فصلٌ
في ذكر نماذج من زلات أهل زماننا وأخطائهم في الفتاوى.
فمن ذلك الفتيا بحل الربا، وعدم المبالاة بما يترتَّب على ذلك من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة ﵃، وعدم المبالاة بما جاء من الوعيد الشديد للمرابين ولعنهم وإيذانهم بالحرب من الله ورسوله.
ولو كان للمفتين بحلّ الربا أدنى شيء من العقل السليم؛ لما أقدموا على تحليل الربا، وتعرَّضوا للعظائم التي تترتَّب على تحليله.
وإنه لينطبق عليهم ما جاء في حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال «حبُّك الشيء يعمي ويصمُّ».
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود.
وينطبق عليهم أيضا ما جاء في حديث أبي مسعود البدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ ممَّا أدرك الناس من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستح؛ فاصنع ما شئت».
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجه.
ومعنى الحديث على أحد الأقوال: أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء من مساوئ الأقوال والأفعال، ولا يبالي بما يترتَّب على ذلك من الإثم والجرح في العدالة والنقص في الدين.
وينطبق عليهم أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتينَّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أمن حلال؟ أم من حرام؟».
[ ٥٣ ]
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والدارمي.
وينطبق عليهم أيضًا ما في حديث عبد الله بن عمرو الذي جاء فيه الإِخبار عن نزع العلم في آخر الزمان، وأنه يبقى ناسٌ جهَّال؛ يُسْتَفْتَوْن، فيفتون برأيهم، فيضلُّون ويُضلون.
وقد تقدَّم ذكر الحديث في أثناء الكتاب؛ فليراجع، وليراجع أيضا ما ذكر بعده من حديث ابن مسعود ﵁ الذي جاء فيه أنه يجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويثلم.
وقد تصدَّى للردَّ على المفتين بحل الربا كثير من العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل وكتبًا كثيرة، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف لهم الثواب.
وقد كتبت في هذا الموضوع كتابا سمَّيته: «الصارم البتَّار للإجهاز على مَن خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار»؛ فليراجعه المفتون بتحليل الربا، والمفتونون بأكله؛ ففيه إن شاء الله تعالى كفاية لطالب الحق.
وأما الذين لا يبالون باستحلال الربا ومعارضة الحق وردّه؛ فأولئك ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وينبغي أن يُطبَّق عليهم قول ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: «يَا أيَّها الَّذين آمَنُوا اتَّقوا اللهَ وذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ، فإنْ لَمْ تَفْعَلوا فأذَنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورسوله﴾؛ قال: «فمن كان مقيمًا على
[ ٥٤ ]
الربا لا ينزع عنه؛ فحقّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا؛ ضربت عنه».
رواه ابن جرير.
وقال الحسن وابن سيرين: «والله؛ إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنَّهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل؛ لا ستتابهم، فإن تابوا، وإلا؛ وضع فيهم السلاح».
رواه ابن أبي حاتم.
فهذا جزاء المرابين في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فليتأمَّل المفتون بتحليل الربا، والمفتونون بأكله، ما جاء في تحريمه والوعيد عليه من الآيات والأحاديث الكثيرة، ولا يستهينوا بشيء منها، ولا يغرَّنهم الشيطان وأعوان الشيطان بما يأتون به من الشبه والأباطيل والأضاليل والحيل لاستحلال الربا بتسميته فوائد وأرباحًا؛ فإن هذه الحيل لا تزيل عنه اسم الربا وحكمه.
وقد روى ابن بطة بإسناد جيّد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلُّوا محارم الله بأدنى الحيل».
وقد عاقب الله اليهود الذين استحلُّوا المحارم بالحيل بأن مسخهم قردة وخنازير.
[ ٥٥ ]
فليحذر الذين يستحلُّون الربا وغيره من المحرَّمات بالحيل أن يُصابوا بمثل ما أُصيب به اليهود من المسخ أو يُعاقبوا بغير ذلك من العقوبات الشديدة.
وليعلموا أن العقوبة على استحلال الربا ليست مختصَّة بالمستحلّين له، بل إنها قد تتعدَّى إلى غيرهم من أهل بلادهم؛ كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ظهر في قوم الزنى والربا؛ إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله».
رواه أبو يعلى، قال المنذري والهيثمي: «إسناده جيد».
وعن ابن عباس ﵄ نحوه.
رواه الحاكم في «المستدرك»، وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وليعلم المرابون أن لهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فرجًا ومخرجًا، فمَن اتَّقى الله تعالى وترك الربا طاعةً لله تعالى؛ فإنه يوشك أن ييسر الله له من الرزق الطيب ما يغنيه.
قال الله تعالى: ﴿ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجًا ويَرْزُقْهُ منْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾.
قال ابن كثير: «أي: ومن يتَّق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه؛ يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي: من جهة لا تخطر بباله».
ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁؛ قال: «جعل رسول الله ﷺ يتلو عليَّ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرجًا ويَرْزُقْهُ
[ ٥٦ ]
مَنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، حتى فرغ من الآية، ثم قال: يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أخذوا بها؛ لكفتهم».
وليعلم المرابون أيضا أنَّ من ترك شيئًا اتَّقاء الله؛ عوَّضه الله خيرًا منه؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي قتادة وأبي الدهماء عن رجل من أهل البادية؛ قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ، فجعل يعلِّمني مما علَّمه الله ﵎، وقال: «إنَّك لن تدعَ شيئًا اتَّقاء الله ﷿؛ إلا أعطاك الله خيرًا منه».
قال الهيثمي: «رواه أحمد بأسانيد رجالها رجال الصحيح».
[ ٥٧ ]