ما من صحبة أعظم في تاريخ البشرية من صحبة النبي ﵌، كم تمنيت وتمنى كل مسلم لو تشرّفت أعيننا وتكحلت برؤية المصطفى ﵌.
لكن مبغضي الصحابة الذين احترفوا تشويه الحقائق، وقلب الفضيلة إلى منقصة، جعلوا صحبة خير البشر محمد ﷺ واللقاء به والجلوس في مجلسه، صحبة مسلوبة القيمة والشرف بل تجرأ المفيد فشبّه صحبة الصحابة لرسول الله بصحبة البهيمة للعاقل!
يقول المفيد في احتجاجه على عدم دلالة الصحبة على فضل الصحابي:
(فإنّ اسم الصحبة يُطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم لقول الله ﷿ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِه﴾ أنهم سمّوا الحمار صاحبًا فقالوا:
إنّ الحمار مع الحمار مطيّة فإذا خلوت به فبئس الصاحب.
وأيضًا فقد سموا الجماد مع الحي صاحبًا فقالوا ذلك في السيف وقالوا:
زرت هندًا وذاك غير اختيار * ومعي صاحب كتوم اللسان (يعني السيف)
فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل والبهيمة وبين الحيوان والجماد فأي حجة لصاحبك فيه؟) (١)، فصحبتهم لرسول الله عند المفيد لا شرف لها ولا مقدار، فكما أنّ الكافر يصاحب المؤمن والعاقل يصاحب البهيمة، والحيوان يصاحب الجماد فكذلك حال الصحابة مع خير البشر محمد ﵌!
_________________
(١) بحار الأنوار ٢٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠
[ ٤٣٥ ]
ولو سألت عاقلًا ما فضيلة الحجر الأسود لذكر لك من تلك الفضائل أنّ رسول الله ﵌ قد وضعه بيديه الشريفتين، وأنه ﵌ قد قبّله بفمه الطاهر، فيكفيه ذاك شرفًا.
وما قيمة الثوب الذي لبسه رسول الله أو النعل الذي انتعله؟ لقال لك يكفيهما شرفًا أن مسا جسد رسول الله ﵌.
فكيف بمن صحبه وجالسه وصلى خلفه وربما عانقه يومًا أو دافع عنه بنفسه وأهله وماله؟ هؤلاء عند المفيد وأمثاله بلا قيمة ولا شرف! بل صحبتهم لرسول الله وصحبة البهيمة للعاقل سواء!
إنّ فضيلة صحبة النبي ﵌ معلومة، لا يكاد يرتاب فيها وفي فضلها إلا من في قلبه مرض.
فمن الأدلة الصحيحة الصريحة على شرف هذه الصحبة ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أنّ النبي ﵌ قال: (يأتي على الناس زمان، يغزو فئام من الناس فيُقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﵌؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﵌؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيُقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﵌؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم) (١).
وقد ذكر الشيخ الطوسي في "الأمالي" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أخبر رسول الله ﵌ عليًا بما يلقى بعده فبكى (ع)، وقال: يا رسول الله
_________________
(١) رواه مسلم-كتاب فضائل الصحابة- باب (فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ) - حديث رقم (٢٥٣٢).
[ ٤٣٦ ]
أسألك بحقي عليك وقرابتي منك، وحق صحبتي إياك، لما دعوت الله (﷿) أن يقبضني إليه ) (١).
فهذا هو الإمام علي - كما تنص على ذلك هذه الرواية الشيعية - يسأل الرسول ﵌ بحق هذه الصحبة إلا دعا له، والمتعصبة الذين يدّعون التشيع لهذا الإمام الجليل يقللون من شأن هذه الصحبة ولا يعرفون لها قدرها ومنزلتها.
والمرء ليعجب من هؤلاء المتعصبة الذين يرددون دومًا وفي كل حين عبارة (يا ليتنا كنا معكم)، وهم يرجون من كل قلوبهم لو أنهم صحبوا الحسين ﵇ في ذهابه للعراق فنصروه وذبوا عنه، فيرى أحدهم في صحبته للحسين ابن رسول الله الشرف والقيمة، في حين يقف عند صحابة محمد ﵌ وهو خير الخلق والنبي الخاتم الذي أُرسل للناس كافة، وتمالأت عليه قوى الكفر فنصره هؤلاء وضحوا بدمائهم وأهليهم ووقفوا معه في أحلك الظروف، فيجعل هذا المتعصب صحبة هؤلاء لرسولنا الكريم كصحبة البهيمة للعاقل!
وقاحة ما بعدها وقاحة.
هذه قيمة صحبة رسول الله وهذه هي فضيلتها عند الغلاة الجفاة فإلى الله المشتكى .. ولا حول ولا قوة إلا بالله
_________________
(١) الأمالي للطوسي ص٥٠١ - ٥٠٢ (المجلس الثامن عشر) - حديث رقم (١٠٩٨).
[ ٤٣٧ ]