أو يقول: لو لم تجب الزكاة [على الفقير] (^١) لوجبت على المدين بعين ما نذكره في الدلالة على الوجوب على الفقير.
أو يقول: لو وجبت على الفقير لما وجبت على المدين بالنصّ المانع من الوجوب وبالقياس وبغيرهما من الدلائل، وقد انتفى اللازم ــ وهو الوجوب على الفقير ــ فينتفي ملزومُه، وهو عدم الوجوب على المدين، فيثبت الوجوب على المدين.
إلى غير ذلك من التلازمات المناقضة للزوم المدعى، وتقريرها بمادة كلام المستدلّ، وهو مُفسِدٌ لكلامِه من وجهين:
أحدهما: أنه يُنتج النقيضين، فيُعلم أنه باطل.
الثاني: أنه إما أن يكون صحيحًا أو باطلًا، فإن كان صحيحًا لزمَ ثبوتُ التلازم المناقض لتلازمه فيبطل تلازمُه، وإن كان باطلًا بَطَلَ الدليلُ على تلازمِه، فتبقى دعوى محضة، فينقطع.
واعلم ــ أصلحك الله ــ أن إبطالَ هذا التلازم الذي قد استُدِلَّ عليه بالجدل المموّه له مقامات.
أحدها: منعُ مقدمات دليلِ التلازم، إمَّا منعًا مدلولًا عليه أو غيرَ مدلولٍ عليه، وجميع النكت العامة لا بدَّ فيها من منعٍ صحيح. فعليك بتأمّل موضع المنع، فمتى منعَ منعًا صحيحًا تعذَّر عليه جوابُ المنع إلّا بكلام علمي، وليس في عامة هذه النكت أدلةٌ علميةٌ، لكونها باطلةً في نفسها، وإن كان التلازم نفسُه قد يكون صحيحًا، ومتى عجزَ عن تمشيةِ ما أثبتَ به التلازم
_________________
(١) زيادة ليستقيم السياق.
[ ٣١ ]
ظهرَ فسادُ كلامِه وبُطلانُ مَرامِه، ووضَحَ أن الذي قاله من نوع الهذيان. والمُنُوع قد تتعدَّدُ وقد تتحد، وقد يتوجهُ المنعُ على مقدمةٍ على أحدِ التقديرين، وعلى الأخرى على التقدير الآخر.
الثاني: المعارضة ببيان أن تلك الأدلة تدلُّ على نقيض المدعى حسب دلالتها على المدعى، وذلك لقلب التلازم والاستدلال بها عليه كما تقدم، وهنا يمكن المعارضةُ بملازماتٍ كثيرة.
الثالث: المعارضة بما ينفي التلازم أو بما يناقضه من جنس النكت التي (^١) استدل بها على ثبوته. والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن تلك معارضةٌ بعين النكتة، وهنا معارضةٌ بجنسها.
الرابع: المعارضة بدليلٍ صحيح يدلُّ على عدم التلازم، وهو دليلٌ مستقلٌ في نفسه.
وفي كل مقام من هذه المقامات قد تتوجَّهُ أسوِلةٌ كثيرة لا تنضبط إلا بحسب المواد، ومع هذا فالمعترض في مقام منع مقدمة التلازم والمعارضة فيها، فإذا انتقل إلى المعارضة في نفس الحكم المتنازَع فيه بما يدلُّ على نفيه فله حنيئذٍ أن يذكر من جنس أدلة المستدلّ ومن غير جنسها ما شاءَ. [ق ١٥] فالأولُ إبطالٌ للدليل، وهذا إبطالٌ لحكم الدليل.
ومتى عرفتَ هذا تبيَّنَ لك فسادُ جميع هذا الباب، وأمكنكَ إبطالُ نكتِ هؤلاء المتلبسينَ بأدنى شيء، وعلمتَ أن العاقلَ لا يَرضاهَا البتَّةَ ولا يستحسنُ ولا يستحلُّ الكلام بمثلها.
_________________
(١) الأصل: "الذي".
[ ٣٢ ]