(أحبونا حب الإسلام لله ﷿ فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا).
الإمام علي بن الحسين
[ ٤٧ ]
حب أهل البيت ..
كنت مستعدًا لأن أكون شيعيًا منذ الوهلة الأولى، إن كان الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلافًا بين فئة تحب أهل البيت وبين أخرى تبغضهم وتبخسهم حقهم.
كنت مستعدًا لنسيان ثلاثة عقود مضت من عمري واستبدالها بأخرى إن اكتشفت بأني قد أخطأت الطريق والخُطا طوال تلك السنين.
لكن الخلاف الحقيقي بين أهل السنة والشيعة ليس بهذه السطحية.
إنّ علماء الشيعة يدركون أن جُل الأحاديث التي يستدلون بها على مكانة أهل البيت وعلى رفعتهم هي أحاديث سنية ترويها كتب أهل السنة، ويدركون كذلك مدى إكبار أهل السنة لمقام أهل البيت وحفظهم لفضائلهم حتى إنّ الأحاديث النبوية المادحة لهم قد سُجّلت ودوّنت في أصح كتبهم بدءًا من البخاري وانتهاء بأقل كتب الحديث عناية بالإسناد.
ومن يتصفح صحيحي البخاري ومسلم أو جامع الترمذي مثلًا فإنه سيجد حتمًا أبوابًا بعضها في فضائل علي بن أبي طالب والحسن والحسين أو فاطمة أو العباس وابنه عبد الله أو جعفر بن أبي طالب وغيرهم من آل البيت، هذا إلى جانب المصنفات السُنية الكثيرة التي صُنفت في آل البيت خصيصًا كـ"فضائل الحسن والحسين" (١) للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١هـ) و"خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" للحافظ النسائي (٣٠٣هـ) و"ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" للمحب الطبري (٦٩٤هـ) و"استجلاب ارتقاء الغُرف بحب أقرباء الرسول ﷺ وذوي الشرف" للحافظ السخاوي (٩٠٢هـ) و"إحياء الميت
_________________
(١) نسبه إليه تقي الدين ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة ٤/ ١٢٥".
[ ٤٩ ]
في فضائل أهل البيت" لجلال الدين السيوطي (٩١١هـ) و"جواهر العقدين في فضل الشّرفين" لنور الدين الشريف السمهودي (٩١١هـ) وله أيضًا "الجوهر الشّفاف في فضائل الأشراف" و"در السحابة في مناقب القرابة والصحابة" للشوكاني (١٢٥٠هـ) وهناك الكثير والكثير.
ولذلك لم يجد آية الله العظمى الميرزا محمد حسين المامقاني إلا أن يعترف بهذه الحقيقة قائلًا: (وخلاصة القول: أنّ مقصودنا من هذه الخاتمة هو أن يتضح الأمر للجميع، بأنّ أهل السنة والجماعة وإنْ لم يكونوا قائلين بأنّ الإمام أمير المؤمنين ﵇ هو خليفة رسول الله ﵌ - بلا فصل - ولم يعترفوا بالخلافة الظاهرية للعترة الطاهرة، وهم بهاتين الفقرتين يخالفون الشيعة الإثنى عشرية، لكنهم يقرون بولاية الإمام أمير المؤمنين ﵇ المطلقة (١) ويعترفون بجميع فضائل ومناقب الأئمة الأطياب ﵈. وهذا المعنى ملتبسٌ على أغلب الناس ومشتبه عليهم، حيث يظنون بأنّ السنة ينكرون فضائل أئمتنا) (٢)، إذن ما قضية الخلاف والكل يحب أهل البيت ويدعو إلى محبتهم؟!
لقد أدركت من خلال دراستي لأبعاد الخلاف السني الشيعي أنّ هناك قضايا كثيرة طرحتها الشيعة الإثنا عشرية كانت ولا زالت سببًا في ظهور الشُقة بين الطائفة وبين أهل السنة، منها:
_________________
(١) إن كان يريد بولايته المطلقة محبته ونصرته وانعقاد خلافته وإمامته في الدين وأحقيته على محاربيه (في الجمل وصفين) فهذا صحيح قطعًا، وإن كان يريد ما سوى ذلك من الغلو كاعتقاد تحكم أهل البيت في الكون أو حضورهم عند الممات أو تفويض الخلق إليهم فتلك مجازفة.
(٢) علم المحجة ص٢٨٧ تحت عنوان (علماء العامة وقبولهم فضائل أهل البيت).
[ ٥٠ ]
(القول بردة وانقلاب الصحابة على أعقابهم بعد وفاة الرسول ﵊ ولعن الشيخين (أبي بكر وعمر)!
(القول بعصمة الأئمة الإثنى عشر وإدعاء أنهم لا يسهون ولا ينسون!
(القول بأنّ للأئمة الإثنى عشر ولاية تكوينية تخضع لها ذرات الكون!
(القول بأنّ إمامة الأئمة من الله، وأنّ الله نصّبهم على العباد كما نصّب الأنبياء والمرسلين!
(وصف أئمة أهل البيت ببعض الأوصاف التي لا تنبغي إلا لله تعالى!
هذا إلى جانب قضايا عقائدية أخرى أو تاريخية عالقة في التاريخ ساهمت بشكل مباشر في تنافر القلوب وفي إثارة الضغائن بين الفريقين حتى صار أهل السنة والشيعة الإثنا عشرية رفيقي درب ولكن على طريقين لا يلتقيان فيه أبدًا.
فقد باتت الصورة العالقة في أذهان كثير من الشيعة أنهم وحدهم الذين يحبون أهل البيت ويتولونهم وأنّ من ينتسب إلى أهل السنة ناصبي مبغض لأهل البيت أو في أحسن أحواله محب لأعداء أهل البيت!
فإن كنت في شك من ذلك فاقرأ ما قاله العلامة يوسف البحراني (١) في كتابه "الشهاب الثاقب في معنى الناصب"عن أهل السنة حيث يقول: (وبالجملة فالمستفاد من الأخبار أنّ
_________________
(١) يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، ترجم له آية الله جعفر السبحاني في "تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره ص٤٠٣" بقوله: (هو المحدّث الكبير، والفقيه المتبحّر، الجامع بين التوغّل في الحديث والاِحاطة بالفروع. يصفه تلميذه أبو علي الحائري موَلّف "منتهى المقال" بقوله: (عالم فاضل، متبحر ماهر، متتبّع محدّث، ورع عابد، صدوق ديّن، من أجلّة مشايخنا وأفاضل علمائنا المتبحّرين).
[ ٥١ ]
محبتهم ﵈ (١) إنما هي عبارة عن القول بإمامتهم، وجعلهم في مرتبتهم، وأنّ اعتقاد تأخيرهم عن تلك المرتبة وتقديم غيرهم عليهم بغض وعداوة لهم صلوات الله عليهم، فما يدّعيه بعض المخالفين من المحبة أو يدّعيه بعض أصحابنا لهم، دعوى لا دليل لها ولا برهان بل الدليل على خلافها واضح البيان، كما دريته من أمثال هذه الأخبار الحسان) (٢).
ويقول نعمة الله الجزائري (٣) في "الأنوار النعمانية ٢/ ٣٠٧" ما نصه: (ويؤيد هذا المعنى أنّ الأئمة ﵈ وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي على أبي حنيفة وأمثاله مع أنّ أبا حنيفة لم يكن ممن نصب العداوة لأهل البيت ﵈ بل كان له انقطاع إليهم وكان يُظهر لهم التودد).
ولن تجد مغاليًا في الحب يرضى بحب من لم يكن مغاليًا مثله.
ولذا مهما قرأ علماء الشيعة في كتب أهل السنة من ثناء عطر على أهل البيت أو إشادة بموقف أحد منهم فإنّ هذا لن يغير نظرتهم تجاه أهل السنة، طالما أنّ كاتب هذه الكلمات لا
_________________
(١) أي الأئمة الإثنى عشر وهم "علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي الملقب بالباقر وجعفر بن محمد الملقب بالصادق وموسى بن جعفر الملقب بالكاظم وعلي بن موسى الملقب بالرضا ومحمد بن علي الملقب بالجواد وعلي بن محمد الملقب بالهادي والحسن بن علي الملقب بالعسكري ومحمد بن الحسن الملقب بالقائم أو الحجة أو المهدي المنتظر".
(٢) الشهاب الثاقب في معنى الناصب ص١٤٤
(٣) نعمة الله الحسيني الموسوي الجزائري، ترجم له المحقق يوسف البحراني في "لؤلؤة البحرين ص١١": (كان هذا السيد فاضلًا، محدثًا، مدققًا، واسع الدائرة في الاطلاع على أخبار الإمامية وتتبع الآثار المعصومية). وقال عنه الخوانساري في "روضات الجنات ٨/ ١٥٠" فقال: (كان من أعاظم علمائنا المتأخرين وأفاخم فضلائنا المتبحرين، واحد عصره في العربية والأدب والفقه والحديث، وأخذ حظه من المعارف الربانية بحثه الأكيد وكدّه الحثيث).
[ ٥٢ ]
يدين الله بعقيدة الإمامة التي تنادي بها الشيعة، ويضلل من أجلها أبا بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة!