ومن تدبّر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدًا، وأن محمدًا كان مع مكانته من العلم والسنّ والمنزلة من الدولة وكثرة الأتْباع على غاية من الإنصاف في البحث والنظر وإن لم يرجع في كثير من ذلك أو أكثره عن قوله.
وكان الشافعي على وفور أدبه وحُسْن معاشرته لمحمد وغيره لا يقصّر في إظهار حجته؛ ومن اللطائف في ذلك ما تراه في "الأم" (ج ٦ ص ١٦٠) (^١) ذكر الشافعيُّ مناظرته مع بعض الناس إلى أن قال: "وكانت حجته في أن لا تُقتل المرأةُ على الردّة= شيئًا رواه عن عاصم عن أبي رزين
_________________
(١) (٧/ ٤١٧). وقال في "التنكيل": (١/ ٧٢٠): "ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة: أنه يجمع في مناظراته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع، ساق في كتاب "اختلاف الحديث" بابًا تراه في هامش "الأم" (ج ٧/ص ١٠٥ - ١٢٥) في أحكام الماء وفيه ذكر القلتين وغير ذلك الأحاديث ومناظرة مع مَن لم يسمّه، لكن يتبين بالسياق أنها مع محمد بن الحسن إلى أن قال (ص ١١٥): "وقلت له: ما علمتكم اتبعتم في الماء سنةً ولا إجماعًا ولا قياسًا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لو قيل لعاقل: تخاطأ، فقال ما قُلْتُم لكان قد أحسن التخاطؤ"! ثم ذكر الأحاديث وسأله: أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها فقال (ص ١١٦): "فقلت له: لقد خالفتها كلها وقلت قولًا اخترعته مخالفًا للأخبار خارجًا من القياس، قال: وما هو؟ قلت: اذكر القَدْرَ قال: الذي إذا حرك أدناه لم يضطرب أقصاه" فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال (ص ١٢٠): "قلت إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا: القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ"، ثم ساق إلى أن قال: (ص ١٢١ - ١٢٢): "فقال: ما أحسن قولكم في الماء؟ قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع ".
[ ١٥ / ٣١١ ]
عن ابن عباس ﵄ في المرأة ترتدّ عن الإسلام: تُحبَس ولا تُقتل.
وكلّمني بعض من يذهب هذا المذهب وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث، فما علمتُ واحدًا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يُثبت أهلُ العلم حديثَه، فقلت له: قد سمعت ما قال هؤلاء الذين لا شكّ في علمهم بحديثك، وقد روى بعضهم عن أبي بكر أنه قتل نِسوة ارتددن عن الإسلام فكيف لم تصرْ إليه؟ قال: إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ".
فكأنّ الشافعي كان متوقعًا البحث في ذاك المجلس في حكم المرتدّة، وعَلِم أن مناظره سيحتجّ بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعيّ أن يقول هو في أبي حنيفة ما يسوء القوم، فأحضر الشافعيُّ معه مَن لا نزاع في معرفتهم بالحديث ورُواته؛ حتى إذا جاء ذاك الحديث سألهم ليكون الغضُّ [ص ١٧] من أبي حنيفة منهم، فتقوم حجةُ الشافعي، ويسلم بما يتوقّاه من سوء العشرة.
وأعجب من هذا أن الشافعي حاول الجري على هذه الطريقة بعد أن فارق القومَ ومضت على ذلك مدة، فأثبت الحكايةَ في كتابه على ما مرّ لم يعرض فيها تسمية أبي حنيفة، بل حاول أن يعمِّيه حتى كأنه لا شأن له بذلك الحديث ولا بكلام أولئك الذين حضروا من أهل المعرفة بالحديث.
وقد ذكر البيهقي في "السنن" (٨/ ٢٠٣) حكاية الشافعي، فقال صاحبُ "الجوهر النقي": "أبو رزين صحابي، وعاصم وإن تكلّم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء، وقال ابن سعد: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه.
[ ١٥ / ٣١٢ ]
فإن ضعّفوا هذا الأثرَ لأجله فالأمر فيه قريب فقد وثّقه جماعةٌ، خرّج له في "الصحيحين" مقرونًا بغيره، وخرّج له الحاكم في "المستدرك" وابن حبان في "صحيحه". وإن ضعّف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلّم فيه بعضُهم فقد وثّقه كثيرون وأخرج له ابن حبان في صحيحه " (^١).
ولا يشك عالمٌ أن قول الجماعة: "الذي روى هذا ليس ممن يُثبتُ أهلُ العلمِ حديثَه" لا يصلح أن يُراد به عاصم، فإن حال عاصم عندهم أعلى من ذلك، وقد قال أحمد وأبو زُرعة: "ثقة"، فأما أبو حنيفة فالكلام في روايته وخاصة لهذا الحديث معروف، ومنزلته عند ابن حبان تُعرف مما قاله في "الضعفاء" (^٢). وقد نقل الأستاذ بعضه كما يأتي في ترجمة محمد بن حبان (^٣).
ومع هذه المجاملة الشريفة من الشافعي وأنه قائل تلك الكلمة التي يبالغ بعض الناس فيقول: تكاد تكون هي رأس مال الحنفية: "الناسُ عيال في الفقه على أبي حنيفة"، وعَرْضه أقوال أهل الرأي مع أقوال فقهاء أهل الحديث جنبًا لجنب وكانت قبله مهجورة، حتى إن ابن المبارك ذكر شيئًا (^٤) في كتبه فلم يزل به الناس حتى جاء عنه أنه قال في أواخر عمره: "لأن عشت لأخرجنّ أبا حنيفة من كتبي" (^٥). وحتى تذاكر أهلُ العلم في مسألةٍ فقال
_________________
(١) وقد أطال المؤلف في "التنكيل": (١/ ٧٣٤) في نقد ابن التركماني.
(٢) "الضعفاء والمجروحون": (٣/ ٦١ - ٧٣).
(٣) من "التنكيل": (١/ ٧٤٥)، وانظر "التأنيب" (ص ١٤٥).
(٤) غير محررة في الأصل ولعلها ما أثبت.
(٥) "تاريخ بغداد": (١٣/ ٤٤٣).
[ ١٥ / ٣١٣ ]
أبو عبيد: "قال أبو حنيفة"، فأنكر عليه الأسود بن سالم أشدّ الإنكار، كما ترى في ترجمة الأسود (^١).
أقول: إنه مع هذا كان جزاء الشافعي في ذلك كله من الأستاذ ما ترى بعضه في هذه الترجمة، حتى إنه حاول الطعن في نَسَبِه المجمع عليه؟ !
وحَسْبكمُ هذا التفاوتُ بيننا وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ (^٢)
دع كثرة المؤلفين في مناقب أبي حنيفة من الشافعية! فأما الخطيب فإنما سرد أقوال الناس [ص ١٨] في الغضِّ كما ساق ما روي في المناقب، وذاك واجبه من جهة أنه مؤرّخ ومحدّث، ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب، بل منهم مَن عارضه، ومنهم من ردّ عليه كما حكاه الأستاذ. ولما تعرّض للردّ عليه الملك عيسى ومأجوره ابن قُزْغلي ــ وفي ردّهما ما فيه من التهافت ــ لم يعرض لهما أحدٌ من الشافعية بل استمروا على مجاملتهم التي قد تبلغ في بعضهم أن تكون إدهانًا واضحًا!
وكذلك لما أشيع ذلك الكتيب المجهولُ مؤلِّفُه "كتاب التعليم" ــ وفيه ما فيه من الطعن في الشافعي وغيره ــ مرّ به الشافعيةُ مرور الكرام، وأقصى ما كان منهم أنْ ذَكَر بعضُهم أن مؤلفه مجهول.
وكأنّ الأستاذ اغترّ بتلك المجاملة والإدهان فظنّها استكانة لا حَراك بعدها؛ فجاء بما جاء به، ولم يدر أن للصبر حدًّا، وأن للحق أنصارًا، وأن وراء الأكمة رجالًا!
_________________
(١) من "التنكيل" رقم (٥٤).
(٢) البيت للحيص بيص في "ديوانه": (٣/ ٤٠٤) ضمن أبيات.
[ ١٥ / ٣١٤ ]