استدل الشيعة الإثنا عشرية بقول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين﴾ (١)
وادّعى التيجاني (٢) أنّ هذه الآية صريحة في الدلالة على انقلاب الصحابة بعد رسول الله وعدّ الصحابة المنقلبين على أعقابهم هم الكثرة الغالبة من الصحابة فيما ثبت من الصحابة قلة قليلة وهي الفئة التي ترى الشيعة الإثنا عشرية ثبوتها على الإسلام.
ويطبّق التيجاني ومن سبقه إلى هذا الفهم من علماء الشيعة هذه الآية على ما حصل بعد رسول الله ﵌ في حادثة السقيفة بانتخاب أبي بكر خليفة المسلمين!!
ولي مع هذه الدعوى وقفات أقول فيها:
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٤٣ - ١٤٤
(٢) ثم اهتديت ص١١٤
[ ٥١٤ ]
أولًا: لقد نصت كتب التفسير عند أهل السنة وكذا كتب التاريخ وبعض كتب الشيعة الإثني عشرية على أنّ هذه الآية قد نزلت في واقعة محددة وهي (غزوة أحد)، فما الذي حوّلها إلى سقيفة بني ساعدة وإلى الصراع السني الشيعي الإثني عشري؟!
وكأنّ التيجاني وكُتّاب الشيعة المعاصرين لم يقرأوا ما قاله المفسر الشيعي محمد جواد مغنية في تفسيره الكاشف من أنّ الآية تشير (إلى واقعة معينة وهي وقعة أحد) (١) أو ما قاله آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل): (سبب النزول أنّ الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضًا إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنيين أنّ محمدًا قد قتل) (٢).
وقد كانت لموقعة أحد ظروفها الخاصة وملابساتها ولذلك جاءت الآيات الكريمات في سورة آل عمران وفقًا لتلك الظروف والملابسات، واستخدام الآية الكريمة للاستدلال على وقائع أخرى كحادثة السقيفة أو موقعة الجمل لا يخلو من غرابة ومن مزاجية.
فالاستدلال بها على قضية الإمامة أو حادثة السقيفة أو موقعة الجمل استدلال مزاجي، لا يمتّ للمنهجية العلمية بصلة.
ثانيًا: تعتبر هذه الآية من أكبر الدلائل على عظم إيمان أبي بكر وحكمته وتفانيه في الدفاع عن دين الله، فموقفه الثابت يوم أن تُوفي رسول الله ﵌ خير شاهد على ذلك
_________________
(١) الكاشف ٢/ ١٦٩
(٢) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ٢/ ٧١٧
[ ٥١٥ ]
يوم أن وقف وقفته الثابته مخاطبًا الناس بعد ما أصابهم الوهن والضعف على فقد رسول الله فقال: (إنّ الله ﷿ يقول ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون﴾ (١) ويقول (﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِين﴾ (٢) فمن كان يعبد الله ﷿، فإنّ الله ﷿ حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات).
وموقفه الصارم من الذين ارتدوا على أعقابهم واستبدلوا الإيمان بالكفر فاتبعوا مسيلمة وسجاح وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وأمثالهم، ومن الذين قالوا نصلّي ولا نزكّي فأسقطوا شعائر الإسلام بالهوى لأروع مثال على عظمة أبي بكر والصحابة وعلى حرصهم على الدين.
وقد روى الطوسي في "الأمالي" ما يؤكد هذه الحقيقة:
فعن إبراهيم أنه قال: ارتد الأشعث بن قيس وناس من العرب لما مات النبي ﵌ فقالوا: نصلّي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم أبو بكر ذلك، وقال: لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ولا أنقصكم شيئًا مما أخذ منكم نبي الله ﵌ ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالًا مما أخذ منكم نبي الله صلى الله عليه وآله لجاهدتكم عليه ثم قرأ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ حتى فرغ من الآية ) (٣).
_________________
(١) سورة الزمر آية ٣٠
(٢) سورة آل عمران آية ١٤٤
(٣) أمالي الطوسي ص٢٦٢ حديث رقم (٤٨٠) وبحار الأنوار ٢٨/ ١١
[ ٥١٦ ]
علّق المجلسي على هذه الرواية قائلًا: (قال ابن طاووس: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه (لم يلبث الإسلام بعد موت النبي ﵌ في طوائف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس ثم قال: ارتدت بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي وارتدت ربيعة كلها وكانت لهم ثلاثة عساكر: عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذّاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وائل، وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن، ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي، وارتدت بنو عامر إلا علقمة ابن علاثة) (١).
فقد (ارتد بسبب موت الرسول ﵌ ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس، قوم ارتدوا عن الدين بالكلية وقوم ارتدوا عن بعضه، فقالوا: لا نصلّي ولا نزّكي، وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد ﵌ فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذّابين كمسيلمة الكذّاب وطليحة الأسدي وغيرهما، فقام إلى جهادهم الشاكرون الذين ثبتوا على الدين، أصحاب رسول الله ﵌ من المهاجرين والأنصار والطلقاء والأعراب ومن اتبعهم بإحسان، الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ (٢) هم أولئك الذين جاهدوا المنقلبين على أعقابهم الذين لم يضروا الله شيئًا.
وما أنزل الله في القرآن من آية إلا وقد عمل بها قوم، وسيعمل بها آخرون، فمن كان من الشاكرين الثابتين على الدين، الذين يحبهم الله – ﷿ – ورسوله، فإنه يجاهد المنقلبين على
_________________
(١) بحار الأنوار ٢٨/ ١٢
(٢) سورة المائدة آية ٥٤
[ ٥١٧ ]
أعقابهم، الذين يخرجون عن الدين، ويأخذون بعضه ويدعون بعضه كحال هؤلاء القوم المجرمين المفسدين، الذين خرجوا على أهل الإسلام، وتكلم بعضهم بالشهادتين، وتسمّى بالإسلام من غير التزام شريعته) (١).
لكن ما حيلتنا مع من يجادل عن بعض أصناف أهل الردة ويتأول لهم قائلًا بأنّ اتفاقهم على منع الزكاة لا يعني ردتهم في حين لا يجد أي حرج في توجيه السهام إلى أبي بكر والصحابة الذين انتصروا للإسلام وثبتوا على دين الله بعد خذلان أكثر الناس له والطعن فيهم والقول بردتهم وانقلابهم على أعقابهم من أجل عدم إعطائهم الخلافة لعلي!
إنّ هؤلاء العاذرين لا يجهلون عظم فريضة الزكاة التي قرنها الله بالصلاة مرارًا في القرآن بل يجهلون حتى أحاديث أهل البيت التي بينت بكل وضوح أنّ ما فعله أبو بكر تجاه مانعي الزكاة هو عين الصواب، وأنّ فعله ذاك علامة فقهه ﵁.
روى الكليني في الكافي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (من منع قيراطًا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قوله ﷿ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَاءِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ (٢) وفي رواية (لا تقبل له صلاة) (٣).
وعنه أيضًا عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: من منع قيراطًا من الزكاة فليمت إن شاء الله يهوديًا أو نصرانيًا (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٢٢٧ و٢٨/ ٢٢٧
(٢) سورة المؤمنون آية ٩٩ - ١٠٠
(٣) الكافي- كتاب الزكاة- (باب منع الزكاة) - حديث رقم (٣).
(٤) المصدر نفسه – حديث رقم (١٤).
[ ٥١٨ ]
وعنه أيضًا عن الإمام محمد الباقر أنه قال: (إنّ الله ﷿ قرن الزكاة بالصلاة، فقال ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ (١) فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يُقم الصلاة) (٢).
فأين هذه الأحاديث الواضحة وكذا فعل الإمام علي الذي وقف جنبًا إلى جنب مع الخليفة الراشد أبي بكر الصديق في تلك المحنة من التيجاني وشرف الدين الموسوي وفلان وفلان من أئمة وعلماء الشيعة الإثني عشرية الذين ما زالوا يدندون حول قضية قتال مانعي الزكاة محاولين تبرئة ساحتهم ورمي أبي بكر والصحابة بالمقابل بالأباطيل والردة!
أبو بكر ذاك الرجل الذي عاش قضية الإسلام فكانت شغله الشاغل، والذي يذكر ابن شهرآشوب في كتابه (متشابه القرآن) في تفسير قول الله ﷿ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (فهذا عام في جميع المواضع ويدخل فيه سجدة الشكر بعد الصلاة، وقد سجد النبي ﵌ لما أُتي برأس أبي جهل، وسجد علي لما وجدوا ذا الثدية، وسجد أبو بكر لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة (٣).
رجل يسجد شكرًا لله وفرحًا بانتصار الإسلام وهلاك مدّعي النبوة مسيلمة، ومع ذلك يُتهم بالردة والانقلاب على عقبيه! يُتهم في عرضه وفي دينه وفي كل شيء!
أما الشعار الإيماني الذي قاتل تحت لوائه الصحابة مسيلمة ومن معه فيذكر النوري الطبرسي في "مستدرك الوسائل ١١/ ١١٣" عن الإمام علي بن الحسين أنه قال: كان شعار أصحاب رسول الله ﵌ يوم مسيلمة (يا أصحاب سورة البقرة).
_________________
(١) سورة البقرة آية ٤٣
(٢) الكافي- كتاب الزكاة- (باب منع الزكاة) – حديث رقم (٢٣).
(٣) متشابه القرآن ٢/ ١٧٣
[ ٥١٩ ]
يا له من شعار ويا لعظمة أولئك الرجال.
أيها القارئ إنّ النصوص التي ذكرتها لك ودلت بمجموعها على تفاني هؤلاء الرجال في نصرة هذا الدين وعلى رأسهم الخليفة الراشد أبي بكر الصدّيق، إنما هي حقائق سطّرتها كتب الشيعة الإثني عشرية الذين احترفوا لعن هؤلاء الأخيار ووصفهم بالنفاق والردة وأبشع الأوصاف!
وإنّ المرء ليعجب من أولئك الذين يدّعون اتباع أئمة أهل البيت والتمسك بهديهم، أين هم عن مثل هذه الروايات؟ وأين أخلاقهم عن هذه الأخلاق الرفيعة التي تمثلها أهل البيت؟
لقد ضرب لنا الإمام أبو جعفر (محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب) أروع الأمثلة في سلامة الصدر من الحقد على المؤمنين الصادقين حين يمتدح أبا بكر الصدّيق ويُسمّيه بـ (الصدّيق) كما ذكر ذلك الأربلي في "كشف الغمة في معرفة الأئمة ٢/ ٣٦٠" عن عروة أنه قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق ﵁ سيفه، قلت: فتقول الصدّيق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم، الصدّيق نعم، الصدّيق نعم، فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا ولا في الآخرة).
فرحم الله الإمام أبا جعفر ورحم الله كلماته التي طوتها صحف الأمس ولم تنطق بها ضمائر اليوم.
ثالثًا: قد يجد من يريد الطعن في الصحابة أنّ حجته في تطبيق الآية الكريمة على مبايعة الناس أبا بكر على الخلافة غير منطقية، فيأتي للنص ليستخدمه كمطعن في أبي بكر والصحابة من خلال غزوة أحد نفسها.
[ ٥٢٠ ]
ولذلك أقول بيانًا لأحداث تلك الغزوة: في إطار الحديث عن غزوة أحد التي نزلت بسببها تلك الآيات، أُشيع بعد هزيمة المسلمين التي كان السبب الجوهري فيها ترك الرماة لمواقعهم أنّ رسول الله ﵌ قد قُتل.
فانقسم الناس بسبب هذه الصدمة المفاجئة إلى ثلاثة أقسام: قسم استمر على ما هو عليه كأبي بكر الصدّيق (١) وعلي بن أبي طالب وأنس بن النضر وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبي دجانة والزبير بن العوام ورجال من المهاجرين والأنصار.
فحين توجهت السهام تجاه رسول الله ﵌ في جهة من أرض القتال وأشيع في الجهات الآخرى مقتله ﵌ فلم يدركوا ما كان يواجه رسول الله ومن معه في تلك الجهة، قام خمسة من الأنصار فقاتلوا دون رسول الله رجلًا رجلًا يُقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن زياد بن السّكن، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت من المسلمين فئة حتى أجهضوهم عنه، فقال رسول الله ﵌: ادنوه مني فأدنوه منه فوسّد قدمه، فمات وخدّه على قدم رسول الله ﵌ وترّس دون رسول الله ﵌ أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثرت فيه النبل، ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله ﵌، فقال
_________________
(١) يقول ابن أبي الحديد المعتزلي (الشيعي الغالي سابقًا) في "شرح نهج البلاغة ١٥/ ٢١": (ولم يختلف الرواة من أهل الحديث في أنّ أبا بكرلم يفر يومئذ وأنه ثبت فيمن ثبت، وإن لم يكن نُقل عنه قتل أو قتال، والثبوت جهاد وفيه وحده كفاية).
[ ٥٢١ ]
سعد: فلقد رأيته يناولني ويقول: ارم فداك أبي وأمي .. حتى إنه ليناولني السهم ما فيه نصل فيقول: ارم به! (١)
فأما طلحة بن عبيد الله فيكفيه شرفًا أن شُلت يده وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول قيس بن أبي حازم ﵁: (رأيت يد طلحة شلاّء، وقى بها النبي ﵌ يوم أحد). (٢)
ومن حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لما كان يوم أحد وولّى الناس، كان رسول الله ﵌ في ناحية في اثني عشر رجلًا من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله ﵌ فقال: (من للقوم؟)، فقال طلحة: أنا، قال رسول الله ﵌: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: أنت، فقاتل حتى قُتِل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، قال: كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: أنت، فقاتل حتى قُتل، ثمّ لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيُقاتل قِتال من قبله حتى يُقتل حتى بقي رسول الله ﵌ وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله ﵌: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قِتال الأحد عشر حتى ضُربت يده فقُطعت أصابعه فقال: حسّ، فقال رسول الله ﵌: (لو قلت بِسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون) ثم ردّ الله المشركين) (٣).
_________________
(١) تاريخ الطبري ٢/ ٦٦
(٢) رواه البخاري-كتاب المغازي- باب ﴿إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليّهما﴾ - حديث (٤٠٦٣).
(٣) رواه النسائي- كتاب الجهاد - باب (ما يقول من يطعنه العدو) - حديث رقم (٣١٥١).
[ ٥٢٢ ]
وحينما استعصى على رسول الله ﵌ صعود صخرة قعد طلحة ليصعد رسول الله عليه فيعتلي الصخرة، فعن الزبير ﵁ أنه قال: (كان على النبي يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة، قال الزبير: فسمعت النبي ﵌ يقول: (أوجب طلحة) (١).
وقد أنزل الله ﷿ خلال تلك الفترة النعاس على المؤمنين وأبقى في قلوب المنافقين الرعب، يقول أبو طلحة الأنصاري ﵁: (رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يمييد تحت حَجَفتِهِ من النعاس، فذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾) (٢).
ويتحدث عن الطائفة التي لم يغشها النعاس قائلًا: (والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحق) (٣).
وفي رواية ابن حبان (والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، أهل شك وريبة في أمر الله) (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي- كتاب الجهاد - باب (ما جاء في الدرع) - حديث رقم (١٦٩٢) وأحمد في المسند ١/ ١٦٥ حديث رقم (١٤١٧) بسند حسن.
(٢) أخرجه الترمذي- كتاب تفسير القرآن – باب (ومن سورة آل عمران) - حديث رقم (٣٠٠٧) وهو صحيح على شرط مسلم (راجع كتاب الصحيح المسند للوادعي- حديث رقم ٣٦٦).
(٣) أخرجه الترمذي-كتاب تفسير القرآن- باب (ومن سورة آل عمران) -حديث رقم (٣٠٠٨) بسند صحيح.
(٤) صحيح ابن حبان - ذِكر أبي طلحة الأنصاري ﵁ – حديث رقم (٧١٨٠).
[ ٥٢٣ ]
يقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ (١): (يعني المنافقين: معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور ويقولون الأقاويل).
وقد كان الزبير بن العوام ممن غشيهم النعاس أمنة من الله وفضلًا، يقول الزبير ﵁: (لقد رأيتني مع رسول الله ﵌ حين اشتد الخوف علينا، فأرسل الله علينا النوم، فما منّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم (لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ههنا) فحفظتها، وفي ذلك أنزل الله ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب) (٢).
أما عمر بن الخطاب ﵁ فمن الثابت في التاريخ أنه كان يقاتل في أحد، فلما دارت الدائرة على المسلمين وأُشيع مقتل النبي ﵌ لم يترك عمر بن الخطاب ﵁ أرض المعركة حتى رأى الناس رسول الله ﵌.
فقد روى الطبري بسنده عن ابن إسحاق أنه قال: (فكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: (قُتل رسول الله ﷺ) كعب بن مالك أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين: أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إليّ رسول الله أن أنصت، فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض نحو الشعب معه علي بن
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٥٤
(٢) أخرجه ابن إسحاق في (المغازي) – ومن طريقه الطبري في (جامع البيان ٤/ ٩٤) وإسحاق بن راهويه في (مسنده) كما في (تخريج أحاديث الكشاف) للزيلعي ١/ ٢٣٣ رقم ٢٤٢ وغيرهم، والسند حسن.
[ ٥٢٤ ]
أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين.
قال: فبينا رسول الله ﷺ في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله ﷺ: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله ﷺ قد بدُن فظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض فلم يستطع، جلس تحته طلحة بن عبيدالله فنهض حتى استوى عليها.
ثم إنّ أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إنّ الحرب سجال، يوم بيوم بدر، (اعل هبل) أي: أظهر دينك.
فقال رسول الله ﷺ لعمر: قم فأجبه فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فلما أجاب عمر ﵁ أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلم إليّ يا عمر، فقال له رسول الله ﷺ ائته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر) (١).
وفي رواية البخاري (فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﵌ أن يُجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره لقوله تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ من سورة آل عمران، والرواية صححها الألباني في تحقيقه لكتاب (فقه السيرة) للغزالي - حديث رقم (٢٥٨).
[ ٥٢٥ ]
ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، فما ملك عُمرُ نفسه، فقال: كذبت والله يا عدو الله! إنّ الذين عدَدْت لأحياءٌ كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحربُ سِجال، إنكم ستجدون في القوم مُثْلةً لم آمر بها ولم تسُؤْني، ثم أخذ يرتجِزُ: اُعْلُ هُبَلْ، اُعْلُ هُبَلْ.
قال النبي ﵌: ألا تجيبوه؟، قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال: إنّ لنا العزى ولا عُزّى لكم، فقال النبي ﵌: ألا تجيبوه؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) (١).
وعند أحمد بسند حسن (فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل (اعل هبل) مرتين - يعني آلهته-، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: بلى، قال: فلما قال (اعل هبل) قال عمر: الله أعلى وأجل، قال: فقال أبو سفيان: يا ابن الخطاب، إنه قد أنعمت عينها، فعاد عنها أو فعال عنها، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر، قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول وإنّ الحرب سجال قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (٢).
هذا هو عمر الذي ينسبون له الردة والانقلاب على عقبيه يوم أحد!
_________________
(١) رواه البخاري-كتاب الجهاد والسير- باب (ما يُكره من التنازع والاختلاف في الحرب) - حديث رقم (٣٠٣٩).
(٢) مسند أحمد - حديث (٢٦٠٩)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
[ ٥٢٦ ]
غير أنّ الأمانة العلمية تدعوني إلى عدم إغفال رواية القاسم بن عبد الرحمن بن رافع وفيها: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله (١) في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتل محمد رسول الله (٢) قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا كرامًا على ما مات عليه رسول الله ﵌ ..) (٣) لكن توقف هؤلاء الصحب هذه اللحظات لا يعني أنهم لم يوفقوا إلى مواقف مشرفة في هذه الغزوة، ينصرون بها دين الله ﷿.
فيظهر من هذه الرواية أنّ قسمًا من الصحابة فاجأته الصدمة فلم يعد يعرف ماذا يفعل فاكتأب وتوقف عن القتال مع إيمانه برسول الله وحسرته على موته المفاجئ، فتوقف عن القتال
_________________
(١) والحديث ضعيف لأمور متعلقة بالسند وبالمتن كذلك: فأما التي في السند فإنّ ابن حميد: هو يعقوب بن حميد بن كاسب؛ ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه بعضهم وأمره لا يخلو من الضعف. وسلمة: هو ابن رجاء التميمي، وفيه ضعف أيضًا مقارب لسابقه. والقاسم بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج لا يعرف وروايته هذه منقطعة. وأما المتن فلأنّ من الثابت بأسانيد صحيحة عند السنة والشيعة أنّ طلحة بن عبيد الله كان ممن يدافع عن رسول الله ﵌ حين انهزم المسلمون وأنّ يده شُلت بسبب ذلك بينما تذكر هذه الرواية الضعيفة أنه ممن ألقى السلاح، فلو أنّ هذه الرواية صحت وخالفت غيرها من الروايات الصحيحة الثابتة لكفانا ذلك تضعيفًا لها، فكيف وإسنادها ضعيف؟
(٢) في هذا رد على من يريد الطعن في هؤلاء الصحابة ويدّعي ردتهم، فإنهم بقوا على الإيمان وعلى شهادة أنّ محمدًا رسول الله لكن صدمة الإشاعة جعلتهم يحتارون ماذا يفعلون، ولو كانوا مرتدين لما قالوا (قُتل محمد رسول الله!) وإنما (قُتل محمد) ولقالوا مثل ما قاله المنافقون (لنلحق بعبد الله بن أُبي سلول) أو غيره.
(٣) تاريخ الطبري ٢/ ٦٦
[ ٥٢٧ ]
حينها لكنه لم يرتد أو يلحق بعبد الله بن أبي سلول أو بجيش الكفار، وإنما كان أسير الصدمة الكبيرة.
فلعل عمر بن الخطاب وبعض الصحابة توقفوا حينها بعد سماعهم لنبأ مقتل رسول الله، ثم لما حفزّهم أنس بن النضر دب الحماس في نفوسهم إلى اللحاق برسول الله ﵌ في جنان الخلد فقاموا وقاتلوا من جديد.
هذا إن صحت الرواية وإلا فهي كما ذكرنا ضعيفة الإسناد.
وهناك قسم بقي على الإيمان كمن سبقه ولكنه انسحب من القتال وهم عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان (رجلان من الأنصار) (١) وغيرهم، وهؤلاء الصحابة قد تجاوز الله عنهم زلتهم في كتابه الكريم بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (٢) فبيّن الله أنه قد عفا عن جميع من تولى يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقة، فكيف بعثمان الذي قدّم للإسلام الكثير؟
روى البخاري أنّ رجلًا حج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء، أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أنّ عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟
_________________
(١) تاريخ الطبري ٢/ ٦٩
(٢) سورة آل عمران آية ١٥٥
[ ٥٢٨ ]
قال: نعم، قال: فكبّر، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبيّن لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه.
وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﵌ وكانت مريضة فقال له النبي ﵌: (إنّ لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه).
وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فإنّه لو كان أحد أعز ببطن مكّة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عُثمان إلى مكّة، فقال النبي ﵌ بيده اليمنى: (هذه يد عثمان، فضَرَبَ بها على يَدِهِ، فقال: هذه لِعُثْمان، اذْهَبْ بِهذا الآن مَعَك) (١).
أما القسم الأخير وهم الذين ارتدوا على أعقابهم فلم أجد في حقهم رواية معتبرة يمكن الركون إليها، فقد رويت في شأنهم روايات ضعيفة جدًا لا ترتقي إلى مستوى الاستدلال.
ولعلهم بعض المغترين بعبد الله بن أبيّ بن سلول كما يظهر من مجموع الروايات.
فأين هذه الحقائق ممن يمزجون الحق بالباطل فيجعلون أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وغالب أصحاب رسول الله من أهل الردة؟!
ولا يجعلون من الآية دليلًا على ردة هؤلاء في غزوة أحد فحسب بل على ردتهم بعد موت رسول الله في انتخابهم أبي بكر خليفة للمسلمين! أي إنصاف هذا؟ وأي ضمير يرتضي هذا التجني؟!
_________________
(١) رواه البخاري-كتاب المغازي- باب (قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَان﴾ - حديث رقم (٤٠٦٦).
[ ٥٢٩ ]