَمُّ قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ ثَنَا نعيم بن حَمَّاد قَالَ ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ إِن الله عزوجل لَيُصْلِحُ بِصَلاحِ أَبِيهِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَيُحْفَظُ فِي دُوَيْرَتِهِ وَالدُّوَيْرَاتِ اللاتِي حَوْلَهُ مَا دَامَ فِيهِمْ
فأَبُو مُوسَى جد أَبِي الْحسن وَالتَّاسِع من أجداده كَمَا أَن الرجل الصَّالح الْجد التَّاسِع للغلامين فحفظا لرشاده
وَأما قَوْله وَإِن كَانَ مَا يَدعِيهِ من نسبه زور وبهتان فقد لَعنه النَّبِي ﷺ وَكفى بذلك ذلة وصغارا
فَهَذِهِ قَول طعان فِي الْأَنْسَاب جَاهِل بِمَا فِي ذَلِك من الْإِثْم وَالْعِقَاب وَقد تقدم عَن جمَاعَة ذكر نسبه من وُجُوه تقضي على هَذَا الطعان بكذبه
وَذكر أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَبِي بكر السفاقسي أَيْضا قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عُثْمَانَ بن مُحَمَّد الإِمَام الْبَغْدَادِيّ يَقُول أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْن اسحق بْنِ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْد اللَّهِ بن قيس الْأَشْعَرِيّ صَاحب رَسُول اللَّه ﷺ فقد وَافق هَذَا القَوْل فِي نسبه مَا تقدم
وَمَا ذكره الْأَهْوَازِي من أَن أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ ينفرون من نسبته إِلَى أَبِي بشر ويفرون من ذَلِك بجهدهم لما يعْرفُونَ من سَبَب تِلْكَ النِّسْبَة كل مفر فزور من قَائِله وهذيان فِي ضمنه قذف وبهتان وَقد تقدم فِي ذكر نسبه عَن
[ ٣٧٤ ]
ابْن فورك والخطيب أَبَوي بكر وهما من أعَان أَصْحَابه نسبته إِلَى أَبِي بشر غير أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي أَبِي بشر فَجعله أَحدهمَا أَبَاهُ وَجعله الآخر جده وكل وَاحِد مِنْهُمَا ذكر مَا وَقع إِلَيْهِ من ذَلِك وَصَحَّ عِنْده وَقد يشْتَهر الْإِنْسَان باسمه دون كنيته ويشتهر تَارَة بالكنية وَلَا يعرف إِلَّا بكنيته وَقد يكون مَشْهُورا بالكنية وَالِاسْم وَذَلِكَ لَا يُنكره أحد من أهل الْعلم وَقد اشْتهر جمَاعَة من الصَّحَابَة النجباء بِالنِّسْبَةِ على أَلْسِنَة النَّاس إِلَى كني الْآبَاء كَأبي بكر بن أَبِي قُحَافَة وَعلي بن أَبِي طَالب وعَبْد اللَّهِ بن أَبِي أوفى فانظروا سخافة هَذَا الرجل الخائب الَّتِي لَا تكَاد تخفى
وَأما حكايته النكرَة عَن بعض شُيُوخ الْبَصْرَة من أَن أَبَا بشر كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم على يَدي بعض الْأَشْعَرِيين
فحكاية مفتر عَن مَجَاهِيل مفترين مَا حُكيَ أَن أحدا نَفَاهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ غير هَذَا الْجَاهِل المتحامل المفتري وَكَيف تجاسر لَا رعاه اللَّه على هَذِهِ الكذبة وَهُوَ لَا يعرف فِي الشرق والغرب إِلَّا بهَذِهِ النِّسْبَة وَقد تقدّمت حِكَايَة بنْدَار بن الْحُسَيْنِ فِي إِنَّه كَانَ يَأْكُل منغلة ضَيْعَة وَقفهَا جده بِلَال فَتبين بِتِلْكَ الْحِكَايَة وَغَيرهَا أَن دَعْوَاهُ فِي نفي نسبه زور أَو ان قَوْله محَال أذلو كَانَ فِي نسبه هَذِهِ الْعلَّة لم يرفع إِلَيْهِ من وقف بِلَال الْغلَّة وَلَو لم يكن أَبُو الْحَسَنِ صَحِيح النّسَب لانتزعت مِنْهُ الضَّيْعَة بذلك السَّبَب
واستشهاده على ذَلِك بِالْبَيْتِ الشّعْر الَّذِي قيل فِي سالف الدَّهْر مَا كني عَنْ أَبِيهِ
إِلَّا وثَمَّ سبيب
[ ٣٧٥ ]
استشهاد يدل على جَهله بالمعاني وَكَيف سكت عَن الْبَيْت الأول وأتى بِالثَّانِي وَإِنَّمَا قيل سَأَلته عَنْ أَبِيهِ
فَقَالَ جدي شُعَيْب
وَمَا كني عَنْ أَبِيهِ
إِلَّا وَثمّ سبيب
وَمَا كني من نسب الْأَشْعَرِيّ إِلَى إِسْمَاعِيل أَو اسحق عَنْ أَبِي بشر وَلَا عني مَا أَرَادَهُ الْأَهْوَازِي فِي سر وَلَا جهر وَلَكِن اقْتصر مرّة على ذكر الإسم فِيهِ من الغنية وَأتي مرّة أُخْرَى فِي تَعْرِيفه بِذكر الكنية وَمَا هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَة قولنَا أَبُو بكر بن أَبِي قُحَافَة تَارَة وَتارَة عَبْد اللَّهِ بن عُثْمَانَ فقد اتَّضَح جهل الْأَهْوَازِي فِي هَذَا من كل وَجه بِحَمْد اللَّه وَبَان وَأَنه كَانَ غير بَصِير بالأسماء والاصطلاحات حِين لم يفرق بَين الكني وَبَين الكنَايات
وَمَا طعن الخوزي فِي أَنْسَاب الْعَرَب إِلَّا من الْأَمر النَّادر الْعجب وَكَأَنَّهُ فِيمَا أَتَاهُ من نَفْيه من الْأمين عني بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وماذا بِمصْر من المضحكات
وَلكنه ضحك كالبكا
بهَا نبطي من أهل السوَاد
يخلِّص أَنْسَاب أهل الفلا
وَلَعَلَّ الْأَهْوَازِي سمع هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَدِيما وَلم يكن بِمُرَاد قَائِلهَا ومقصودة عليما فَظن أَنَّهُمَا قيلا على وَجه الْمَدْح فشرع فِي الطعْن فِي الْأَنْسَاب والقدح وَلم يعرف المُرَاد بِهَذَا الشّعْر كَمَا لم يفكر فِي معني مَا سبق مِنْهُ من الهذر وَهَذَا الْفَصْل فِي منية أَبِي بشر وجد فِي نُسْخَة نجا وَمَا أَدْرَاك من نجا هُوَ الَّذِي لَا يَمْتَد إِلَى إِضَافَته إِلَى ذَوي الْفَهم بِالْعلمِ
[ ٣٧٦ ]
رجا ونسخته الَّتِي بِخَطِّهِ لَا يَصح مَا فِيهَا إِذْ لَا حط لَهُ وَلَا هجا وَكَانَ لَهُ إِلَى صُحْبَة الْأَهْوَازِي لما بَينهمَا من المنَاسبة فِي الْجَهْل التجا
وَأما قَوْله وَادّعى أَنه من أهل السّنة
فَلَيْسَ ذَلِك دَعْوَى دجعوى بل حَقِيقَة يشْهد بِصِحَّتِهَا كل ذِي علم وتقوى
وَقَوله فَمَال إِلَيْهِ طَائِفَة جهال
فَذَلِك أَيْضا مِنْهُ كَمَا سبق محَال مَا مَال إِلَى قَوْله إِلَّا الْعلمَاء وَلَا اتبعهُ إِلَّا الْفُقَهَاء فَإِن أَصْحَابه نُجُوم الْأَمْصَار وَأَتْبَاعه أَئِمَّة الْأَعْصَار وَقد تقدم ذكر جمَاعَة من مشاهير أَتْبَاعه وَتَسْمِيَة أَئِمَّة من أَصْحَابه وأشياعه مِمَّن لَا يسابق فِي فضل وَلَا يجارى وَلَا يشك فِي علمه وَلَا يتمارى
وَقَوله فشاع أمره وذاع فِي الْآفَاق ذكره
ينْقض قَوْله فِيمَا بعد أَنه لم يزل مخمولا غير مَقْبُول فِي بِلَاد الْإِسْلَام وتناقض لقَوْل غير مستبدع من مثله من الْجُهَّال الطغام
وَقَوله إِنَّه كَانَ ينصر الْبِدْعَة وَيدخل على النَّاس قَول الْمُعْتَزلَة والزنَادقة
فَمن جنس مَا تقدم ذكرنَا لَهُ من أَقْوَاله السخيفة وتقولاته غير الصادقة فَإِن من وقف على مَا ذكره أَبُو الْحسن فِي تواليفه وَكتبه وَعرف شدَّة بغض الْمُعْتَزلَة والزنَادقة لَهُ ولصحبه تَيَقّن كذب الْأَهْوَازِي فِيمَا قَالَه وَتبين لَهُ تَحَامُله وَتحقّق إِبْطَاله وَمَا زعم أَنه حَكَاهُ عَن أهل الْبَصْرَة فَالَّذِي صدق فِي حكايته فَعَن معتزلة أَو سالمية أَمْثَاله وَمَا لم يكذب هُوَ فِيهِ فَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن مجهولين أَو كَذَّابين أشكاله وَمن الْعَجَائِب أَنه اعْتقد الْإِتْيَان بذمه قربَة وَزعم أَنه ذكر مَا ذكر من شَتمه حسبَة وَرغب إِلَى الله عزوجل أَن يَجعله لوجهه خَالِصا وَإِلَى مرضاته واصلا فَتَبَيَّنُوا مَا قَالَ تَجدوا عقله نَاقصا وَقَوله بَاطِلا مَتى تعبدنَا اللَّه بالسب والشتم وَأَيْنَ أمرنَا بالتفرغ
[ ٣٧٧ ]
للثلب والذم وَهل سوغ لنَا الِاشْتِغَال باللعن أَو ندبَنَا إِلَى اسْتِعْمَال الْغَيْبَة والطعن أَو أثني فِي كِتَابه على المستعلمين للهمز أَو مدح العيابين المشتغلين باللمز فتأملوا رحمكم اللَّه الْقُرْآن الْعَظِيم وتفهموا الْآيَات وَالذكر الْحَكِيم تَجدوا فِيهِ النَّهْي عَن ذَلِك كُله وَالْأَمر بِالْإِعْرَاضِ عَن أَكْثَره وَأقله وَقد نهى ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام عَن سبّ مَا يعبد من دونه من الْأَصْنَام فَقَالَ ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْر علم﴾ فَمن تفرغ لسب عباد اللَّه فقد عصى اللَّه سَهوا بِغَيْر فهم وَإِذا كَانَ اللَّه قد نهى عَن سبّ الأخشاب والأحجار فَكيف يُبِيح لكم سبّ الْعلمَاء الأخيار
فَإِن قيل إِن الْمَعْنى فِي النَّهْي عَن هَذَا السب لِئَلَّا يكون سَببا لسب الرب فَرُبمَا سمع سبّ الْأَهْوَازِي لهَذَا الإِمَام بعض من يرَاهُ بِعَين الإعظام فيقابل سبه بسب إِمَامه وَيتَكَلَّم فِيهِ عِنْد الْغَضَب بِمثل كَلَامه ويحمله على ذَلِك السب فرط حمية أَو إِظْهَار صلابة فِي معتقده وعصبية ويجتنب مُقَابلَة السَّيئَة بِالْحَسَنَة اقْتِدَاء بقول بعض جهال المتسننة سبوا عليا كَمَا سبوا عتيقكم كفر بِكفْر وإيمان بِإِيمَان فَيكون حِينَئِذٍ سَببا لسب صَاحب مذْهبه لِأَن ذَلِك إِنَّمَا جرى من قَائِله خطأ بتسببه وَهَذِه خطة لَا يرتضيها ذُو عقل وسقطة تنبىء عَن عَظِيم جهل وَقد امْتنع رَسُول رب الْعَالمين صلى اللَّه عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ من لعن مَنْ سُئل فِي لَعنه من الْمُشْركين بِاللَّهِ مَعَ كَونهم بالشرك بِاللَّهِ مُتَمَسِّكِينَ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي قَالَا أَنا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
[ ٣٧٨ ]
الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَنْزَرُوذِيُّ قَالَ أَنا أَبُو عمر مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْحِيرِي ح وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحُسَيْن الْخلال بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو الْقسم إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السّلمِيّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن عَليّ بن الْمقري قَالَا أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْموصِلِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيِّ قَالَ ثَنَا مَرْوَان زَاد ابْن الْمقري ابْن مُعَاوِيَة عَن يُرِيد زَاد ابْن الْمقري ابْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ وَفِي حَدِيث ابْن حمدَان قلت يارسول اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ
إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ فَإِذا كَأَن رَسُول اللَّه ﷺ لم ير لعن الْمُشْركين فَكيف استجاز الْأَهْوَازِي فِي دينه لعن الْعلمَاء المتنسكين فَلَا بِهَدي اللَّه ﷿ اهْتَدَى وَلَا بِنَبِيِّهِ ﷺ اقْتدى بل عمي عَن سلوك طَرِيق الْهدى وَألقى نَفسه فِيمَا يفضى بِهِ إِلَى الردى أفتراه حسب أَن يتْرك سدى حِين أَخطَأ فِيمَا قَالَه فِي الْأَشْعَرِيّ واعتدي وَاتبع مُرَاد الشَّيْطَان الرَّجِيم فِي لعن الْمُسلمين حِين تجنب الْكَفّ عَنْهُم والإغضاء قَالَ الله عزوجل فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والبغضاء﴾ فَمن أضلّ سَبِيلا مِمَّن اتبع هَوَاهُ واستفرغ فِي ذمّ الْعلمَاء بِالْبَاطِلِ قواه وَلم يرقب فيهم إِلَّا وَلَا ذمَّة وَلم يرعَ لَهُ محلا وَلَا حُرْمَة ومَنْ أعظم جهلا مِمَّن فرغ نَفسه لِلطَّعْنِ والوقيعة فِي الأكابر والأعيان من عُلَمَاء الشَّرِيعَة وَلَو أنعم فِيمَا قَالَه تفكرا لعلم أَنه أَتَى أمرا مستنكرا وَلَو كَانَ بِأَحْكَام الشَّرِيعَة خَبِيرا لتيقن أَنه
[ ٣٧٩ ]
ارْتكب حوبا كَبِيرا وَكَفاهُ تركا للحق أَو اجتنَابا عده مَا ذكره من الْبُهْتَان فِي حَقه احتسابا فَمَا أسعده أَن سلم مِمَّا ذكره رَأْسا بِرَأْس وانفلت مِنْهُ كفافا بِغَيْر بَأْس وَإِنِّي لَهُ بالسلامة وَقد خرج من حد الاسْتقَامَة وَلَو قَالَ بدل وَاصل موصلا لَكَانَ قد ذكر لفظا مُسْتَعْملا لَكِن عجمته تحمله على تجنب الصَّوَاب وجهالته تَقْتَضِي لَهُ تعسفه فِي الْخطاب
وَقَول الْوزان الَّذِي حكى عَنهُ إِنَّه ادّعى أَنه رَجَعَ عَن الاعتزال فَلَا أَدْرِي أصدقه فِي القَوْل الأول أَو الثَّانِي فَقَوْل جَاهِل أَو متجاهل لَا يَصح معنَاه عِنْد أهل الْفَهم بالمعاني لِأَن أحدا من الطوائف لم يكذب أَنه كَانَ معتزليا وَإِنَّمَا يُنكر من لَا يعْتد بإنكاره رُجُوعه بعد الاعتزال سنيا وَقَول الْوزان لم يتَغَيَّر على شَيْء من عقله وَلم يبْعَث اللَّه نَبيا تظهر على يَدَيْهِ المعجزات فيدع الْخلق مَا هم عَلَيْهِ ضَرُورَة
فَقَوْل جَاهِل لم يؤته اللَّه فِي دينه بَصِيرَة لِأَنَّهُ زعم أَن تغير الْعقل سَبَب الرُّجُوع عَن الاعتزال وَهَذَا يشْعر أَن هَذَا الْوزان كَانَ من الْمُعْتَزلَة الضلال ودعواه أَن أحدا لَا يتْرك مَا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا عِنْد ظُهُور المعجز من الْمحَال فكم من متنقل من مَذْهَب إِلَى غَيره لقُوَّة النّظر وَالِاسْتِدْلَال أَو لإرشاد من الْحق سُبْحَانَهُ وإلهام أَو رُؤْيا وعظ بهَا رائيها فِي منَام أَو شدَّة بحث عَن الْحق على ممر الْأَيَّام وهَذِهِ الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق هَذَا الإِمَام وَإِنَّمَا يشك فِي تَوْبَة التائب إِذَا لم يُوجد مِنْهُ غير مُجَرّد الدَّعْوَى وَلم يكن عِنْد اختبار حَاله من أهل الدّين وَلَا من ذَوي التَّقْوَى فَأَما إِذَا اقْترن مِنْهُ بِدَعْوَى التَّوْبَة ظُهُور الأسف على مَا أسلف من الحوبة وَكَانَ
[ ٣٨٠ ]
الْمظهر للتَّوْبَة ذَا ديانَة مَوْصُوفا عِنْد الْخلق بِصدق وَأَمَانَة لم يكن للشَّكّ فِي صِحَة تَوْبَته مجَال فَمن قَالَ غير هَذَا فَقَوله محَال وَلَا شكّ أَن دين أَبِي الْحسن ﵀ متين وتبرأه من مَذْهَب الاعتزال ظَاهر مُبين ومنَاظراته لشيخهم الجبائي مَشْهُورَة واستظهاراته عَلَيْهِ فِي الجدل مَذْكُورَة وقمعه لغيره من شيوخم مَعْرُوف شَائِع وقطعه لَهُم فِي المنَاظرة منتشر ذائع وتواليفه فِي الرَّد على أهل التعطيل كَثِيرَة وفضيحة أهل الْأَهْوَاء بِمَا أظهر من عوار مَذْهَبهم كَبِيرَة فَكيف يزْعم أَنه أظهر غير مَا أبطن أَو أضمر ضد مَا أعلن وَمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد العسكري فقد بيّنت أَن ذَلِك من منَاقبه ضد مَا تصَوره المفتري وَمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّهِ الحمراني الَّذِي يثني عَلَيْهِ فَمَا لَا يصغي ذُو لب إِلَيْهِ وثنَاؤه على الحمراني غير مَقْبُول وَكَيف يقبل ثنَاء مثله على رجل مَجْهُول وَهُوَ أَنه قَالَ إِن النَّاس اخْتلفُوا فِي سَبَب رُجُوعه فَقَالَ أَصْحَابه بَان لَهُ الْحق فَكَانَ سَبَب نزوعه وَقَالَ آخَرُونَ مَاتَ لَهُ قريب من الذُّكُور أَو الإنَاث فَتَابَ لِئَلَّا يمنعهُ الْحَاكِم من الْمِيرَاث وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا فَارق مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة لما لم يظفر عِنْد الْعَامَّة بسمو الْمنزلَة فقد تقدم ذكر تقلل أَبِي الْحسن وزهده وتبلغه باليسير من غلَّة وقف جده فَقَوْل من زعم أَنه رَجَعَ لأخذ الْمِيرَاث بَاطِل من الْجِهَات الثَّلَاث وهب أَنه أبدى ذَلِك فِي حق نَفسه لغَرَض من الْأَغْرَاض أَو لنيل مَا نَاله من حطام الدُّنْيَا من الْأَعْرَاض فَكيف تسخو نَفسه بِرُجُوع من يرجع عَن بدعته الَّتِي هُوَ يسرها ويعتقدها بِالنّظرِ فِي كتبه الَّتِي ألفها على مَذْهَب
[ ٣٨١ ]
أهل السّنة مِمَّن ينظر فِيهَا بعده ويعتمدها وَلَا شكّ أَنه قد استبصر بِمَا ذكر فِيهَا عَالم من النَّاس وزالت عَنْهُم بهَا ظلم الشكوك والالتباس
وَقَول من زعم أَنه أظهر التَّوْبَة ليؤخذ عَنهُ وَيسمع مَا يلقِي إِلَى المتعلمين مِنْهُ وَتَعْلُو مَنْزِلَته عِنْد الْعَامَّة فَذَلِك مَالا يصنعه من يُؤمن بِالْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة كَيفَ يستجيز مُسلم أَن يظْهر ضد مَا يبطن أَو يضمر خلاف مَا يُبْدِي ويعلن لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالاعتقادات وَيرجع إِلَى أصُول الديانَات فَتعين حِينَئِذٍ مَا ذكر الحمراني القَوْل الأول وَبَان أَنه الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول وَهُوَ أَنه لما بَان لَهُ الْحق اتبعهُ وَترك مَا عداهُ وَهُوَ القَوْل الَّذِي نقُول بِهِ فِي هَذَا المعني وَلَا نتعداه
والحكاية الثَّانِيَة الَّتِي حَكَاهَا عَن الحمراني أَيْضا فحكاية مثلهَا مِمَّا لَا يستجاز فِي الشَّرْع وَلَا يرضى مِمَّا عزاهُ إِلَيْهِ من القَوْل عِنْد تلقين الَّذِي أَدخل الْقَبْر لِأَنَّهَا حِكَايَة جمع فِيهَا حاكيها عَنهُ الْكَذِب والهجر وَكَيف يستحسن عَاقل أَن يَقُول مثل هَذَا القَوْل عِنْد دفن آدَمِيّ مثله وَهِي حَالَة شَدِيدَة الهول أم كَيفَ لم يشْغلهُ مَا يرَاهُ من ظلمَة الْقَبْر وضيق اللَّحْد عَن الِاعْتِرَاف بِفساد الدّين وَسُوء العقد وهب أَن الملحد لَا يُؤمن بِالْبَعْثِ أَلَيْسَ يُوقن بالبلاء وَطول الْمكْث وَكَيف يعْتَرف أَنه ولد ملحدا والمعتزلة تَقول إِن كل مَوْلُود يخلق موحدا فهَذِهِ الْحِكَايَة لعمري من الْكَذِب الْبَارِد وإيراد مثلهَا يدل على الْعقل الْفَاسِد وَلأبي الْحسن ﵀ من الرَّد على أصنَاف الْمَلَاحِدَة والنقض لمقَالات أَصْحَاب العقائد الْفَاسِدَة والكشف عَن تمويهات الْفرق الجاحدة مِمَّا تقدم
[ ٣٨٢ ]
ذكره مَا يدل على بطلَان هَذِهِ الكذبة الْبَارِدَة وَلَو أَرَادَ اللَّه بِهِ خيرا لم يحك مثل هَذِهِ الْحِكَايَة لِأَن وَجه فَسَادهَا ظَاهر عِنْد أهل الْفَهم والدراية وحاكيها مَجْهُول الْعَدَالَة عِنْد أهل الرِّوَايَة ومزكيه لَا يَكْتَفِي بتزكيته لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للكفاية لتنَاهيه فِي الْعَدَاوَة للأئمة فَوق النِّهَايَة وتجاوزه فِيهَا يظهره من البغض لَهُم للحد والغاية
وَأما إِنْكَار الْأَهْوَازِي قبُول تَوْبَة المبتدعة فَمن الإنكارات الْبَعِيدَة الممتنعة وَقد سبق الْكَلَام فِي ذَلِك فِي أول هَذَا الْكتاب بِمَا فِيهِ غنية لِذَوي الْفَهم وَأولى الْأَلْبَاب واحتجاجه بِالْآيَةِ غير صَحِيح فِي الِاعْتِبَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا عني بهَا من ارْتَدَّ وَلحق بالكفار وَلم يخْتم عمله بِعَمَل الْمُؤمنِينَ الْأَبْرَار بل مَاتَ على كفره وَصَارَ إِلَى النَّار وَلَو تَأمل مَا قبلهَا وَبعدهَا من الْآيَات لعرف ذَلِك وَلكنه مِمَّن يكتم مَا أنزل من الْهدى والبينَات قَالَ اللَّه عزوجل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ وَقيل إِنَّهَا نزلت فِي الْيَهُود
[ ٣٨٣ ]
وَالنَّصَارَى فَلَا يحْتَج بهَا فِي حق موحد إِلَّا الْجُهَّال بالتفسير الحيارى
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيّ بهَا قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَليّ بن أَيُّوب قَالَ أَنا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاء مُحَمَّد بن يَعْقُوب الوَاسِطِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغفار النَّحْوِيّ قَالَ أَنا أَبُو اسحق أَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ النَّحْوِيّ الزّجاج قَالَ أعلم أَن الله عزوجل لَا يقبل دينا غير دين الْإِسْلَام وَلَا عملا إِلَّا من أَهله فَقَالَ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يبتغ جزم بِمن وَقَوله فَلَنْ يقبل مِنْهُ الْجَواب ومعني الخاسرين أَي مِمَّن خسر عمله وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله ﴿الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله أضلّ أَعْمَالهم﴾ وَقَوله عزوجل كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حق يُقَال إِنَّهَا نزلت فِي قوم ارْتَدُّوا ثمَّ أَرَادوا الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام ونيتهم الْكفْر فَأعْلم اللَّه أَنه لَا جِهَة لهدايتهم لأَنهم قد استحقوا أَن يضلوا بكفرهم لأَنهم قد كفرُوا بعد البينَات الَّتِي هِيَ دليلة على صِحَة أَمر النَّبِي ﷺ وَقيل إِنَّهَا فِي الْيَهُود لأَنهم كفرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بعد كَانُوا قبل مبعثه مُؤمنين وَكَانُوا يشْهدُونَ لَهُ بالبنبوة فَلَمَّا بعث ﵇ وجاءهم بِالْآيَاتِ المعجزات وأنبأهم بِمَا فِي كتبهمْ مِمَّا لايقدرون على دَفعه وَهُوَ ﵇ أُمِّي كفرُوا بغيا وحسدا فَأعْلم الله عزوجل أَن جزاءهم اللَّعْنَة فَقَالَ ﴿جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ وَمعنى لعن اللَّه لَهُم تبعيده إيَّاهُم من رَحمته وثنَاؤه عَلَيْهِم بكفرهم وَمعنى لعن النَّاس
[ ٣٨٤ ]
أَجْمَعِينَ لَهُم أَن بَعضهم يَوْم الْقِيَامَة يلعن بَعْضًا وَمن خالفهم يلعنهم
وَمعنى ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ أَي فِيمَا توجبه اللَّعْنَة أَي فِي عَذَاب اللَّعْنَة ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أَي لَا يؤخرون عَن الْوَقْت
وَقَوله ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ مَوضِع الَّذين نصب استثنَاء من قَوْله عَلَيْهِم لعنة اللَّه ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلحُوا﴾ أَي أظهرُوا أَنهم كَانُوا على ضلال وَأَصْلحُوا مَا كَانُوا أفسدوه وغروا بِهِ من تَبِعَهُمْ مِمَّن لَا علم عِنْده ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُور رَحِيم﴾ أعلم اللَّه أَن من سَعَة رَحمته وتفضله أَن يغْفر لمن اجترأ عَلَيْهِ هَذَا الاجتراء لِأَن هَذَا مِمَّن لَا غَايَة بعده وَهُوَ أَنه كفر بعد تبين الْحق
وَقَوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لن تقبل تَوْبَتهمْ﴾ يُقَال فِي التَّفْسِير إِنَّهُم هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذِي ارْتَدُّوا بعد إسْلَامهمْ ثمَّ أظهرُوا أَنهم يُرِيدُونَ الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام فأظهر اللَّه أَمرهم لأَنهم كَانُوا يظهرون أَنهم يرجعُونَ إِلَى الْإِسْلَام وعقدهم الْكفْر وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله ﴿وَأُولَئِكَ هم الضالون﴾ لأَنهم لَو حققوا التَّوْبَة لكانوا مهتدين وَيدل على ذَلِك قَوْله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ ملْء الأَرْض ذَهَبا﴾ لِأَن الْكَافِر الَّذِي يعْتَقد الْكفْر وَيظْهر الْإِيمَان عِنْد اللَّه كمظهر الْكفْر لِأَن الْإِيمَان التَّصْدِيق والتصديق لَا يكون إِلَّا بِالنِّيَّةِ ومعني ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْض ذَهَبا﴾ أَي لَو عمل الْكفْر وَقدم ملْء الأَرْض ذَهَبا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اللَّه لم يَنْفَعهُ ذَلِك مَعَ كفره وَكَذَلِكَ لَو افتدى من الْعَذَاب بملء الأَرْض ذَهَبا لم يقبل مِنْهُ فَأعْلم اللَّه أَنه لَا يثيبهم على أَعْمَالهم بِالْخَيرِ وَلَا يقبل مِنْهُم الْفِدَاء من الْعَذَاب
أَخْبَرَنَا
[ ٣٨٥ ]
الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخُوَارِيُّ الْبَيْهَقِيّ الْفَقِيه بنيسابور قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسّر قَالَ قَوْله عزوجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بعد بَعْثِهِ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِالإِقَامَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى هَلَكَوُا عَلَيْهِ قَالَ قَتَادَةُ إِنَّ الْيَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسَى وَالإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَكُتُبِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ لَنْ يُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لأَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ إِلا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ
وَقَوْلُهُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا﴾ ملْء الشَّيْء قدر مَا يملاءه يُقَالُ مِلْءُ الْقَدَحِ وَانْتَصَبَ ذَهَبًا عَلَى التَّفْسِيرِ قَالَ الزَّجَّاجُ الَمْعَنَى لَوْ قَدَّمَ مِلْءَ الأَرْضِ ذَهَبًا يتَقرَّب بِهِ إِلَى اللَّه لم يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ وَلَوِ افتدى من الْعَذَاب بملء الأَرْض ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ عمر بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الأرغياني الْفَقِيه بنيسابور قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الواحدي النَّيْسَابُورِي قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الْآيَة قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي نزلت فِي الْيَهُود كفرُوا بعِيسَى وَالْإِنْجِيل ثمَّ ازدادوا كفرا بمُحَمَّد وَالْقُرْآن وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة نزلت فِي الْيَهُود النَّصَارَى كفرُوا بمُحَمَّد ﷺ بعدإيمانهم بنعته وَصفته ثمَّ ازدادوا كفرا بإقامتهم على كفرهم
فهَذِهِ أَقْوَال المعتبرين من الْأَئِمَّة الْمُفَسّرين أَنَّهَا نزلت فِي الْمُرْتَدين الحيارى أَو فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذين تَابُوا بعد الْفَوْت عِنْد حُضُور الْمَوْت فَكيف يحْتَج بِهَذَا
[ ٣٨٦ ]
الْأَهْوَازِي فِي حق مُعْتَقد لِلْإِسْلَامِ مُلْتَزم لما ورد فِيهِ من الْأَحْكَام رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ اخْتِيَارا وَلم يلجأ إِلَى الرُّجُوع عَنهُ إضطرار فتمسكه بِالْآيَةِ غَايَة الْجَهْل واحتجاجه بهَا نِهَايَة قلَّة الْعقل وَمَا تمسك بِهِ من الْأَخْبَار فِي أَن تَوْبَته لَا تتقبل فَمن الْأَخْبَار الَّتِي لَا تصح عِنْد أَرْبَاب النَّقْل وَلَا تقبل وَهِي متروكة بِإِجْمَاع أهل الْعلم فَلَا يحْتَج بهَا إِلَّا قَلِيل الْفَهم وَقَوله إِن التَّوْبَة لَا تصح من المبتدع حَتَّى يرجع عَن بدعته وَيرجع من ابتدع بابتداعه وَوَافَقَهُ على عقيدته
فَمن أَيْن علم أَن أحدا قَالَ بالإعتزال تقليدا لأبي الْحسن وَذَلِكَ مَذْهَب كَانَ قد انْتَشَر فِي سالف الزَّمن وَلَو سلمنَا لَهُ ذَلِك من طَرِيق الجدل وصححنَا قَوْله على مَا فِيهِ من الخطل فَكيف يُمكنهُ أَن يَقُول إِن من أضلّهُ أَبُو الْحَسَنِ فابتدع لم يرجع إِلَى مَذْهَب أهل السّنة حِين اهْتَدَى هُوَ وَرجع وَهَذَا مِمَّا لَا يقدر أَن يدل عَلَيْهِ وَلَا يُمكنهُ بِوَجْه الْمصير إِلَيْهِ
وَقَوله إِن اعْتِقَاد الْبِدْعَة مَا يُتَاب مِنْهُ وَلَا يتَصَوَّر عِنْده الرُّجُوع عَنهُ وَلَا يعْتَقد البدعي أَنه كَانَ على بَاطِل
فَقَوْل لَا يصدر مثله إِلَّا عَن رجل جَاهِل فَلَو كَانَ اعْتِقَاد الْبِدْعَة لَا يُتَاب مِنْهُ بِحَال كَانَ دُعَاء أَئِمَّة أهل السّنة إِلَيْهَا وحثهم على اجتنَاب الْبدع نوع محَال لأَنهم دعوا إِلَى شَيْء غير مُتَصَوّر وطمعوا فِي حُصُول أَمر مُتَعَذر وَإِنَّمَا لَا نقُول للبدعي أَنْت كنت على بَاطِل مَا دَامَ مبتدعا لَا حِين يفصح بِالرُّجُوعِ وَيصير للسّنة مُتبعا وَقد جَاءَ عَن نعيم بن حَمَّاد المرزوي مَا يدل على بطلَان قَول هَذَا المختزي وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد ابْن عَبْدِ الْمَلِكِ بن خيرون وأَبُو الحيس عَليّ بن الْحُسَيْنِ بْنِ سعيد قَالَ مُحَمَّد
[ ٣٨٧ ]
أخبرنَا وَقَالَ عَليّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ ثَابت قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر بن عَلان قَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت صَالح بن مِسْمَار يَقُول سَمِعت نعيم بن حَمَّاد يَقُول أَنا كنت جهميا فَلذَلِك عرفت كَلَامهم فَلَمَّا طلبت الحَدِيث عرفت أَن أَمرهم يرجع إِلَى التعطيل
وَمَا ذكره فِي معني كتاب الْإِبَانَة فَقَوْل بعيد من أَقْوَال أهل الدّيانَة كَيفَ يصنف الْمُسلم كتابا يخلده وَهُوَ لَا يَقُول بِصِحَّة مَا فِيهِ وَلَا يَعْتَقِدهُ
وَقَوله لَا أحسن اللَّه لَهُ رِعَايَة إِن أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ جعلُوا الْإِبَانَة من الحنَابلة وقاية
فَمن جملَة أَقْوَاله الْفَاسِدَة وتقولاته المستبعدة الْبَارِدَة بل هم يَعْتَقِدُونَ مَا فِيهَا أَشد اعْتِقَاد ويعتمدون عَلَيْهَا أَشد اعْتِمَاد فَإِنَّهُم بِحَمْد اللَّه لَيْسُوا معتزلة وَلَا نفاة لصفات اللَّه معطلة لكِنهمْ يثبتون لَهُ سُبْحَانَهُ مَا أثْبته لنَفسِهِ من الصِّفَات ويصفونه بِمَا تصف بِهِ فِي مُحكم الْآيَات وَبِمَا وَصفه بِهِ نبيه ﷺ فِي صَحِيح الرِّوَايَات وينزهونه عَن سمات النَّقْص والآفات فَإِذا وجدوا من يَقُول بالتجسيم أَو التكييف من المجسمة والمشبهة ولقوا من يصفه بِصِفَات المحدثات من الْقَائِلين بالحدود والجهة فَحِينَئِذٍ يسلكون طَرِيق التَّأْوِيل ويثبتون تنزيهه بأوضح الدَّلِيل ويبالغون فِي إِثْبَات التَّقْدِيس لَهُ والتنزيه خوفًا من وُقُوع من لَا يعلم فِي ظلم التَّشْبِيه فَإِذا أمنُوا من ذَلِك رَأَوْا أَن السُّكُوت أسلم وَترك الْخَوْض فِي التَّأْوِيل إِلَّا عِنْد الْحَاجة أحزم وَمَا مثالهم فِي ذَلِك إِلَّا مثل الطَّبِيب الحاذق الَّذِي يداوي كل دَاء من الأدواء بالدواء الْمُوَافق فَإِذا تحقق غَلَبَة الْبُرُودَة على الْمَرِيض داواه بالأدوية الحارة ويعالجه
[ ٣٨٨ ]
بالأدوية الْبَارِدَة عِنْد تيقنه مِنْهُ بِغَلَبَة الْحَرَارَة وَمَا هَذَا فِي ضرب الْمِثَال إِلَّا كَمَا رُوِيَ عَن سُفْيَان إِذَا كنت بِالشَّام فَحدث بفضائل عَليّ ﵁ وَإِذا كنت بِالْكُوفَةِ فَحدث بفضائل عُثْمَان ﵁ وَمَا مِثَال المتأول بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح إِلَّا مِثَال الرجل السابح فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى السباحة مَا دَامَ فِي البرفان اتّفق لَهُ فِي بعض الْأَحَايِين ركُوب الْبَحْر وعاين هُوَ لَهُ عِنْد ارتجاجه وَشَاهد مِنْهُ تلاطم أمواجه وعصفت بِهِ الرّيح حَتَّى انْكَسَرَ الْفلك وأحاط بِهِ إِن لم يسْتَعْمل السباحة الهلك فَحِينَئِذٍ يسبح بِجهْدِهِ طلبا للنجاة وَلَا يلْحقهُ فِيهَا تَقْصِير حبا للحياة فَكَذَلِك الموحد مَا دَامَ سالكا محجة التَّنْزِيه آمنا فِي عقده من ركُوب لجة التَّشْبِيه فَهُوَ غير مُحْتَاج إِلَى الْخَوْض فِي التَّأْوِيل لِسَلَامَةِ عقيدته من الشّبَه والأباطيل فَأَما إِذَا تكدر صفاء عقده بكدورة التكييف والتمثيل فَلَا بُد من تصفية قلبه من الكدر بمصفاة التَّأْوِيل وترويق ذهنه براووق الدَّلِيل لتسليم عقيدته من التَّشْبِيه والتعطيل وَلم يزل كتاب الْإِبَانَة مستصوبا عِنْد أهل الدّيانَة وَسمعت الشَّيْخ أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بشار البوشنجي الْمَعْرُوف بالخر كردِي الْفَقِيه الزَّاهِد يَحْكِي عَن بعض شُيُوخه أَن الإِمَام أَبَا عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَحْمَدَ الصَّابُونِي النَّيْسَابُورِي قَالَ مَا كَانَ يخرج إِلَى مجْلِس درسه إِلَّا وَبِيَدِهِ كتاب الْإِبَانَة لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَيظْهر الْإِعْجَاب بِهِ وَيَقُول مَاذَا الَّذِي يُنكر على من هَذَا الْكتاب شرح مذْهبه
فَهَذَا قَول الإِمَام أَبِي عُثْمَانَ وَهُوَ من أَعْيَان أهل الْأَثر بخراسان
وَقَول الْأَهْوَازِي إِن الحنَابلة لم يقبلُوا مِنْهُ مَا أظهره فِي كتاب الْإِبَانَة
[ ٣٨٩ ]
وهجروه
فَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ لنقلوه عَن أَشْيَاخهم وأظهروه وَلم أزل أسمع مِمَّن يوثق بِهِ أَنه كَانَ صديقا للتميميين سلف أَبِي مُحَمَّد رزق اللَّه ابْن عَبْدِ الْوَهَّاب بن عَبْدِ الْعَزِيزِ بن الْحَرْث وَكَانُوا لَهُ مكرمين وَقد ظهر أثر بركَة تِلْكَ الصُّحْبَة على أَعْقَابهم حَتَّى نسب إِلَى مذْهبه أَبُو الْخطاب الكلوذاني من أَصْحَابهم وَهَذَا تلميذ أَبِي الْخطاب أَحْمد الْحَرْبِيّ يخبر بِصِحَّة مَا ذكرته وينبي وَكَذَلِكَ كَانَ بَينهم وَبَين صَاحبه أَبِي عَبْد اللَّهِ بن مُجَاهِد وَصَاحب صَاحبه أَبِي بكر بن الطّيب من المواصلة والمؤاكلة مَا يدل على كَثْرَة الإختلاق من الْأَهْوَازِي والتكذب
وَقد أَخْبَرنِي الشَّيْخ أَبُو الْفضل بن أَبِي سعد الْبَزَّاز عَنْ أَبِي مُحَمَّد رزق اللَّه بن عَبْدِ الْوَهَّاب بن عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ قَالَ سَأَلت الشريف أَبَا عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِي فَقَالَ حضرت دَار شيخنَا أَبِي الْحسن عبد الْعَزِيزِ بن الْحَرْث التَّمِيمِي سنة سبعين وثلاثمائة فِي دَعْوَة عَملهَا لأَصْحَابه حضرها أَبُو بكر الْأَبْهَرِيّ شيخ المالكيين وَأَبُو الْقسم الداركي شيخ الشافعيين وأَبُو الْحَسَنِ طَاهِر بن الْحَسَنِ شيخ أَصْحَاب الحَدِيث وأَبُو الْحُسَيْنِ بن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِد شيخ الْمُتَكَلِّمين وَصَاحبه أَبُو بكر بن الباقلاني فِي دَار شيخنَا أَبِي الْحسن التَّمِيمِي شيخ الحنَابلة قَالَ أَبُو عَليّ لَو سقط السّقف عَلَيْهِم لم يبْق بالعراق من يُفْتِي فِي حَادِثَة يشبه وَاحِدًا مِنْهُم
وحكاية الْأَهْوَازِي عَن البربهاري
[ ٣٩٠ ]
مِمَّا يَقع فِي صِحَّته التماري وأدل دَلِيل على بُطْلَانه قَوْله إِنَّه لم يظْهر بِبَغْدَادَ إِلَى أَن خرج مِنْهَا وَهُوَ بعد إِذْ صَار إِلَيْهَا لم يفارقها وَلَا رَحل عَنْهَا فَإِن بهَا كَانَت منيته وفيهَا قَبره وتربته وَلَا يَدعِي أَنه لم يظْهر بهَا إِلَّا مثل هَذَا المختزي وَقد تقدم ذكر جُلُوسه فِي حَلقَة أبي اسحق المرزوي وَأَنه كَانَ يحضرها فِي أَيَّام الْجمع بالجانب الغربي فِي جَامع الْمَنْصُور ووالجمع أَكثر الْأَيَّام جمعا فِي أعظم الْجَوَامِع بهَا فِي حَلقَة ذَلِك الإِمَام الْمَشْهُور
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِي وَأَبُو الْحسن عَليّ ابْن أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْغَسَّانِيُّ قَالَ ثَنَا وأَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرنِي عَليّ ابْن المحسن القَاضِي قَالَ ثَنَا ابو اسحق إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَدَّلِ قَالَ سَمِعت ابا حعفر مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بن عبد الله الْمقري يَقُولُ قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقلت يارسول اللَّهِ عَمَّنْ آخُذُ الْقُرْآنَ فَقَالَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
[ ٣٩١ ]
الأَنْبَارِيِّ فَقُلْتُ فَالْفِقْهَ قَالَ عَنْ أبي اسحق المرزوي وَلَئِن صحّح حِكَايَة البربهاري وَقَالَ بثبوتها فَلَقَد نَعته وطائفته بِالْجَهْلِ
[ ٣٩٢ ]
وَهُوَ أخص نعوتها هَل يرد على الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَو الْمَجُوس بقول أَحْمد إِلَّا ذُو اللب المعكوس وَإِن زعم أَن مجادلة أهل الْكتاب لَا تجوز وَلَا تستحسن فقد قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَهُوَ مَا ذكره أَبُو الْحَسَنِ من الْحجَج وَشَرحه وَبَينه لمن أَرَادَ سلوك طَرِيقه فِيهِ وأوضحه وَلَو احْتج مُحْتَج على مخالفي الْملَّة بمنصوصات أَحْمد بن حَنْبَل لم يَصح لَهُ إِيضَاح الْأَدِلَّة
وَأما قَوْله فِي مسئلة الْإِيمَان
فَمن جنس مَا تقدم مِنْهُ من الْبُهْتَان وأَبُو الْحَسَنِ لَا يَقُول بقدم الْإِيمَان على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يَقُول بقدم صِفَات الْعَلِيم الخلاق فَمن أَسْمَائِهِ الَّتِي سمى بهَا نَفسه
[ ٣٩٣ ]
الْمُؤمن قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن﴾ فَقيل إِنَّه مُشْتَقّ من الْإِيمَان وَقيل بل هُوَ مَأْخُوذ من الْأمان فَمن قَالَ إِنَّه اشتق من الْإِيمَان فَلِأَنَّهُ صدق نَفسه فَقَالَ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قيلا﴾ وَمن قَالَ إِنَّه مَأْخُوذ من الْأمان فَلِأَنَّهُ من أولياءه من ظلمه فَلَا يظلمهم فتيلا فأَبُو الْحَسَنِ نفى الْخلق عَن الْإِيمَان الَّذِي هُوَ صفة من صِفَات الرَّحْمَن فَأَما الْإِيمَان الَّذِي هُوَ صفة الْإِنْسَان فَالْقَوْل بقدمه عين الْبُهْتَان وَكَيف يكون الْإِنْسَان مُحدثا وَصفته قديمَة وَهل يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا من مسخ بعد الإنسانية بَهِيمَة وَقد وقفت على هَذِه المسئلة من تصنيف أَبِي الْحسن فَوجدت استدلاله فِيهَا يدل على هَذَا التَّفْصِيل الْحسن
وَأما قَوْله إِنَّه قد ثَبت وَصَحَّ بِنَقْل الْفُضَلَاء أَنه كَانَ لَا دين لَهُ
فَغير صَحِيح عِنْد الْعلمَاء والعقلاء فَعِنْدَ من صَحَّ ذَلِك أعند أَمْثَاله من السالمية أم صدق فِيهِ أَقْوَال أعدائه من الْمُعْتَزلَة والجهمية فَإِن أَرَادَ أَنه قد صَحَّ عِنْده فَإِنَّهُ بِحَمْد اللَّه لَا عِنْد لَهُ وَكَيف يصدق مثله عَلَيْهِ وَقد تبينت سوء اعْتِقَاده وخطله
وَأما حكايته عَنْ أَبِي الْحسن الشَّاهِد بالأهواز فَعَن مَجْهُول لم يعرف إِلَّا بِالسقطِ والاحتراز ومقالته خَارجه عَن حد الإعتدال تنبىء عَنهُ أَنه كَانَ من الْقَائِلين بالاعتزال لِأَنَّهُ جعل الْخُرُوج عَن مَذْهَب أهل الاعتزال إلحادا وَكفى بِهَذَا الْقدر من قَوْله فَسَادًا
فَأَما تشبيهه أَبَا الْحسن بِابْن الروندي فَإِنَّهُ فِيهِ غير مُصِيب عِنْدِي فقد ذكرت تَسْمِيَة مَا نقض عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ من تواليفه وَبَين من فَسَاد أَقْوَاله فِي كتبه وتصانيفه فَكيف يقرن بَينهمَا
[ ٣٩٤ ]
فِي الْإِلْحَاد مَعَ مَا كَانَ بَينهمَا من الْخلاف والعنَاد
وَأما حكايته عَن أَخِيه أَحْمد بن عَليّ الْأَهْوَازِي فِي بويلة الْعِيد وَأَنه لم يصل عشْرين سنة فَمن الْكَذِب المستنكر الْبعيد فَمن يعرف بِالْعَدَالَةِ أَخَاهُ وَمن ذَا يصدقهُ فِيمَا ذكره أَو حَكَاهُ وَقد تقدم فِي بَاب ذكر اجْتِهَاده فِي الْعِبَادَة مَا يكذبهُ وإياه ويوضح أَن أَحدهمَا اختلق ذَلِك عَلَيْهِ وافتراه وَكَيف يتْرك إِنْسَان الصَّلَاة هَذِهِ الْمدَّة الطَّوِيلَة فِي مثل ذَلِك الزَّمَان وَلَا يقتل أم كَيفَ يعرف ذَاك من حَال رجل ثمَّ لَا يستفيض عَنهُ وينقل وَأي معني فِي تَخْصِيصه بويلة الْعِيد بِأَنَّهَا لَا توثر فِي انْتِقَاض الْوضُوء فقد ظهر أَن الْحَامِل لَهُ على التشنيع عَلَيْهِ بِمثل هَذَا فرط الغلو
وَأما مَا حَكَاهُ عَن ابْن الصعلوكي عَن ابيه فَمَا يقطع بِأَن الْأَهْوَازِي كذب فِيهِ وَأَخْطَأ فِي تَسْمِيَته الصعلوكي فَلم يدر كَيفَ يُسَمِّيه وَهُوَ الإِمَام ابْن الإِمَام الْفَقِيه ابْن الْفَقِيه كَانَ أَبُو الطّيب سهل بن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان وأَبُوه
[ ٣٩٥ ]
الإِمَام أَبُو سهل الصعلوكيان وختنهما الْقَاضِي أَبُو عمر مُحَمَّد بن الْحُسَيْنِ أَشد أهل خُرَاسَان نصْرَة للمذهبين مَذْهَب الشَّافِعِي وَمذهب الْأَشْعَرِيّ فَكيف خَفِي مثل هَذَا على هَذَا الأبله المفتري فَإِن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانُوا فِي زمانهم القائمين بِالدُّعَاءِ إِلَى مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ ونصرته وَلَا يحْتَاج هَذَا القَوْل إِلَى أَن أدل عَلَيْهِ لشهرته فَلَو كَانَ مَا حَكَاهُ عَنْهُمَا صَحِيحا لَكَانَ انتسابهما إِلَى مذْهبه مِنْهُمَا قبيحا وَكَيف يعْتَقد إِنْسَان تَفْضِيل إِمَام أَو يَقُول بإمامته وَهُوَ مُتَحَقق مِنْهُ مَا يقْضِي بانسلاخه من ديانته وَقد ذكرت مدح أَبِي سهل الصعلوكي للأشعري فِيمَا سبق فَبَان كذب الْأَهْوَازِي فِيمَا تخرص واختلق
وَأما قَوْله إِنَّه أَقَامَ بِالْبَصْرَةِ لَا يخْتَلف إِلَيْهِ أحد من أهل الْعلم لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ من أهل الْعلم
فَقَوْل حمله عَلَيْهِ
[ ٣٩٦ ]
رقة الدّين وَقلة الْحيَاء وَعدم الْفَهم وَهل يُنكر علم أَبِي الْحسن ﵀ بشر وَذكره بِالْعلمِ بَين الْعلمَاء الْفُقَهَاء منتشر
وَقَوله إِنَّه لم يكن لَهُ من الْأَصْحَاب الْأَرْبَعَة فَقَوْل يُنكره من الْعلمَاء من سَمعه بل قد صَحبه جمَاعَة أَعْلَام كل مِنْهُم فِي فنه إِمَام تفَرقُوا فِي الأقطار وَعَلمُوا اهل الْأَمْصَار فَكَانَ لِلْخلقِ حوراة وَإِلَى الْحق دعاة وَعند التَّعْلِيم وعاة وَلما يُؤَدِّي إِلَى الْبَاطِل نفاة فاستبصر بتبصيرهم الجم الْغَفِير واهتدى بهديهم الْخلق الْكثير وَقد تقدم ذكر جمَاعَة من مذكوريهم وَشرح أَحْوَالهم الْفُضَلَاء من مشهوريهم بِمَا فِيهِ غنية فِي تَكْذِيب الْأَهْوَازِي فِيمَا أَتَى بِهِ وَإِظْهَار جَهله وَقلة مَعْرفَته بالأشعري وَأَصْحَابه
وَمن جملَة أَقْوَال الْأَهْوَازِي المختلقات الفريات قَوْله إِن ابْن عينون الضراب لم يظْهر بِبَغْدَاد شيأ من الكفريات
فَهَل فِي اعْتِقَاد الْأَشْعَرِيّ كفريات كتمها ابْن عينون وأظهرها غَيره من أَصْحَابه فتمسك بهَا الطاعنون مَا اعْتِقَاد ابْن عينون وَغَيره من الأشعرية إِلَّا أبعد اعْتِقَاد من الْمسَائِل الكفرية وهم المتمسكون بِالْكتاب وَالسّنة التاركون للأسباب الجالبة للفتنة الصَّابِرُونَ على دينهم عِنْد الاختبار والمحنة الظاهرون على عدوهم مَعَ اطراح الِانْتِصَار والإحنة لَا يتركون التَّمَسُّك بِالْقُرْآنِ والحجج الأثرية وَلَا يسلكون فِي المعقولات مسالك المعطلة الْقَدَرِيَّة لكِنهمْ يجمعُونَ فِي مسَائِل الْأُصُول بَين الْأَدِلَّة السمعية وبراهين الْعُقُول ويتجنبون افراط الْمُعْتَزلَة ويتكبون طرق المعطلة ويطرحون تَفْرِيط المجسمة المشبهة ويفضحون بالبراهين عقائد الْفرق المموهة وَيُنْكِرُونَ مَذَاهِب
[ ٣٩٧ ]
الْجَهْمِية وينفرون عَن الكرامية والسالمية ويبطلون مقَالات الْقَدَرِيَّة ويرذلون شبه الجبرية ويتبرؤن من الروافض والخوارج ويظهرون المواقفين عَن الْحق وُجُوه المخارج فمذهبهم أَوسط الْمذَاهب وَمَشْرَبهمْ أعذب المشارب ومنصبهم أكْرم المنَاصب ورتبتهم أعظم الْمَرَاتِب فَلَا يُؤثر فيهم قدح قَادِح وَلَا يظْهر فيهم جرح جارح وَقد ذكرت فِيمَا تقدم شرح اعْتِقَادهم فَلَا يطعن فيهم إِلَّا الَّذين عموا عَن رشادهم
وَأما عده فِي أَصْحَابه الْأَرْبَعَة القلانسي فَإِنَّهُ جهل فِي قَوْله أَو نسي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمد ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن خَالِد القلانسي الرَّازِيّ من معاصري أَبِي الْحسن ﵀ لَا من تلامذته كَمَا قَالَ الْأَهْوَازِي وَهُوَ من جملَة الْعلمَاء الْكِبَار الْأَثْبَات واعتقاده مُوَافق لاعْتِقَاده فِي الْإِثْبَات
وَمَا ذكره فِي حق صَاحبه أَبِي عَبْد اللَّهِ بن مُجَاهِد فَفِيمَا ذكر أَبُو بكر الْخَطِيب من حَاله على تَكْذِيبه أكبر شَاهد
وَمَا ذكره فِي حق الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني
[ ٣٩٨ ]
﵀ من أَنه كَانَ أجِير الفامي وَأَنه إِنَّمَا ارْتَفع قدره بمداخلة السلاطين لَا بِالْعلمِ فعين الْجَهْل والتعامي وَهل يُنكر فضل الْقَاضِي أَبِي بكر فِي الْعلم والفهم من شم أدنى شمة من الْعلم وتصانيفه فِي الْخلق مبثوثة وعلومه عَنهُ مستفادة موروثة وَقد كَانَ يدرس الْمدَّة الطَّوِيلَة فِي دَار السَّلَام ويصنف الْكتب الجليلة فِي قَوَاعِد الْإِسْلَام وَيُؤْخَذ عَنهُ علم الْفِقْه على مَذْهَب مَالك بن أنس وَينْتَفع بدروسه فِي أصُول الدّين وَالْفِقْه كل مقتبس والرحلة إِلَيْهِ من الشرق والغرب فَقَوله فِي حَقه قَول من لَا يتحاشى من الْكَذِب
وَقَوله إِن أَبَا الْحسن الطَّبَرِيّ رَفِيق أَبِي بكر بن الباقلاني لم يظْهر بالْكلَام قطّ
فَقَوْل جَاهِل بِالرِّجَالِ قَلِيل الِاحْتِرَاز فِيمَا يحكيه بالتحفظ فِيهِ والضبط فَإِن أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّدِ بْنِ مهْدي الطَّبَرِيّ مبرز فِي علم الْكَلَام مَذْكُور وَكتابه فِي الْكَلَام على الْمُتَشَابه من الْآيَات وَأَحَادِيث الصِّفَات مَشْهُور وَلَيْسَ هُوَ رَفِيق الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني وأعجب من خطأه الأول فِيهِ خطأه الثَّانِي وَإِنَّمَا هُوَ تلميذ أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَمِنْه تعلم وَله صحب بُرْهَة من الزَّمَان وَبِه
[ ٣٩٩ ]
تفهم وَقد ذكر أَبُو حَيَّان عَليّ بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس التوحيدي قَالَ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيّ قَالَ رَأَيْت أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ ينَاظر الخالدي وَأنْشد فِي آخر كَلَامه جنونك مَجْنُون فلست بواجد
طَبِيبا يداوي من جُنُون جُنُون
وَأما قَوْله لم يظْهر بالْكلَام فَلفظ مختل المعني والنظام فَلَو قَالَ لم يظْهر الْكَلَام أَو لم يتظاهر وَلكنه غير بَصِير فِي قَوْله بِوَجْه الانتظام
وَأما قَوْله لم تكن للأشعري منزلَة فِي الْعلم وَالْقُرْآن وَالْفِقْه والْحَدِيث
فكذب معاد قد كثر تكراره وترداده من هَذَا الْجَاهِل الْخَبيث
أما علم الْقُرْآن فقد صنف فِيهِ التَّفْسِير الَّذِي لَا يخْتَلف فِي جلالة قدره
وَأما الْعلم بالأصول فَكَانَ فِيهِ بِإِجْمَاع الْعلمَاء أوحد عصره
وَأما علم الْفِقْه فقد كَانَ يذهب فِيهِ مَذْهَب الشَّافِعِي أَو مَذْهَب مَالك وَأهل الْمَدِينَة وصنف فِي أُصُوله كتبا شحنها بالأدلة المبينة
وَأما علم الحَدِيث فقد سمع مِنْهُ قدر مَا تَدعُوهُ الْحَاجة إِلَيْهِ وَحصل مِنْهُ مَا يسع الِاعْتِمَاد فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ وَقد روى فِي تَفْسِيره حَدِيثا كثيرا عَن سهل بن نوح الْبَصْرِيّ ومُحَمَّد بن يَعْقُوبَ الْمقري وعَبْد الرَّحْمَنِ بن خلف الضَّبِّيّ وَأبي خَليفَة الْفضل بن الْحباب الجُمَحِي وَأبي يَحْيَى زَكَرِيَّا بن يَحْيَى السَّاجِي وَغَيرهم وَإِنَّمَا لم ينشر عَنهُ الحَدِيث بالرواية لِأَنَّهُ كَانَ قد قصر همته على الدِّرَايَة وصرفها إِلَى مَا تقوى بِهِ الْأُصُول فَلهَذَا عز إِلَى حَدِيثه الْوُصُول وليت شعري مَا معني تفرقته بَين الْعلم وَمَا ذكر بعده كَأَن الْقُرْآن وَالْفِقْه والْحَدِيث غير الْعلم عِنْده وَقد كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول فِي الْعلم
[ ٤٠٠ ]
بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث وَالْفِقْه حَتَّى يكون كَلَامه صَحِيحا قد أَتَى بِهِ على الْوَجْه
وَأما قَوْله إِن أَصْحَاب الْكَلَام لَا تجدهم إِلَّا فِي الصَّدْر مَعَ الفلاسفة والهندسة والمنطق والزندقة
فَمن جنس مَا تقدم مِنْهُ من الْكَذِب والبهتان والتمويه والمخرقة كَيفَ يكون الْأَمر كَمَا قَالَ وهم الَّذين يردون عَلَيْهِم ويحذرون النَّاس من الْميل إِلَيْهِم ويهتكون بالأدلة جَمِيع أستارهم ويظهرون مَا يكتمون من أسرارهم ويبدون لِلْخلقِ عوارهم ويبينون بعدهمْ من الْحق ونفارهم وَمَا أعجب قَول هَذَا الْجَاهِل السَّفِيه مَعَ الفلاسفة والهندسة كَأَنَّهُ لَا يفرق بَين الصّفة وَبَين الْمَنْسُوب إِلَيْهَا لغَلَبَة الْجَهْل عَلَيْهِ والوسوسة
وَقَوله وَمَعَ من يَقُول بالْكفْر والإلحاد
فَقَوْل مِنْهُ ظَاهر الْفساد كَيفَ يكونُونَ مَعَهم وهم الَّذين يبينون كفرهم وبدعتهم وَكَيف يظنون مِنْهُم وهم الَّذين ينفرون عَنْهُم أم كَيفَ يضافون إِلَيْهِم وهم الرادون عَلَيْهِم وَلَو كَانَ الْأَهْوَازِي متدينًا مُسلما لم يكفر إِمَامًا مقدما فقد جَاءَ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأِخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن هبة اللَّه بن عَبْدِ السَّلامِ الْكَاتِبُ بِبَغْدَادَ قَالا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَطِيبُ الصريفيني قَالَ أَنا ابو الْقسم عُبْيَدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اسحق الْبَزَّاز قَالَ ثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ ثَنَا عَليّ بن الْجَعْد قَالَ أَنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ أَوْ أَنْتَ كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلا رَجَعَتْ
[ ٤٠١ ]
إِلَى الأَوَّلِ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ غسماعيل ابْن أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ خَالِهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عبد الله بن الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأَدِيبُ بأصبهان قَالَ انا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ الأديب قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ العاصمي قَالَ ثَنَا نَاعِمُ بْنُ السَّرِيِّ بِطَرْسُوسَ قَالَ ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ عَبْدُ اللَّهِ بن سعيد الْكِنْدِيّ قَالَ ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَقَبَةَ يَعْنِي ابْنَ مَصْقَلَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِلا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ عبد الْمُنعم ابْن الْأُسْتَاذ أبي الْقسم عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي قَالَ أَنا أَبِي قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدِ الْمَلِكِ بن الْحَسَنِ بن مُحَمَّد بن اسحق بن أَزْهَر الْأَزْهَرِي قَالَ انا أَبُو عوَانَة يَعْقُوب بن اسحق الإسفرايني قَالَ ثَنَا عَليّ بن حَرْب قَالَ ثَنَا وهب بن جرير قَالَ ثَنَا هِشَامُ الدُّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِالْكُفْرِ فَهُوَ كَقَتْلِهِ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيء مِنَ الإِسْلامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ الْفَقِيهُ قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ابْن عُثْمَان السّلمِيّ قَالَ أَنا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ
[ ٤٠٢ ]
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ العسكري قَالَ ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الدوري قَالَ ثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو الْمنْقري قَالَ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ قَالَ ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ أَنَّ أَبَا الْأسود الدئلي حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلا بِالْفِسْقِ وَلا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ
وَأَخْبَرَنَا الشُّيُوخُ أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمد بن عَبْدِ الْمَلِكِ النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوفُ بِالْكِرْمَانِيِّ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن وَأَبُو الْقسم زَاهِرُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّحَّامِيُّ بِنَيْسَابُورَ قَالُوا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ خلف القيرواني قَالَ أَنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بن مُحَمَّد بن اسحق بن خُزَيْمَة قَالَ ثَنَا جَدِّي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اسحق قَالَ ثَنَا رَجَاء بن مُحَمَّد العذري ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البرْسَانِي قَالَ ثَنَا الصَّلْت بن مهْرَان قَالَ ثَنَا الْحسن قَالَ ثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجْلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رجل قَرَأَ كتاب الله عزوجل حَتَّى إِذَا رُؤِيَتْ عَلَيْهِ بَهْجَتُهُ وَكَانَ رِدْءًا للإِسْلامِ اغْتَرَّهُ ذَلِكَ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَخَرَجَ عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ وَشهد عَلَيْهِ بالشرك قُلْنَا يارسول اللَّهِ مَنْ أَوْلَى بِهَا الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي قَالَ بَلِ الرَّامِي
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ النيسابوريان بهَا قَالَا أَنا أَبُو سَعِيدٍ
[ ٤٠٣ ]
مُحَمَّدٍ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الصوُّفِيُّ الْمَعْرُوف بالخشاب قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الجوزقي قَالَ انا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الدغولي قَالَ أَنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَرْبٍ النَّيْسَابُورِي قَالَ ثَنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ ثَنَا جُهَيْرُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ عَنْ خِدَاشِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ كُنْتُ فِي حَلقَة بِالْكُوفَةِ إِذا رَجُلٌ يُحَدِّثُ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَرَّ فَتَى فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْحَلْقَةِ هَذَا كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى أَتَى الْفَتَى فَقَالَ من انت انا فلَان بن فلَان رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ قَالَ فَجَعَلَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ فَقَالَ إِلامَ تَلْتَفِتُ قَالَ لَمْ أُصَلِّ قَالَ وَتُصَلِّي فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ وَتَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله قَالَ وَتَقُولُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَقَالَ مَا أُرِيدُ أَنِّي تَرَكْتُ الصَّلاةَ وَأَنَّ لِي مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ رَحِمَكَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ حَتَّى أَخَذَ مَجْلِسَهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
مَنْ شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ بِشَهَادَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُّورِ قَالَ ثَنَا أَبُو الْقسم عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزير إملاء قَالَ ثَنَا أَبُو الْقسم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بن أخزم قَالَ ثَنَا أَبُو قُتَيْبَة قَالَ ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلا قَالَ لابْنِ عُمَرَ إِنَّ لِي جَارًا يَشْهَدُ عَلَيَّ بِالشِّرْكِ فَقَالَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُكَذِّبُهُ
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفرج سعيد بن أَبِي الرَّجَاء بن أَبِي مَنْصُور الصَّيْرَفِي بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو الْفَتْحِ مَنْصُور بن الْحُسَيْنِ بن عَليّ بن الْقسم بْنِ الرَّوَّادِ
[ ٤٠٤ ]
الْكَاتِب وأَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ الثَّقَفِيُّ الأَدِيبُ قَالَا أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمقري قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الزبعي قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ قَالَ ثَنَا النَّضر بن مُحَمَّد قَالَ ثَنَا عِكْرِمَةُ يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ قَالَ ثَنَا سَوَّارُ بْنُ شَبِيبٍ الأَعْرَجِيُّ قَالَ كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِنَّ أَقْوَامًا يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ فَقَالَ وَيْلَكَ أَفَلا قُلْتَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ فَقَالَ أَهْلُ الْبَيْتِ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حَتَّى ارْتَجَّ الْبَيْتُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ الْفُضَيْلِيُّ قَالَ أَنا ابو الْقسم أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الخليلي ببلخ قَالَ أَنا ابو الْقسم عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن الْحسن الْخُزَاعِيّ قَالَ أَنا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِي قَالَ ثَنَا ابْن عَفَّان العامري قَالَ ثَنَا ابْن نمير قَالَ ثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مُجَاوِرًا بِمَكَّةَ وَكَانَ نَازِلا فِي بَنِي فِهْرٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُشْرِكًا قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ وَفَزِعَ لِذَلِكَ قَالَ هَلْ كُنْتُمْ أَظُنُّهُ تَدْعُونَهُ كَافِرًا قَالَ لَا
فهَذِهِ الْأَخْبَار تمنع من تَكْفِير الْمُسلمين فَمن أقدم على التَّكْفِير فقد عصى سيد الْمُرْسلين وَإِنَّمَا اقتدي الْأَهْوَازِي فِي تكفيره إِيَّاه وتهمته بالضلال بقول من كفره من الْقَائِلين بمذاهب أهل الاعتزال وَقد قَرَأت بِخَط عَليّ بن بَقَاء الْوراق الْمُحدث الْمصْرِيّ رِسَالَة كتب بهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زيد القيرواني الْفَقِيه الْمَالِكِي وَكَانَ مقدم أَصْحَاب مَالك ﵀ بالمغرب فِي زَمَانه إِلَى عَليّ بن أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَغْدَادِيّ المعتزلي جَوَابا عَن رِسَالَة كتب بهَا إِلَى المالكين من أهل القيروان
[ ٤٠٥ ]
يظْهر نصيحتهم بِمَا يدخلهم بِهِ أقاويل أهل الاعتزال فَذكر الرسَالَة بِطُولِهَا فِي جُزْء وَهِي مَعْرُوفَة فَمن جملَة جَوَاب ابْن أَبِي زيد لَهُ أَن قَالَ ونسبت ابْن كلاب إِلَى الْبِدْعَة ثمَّ لم تحك عَنهُ قولا يعرف أَنه بِدعَة فيوسم بِهَذَا الِاسْم وَمَا علمنَا مَنْ نسبَ إِلَى ابْن كلاب الْبِدْعَة وَالَّذِي بلغنَا أَنه يتقلد السّنة ويتولى الرَّد على الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع يَعْنِي عَبْد اللَّهِ بن سعيد بن كلاب وذكرتَ الْأَشْعَرِيّ فنسبته إِلَى الْكفْر وقلتَ إِنَّه كَانَ مَشْهُورا بالْكفْر وَهَذَا مَا علمنَا أَن أحدا رَمَاه
[ ٤٠٦ ]
بالْكفْر غَيْرك وَلم تذكر الَّذِي كفر بِهِ وَكَيف يكون مَشْهُورا بالْكفْر من لم ينْسب هَذَا إِلَيْهِ أحد علمنَاه فِي عصره وَلَا بعد عصره وقلتَ إِنَّه قدم بَغْدَاد وَلم يقرب أحدا من المالكيين وَلَا من آل حَمَّاد بن زيد لعلمه أَنهم يَعْتَقِدُونَ أَنه كَافِر وَلم تذكر مَا الَّذِي كفروه بِهِ ثمَّ ذكر ابْن أَبِي زيد تشنيع عَليّ بن أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيّ على الْأَشْعَرِيّ فِي مسئلة اللَّفْظ ثمَّ قَالَ ابْن أَبِي زيد فِي الرَّد على الْبَغْدَادِيّ والقارىء إِذَا تَلا كتاب اللَّه لَو جَازَ أَن يُقَال إِن كَلَام هَذَا لقارىء كَلَام اللَّه على الْحَقِيقَة لفسد هَذَا لِأَن كَلَام القارىء مُحدث ويفني كَلَامه وَيَزُول وَكَلَام اللَّه لَيْسَ بمحدث وَلَا يفني وَهُوَ صفة من صِفَاته وَصفته لَا تكون صفة لغيره وَهَذَا قَول مُحَمَّد بن اسمعيل البُخَارِيّ وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيرهمَا مِمَّن تكلم فِي هَذَا وَكَلَام مُحَمَّد بن سَحْنُون إِمَام الْمغرب وَكَلَام سعيد بن مُحَمَّدِ بْنِ الْحداد وَكَانَ من الْمُتَكَلِّمين من أهل السّنة وَمِمَّنْ يرد على الْجَهْمِية ثمَّ ذكر حِكَايَة أَحْمد ابْن حَنْبَل ﵀ مَعَ أَبِي طَالب الَّتِي أَخْبَرَنَا بهَا الشَّيْخَانِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفُرَاوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عبيد اللَّه بن مُحَمَّدِ بن احْمَد الْبَيْهَقِيّ قَالَا أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بن عَليّ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سعيد بن أَبِي عمر قَالا ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن اسحق يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد فوران يَقُول جَاءَنِي صَالح بن أَحْمَدَ وأَبُو بكر المروروذي عِنْدِي فدعاني إِلَى أَبِي عَبْد اللَّهِ وَقَالَ لي إِنَّه قد بلغ أَن أَبَا طَالب قد حكى عَنهُ أَنه يَقُول لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فَقومُوا إِلَيْهِ فَقُمْت واتبعني صَالح وأَبُو بكر
[ ٤٠٧ ]
فدار صَالح من بَابه فدخلنَا على أَبِي عَبْد اللَّهِ ووافانَا صَالح من بَابه فَإِذا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ غَضْبَان شَدِيد الْغَضَب يتَبَيَّن الْغَضَب فِي وَجهه فَقَالَ لأبي بكر اذْهَبْ جئني بِأبي طَالب فجَاء أَبُو طَالب وَجعلت أسكن أَبَا عَبْد اللَّهِ قبل مَجِيء أَبِي طَالب وَأَقُول لَهُ حُرْمَة فَقعدَ بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يرعد متغير الْوَجْه فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله حكيت عني أَنِّي قلت لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق قَالَ إِنَّمَا حكيت عَن نَفسِي فَقَالَ لَهُ لَا تحك هَذَا عَنْك وَلَا عني فَمَا سَمِعت عَالما يَقُول هَذَا وَقَالَ لَهُ الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق حَيْثُ تصرف فَقلت لأبي طَالب وَأَبُو عبد الله يسمح إِن كنت حكيت هَذَا لأحد فَاذْهَبْ حَتَّى تخبره أَن أَبَا عَبْد اللَّهِ قد نهى عَن هَذَا قَالَ ابْن أَبِي زيد وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ بِهِ يقْتَدى وَقد أنكر هَذَا وَمَا أنكر أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أنكرنَاه فَكيف يسعك أَن تكفر رجلا مُسلما بِهَذَا وَلَا سِيمَا رجل مَشْهُور أَنه يرد على أهل الْبدع وعَلى الْقَدَرِيَّة الْجَهْمِية متمسك بالسنن مَعَ قَول من قَالَه مَعَه من البُخَارِيّ وَغَيره فَلَو ذكرت أمرا يجب تَكْفِير قَائِله عِنْد أهل السّنة كَانَ لَك ذَلِك لأَنا لَا تعتقد أَنا نقلد فِي معني التَّوْحِيد والاعتقادات الْأَشْعَرِيّ خَاصَّة وَلَكِن لَا يحل لنَا أَن نكفره أَو نبدعه إِلَّا بِأَمْر لَا شكّ فِيهِ عِنْد الْعلمَاء وَإِذا رأينَا من فروع أقاويله شَيْئا ينْفَرد بِهِ تركنَاه وَلَا نهجم بالتضليل والتبديع بِمَا فِيهِ الريب وكل قَائِل مسؤل عَن قَوْله
وَمَا مِثَال تشنيع هَذَا المعتزلي الغليظ الْفظ على أَبِي الْحسن ﵀ فِي مسئلة اللَّفْظ إِلَّا كتشنيع رَافِضِي على رجل من أهل السّنة بتنقصه لمروان وَهُوَ يستجيز لنَفسِهِ لعَنَ أَبِي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ لِأَن
[ ٤٠٨ ]
هَذَا المعتزلي وَأهل مذْهبه يدينون بِخلق الْقُرْآن فَكيف يشنع على من يرى خلق الْأَلْفَاظ بِهِ والألحان وَلكنه لما لم يتجاسر عَليّ إِظْهَار مَا كَانَ يضمره وَيَدْعُو إِلَيْهِ مِنْهُ موّه على أهل الْمغرب بِمَا ظَنّه يكون سَببا لنفورهم عَنهُ فَلم يلتفتوا للاستضلاعهم بِالْعلمِ إِلَى تمويهه ووجهوا قَول الْأَشْعَرِيّ فِي اللَّفْظ على أحسن وجوهه فَإِن قلد الْأَهْوَازِي الْمُعْتَزلَة وَأطلق القَوْل بتكفيره لشدَّة جَهله فَإِن الْأَشْعَرِيّ كَانَ لَا يرى تكفيره وَلَا تَكْفِير أحد من أهل الْقبْلَة لسعة فَضله وَقد تقدّمت عَنهُ فِي ذَلِك حِكَايَة زَاهِر بن أَحْمَدَ وَهِي الْحِكَايَة الَّتِي يَنْبَغِي أَن يُصَار إِلَيْهَا فِي التَّكْفِير ويعمد لِأَنَّهُ القَوْل الْأَخير الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ وَأكْثر الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه ذهب إِلَيْهِ
فَأَما الْأَصْحَاب فَإِنَّهُم مَعَ اخْتلَافهمْ فِي بعض الْمسَائِل مجمعون على ترك تَكْفِير بَعضهم بَعْضًا بِخِلَاف من عداهم من سَائِر الطوائف وَجَمِيع الْفرق فَإِنَّهُم حِين اخْتلفت بهم مستشنعات الْأَهْوَاء والطرق كفر بَعضهم بَعْضًا وَرَأى تبريه مِمَّن خَالفه فرضا وَظَهَرت مِنْهُم أَمَارَات المعاداة والتباغض كَمَا عرف من فرق الْمُعْتَزلَة والخوارج وَالرَّوَافِض وَمَا ذَلِك إِلَّا من أَمر الله عزوجل عَلَيْهِم وإحسانه فِي الائتلاف مَعَ وجود الِاخْتِلَاف إِلَيْهِم
وَأما تهمته إيَّاهُم بترك الْكتاب والأثر وتعييرهم بركوب الْقيَاس والخطر فكذب مِنْهُ وزور وَدَعوى بَاطِلَة وغرور هَل تمسكهم إِلَّا بِالْكتاب الْمُبين وَهل تعلقهم إِلَّا بِالْحَدِيثِ المتين وهم الَّذين يستنبطون الْمعَانِي من النُّصُوص ويبينون وَجه الْعُمُوم وَالْخُصُوص ويكشفون عَن الْأَحَادِيث بالتنقيب عَنهُ والتصحيح
[ ٤٠٩ ]
وَيَأْخُذُونَ فِي الْمُخْتَلف مِنْهَا بأنواع التَّرْجِيح ويتبعون مِمَّا اخْتلف من الرِّوَايَات رِوَايَة الثِّقَات من الْمُحدثين الْأَثْبَات لَا كالأهوازي الَّذِي إِن جمع فخاطب ليل وَإِن تكلم فَكَلَامه لغثاثته كغثاء سيل حَتَّى لقد احْتج فِي صِفَات الرَّحْمَن بِمَا لَا يحْتَج بِمثلِهِ لضَعْفه فِي حيض النسوان
وَأما قَوْله لم يزل قَول الْأَشْعَرِيّ مَهْجُورًا
فقد جَاءَ فِي قَوْله ظلما وزورا كَيفَ يكون مَهْجُورًا وَأكْثر الْعلمَاء فِي جَمِيع الأقطار عَلَيْهِ وأئمة الْأَمْصَار فِي سَائِر الْأَعْصَار يدعونَ إِلَيْهِ ومنتحلوه هم الَّذين عَلَيْهِم مدَار الْأَحْكَام وإليهم يرجع فِي معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام وهم الَّذين يفتون النَّاس فِي صعاب الْمسَائِل ويعتمد عَلَيْهِم الْخلق فِي إِيضَاح المشكلات والنوازل وَهل من الْفُقَهَاء من الحنيفية والمالكية وَالشَّافِعِيَّة إِلَّا مُوَافق لَهُ أَو منتسب إِلَيْهِ أَو رَاض بحميد سَعْيه فِي دين اللَّه أَو مثن بِكَثْرَة الْعلم عَلَيْهِ غير شرذمة يسيرَة تضمر التَّشْبِيه وتعادي كل موحد يعْتَقد التَّنْزِيه وتضاهي أَقْوَال أهل الاعتزال فِي ذمه وتباهي بِإِظْهَار جهلها بقدرة سَعَة علمه
وَقَوله إِن مذ قوي ذَلِك أقل من ثَلَاثِينَ سنة
فلعمري أَنه إِنَّمَا اشتهرت هَذِهِ النِّسْبَة من الْأَزْمِنَة فِي عصر الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني ذِي التصانيف المستحسنة وانتشرت بِبَغْدَادَ وَغَيرهَا من الْبلدَانِ والأمكنة وَقد ذكرت فِيمَا تقدم أَن الإنتساب إِلَى غير الاعتزال كَانَ فاشيا منتشرا وكل من كَانَ متسننًا كَانَ متخفيا مستترا إِلَى أَن قَامَ الْقَاضِي أَبُو بكر بنصرة الْمَذْهَب وانتشر عَنهُ فِي الْمشرق وَالْمغْرب وَكَانَ يظهره فِي دَار السَّلَام الَّتِي هِيَ قبَّة الْإِسْلَام فَلم يظْهر لذاك تَغْيِير من الإِمَام وَلَا نَكِير من
[ ٤١٠ ]
السوقة الْعَوام بل كَانَ الْكل يتقلدون مِنْهُ الْملَّة من الْعَوام وَالْأَئِمَّة ويلقبونه بأجمعهم سيف السّنة لِسَان الْأمة وَكَانَ بَينه وَبَين جمَاعَة من الحنَابلة مُخَالطَة ومؤانسة واجتماع فِي سَماع الحَدِيث وَرِوَايَته ومجالسه وَقد رَأَيْت سَمَاعه فِي عدَّة من الْأَجْزَاء والمجالس بِخَط الْحَافِظ أَبِي الْفَتْح بن أَبِي الفوارس وقبره فِي مَقْبرَة الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ ظَاهر وَذكره فِي جَمِيع الْآفَاق مشتهر سَائِر
وَأما قَوْله إِن اللَّه لَا يخلي كل قطر مِمَّن يدحض قَوْلهم وَيبين فضيحتهم ويدمغ كلمتهم
فَلَو عكس مَا قَالَه فِي ذَلِك لصدق قَوْله وَلم يتهم لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كل قطر من قَائِم مِنْهُم بِالْحجَّةِ موضح للنَّاس سَبِيل المحجة مُبين لِلْخلقِ تمويهات المموهة محذر من مَذَاهِب المعطلة والمشبهة وَإِن كَانَ كل عصر لَا يَخْلُو من قَائِل بِغَيْر علم ومتكلم بِغَيْر إِصَابَة وَلَا فهم مُشْتَمل على أَنْوَاع من المعايب مقتد بِفِعْلِهِ فِي تصنيف المثالب غير أَنه لَا يضر بِمَا يتقول من الْبُهْتَان إِلَّا خَاصَّة نَفسه وَلَا يعز إِلَّا أَغْمَارًا إِذَا اعتبرتهم وَجَدتهمْ من جنسه
وَأما قَوْله وَلم يزل الْأَشْعَرِيّ يسير فِي الْبِلَاد وَلَا يقبل قَوْله وَلَا يرْتَفع حَاله وَهُوَ مخمول غير مَقْبُول فِي بِلَاد الْإِسْلَام لَا يرى فِي كنف الْمُسلمين عزا وَلَا فِي الْعلمَاء إقبالا عَلَيْهِ حَتَّى لحق بِبَلَد إِلَّا حسا بلد لَا يدْخلهُ مُؤمن وَلَا يقر فِيهِ مُسلم وَإِنَّمَا يدْخلهُ الفسقة الْفجار وأولياء القرامطة الْكفَّار
فَمن الْأَقَاوِيل الْمُخْتَلفَة والأكاذيب الْكِبَار الَّتِي لَا يتجاسر على حِكَايَة مثله غير الأوقاح الأغمار مَا علمت أَبَا الْحسن دخل من الْبِلَاد غير الْبَصْرَة وبغداد فَمن وَصفه بالتطواف وَالسير فِي الْآفَاق غير هَذَا الْجَاهِل
[ ٤١١ ]
الظَّاهِر الاختلاق الَّذِي لَا يشبه قبح اختلاقه وَوَضعه إِلَّا بغثاثة أَلْفَاظه وسجعه لِأَنَّهُ مَتى تَأتي لَهُ فِي اللَّفْظ وَجه السجع تكلم بِهِ وَلم ينظر إِلَى فَسَاد الْوَضع وَإِنَّمَا جَاءَ بِلَفْظَة المخمول لما تَأتي لَهُ غير مَقْبُول فانظروا إِلَى هَذَا الْعَالم الْفَاضِل الَّذِي أَتَى بِلَفْظَة المخمول مَوضِع الخامل وَلَعَلَّه لما سمع بأجوبة أَبِي الْحسن الَّتِي سَمَّاهَا الْأَجْوِبَة الخراسانية والأجوبة البغدادية وَجَوَاب الطبريين وَجَوَاب المصريين والدمشقيين والواسطيين والسيرافيين والرامهرمزيين والعمانيين والأرجانيين والجرجانيين ظن لبلادته أَنه طَاف هَذِهِ النواحي والبلدان فَتَقول عَلَيْهِ مَا حكينَاه عَنهُ من الزُّور والبهتان وَإِنَّمَا تِلْكَ مسَائِل وَردت عَلَيْهِ من الْآفَاق وَسَأَلَهُ إيضاحها من كتب بهَا إِلَيْهِ من أهل الْخلاف لَهُ أَو الْوِفَاق فَأجَاب عَنْهَا بأوضح الْجَواب وَبَين لمن سَأَلَهُ فِيهِ وَجه الصَّوَاب وَفِي ذَلِك أوفى تَكْذِيب لقَوْله إِنَّه كَانَ خامل الذّكر لَا يرى من الْعلمَاء إقبالا عَلَيْهِ لوضاعة الْقدر إِذْ لَو لم يكن مَعْرُوفا بَين الْعلمَاء مَشْهُورا لما كَانَ فِيمَا بعد عَنهُ من الْبلدَانِ مَذْكُورا حَتَّى يُكَاتب من هَذِهِ الْجِهَات النَّائيات وَيسْأل عَن الْمسَائِل المشكلات وَمَا أَتَى الْأَهْوَازِي لَا رعاه اللَّه فِيمَا أَتَى بِهِ من الطامة الْكُبْرَى إِلَّا لما أَرَادَ اللَّه من هتك ستره وقضاه من كشف أمره فِيمَا حكى فِي الْحِكَايَة الْأُخْرَى وَإِنَّمَا قدر اللَّه لَهُ أَن يخْتم كِتَابه بِمثل ذَلِك الْكَذِب الشنيع ليقطع بكذبه لَا حاطه اللَّه فِي الْجَمِيع وَكَفاهُ من التَّكْذِيب لَهُ والإخساء دَعْوَاهُ أَن أَبَا الْحسن ﵀ مَاتَ بالإحساء وَلَا خلاف بَين النَّاس أَنه مَاتَ بِبَغْدَادَ فَمن قَالَ غير ذَلِك فقدأربى على كل كَذَّاب وَزَاد
وَقد ذكرت ذَلِك فِيمَا
[ ٤١٢ ]
تقدم وَأَسَانِيده فَلَا حَاجَة بِي إِلَى أَن أُعِيدهُ وَقد زرت قَبره بِبَغْدَادَ غير مرّة واعتبرت بِرُؤْيَة تربته أوفى عِبْرَة وَعند قَبره من قُبُور أَصْحَابه ثَلَاثَة قُبُور كل ذِي قبر مِنْهَا مَشْهُور غير منكور فالمقبور فِي الأول ابْن مُجَاهِد وأَبُو بكر ابْن بنت أَبِي بكر بن فورك صَاحب الْقَبْر الثَّانِي والمدفون فِي الْقَبْر الثَّالِث أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَتيق بن مُحَمَّد الْمُتَكَلّم القيرواني وَقد ولع بعض جهال الحنَابلة بقبره ضِرَارًا وَخرب مَا بني على تربته رَوَاهَا الله برحمته مرَارًا فَمَا ضرّ ذَلِك أَبَا الْحسن وَلَا نقص من قدره كَمَا لم يضر عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ من بعض الروافض تحريق قَبره
حَدثنَا الشَّيْخُ أَبُو النَّجْم هِلَال بن حسن بن أَحْمَدَ الْفَقِيه بِجَامِع دمشق من لَفظه قَالَ كنت بِبَغْدَادَ فقصدت زِيَارَة قبر أَحْمد بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ فِي جمَاعَة من أهل بَغْدَاد والعجم فَلَمَّا رجعنَا اجتزنَا بِقَبْر أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ وَكَانَ فِي جملتنَا رجل بغدادي مِمَّن ينتمي إِلَى مَذْهَب الحنَابلة فَتخلف عنَا بعد ذهابنَا من تربته وأحدث على قَبره وَلحق بنَا فأَخْبَرنِي بذلك فَكبر عليَّ صَنِيعه وعاتبته على فعله فَقَالَ لَو قدرت على عِظَامه لنبشتها وأحرقتها فَقلت لَهُ إِن أَبَا الْحسن لَا يضرّهُ ذَلِك فَإِنَّهُ قد مَاتَ مُنْذُ زمَان فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة أَصَابَهُ فِي بَيته بلَاء من بلَاء الله عزوجل فَكَانَ يتضرب ويلقي الدَّم من حلقه وَبَقِي ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ مَاتَ واشتهر بَين النَّاس أمره وَلَوْلَا أَن الْأَهْوَازِي جهل مَوضِع قَبره أَو نسي مَا حكى مَا ذكره عَنْ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد المحرسي وَإِنَّمَا أَرَادَ الله عزوجل
[ ٤١٣ ]
بذلك إِظْهَار فضيحته ليعلم كل ذِي لب كَثْرَة كذبه وعظيم قحته فَلَو كَانَ سكت عَن ذكر الإحساء وَمَا حَكَاهُ عَنهُ من الْفِرْيَة لَكَانَ رُبمَا وَقع فِي صِحَّته للجهال نوع من المرية وَلَكِن اللَّه سُبْحَانَهُ لم يزل يهتك أَسْتَار الْكَذَّابين ويكشف أسرار البهاتين الطعانين العيابين فَكيف استجار فِي دينه قذف ميت من غير تَحْقِيق فِيمَا قَالَ وَلَا تثبت فَلَا جرم إِنَّه لما استجاز مَا تَقوله على هَذَا الإِمَام من الْمُنكر رَمَاه اللَّه عدلا مِنْهُ بالداء الْأَكْبَر
سَمِعْتُ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا الْحسن عَليّ بن مُسلم السُّلَمِيَّ ﵀ وَكَانَ ثِقَةً وَفَوْقَ الثِّقَةِ يَحْكِي عَنْ ثِقَةٍ لَمْ يُسَمِّهِ لِي أَوْ سَمَّاهُ فَنَسِيتُ اسْمَهُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد بن صَالح السّلمِيّ الْمقري الْمَعْرُوفَ بِالْمُطَرِّزِ النَّحْوِيِّ وَقَدْ أَدْرَكَ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَرِّزَ وَلَكِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ فِي زَمَنِهِ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامَ النَّحَّاسِينَ لَيْلا فَوَجَدَ أَبَا عَلِيٍّ الأَهْوَازِيَّ مَعَ غُلامٍ أَسْوَدَ عَلَى ضِدِّ مَا حَكَى هُوَ عَنِ الْمَحْرَسِيِّ فِي حَقِّ الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ الْمُطَرِّزُ انْظُرُوا حَالَةَ مَنْ يَقُولُ فِي الأَئِمَّةِ مَا يَقُولُ هَذَا معنى مَا حكى لي ﵀ وَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون جَزَاء من يقْدَح فِي الْأَئِمَّة ويطعن فِي الصُّدُور من سلف الْأمة وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ الَّذِي أَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحصين الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بن حمدَان الْقطيعِي قَالَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامر شَاذان قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ
[ ٤١٤ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلا تَتَبَّعُوا عَوَرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوَرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ فِي بَيْتِهِ وَلَا يستبعدن جَاهِل كذب الْأَهْوَازِي فِيمَا أوردهُ من تِلْكَ الحكايات فقد كَانَ من أكذب النَّاس فِي بعض مَا يَدعِيهِ من الرِّوَايَات فِي القراآت فَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُور بن قبيس الغساني ﵀ وَكَانَ ثِقَة يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ أَبِي الْعَبَّاس بن قبيس الْفَقِيه وَكَانَ فِي الثِّقَة مثله أَو فَوْقه وَكَانَ قد لَقِي الْأَهْوَازِي وعاصره وَسمع مَعَه من بعض شُيُوخه أَنه لما أظهر الْأَهْوَازِي من الْإِكْثَار من الرِّوَايَات فِي القراآت مَا أظهراتهم فِي ذَلِك فَسَار أَبُو الْحَسَنِ رشا بن نظيف وَأَبُو الْقسم بْنُ الْفُرَات وابْن القماح المقرئون إِلَى الْعرَاق لكشف مَا وَقع فِي نُفُوسهم مِنْهُ ووصلوا إِلَى بَغْدَاد وقرؤا على بعض الشُّيُوخ الَّذين روى عَنْهُم الْأَهْوَازِي وجاؤا بالاجازات عَنْهُم وبخطوطهم بِمَا أقرؤا بِهِ فَمضى الْأَهْوَازِي إِلَيْهِم وسألهم أَن يروه تِلْكَ الخطوط الَّتِي مَعَهم فَفَعَلُوا ودفعوها إِلَيْهِ فَأَخذهَا وَغير أَسمَاء من سمي عِنْده ليستتر دَعْوَاهُ فَعَادَت عَلَيْهِ بركَة الْقُرْآن فَلم يفتضح هَذَا معني مَا سمعته مِنْهُ وَبَلغنِي عَنهُ أَنهم سَأَلُوا عَنهُ بعض المقرئين الَّذين ذكر أَنه قَرَأَ عَلَيْهِم وحلوه لَهُ فَقَالَ هَذَا الَّذِي تذكرونه قد قَرَأَ عليَّ جُزْءا من الْقُرْآن أَو نَحوه قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بن قبيس وحَدَّثَنِي وَالِدي أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ عاتبت أَو عوتب أَبُو ظَاهر الوَاسِطِيّ الْمقري
[ ٤١٥ ]
فِي الْقِرَاءَة على أَبِي عَليّ الْأَهْوَازِي فَقَالَ قَرَأَ عَلَيْهِ للْعلم يَعْنِي القراآت وَلَا أصدقه فِي حرف وَاحِد
قَالَ وحَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بن الْحسن بن عَليّ ابْن الملحي قَالَ كنت عِنْد رشا بن نظيف الْمقري الْمعدل فِي دَاره على بَاب الْجَامِع وَلها طَاقَة إِلَى الطَّرِيق فَاطلع فِيهَا وَقَالَ قد عبر رجل كَذَّاب فاطلعت فَوَجَدته الْأَهْوَازِي
وأنبأنَا الشَّيْخ أَبُو الْفَضَائِل الْحسن بن الْحَسَنِ بن أَحْمَدَ الْكلابِي الإِمَام قَالَ حَدَّثَنِي أخي لأمي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْخضر بن الْحَسَنِ العثماني قَالَ توفّي أَبُو عَليّ الْأَهْوَازِي الْحسن بن عَليّ يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَأَرْبَعين وأربعماية تكلمُوا فِيهِ وَظهر لَهُ تصانيف زَعَمُوا أَنه كذب فِيهَا
فَإِذا كَانَ هَذَا فعل الْأَهْوَازِي فِي إدعاء قراآت لَا يضر مدعيها أَن لَا يكون قَرَأَ بهَا قطّ وَلَا أَن يدعيها فَكيف يستبعد مِنْهُ أَن يكذب على إِمَام أَصَّلَ للموحدين الْأُصُول وأذهب أوقاته فِي التحذير من مثل مذْهبه فِي التَّشْبِيه وَفصل لَهُم الْفُصُول مَعَ مَا يظْهر مِنْهُ من الإفراط فِي بغضه والغلو وَلأَجل هَذَا الْمَعْنى لم يقبل الشَّارِع شَهَادَة الْعَدو على الْعَدو
وَذكر أخي أَبُو الْحُسَيْنِ قَالَ قَالَ الشَّيْخ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنا الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب ﵀ أَبُو عَليّ الْأَهْوَازِي كَذَّاب فِي الحَدِيث والقراآت جَمِيعًا
فَأَما ماارتكبه الْأَهْوَازِي فِي خلال مَا أوردهُ من الإزراء عَلَيْهِ والطعن من أَنْوَاع الدُّعَاء عَلَيْهِ والسب الْقَبِيح لَهُ واللعن وَالرَّغْبَة إِلَى اللَّه فِي إِدْخَاله النَّار والابتهال إِلَيْهِ أَن يحملهُ الآثام والأوزار فمما لَا أقابله عَلَيْهِ بِمثل صَنِيعه بل أكِلُ
[ ٤١٦ ]
مكافأته إِلَى الله عزوجل على جَمِيعه وَكفى بِهِ ﷾ لَهُ مجازيا وحسبيا لَهُ على مَا يَقُول كل متقول مكافيا وَلَو لَهُ إِيمَان يمنعهُ أَو حَيَاء يكفه عَمَّا يتقول ويردعه لما كَانَ للأئمة لعانًا وَعَلَيْهِم بالمحال طعانًا وَقَدْ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذمّ اللَّعْن واللعانين ماأخبرنا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن الْحَسَنِ الأَدِيبُ بِأَصْبَهَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ أَحْمد الثَّقَفِيّ وَأَبُو الْقسم إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السّلمِيّ فرقهما قَالَا انا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمقري قَالَ ثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَعْنِي ابْنَ خَرْبَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي الجروي قَالَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَليِدُ بْنُ رَبَاحٍ قَالَ سَمِعْتُ النِّمْرَانَ يَذْكُرُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعَدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا هَكَذَا يَقُولُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانٍ التَّنِّيسِيُّ وَغَيْرُهُ يَقُولُ رَبَاحُ بْنُ الْوَلِيدِ الذِّمَارِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ وَنِمْرَانُ هُوَ ابْنُ عتبَة دمشقي
أخبرنَا أَبُو الْقسم زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الْمُسْتَمْلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ح وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخلال قَالَ أَنا أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ أَحْمَدَ الأديب قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ يَعْنِي الْحُسَيْنَ بن مُحَمَّد
[ ٤١٧ ]
ابْن مودود قَالَ ثَنَا مُخَلَّدُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ الْحَرَّانِيُّ السلمسيني يُقَال ثَنَا حَفْص ابْن مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنَ اللَّيْلِ فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَنْهُ فَلَعَنَهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءَ قَدْ سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمًا قَالَ إِنَّهُ أَبْطَأَ عَنِّي قَالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَة
وَأخْبرنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بن مُحَمَّد التَّمِيمِي قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بن حمدَان قَالَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِث قَالَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هُوَذَةَ الْقُرَيْعِيُّ أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ سَمِعَ جُرْمُوزَ الْهُجَيْمِيَّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ
أُوصِيكَ أَنْ لَا تَكُونَ لَعَّانًا
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَلالُ الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ أَنا أبوالقسم إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخَبَّازُ قَالَ أَنا ابو بكر بن الْمقري قَالَ أَنا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْموصِلِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ قَالَ ثَنَا أَبُو عَامر قَالَ ثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ بُنْدَارٍ
وَالأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ مُتَّسَعَةٌ وَهَذِهِ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا فِي الْمَعْنَى هَهُنَا مُقْنِعَةٌ فالمؤمن الْكَامِل الْإِيمَان هُوَ الَّذِي لَا يتسارع إِلَى اللَّعْن والمخذول الضَّعِيف الإيقان يمتثل أَمر الشَّيْطَان لَهُ بالوقيعة فِي النَّاس
[ ٤١٨ ]
والطعن
وَقد أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَالب مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن غيلَان الْبَزَّاز قَالَ انا أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكي قَالَ أَنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْن الماسرجسي قَالَ ثَنَا الْحسن بن عِيسَى قَالَ ثَنَا ابْن الْمُبَارك ح وَأخْبرنَا الشَّيْخ أبوغالب أَحْمد بن الْحسن قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ انا مُحَمَّدُ بن الْعَبَّاسِ الخزاز قَالَ انا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن بن الْحسن قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارك قَالَ أَنا سُفْيَانُ عَن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي رزين قَالَ جَاءَ رجل إِلَى الفضيل بن غَزوَان فَقَالَ إِن فلانَا يَقع فِيك قَالَ لأغيضن من أمره يغْفر اللَّه لي وَله قيل من أمره قَالَ الشَّيْطَان
فَأَما مَا فِي كَلَام الْأَهْوَازِي من اللّحن والركاكة والألفاظ الَّتِي لَا يتَلَفَّظ بِمِثْلِهَا إِلَّا الحاكة فكثير ظَاهر لمن تَأمله وتدبره وَالْخَطَأ فِيهِ لَا يخفى على من نظره فالمتتبع لذَلِك بالتبيين والكشف متكلف معني وَكَيف يُطَالب الْأَهْوَازِي بالإصابة فِي اللَّفْظ وَقد أَخطَأ المعني وَلَوْلَا خشيَة أَن يغتر مغتر بِمَا حَكَاهُ ويعتقد جَاهِل صدقه فِيمَا رَوَاهُ لَكَانَ الْإِعْرَاض عَن الرَّد على مثله أولى والاشتغال بِغَيْر نقض كَلَامه أَنْفَع فِي الْآخِرَة وَالْأولَى وَلست أعجب مِنْهُ فِيمَا أَتَاهُ من الْجَهْل لِأَنَّهُ اللَّائِق بِهِ لسوء العقد وَعدم الْفضل وَإِنَّمَا أعجب من تيوس سمعُوا مِنْهُ وحكوه وجهال كتبوه عَنهُ وَرَوَوْهُ وَلَكِن لكل سَاقِطَة لاقطة وعَلى قدر الْوَجْه تكون الماشطة فَهَذَا جملَة الْجَواب الْكَافِي فِي الرَّد على هَذَا العائب الشافي فِي إِظْهَار مَا فِيهِ أَنْوَاع المعائب وَبعد مَا استفرغ فِي الذَّم جهده وَاسْتوْفى مِنْهُ ذكر مَا
[ ٤١٩ ]
عِنْده فَإِنَّهُ لم يضر بِمَا ذكر غير نَفسه وَلم يفصح بانتقاص أهل الْفضل إِلَّا عَن فَسَاد حسه وَلم ينقص أَبَا الْحسن ﵀ عِنْد الْعلمَاء من رتبته وَلَا حطه بِمَا زوره ولفقه من الْكَذِب عَن مرتبته وَلأبي الْحسن ﵀ بالأكابر من الصَّحَابَة ﵃ أحسن الأسوة مَعَ أَن الرَّسُول ﷺ أنزلهم للْمُسلمين بِمَنْزِلَة الْقدْوَة قَالَ ﷺ
أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ فلئن سببتم يَا معشر الأشعرية كَمَا سبوا فَلَقَد اعْتدى الَّذين سبوكم وَمَا اعتديتم فَمن سلم من الصَّحَابَة من كَلَام حَاسِد وأيهم خلا من عَدو معاند هَذَا أَبُو بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق رضوَان اللَّه عَلَيْهِمَا وأقوال الروافض فيهمَا مشتهرة وتقولاتهم عَلَيْهِمَا بِمَا لَا يستجيز مُسلم أَن يحكيه فضلا عَن أَن يَقُوله فِي حَقّهمَا منتشرة وَهَذَا عُثْمَان بن عَفَّان ذُو النورين ﵁ وذم الروافض والخوارج لَهُ فِيمَا بَينهم مالوف وَهَذَا عَليّ ابْن أَبِي طَالب أَبُو السبطين ﵁ وَرَأى الْخَوَارِج وبَنِي أُميَّة فِيهِ مَعْرُوف وهَذِهِ عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَزوج الرَّسُول ﷺ الَّتِي برأها الله عزوجل فِي مُحكم التَّنْزِيل لم تسلم على أَلْسِنَة أهل الرَّفْض مَعَ مَا يخفون ويعلنون لَهَا من البغض وَكَذَلِكَ غير من سميت من أكَابِر الصَّحَابَة وَغَيرهم من سادة العترة والقرابة وَمن بعدهمْ من فُقَهَاء الْأَمْصَار وأئمة الدّين فِي سَائِر الْأَعْصَار قل من يسلم مِنْهُم من طعن وَرُبمَا تنَاول بعض الْجُهَّال بَعضهم بلعن
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخلال قَالَ أَنا أَبُو الْقسم
[ ٤٢٠ ]
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ السُّلَمِيُّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْمقري قَالَ انا عَلِيُّ بْنُ مُنِيرِ بْنِ دِينَارٍ الوَاسِطِيّ قَالَ ثَنَا أَحْمد بن زَكَرِيَّا قَالَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أُمِرُوا بِالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ فَسَبُّوهُمْ أَمَا أَنِّي سَمِعْتُ نَبِيِّكُمْ ﷺ يَقُولُ
لَا تَفْنَى هَذِهِ الأُمَّةُ حَتَّى يَلْعَنَ آخِرُهَا أَوَّلَهَا وَلَو وقفتم على مَا يَقُول كل معتزلي مخبل فِي حق الإِمَام أَبِي عَبْد اللَّهِ أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ مِمَّا قد نزهه اللَّه عَنهُ وبرأ قدره وَدينه مِنْهُ وَلذَلِك قيل مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْفَقِيهُ وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْملك بن خيرون قَالَا ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بن ثَابت الْخَطِيب قَالَ أَنا الْحُسَيْنُ بْنُ شُجَاع الصُّوفِي قَالَ انا عمر بن جَعْفَر بن مُحَمَّدِ بن سلم قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَليّ الْأَبَّار قَالَ سَمِعت سُفْيَان بن وَكِيع يَقُول احْمَد عندنَا محنة من عَابَ أَحْمد عندنَا فَهُوَ فَاسق
وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب حَدَّثَنِي الْحسن بن أَبِي طَالب قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيم بن شَاذان قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْمقري بالداليه قَالَ أنشدنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن بدينَا الْموصِلِي قَالَ أَنْشدني ابْن أعين فِي أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ أضحى ابْن حَنْبَل محنة مَأْمُونَة
وبحب أَحْمد يعرف المتنسكُ
وَإِذا رَأَيْت لِأَحْمَد متنقصا
فَاعْلَم بِأَن ستوره ستهتك