والله المسؤول أن يقيِّض لهذا الجلف وأمثاله مَن يعاملهم بمثل معاملة عمر بن الخطاب ﵁ للمنافق الذي لم يرضَ بحكم رسول الله ﷺ، حيث عاجله بالقتل ولم يمهله.
وقد جاء عن النبي ﷺ في حقِّ أمه نحو ما جاء عنه في حقِّ أبيه، وذلك فيما رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى مَن حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكِّركم الموت».
وقد رواه: ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، والبيهقي في «السنن» وفي «دلائل النبوة».
وروى: الإمام أحمد أيضا، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقي؛ عن ابن بريدة عن أبيه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزل بنا ونحن قريبٌ من ألف راكب، فصلَّى بنا ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، ففَدَّاه بالأب والأم، وقال: مالك يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «إني سألت ربي ﷿ في الاستغفار لأمي؛ فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار «وذكر بقية الحديث».
قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وفي رواية لأحمد عن ابن بريدة عن أبيه؛ قال: خرجتُ مع النبي ﷺ، حتى إذا كنَّا بودَّان؛ قال: «مكانكم حتى آتيكم»، فانطلق، ثم جاءنا وهو سقيم، فقال: «إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة - يعني
[ ١١٣ ]
لها - فمنعنيها (وذكر بقية الحديث)».
وروى البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه؛ قال: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر، فجلس وجلس الناس حوله كثير، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، قال: ثم بكى، فاستقبله عمر ﵁، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليَّ، وأدركتني رقَّتها فبكيت». قال: فما رُئي ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة.
وروى البيهقي أيضا في «دلائل النبوة» عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطَّى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكيًا، فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ، ثم إن رسول الله ﷺ أقبل إلينا، فتلقَّاه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء، فجلس إلينا، فقال: «أفزعكم بكائي؟»، فقلنا: نعم يا رسول الله! فقال: «إنَّ القبر الذي رأيتموني أناجي فيه قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي فيه، واستأذنت ربي في الاستغفار لها، فلم يأذن لي فيه، ونزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ للنَّبِيِّ والَّذينَ آمنُوا أَنْ يَسْتَغْفِروا للمُشْرِكينَ﴾ حتى ختم الآية: ﴿ومَاَ كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأبِيه إِلَّا عَنْ مَوِعدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّن لهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأ منهُ﴾، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة؛ فذلك الذي أبكاني».
وهذه الأحاديث التي وردت في منع النبي ﷺ من الاستغفار لأمه
[ ١١٤ ]