عندما نتكلم عن مفهوم (العدالة) في حق صحابة النبي ﵌ فإننا أمام نوعين من العدالة، لا بد من تأملهما جيدًا.
النوع الأول: عدالة الرواية، والثاني: عدالة السيرة.
فأما النوع الأول وهو (عدالة الرواية) فهو المعني عند أهل السنة والجماعة بمصطلح (عدالة الصحابة) لا غيره، وفي هذا يقول اللكنوي ﵀: (وقد تُطلق العدالة على التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، وهذا المعنى هو مراد المحدّثين من قولهم: الصحابة عدول.
فقد قال السخاوي في "فتح المغيث": قال ابن الأنباري: ليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلّف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك. انتهى.
وقال العلامة الدهلوي مؤلف "التحفة الإثنا عشرية" وغيرها: في بعض إفاداته: إنّ ما تقرر في عقائد أهل السنة أنّ الصحابة كلهم عدول قد تكرر ذكره غير مرة، ووقع في البحث والتفتيش عن معناه حضرة الوالد المرحوم (١) فتنقّح بعد البحث أنّ المراد بالعدالة في هذه الجملة ليس معناها المتعارف بل المراد العدالة في رواية الحديث لا غير، وحقيقتها التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها، ولقد تتبعنا سيرة الصحابة كلهم حتى من دخل
_________________
(١) ولي الله الدهلوي مؤلف كتاب (حجة الله البالغة).
[ ٤٧٥ ]
منهم في الفتنة والمشاجرات، فوجدناهم يعتقدون الكذب على النبي ﵌ أشد الذنوب، ويحترزون عنه غاية الاحتراز كما لا يخفى على أهل السير) (١).
قال العلامة المعلمي في رسالته "الاستبصار في نقد الأخبار ص١٦": (وقد كان العرب يتحاشون من الكذب، وتأكد ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم وإن رق دينه لا يبلغ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أنّ أصحاب رسول الله ﵌ متوافرون، وأنه إن اجترأ أحد على الكذب افتُضح.
ولو قال قائل: إنّ الله ﵎ منع القوم من تعمد الكذب على نبيه ﵌ بمقتضى ضمانه بحفظ دينه ولا سيما مع إخباره بعدالتهم لما أبعد.
ومن تدبر الأحاديث المروية عمن يمكن أن يُتكلم فيه من الطلقاء ونحوهم ظهر له صدق القوم، فإنّ المروي عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثًا يصح عن أحد منهم إلا وقد صح بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين والأنصار، وقد كانت بين القوم إحن بعد النبي ﵌ فلو استساغ أحد منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذم خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحًا صريحًا.
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدعوا عصمة القوم، بل غاية ما ادعوه أنه ثبت لهم أصل العدالة ثم لم يثبت ما يزيلها، والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حق بعضهم ما يزيل العدالة فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح وأنّ ما صح منها لا يقتضي زوال العدالة استتب الأمر.
_________________
(١) ظفر الأماني في مختصر الجرجاني للكنوي ص٥٠٦ - ٥٠٧.
[ ٤٧٦ ]
فأما من ثبتت شهادة النبي ﵌ له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أولًا وآخرًا، والله الموفق).
أقول: ولهذا النوع من العدالة شاهد من كلام أهل البيت في كتب الشيعة الإثني عشرية يتجاهله المتجاسرون على الصحابة عن قصد أو جهل لما فيه من الدلالة على ما ذكرناه.
فقد روى الكليني في الكافي عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجبيه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان، قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله ﵌ صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول الله ﵌ فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضًا) (١).
فهذه شهادة صريحة تنقلها كتب الإمامية عن الإمام جعفر الصادق، ينص فيها على صدق الصحابة ﵃ وانتفاء الكذب عنهم، فمن ادّعى الانتساب إلى مذهب هذا الإمام فلا بد له أن يُذعن لشهادته هذه وإلا كانت دعواه الانتساب لمذهبه كذبًا محضًا.
والحقيقة أنه لم ينقل عن الإمام جعفر الصادق – في كتب الإمامية- في الشهادة بعدالة الصحابة هذه الرواية فحسب، فمن الروايات الحاكمة بعدالة صحابة النبي ﵌ أيضًا ما رواه ابن بابويه القمي عن إلإمام جعفر الصادق أنه قال: خطب رسول الله ﵌ الناس بمنى في حجة الوداع في مسجد الخيف فحمد الله وأثنى
_________________
(١) الكافي- كتاب فضل العلم - (باب اختلاف الحديث) – حديث رقم (٣).
[ ٤٧٧ ]
عليه، ثم قال: نضّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلّغها إلى من لم يسمعها فرُبّ حامل فقه غير فقيه وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم. المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم (١).
فإن لم يكن الصحابة عدولًا، فكيف يأتمنهم رسول الله ﵌ على تبليغ كلامه إلى من لم يسمعه؟!
إنّ الشهادة لا يصلح لها إلا العدل، وإنّ النبي ﵌ قد شهد لصحابته بهذا النص بأنهم أهل للنقل عنه دون قيد أو شرط.
هذا ما يخص (عدالة الرواية)، وبقي الحديث عن النوع الثاني من العدالة وهو (عدالة السيرة) (٢) فإنه يتطلب منا بعض الوقفات الهامة التي من شأنها أن توصل القارئ الكريم إلى حقيقة الأمر.
_________________
(١) الخصال ص١٤٩ - ١٥٠ (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم) حديث رقم (١٨٢).
(٢) إنّ أعدل الأقوال في تعريف العدالة وأنسبها هو القول بأنها (عدم الفسق) وقد سألت العلامة محمد الحسن ولد ددو الشنقيطي عن أصح تعاريف العدالة فأكد لي أنّ أصحها هو ما ذكرته آنفًا. وإليه ذهب الإمام الشافعى حيث يقول: (لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلًا، ولو كان كل مذنب عدلًا لم نجد مجروحًا، ولكن العدل من اجتنب الكبائر؛ وكانت محاسنه أكثر من مساويه) "الروض الباسم فى الذب عن سنة أبى القاسم" لابن الوزير اليمانى ١/ ٢٨ وقريب منه تعريف الشيخ المفيد للعدالة الذي يقول في "المقنعة ص٧٢٥": (العدل من كان معروفًا بالدين والورع عن محارم الله تعالى).
[ ٤٧٨ ]
الوقفة الأولى:
إنّ الإيمان بأصالة عدالة الصحابة بمفهومها الثاني (عدالة السيرة) مرده إلى ثناء الله تعالى ونبيه ﵌ على الصحابة الكرام.
فقد قال الله تعالى فيهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (١).
وقال عز من قائل ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
وقال فيهم أيضًا ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُون﴾ (٣).
وبمثل هذا الثناء العطر جاءت الأحاديث عن النبي ﵌.
_________________
(١) سورة التوبة آية ١٠٠
(٢) سورة الفتح آية ٢٩
(٣) سورة الحجرات آية ٧
[ ٤٧٩ ]
فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة عن أبيه قال: صلينا مع رسول الله ﵌، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا، فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) (١).
وورد الحديث ذاته من طريق الشيعة عن الإمام موسى الكاظم عن آبائه (ع) عن النبي ﵌ قال: (أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهرًا على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني) (٢).
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: سُئل رسول الله ﵌: أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته) (٣).
_________________
(١) رواه مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب (بيان أنّ بقاء النبي ﵌ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة) – حديث رقم (٢٥٣١).
(٢) بحار الأنوار للمجلسي ٢٢/ ٣٠٩ - ٣١٠ عن (نوادر الراوندي ص٢٣).
(٣) رواه البخاري – كتاب الأيمان والنذور – باب (إذا قال: أشهد بالله أو شهدت بالله) – حديث (٦٦٥٨) ورواه مسلم – كتاب فضائل الصحابة – باب (فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) – حديث رقم (٢٥٣٣) واللفظ لمسلم.
[ ٤٨٠ ]
وبسبب ما تضمنته هذه الآيات والأحاديث وغيرها من الثناء على صحابة رسول الله ﵌ مطلقًا، تظافرت الروايات عن أئمة أهل البيت في الثناء على الصحابة بما هم أهل له.
فهذا الإمام علي بن أبي طالب يذكر الصحابة فيثني عليهم قائلًا: «لقد رأيت أصحاب محمد ﵌ فما أرى أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأنّ بين أعينهم ركب المعزى (١) من طول سجودهم، إذا ذُكِر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفًا من العقاب ورجاء للثواب» (٢).
وهذا هو حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن العباس ﵁ يقول عن صحابة رسول الله ﵌: (إنّ الله – جل ثناؤه وتقدست أسماؤه – خصّ نبيه محمدًا ﵌ بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) قاموا بمعالم الدين وناصحوا
_________________
(١) جمع ركبة موصل الساق من الرجل بالفخذ. وإنما خص ركب المعزى ليبوستها واضطرابها من كثرة الحركة، أي أنهم لطول سجودهم يطول سهودهم، وكأنّ بين أعينهم جسم خشن يدور فيها فيمنعهم عن النوم والاستراحة.
(٢) نهج البلاغة ص١٨٩ - خطبة رقم (٩٧).
(٣) سورة الفتح آية ٢٩
[ ٤٨١ ]
الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العلياء وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها) (١).
فهذه الصفات التي وصفهم بها عبد الله بن عباس ﵁ كلها مناقب وثناء حسن يذكرون به في الآخرين وقد كانوا ﵃ كما وصفهم، فقد خصهم الله تعالى وشرفهم بصحبة نبيه ﵊، وآثروه بأموالهم وأنفسهم، وأقاموا معالم الدين الإسلامي الحنيف، ونصحوا للأمة واجتهدوا في نشر الإسلام وتثبيت دعائمه حتى استقر في الأرض وأذل الله بهم الشرك وأهله وأزيلت رؤوسه، ومحيت دعائمه وأعلى الله بهم كلمته ودحر بهم كلمة الباطل، وبذلك كانت نفوسهم زكية وأرواحهم طاهرة فكانوا أولياءَ لله في هذه الحياة الدنيا فرضوان الله عليهم أجمعين.
أما الإمام علي بن الحسين فكان يذكر أصحاب رسول الله ﵌ ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلى خلقه فيقول: (فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان، اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا
_________________
(١) مروج الذهب ومعادن الجوهر ٣/ ٧٥
[ ٤٨٢ ]
بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلى أقله، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلى شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم مكانفين ومؤازرين لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم) (١).
وأما الإمام زيد بن علي بن الحسين، فقد ذكر الإمام (المنصور بالله) عبد الله بن حمزة –وهو من أئمة الزيدية الكبار – في كتاب له اسمه (جواب المسائل التهامية) نظرته للصحابة فقال: (فإنه ﵇ أثنى عليهم على الإجمال وعدّد مزاياهم على غيرهم) ثم قال: (فهم خير الناس على عهد رسول الله ﵌ وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيرًا، ثم قال: فهذا مذهبنا لم نخرجه غلطة ولم نكتم سواه تقية، ومن هو دوننا مكانًا وقدرة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله – سبحانه – من فعله براء، وهذا ما يفضي به علم آبائنا منا إلى علي ﵇) إلى قوله: (وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء سب الصحابة ش والبراء منهم، فيبرأ من محمد ﵌ من حيث لا يعلم وأنشد: وإن كنت لا أرمي وترمي كنانتي تصب جائحات النبل كشحي ومنكبي (٢) (٣)
_________________
(١) الصحيفة الكاملة للإمام زين العابدين ص٣٩ وأعيان الشيعة ١/ ٦٤٥
(٢) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، والمنكب: العضو الرابط بين كتف الإنسان ويده.
(٣) الرياض المستطابة ص٣٠٠
[ ٤٨٣ ]
وأما الإمام جعفر الصادق فقد نقل عنه ابن بابويه القمي أنه وصف أصحاب رسول الله ﵌ يومًا فقال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اثني عشر ألفًا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم يُر فيهم قدريّ ولا مرجي ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير) (١).
فإذا لم يكن في الصحابة مرجيء ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، فكيف يكون فيهم من هو أشد من هذا وذاك (المنافق!) كما يدّعي المتطرفون؟!
إنّ ما يحكيه الإمام الصادق في هذه الرواية هو عين التزكية القرآنية التي جاءت لتمدح صحابة رسول الله ﵌ وتبشرهم برضا الله عليهم وبجنان الخلد، فأين هذا كله من الروايات السقيمة التي تدّعي ارتداد صحابة رسول الله إلا بضعة رجال لا يتجاوزن عدد أصابع اليدين العشرة!
ولهذا كان من الوصايا التي حفظها الإمام الصادق عن آبائه عن الإمام علي قوله: «أوصيكم بأصحاب نبيكم لا تسبوهم، الذين لم يحدثوا بعده حدثًا، ولم يؤووا محدثًا؛ فإنّ رسول الله أوصى بهم الخير» (٢).
أما حفيده الإمام العسكري فموقفه تجاه الصحابة لا يختلف عن موقف سائر أهل البيت فهو القائل: «لما بعث الله تعالى موسى بن عمران واصطفاه نجيًا، وفلق له البحر، ونجَّى بني إسرائيل، وأعطاه التوراة والألواح رأى مكانه من ربه تعالى، فقال موسى: يا رب، فإن كان
_________________
(١) الخصال ص٦٣٨ - ٦٣٩ (كان أصحاب رسول الله اثني عشر ألف رجل) - حديث رقم (١٥).
(٢) بحار الأنوار ٢٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦
[ ٤٨٤ ]
آل محمد كذلك، فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله تعالى: يا موسى، أما علمت أنّ فضل صحابة محمد على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وكفضل محمد على جميع النبيين، فقال موسى: يا رب، ليتني كنت أراهم! فأوحى الله إليه: يا موسى، إنك لن تراهم، فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات -جنات عدن والفردوس- بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون» (١).
الوقفة الثانية:
إنّ القول بعدالة سيرة الصحابة رضوان الله عليهم لا يعني أنهم معصومون من المعاصي والمخالفات، أو أنهم لا يخطئون ولا يغلطون، بل هم كسائر الناس من بني آدم في الطبائع والنقص البشري.
فقد قال النبي ﵌ كما في صحيح مسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) (٢).
وقال ﵌ أيضًا في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَم﴾ (٣): (إن تغفر اللهم، تغفر جمًّا، وأي عبد لك لا ألمّا) (٤).
_________________
(١) تأويل الآيات ١/ ٤١٨ والمحتضر للحلي ص٢٧٣ - ٢٧٤ وتفسير الإمام العسكري ص٣١ - ٣٢ وبحار الأنوار ١٣/ ٣٤٠ - ٣٤١ و٨٩/ ٢٤٦
(٢) رواه مسلم – كتاب التوبة – باب (سقوط الذنوب بالاستغفار والتوبة) – حديث رقم (٢٧٤٩).
(٣) سورة النجم آية ٣٢
(٤) رواه الترمذي – كتاب تفسير القرآن – باب (ومن سورة والنجم) – حديث رقم (٣٢٨٤).
[ ٤٨٥ ]
والواقع يصدّق ما قلناه في الصحابة ﵃، فإنهم قد صدرت منهم معاصي لا تضر بعدالتهم ومن ورد في حقه منهم ارتكابه لكبيرة من الكبائر فإنه قد ورد عنه أيضًا إتباعها بتوبة صادقة أو بحد دنيوي مكفّر للذنب كالغامدية التي زنت ورجمها رسول الله ﵌، وكالرجل الذي كان يشرب الخمر ويؤتى به إلى رسول الله فأقام عليه الحد مرارًا، والمخزومية التي سرقت، وحاطب بن أبي بلتعة الذي أخبر قريشًا بقدوم النبي ﵌ فاتحًا، وهؤلاء جميعًا تابوا إلى الله ﷿ إما باستغفار وإنابة إلى الله ﷿ أو بإقامة حد دنيوي، والحدود كفارات كما قال ﵌: (ومن أصاب شيئًا من ذلك (أي من الزنا أو السرقة أو قتل النفس بغير حق) فعوقب فهو كفارة له) (١)، ولذلك فالحديث عنهم بسوء أو استغلال هذه المعاصي التي تابوا منها لا في القدح فيهم فحسب بل لنقض عدالة غيرهم هو من الظلم البيّن بل من التجني!
يقول الألوسي – ﵀ – في "الأجوبة العراقية ص ٢٣ - ٢٤": " ليس مرادنا من كون الصحابة – ﵃ – جميعهم عدولًا: أنهم لم يصدر عن واحد منهم مفسَّق أصلًا، ولا ارتكب ذنبًا قط، فإن دون إثبات ذلك خرط القتاد، فقد كانت تصدر منهم الهفوات " إلى أن قال: " ثم إنّ مما تجدر الإشارة إليه، وأن يكون الإنسان على علم منه: هو أنّ الذين قارفوا إثمًا من أصحاب رسول الله – ﷺ – ثم حُدّوا هم قلة نادرة
_________________
(١) نص الحديث كالتالي: (عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﵌ في مجلس، فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه) والحديث في صحيح مسلم – كتاب الحدود – باب الحدود كفارات لأهلها – حديث رقم (١٧٠٩).
[ ٤٨٦ ]
جدًا، لا ينبغي أن يُغَلَّب شأنهم وحالهم على الألوف المؤلفة من الصحابة - ﵃ - الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وحفظهم الله - ﵎ - من المآثم والمعاصي، ما كبُر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا".
وقد صرّح المجلسي في "بحار الأنوار" بما يؤكد كلامنا السابق من أنّ العدالة إذا زالت بارتكاب كبيرة فإنها تعود إلى صاحبها بعد تطبيق الحد الشرعي عليه أو توبته.
يقول المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهرًا، وكذلك من حُدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقُبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك) (١).
وما دامت المسألة كذلك، فلماذا يستمر مسلسل الطعن في عدالة الصحابة ويُعرض هؤلاء الصحابة كمثال للفساق - عياذًا بالله- وقد تاب الله عليهم؟!